Share |
مارس 2011
29
قاعدة بيانات الرقم القومى «الحاضر الغائب» ودورها بالانتخابات «هامشى ناقص»
المصدر: الأهرام اليومى

ترسم التعديلات الجديدة التى تضمنها مشروع المرسوم الخاص بتعديلات قانون مباشرة الحقوق السياسية دورا لقاعدة بيانات الرقم القومى فى إعداد الجداول الانتخابية، يمكن وصفه بالهامشى والناقص، الذى يجعل منها (الحاضر الغائب)، أو الطرف ذى الوجود الشكلى المنزوع عنه المشاركة الفعلية، مما يجعلنا - من المنظور المعلوماتى - نتحفظ بشدة بل ونرفض التعديلات بصورتها الواردة بمسودة المشروع.
قلت مرارا من قبل أن العملية الانتخابية تقوم فى جوهرها على سلسلة متتالية من مراحل التعامل مع قدر كبير جدا من البيانات والمعلومات، فأسماء الناخبين الذين يبلغون حاليا أكثر من أربعين مليونا، مع هوياتهم ومحال إقامتهم ومواطنهم الانتخابية يشكلون معا فيضا من البيانات والمعلومات التى تتداول وتدار على مستويات متعددة، ولا يمكن السيطرة عليها وإدارتها إلا وفق إطار قانونى وإجرائى ينظم عملية توليدها وجمعها وفهرستها وتجهيزها بالصورة التى تناسب العملية الانتخابية، وتاريخيا كان هذا الإطار محددا فى قانون مباشرة الحقوق السياسية الصادر منذ 1956 وتعديلاته المتتالية ولائحته التنفيذية.
وقد تناولنا بالشرح والتحليل والنقد فى مرات سابقة عديدة ما يكتنف هذا الإطار التشريعى الإجرائى من عيوب تؤثر على سلامة الجداول الانتخابية وعلى الثقة فى نتائج الانتخابات عموما، ولا داع لتكرار ذلك مرة أخرى، والآن بين أيدينا إطار تشريعى معدل هو مشروع المرسوم الخاص بتعديلات قانون مباشرة الحقوق السياسية الذى سيجد طريقه للصدور خلال فترة وجيزة، والمتعين علينا الآن أن ننظر إليه من زاوية تعامله مع البيانات والمعلومات الانتخابية، وهل يقدم جديدا فى هذا الصدد أم لا.
من مراجعة مشروع المرسوم يتضح أن المواد التى ترسم الإطار التشريعى الخاص بالتعامل مع معلومات وبيانات الناخبين يتكون من المادة ‏3‏ مكررا ‏(‏ و‏) الفقرة ثانيا، والمواد 5 و 7 و15 و20 و31، وذلك من واقع ما نشر عن المرسوم الأسبوع الماضى، وإذا ما نظرنا إلى هذه المواد من منظور معلوماتى باعتبارها إطارًا تشريعيًا ينظم عملية توليد وإدارة بيانات الناخبين وإنتاج الجداول الانتخابية سنجد أنها تعكس نوايا طيبة واضحة نحو إدخال الرقم القومى فى العملية الانتخابية، كما تحقق بعض الجوانب الإيجابية على النحو التالى:
- أنها نقلت مركز الثقل الأساسى فى إنتاج وتدوير وتدقيق البيانات الانتخابية من إدارة الانتخابات التابعة لوزارة الداخلية إلى اللجنة العليا للانتخابات، وهى لجنة قضائية خالصة، وهذا تطور يحقق رفعا لمستوى الثقة فى الجداول الانتخابية.
- أنها غيرت من طبيعة المسار الأساسى لتجميع البيانات وتوليد الجداول الانتخابية، فالقانون القديم كان يفرض مسارًا لتجميع البيانات ذا طبيعة رأسية، تجعل البيانات تمضى فى مسار مغلق تقريبا على وزارة الداخلية وإداراتها وهياكلها المختلفة، لكن الإطار الجديد يفتح المجال لمسار ذى قنوات «أفقية عرضية» جديدة مع جهات أخرى معنية بالدولة، بل ويلزمها بالمشاركة فى عملية إنتاج بيانات الجداول، وتبرز فى هذا الصدد قاعدة بيانات الرقم القومى وقلم كتاب المحكمة والنيابة العامة.
- قبلت النصوص الجديدة بقاعدة بيانات الرقم القومى كمصدر تلقائى لبيانات الناخبين التى يتم على أساسها إعداد الجداول الانتخابية، وهذا يعنى عمليا نقل مسئولية التغذية بالبيانات الأولية الخام للجداول من المواطن ـ كما كان منصوصا عليه فى القانون الحالى ـ إلى قاعدة بيانات الرقم القومى، وهو تطور يفتح الباب نحو النخلص من بعض المفاسد المزمنة فى الجداول الانتخابية كتكرارية الأسماء والتسجيل الثنائى والثلاثى للأسماء والأخطاء وعدم الدقة فى التسجيل وغيرها.
- قبلت النصوص المقترحة ببطاقة الرقم القومى كوسيلة وحيدة للتثبت من الهوية أثناء التصويت، وهى مادة جيدة لكونها ألغت البطاقات الانتخابية القديمة المشكوك فى دقتها، كما حسمت الجدل الذى ثار حول اقتراح بطاقات أخرى جديدة او تغيير بطاقة الرقم القومى ليضاف إليها خانة انتخابية، وهو ما يقدم بديلا يوفر النفقات ويستفيد مما أنفق خلال السنوات الماضية على بطاقات الرقم القومى.
فى المقابل ينطوى الإطار التشريعى الذى تحمله المواد سالفة الذكر على أوجه قصور متعددة نعرضها على الوجه التالى:
1- من أهم المطالب التى كان يرجى من التعديلات الجديدة تحقيقها هى الأخذ بمبدأ الفصل بين جهة إنتاج الجداول الانتخابية وجهات استخدامها، وهو المبدأ المحورى المطلوب تحقيقه لتوفير مرجعية ذات ثقة، يتم الرجوع إليها إذا ما ثارت شكوك أو خلافات حول دقة الجداول وسلامتها، لأن قاعدة بيانات الرقم القومى هى الجهة الوحيدة الأكثر فعالية فى جعل البيانات والمعلومات المنتجة والمتداولة فى الجداول دقيقة ومحدثة ومعبرة عن هيئة الناخبين، والأداة الوحيدة التى ستقطع الطريق مستقبلا على أى محاولات سافرة أو مستترة للتلاعب بالجداول الانتخابية.
والأخذ بهذا المبدأ يقتضى وضع مادة فى القانون تمنح قاعدة بيانات الرقم القومى وحدها صلاحية إنتاج الجداول الانتخابية، وتضع مسئولية استخدام هذه الجداول على كل من اللجنة العليا للانتخابات وإدارة الانتخابات بالداخلية أثناء سير العملية الانتخابية.
والتعديلات المقترحة لم تفعل ذلك بصورة حاسمة وواضحة، بل بطريقة غائمة يتداخل فيها دور قاعدة بيانات الرقم القومى مع دور اللجنة العليا للانتخابات فى إنتاج واستخدام الجداول بصورة قد تفتح المجال لخلافات وتفسيرات غير مضمونة العواقب عند التنفيذ العملى والتقنى لهذا الأمر.
يظهر هذا التداخل بوضوح شديد فى كل من الفقرة الثانية من المادة ‏3‏ مكررا‏، والمادة الخامسة فى المرسوم المقترح، اللتان تحملان تضاربًا فى المسئولية من الناحية الفنية والمعلوماتية البحتة، بين دور اللجنة وقاعدة البيانات، وتقديرى أن هذه أكبر نقاط الضعف والقصور فى التعديلات الجديدة، لكونها الحاضنة التى يخرج منها الكثير من نقاط الضعف الأخرى.
- لا توفر التعديلات المقترحة إطارا كاملا يعالج قضية الكود التعريفى المستخدم فى التحقق من هوية الناخب، وإنما تعالجها بصورة جزئية فى المادة 31 التى تحدثت فقط عن «بطاقة الرقم القومى» كأداة وحيدة لإثبات شخصية الناخب، لكنها لم تتحدث عن وجوب استخدام «الرقم القومى» كأداة أو كود يلحق باسم الناخب فى الجدول الانتخابى ليصبح أداة الربط والتعريف بين المواطن الحامل للبطاقة والاسم المسجل فى الجدول، وهذا النقص فى النص يفتح الباب؛ لأن تظهر جداول انتخابية لا ترتبط فيها أسماء المواطنين بأرقامهم القومية، الأمر الذى يشكل - لو حدث - ثغرة خطيرة فى نظام التحقق من الهوية.
- لم تقدم التعديلات المقترحة معالجة كافية للتعامل مع بيانات المواطنين الذين يفقدون فى وقت ما حق التصويت ثم يعود لهم هذا الحق بعد فترة أو العكس، سواء لأسباب تتعلق بأداء والانتهاء من الخدمة العسكرية الإلزامية أو الانضمام لجهة عسكرية، أو بسبب أحكام قضائية معينة أو السفر خارج البلاد أو العودة إليها، فالمواد المقترحة تعالج هذه الأمور بالنسبة لمن صدرت ضدهم أو سقطت عنهم أحكام تؤثر على حقهم فى التصويت، لكنها لا تعالج وضعية البيانات الخاصة بالعسكريين والأمنيين أو من يؤدون الخدمة الإلزامية والمغتربين، وترك هذا الأمر بدون معالجة قانونية يحتمل أن ينجم عنه «فجوة بيانات» بالجداول يتم التلاعب فيها بإضافة أسماء للجدول ليس من حقها التصويت، أو بتغييب أسماء من حقها التصويت، وفى الحالتين سيسبب هذا الأمر إرباكا أثناء التصويت، كما يحمل فى طياته تصويت غير سليم يؤثر على سلامة النتائج ونزاهتها.
- لا تضمن التعديلات المقترحة أن تكون قاعدة بيانات الرقم القومى هى نقطة التجميع الأولية للبيانات والمعلومات الخام الأساسية اللازمة لتحديث وتدقيق الجداول الانتخابية، فالمادة السابعة من المرسوم تطلب من النيابة العامة إبلاغ اللجنة العليا للانتخابات ووزارة الداخلية بالأحكام النهائية التي يترتب عليها الحرمان من مباشرة الحقوق السياسية أو وقفها، والمادة العشرون تنص على قيام قلم كتاب المحكمة إخطار لجنة الانتخابات بالمحافظة ولجان القيد بالأحكام الصادرة بتعديل الجداول.
والمشكلة هنا أن قاعدة الرقم القومى ـ طبقا لنص المادة الخامسة ـ يفترض أنها هى من تمد اللجنة العليا للانتخابات ببيانات الجداول كاملة، سواء بالنسبة للناخبين الجدد أو من تغيرت حالتهم التصويتية، وهذا معناه أن هناك عدم وضوح وتضارب بين المواد الثلاث تجاه هذه القضية، وعلاج هذا الأمر يكون بالنص صراحة وبدقة على توجيه جميع البيانات والمعلومات ذات التأثير على الجدول الانتخابى من كل الجهات إلى قاعدة بيانات الرقم القومى مباشرة، سواء كان مصدرها المحاكم أو النيابة العامة أو غيرها، لتخرج الجداول من قاعدة الرقم القومى تامة التحديث والتدقيق والتنقية وتسلم للجنة العليا للانتخابات فى صورة جاهزة للاستخدام.
وهذا التعديل يتوافق مع الإمكانات والخبرات التقنية والفنية والبنية التحتية والكوادر البشرية المؤهلة الموجودة فى قاعدة بيانات الرقم القومى، لكنه لا يتوافق مطلقا مع الإمكانات الفنية والتقنية لدى اللجنة العليا للانتخابات، سواء المتاحة لها أو المتوقع أن تتوفر لها مستقبلا.
- على الرغم من أن التعديلات تبنت مسارًا أفقيًا مفتوحًا، كسر احتكار الداخلية لإنتاج وتداول البيانات الانتخابية، فإن نصوص التعديلات لم تشتمل على كل الجهات المعنية بالدولة، إذ لم تذكر صراحة وزارة الصحة التى يتعين أن تمد الجدول بالوفيات، والداخلية والدفاع والأمن القومى لتحديد العسكريين والأمنيين الذين يتعين حذفهم أو إضافتهم للجدول قبيل التصويت، وكذلك الخارجية والهجرة لمتابعة أوضاع المصريين بالخارج، وتقديم بيانات حديثه عنهم تستخدم فى تحديث الجداول وتدقيقها، وهذا ينسف تكاملية الجداول وتحديثاتها نسفا، ويجعلها غير معبرة بصدق عن هيئة الناخبين، لأن المسافرين والمهاجرين والعسكريين والأمنيين يشكلون معا ما لا يقل عن عشرة ملايين مواطن، وحينما لا تعالج النصوص القانونية وضعية هذه الفئات داخل الجداول الانتخابية فنحن بصدد خلل بدرجة أو بأخرى فى حوالى 25% من بيانات الجداول الانتخابية.
- يرتب الجزء الأول من المادة الخامسة أوضاعا تتناقض على الصعيد العملى تماما مع ما يطلبه الجزء الثانى من المادة ذاتها، فالجزء الأول يطلب إنشاء جداول من واقع بيانات الرقم القومى، وهذا معناه عمليا وتقنيا ربط قاعدة البيانات الانتخابية التى ستنشأ بها الجداول بقاعدة بيانات الرقم القومى، وهذا الربط يسقط عامل الزمن فيما يتعلق بتحديث قاعدة الانتخابات تبعا لما يطرأ على الرقم القومى، ويجعل التحديث والإضافة يتم لحظيا وفى «اللاوقت»، طبقا لمفاهيم المعلومات، فى حين أن الجزء الثانى من المادة نفسها يتحدث عن الفترة من يناير إلى أبريل كل عام كتوقيت للتحديث والإضافة، وهنا يبدو الأمر أشبه بمن يجمع بين إبل الصحراء والصواريخ النفاثة فى مكان واحد ويطلب منهما السير معا، فكيف يستقيم أن نجعل أمرا يمكن إنجازه فى اللاوقت بصورة سلسلة سريعة مستمرة، يحدث مرة واحدة كل ثلاثة أشهر من العام؟
هذا فى مجملة ما يدفعنا إلى القول بأن الإطار التشريعى المقترح فى المرسوم يحول قاعدة بيانات الرقم القومى إلى وضعية «الحاضر الغائب» فى العملية الانتخابية، ويمنحها دورا هامشيا ثانويا غير مؤثر، ويتعامل معها بصورة «قشرية» تعطى انطباعا بحل مشكلة الجداول دون أن تحلها فعليا، ولذلك نأمل أن تتم مراجعة هذه المواد مرة أخرى، والمزاوجة بينها وبين النقاط التى سبق صياغتها فى صورة تسع مواد قانونية تضمنها مشروع قانون مباشرة الحقوق السياسية الذى أعدته مجموعة من السياسيين والقانونيين والبرلمانيين ومنظمات المجتمع المدنى، وتم تقديمه لمجلس الشعب بواسطة مائة نائب. وقمنا الأسبوع قبل الماضى بنشرها بالتفصيل فى هذه الصفحة لمن يهمه الأمر.