Share |
ابريل 2011
8
«صاحب حكاوى القهاوى»: يحيى تادرس يكشف سر ميدان التحرير
المصدر: الأهرام اليومى
بقلم:   سهير حلمى

يحيى تادرس

خشيت من فتنة جلساته. فالمعد الشهير والسيناريست يحيى تادرس فى جعبته آلاف القصص والحكايات التى التقطها بحاسته الرادارية وعينيه اللتين تلتهمان مصر واحياءها الشعبية التى تدخر كل ما تبقى من الأصالة. يهوى النبش فى مروج الفطرة النقية. محاولا استنطاق الجمال وتسجيله، قبل أن يذوى تحت وطأة السنين سواء كان بشرا أو حجرا، فالشتات يجمعه خيط واحد من الإنسانية التى ترقى للعالمية. برامجه التليفزيونية مدرسة فى التلقائية. ويعد برنامجه الشهير «حكاوى القهاوى» طقسا من طقوس رمضان فى بعض العهود فهو كتاب. «وصف مصر» تليفزيونيا لما حواه من وصف تفصيلى للحياة الاجتماعية ولأماكن وأشخاص أصبحوا نسيا منسيا. كنوز نتمنى المحافظة عليها وإعادة عرضها. ففى طياتها أحاديث الأجداد الذين عاصروا الإنجليز وثقافتهم التى تحترم اللقب قبل حامله، وتاريخ بعض العادات التى تواردت إلينا منذ عهد المماليك مرورا بنماذج من العصاميين بأسمائهم البسيطة يحتسون الشاى مع الذكريات فى حديث مسهب يأخذهم فى سكة المبالغة والتهويل، مرورا بالرواد الأوائل فى كل المجالات والملهَمِين الذين لديهم من الأضواء ما يكفى لإنارة أعماقهم وهم بعيدون فى الظل. مرورا بالعارفين بأسرار العزائم والقدرات الخارقة. سحر لا يدانى من الحكى وأفلام تسجيلية عديدة أشهرها «رحلة العائلة المقدسة» فى مصر، و«حارة نجيب محفوظ» وعالمه الذى جسده تادرس بامتياز ونال رضا أديب نوبل. وحياة الرهبان بكل ما يكتنفها من زهد وتقشف حيث لا يستطيع الانسان بحق أن يخدم سيدين. وأخيرا ملحمية ثورة 25 يناير التى ستكون آخر أعماله إبداع تجرد له صاحبه دفعه للغرق فى لجة المغامرة والبحث، وقصة حياة تستدعى عبارة جوجول «القدم لا الرأس هى التى تستحق أن نرفعها على الوسادة». كناية عن إعلاء قيمة السعى ومقت الكسل.
- برامجك تثير الفضول لمعرفة سر ارتباطك بدروب مصر العتيقة ومبانيها التى تفوح منها الرطوبة فى الأحياء الشعبية حيث البشر على سجيتهم النقية. هل نشأتك كانت تنبئ بذلك؟
- البيئة لها أثر بالطبع فى إيقاظ الموهبة وتفتحها فى بعض الأحيان وقد ولد الحلم معى فى بنى سويف فكنت أبنا لموظف فى السكة الحديد ضمن سبعة صبيان وأخت واحدة. أشعلت وجدانى بالحكايات والقصص والعوالم المسحورة. الأمر الذى دفعنى للقراءة بنهم وغزارة ولم أكن أتجاوز المرحلة الثانوية حين كنت أتحاور مع أساتذة التاريخ عن الثورة الفرنسية والكسندر دوماس وروايات جورجى زيدان وقرأت عن القنبلة الذرية لاينشتاين وأنا فى الصف الثانى الثانوى وغالبا ما كان يتم طردى خارج الفصل. فكنت أرحب بهذه العزلة وأحرص على ألا تضيع هباء فكنت أذهب لجزيرة فى بنى سويف واقرأ المزيد ولم أكن اعبأ بكراهية المدرسين ولا استسيغ المواد الجافة وحصلت على الثانوية العامة بمجموع 50% ثم انتقلنا إلى القاهرة والتحقت بكلية الآداب - قسم علم نفس - والتى تخرجت فيها عام 1963 وأيقنت أن المعرفة هى سلاحى الوحيد لكى تطول قامتى ويلحظنى أحد فى هذه المدينة العملاقة ثم جاءت فترة الاعتماد على الذات والجوع فكانت التجربة الشخصية جامعة أخرى انتسبت إليها ثم عبق المكان الذى ساقتنى إليه الأقدار على أثر خلاف بينى وبين الأسرة.
- يبدو أنك ثوري متمرد. تفضل الوحدة وتسبح ضد التيار هل التمرد من وجهك نظرك قرين الإبداع؟
نعم فى معظم الأحوال فالإبداع خروج على المألوف وتمرد على قوالب الآخرين. فشاءت الظروف أن استقر وحدى فى منطقة قريبة من شارع محمد على أثناء فترة الدراسة الجامعية واضطررت للعمل فتعلمت الادخار واشتريت سريراً بدلا من النوم على الحصيرة وأصبح الكتاب أهم من الساندوتش إذا كان هناك مفاضلة فى تلك الفترة تبلورت جوانب عديدة فى شخصيتى نتيجة لأن أهالى هذا الشارع الملهم كانوا يلجأون إليّ لكى اكتب لهم الخطابات ومن خلال الحكى تعرفت على مشاكل حياتية فى غاية الغرابة وكانوا بدورهم يكنون لى كل تقدير لذلك عقدت العزم على أن يصبح هؤلاء البسطاء هم أبطالى عندما بدأت العمل فى التليفزيون.
- هل ساهمت دراستك لعلم النفس فى فك شفرتهم فأنا اذكر جيدا كيف كان أبطال حلقات حكاوى القهاوى ينطلقون فى حكاياتهم بطلاقة لافتة؟
- أجاب بجزم: لا قطعا كلمة علم تعنى معمل والإنسان لا يوضع فى معمل لكنى أؤمن (بالحدس) وهو لا يخطئ ومن خلاله كنت أشعر مع من احاورهم بالتقارب أو التباعد وفى معظم الأحيان يكون حدس سليما فالعينان لا تكذبان وحركات اليدين تكشف عن العصبية حين يحاولون اخفاء بعض الحقائق وأود أن أوضح أن شارع محمد على لا تقتصر شهرته على العوالم والراقصات ولكنه شهد أحداثاً أخرى كثيرة وأعكف الآن على عمل مسلسل عن تاريخ هذا الشارع الذى يوجد شبيه له فى معظم مدن مصر مثل «درب صيام» بالمنصورة والبياضة بالإسكندرية فالبشر فى هذه الأحياء واضحون تماماً غلابة نفسيا وماديا بمجرد أن يبدأوا الحكى مثل الآلاتية حتى تسمعى حكايات أغرب من الخيال وحين يشعرون بقدر من الاهتمام ينظرون فى الفضاء وتحمل عباراتهم قدرا كبيرا من المبالغة واكتشف قدرتهم على التأليف بالرغم من ذلك فهذه الحكايات بمثابة سجل متكامل لتفاصيل الحياة الاجتماعية فى مصر وقد سجلت 60 حلقة فى التليفزيون عن الأفراح وكلمة فرح تعنى مجتمع أى اقتصاد وعادات وتقاليد وتاريخ.
- يقال إن العين فى المدن الكبرى تصبح عضوا لا حاسة نتيجة للسلبيات المحيطة التى نألفها ولكن حين تستيقظ العين لتكون حاسة مرة أخرى لابد أن يكون المشهد لافتا فكيف نجحت فى أن يكون لديك جديد دائما تحت الشمس؟
- كنت أجوب القاهرة واقتحم دوربها الضيقة وحواريها وأصاب بالدهشة الفلسفية التى تبحث عما وراء الأشياء تتبعها الحاسة الصحفية وقد يستوقفنى مظهر أحد الأشخاص وأدردش معه ليكشف لى فى النهاية عن سرداب جديد من البشر من أصحاب الحرف والمهن المندثرة وقد تمرست كثيرا على اقتناص ملامح الوجه والسمات الشخصية شأن الفنان التشكيلى وتراكمت الخبرة بمرور الأيام وأصبحت أكثر رهافة وأحساسا بالأماكن والبشر وأذكر أننى أثناء تجوالى فى مدينة الطور فى سيناء علمت بالصدفة أن هناك شخصا يعيش فى أحد كهوف الجبال المحيطة بمدينة الطور يطلقون عليه الشيخ عطوة فاصطحبنى أحد أبناء الطور وذهبنا إليه فى طرق مظلمة واكتشفت شخصية غريبة لازالت عالقة فى ذاكرتى فطوله لا يتعدى ثلاثين سنتيمترا. وجدته شديد المرح متفائلا متصالحا مع نفسه إلى أبعد حد لديه رصيد روحانى ضخم يجتر منه دون أن ينضب وكان خاله هو الذى يحمله وراعاه منذ طفولته وسألته سامية الأتربى فى حكاوى القهاوى ما هى أمنياتك يا شيخ عطوة فقال: أن خاله مطلوب للخدمة العسكرية وإذا تركه فلن يجد من يرعاه فاتصلت بالمشير أبوغزالة وكان اسم البرنامج يسبقنى واعفاه المشير بالفعل وانهالت عليه التبرعات. مرة أخرى أرشدنى أحد الأشخاص لشخصية عجيبة تعيش فى «سبك الضحاك» بالمنوفية مظهره عادى لكنه رجل ذو قدرات خارقة جداً يستطيع أن يبتلع البطاريات الجافة ويشرب البنزين ولو ضربه أحد بالسكين ينكسر ويظل هو سليما معافا وذهبت إلى القرية أنا وفريق العمل وسامية الأتربى وتم استدعاؤه من خلال مآذن القرية وقيل له التليفزيون يريد أن يسجل حكايتك التى رواها كاملة وحكى أنه كان يحب شقيقته الكبرى وحين توفيت أصر أن يبيت معها فى القبر ليلة واحدة وبعد خروجه شعر أنه أصبح غير عادى واستعرض قدراته أمام الكاميرا فضرب نفسه بالسكين ولم يحدث له شيئا فقمنا بشراء السكين لنتأكد ولم يصب بأى شئ وآكل أمامنا فخذة ضانى نية ونام على الأرض ومر من فوقه وبور زراعى حمولة 10 أفراد دون أن يطلق آه واحدة وأذيعت الحلقة فى مصر وأحدثت دويا وطلبتها اليابان ثم أصبحت الأب الشرعى لشخصيات شاذة لم نملك حيالها تفسيرا.
- تحظى برامج الخرافات والقدرات الخارقة الآن فى الفضائيات بنسبة مشاهدة عالية بالرغم من الهجوم عليها فما هو السبب من وجهة نظرك؟
- بين العلم والخرافة منطقة رمادية والإيحاء يكون له دور كبير فى استقطاب البعض وكانت سامية الأتربى رحمها الله بالرغم من ثقافتها تؤمن بالقدرات الخارقة وتستهويها وقد عملت حلقات عديدة فى هذا المجال. وخضت فى كل ما يتنافى مع العقل فى برنامج كاميرا (9) مع أمانى ناشد ليس بهدف اثباتها ولكن كشفها فكان يتنامى إلى علمى وجود أحد الشخصيات الغريبة الأطوار فأحرص على مشاهدته وفى حياتى قصص عديدة ففى أحدى المرات فى ستوديو (6) على الهواء مباشرة قام أحد أصحاب هذه القدرات بكتابة ورقة صغيرة أمام الكاميرا وطلب من أمانى ناشد أن تغلق يدها عليها بشدة فبدأت تشعر بالحرارة تزداد فى يدها ففتحتها وكانت الورقة تحترق ثم طلب منها أن تفتح شنطة يدها فوجدت فيها الورقة الأصلية كل ذلك على الهواء وأمام الناس وإلى يومنا هذا لا أملك تفسيرا لما شاهدت ولكن فى احدى المرات اضطررت للمبيت فى منزل مهجور فى شبرا كان يسمى بيت الأشباح وأخذت قرصين منومين تحسبا لأى عفاريت قد تضرنى لكننى نمت بعمق وفى إحدى المرات أدعت سيدة قدرتها على قراءة الفنجان وكانت شهرتها مدوية فى الوسط الفنى لكننى تعمدت أنا وسامية تبديل الفناجين خلسة فظهر كذبها وإدعاؤها وأذكر راهب الحوامدية الذى ذهبت إليه مع سعاد حسنى وطلب منها شراء بيض من محل البقالة بجوار منزله البسيط ثم جلسنا على الحصيرة ووضعت سعاد البيض أمامه فتدحرج البيض تلقائيا بعد أن قامت بوشوشته وتحرك باتجاه سعاد ثم وقع ثلاث مرات وأخبرها مسبقا أن وقوع البيض يعنى فشلها الفنى وبالفعل لم تنجح أخر أعمال سعاد بما يتفق مع مكانتها الفنية. وقصة مشابهة مع نفس الراهب بطلها يوسف إدريس رفض حكاية البيض وقال للراهب علاقة (بالاكتوبلازم) وعبارات علمية فخيمة لم أفهمها فوضع الراهب مسبحة خشبية وحدث ما حدث مع سعاد وغضب السادات على يوسف إدريس وخرج رحمه الله مندهشا مرتبكا لكننى أؤمن بكذب المنجمين ولو صدقوا أيضا.
- كيف بدأت فكرة حكاوى القهاوى أشهر برامجك الذى استمر 13 عاماً ونجح فى إحداث ثغرة فى برامج ماسبيرو التقليدية فى الأستوديوهات؟
- بعد انتهائى من الدراسة الجامعية التحقت بمعهد السينما قسم سيناريو وتعرفت على خليل شوقى المخرج زوج المرحومة أمانى ناشد وبدأنا معاً فى برنامج (كاميرا 9) وقررت أن يكون إنسانيا وفاجأتها ليلة رأس السنة بالتصوير فى قسم الوايلى لرصد الحوادث والشجارات التى تحدث فى هذه الليلة وليس فى فندق من خلال حفل استعراضى كالمعتاد لقد تزامنت بداية مسيرتى المهنية فى أوائل الستينيات عقب تخرجى فى الجامعة مع نشأة التليفزيون تقريبا وكان مليئاً بالكبار ولكنى اقتحمت عالمهم فى أواخر الستينيات فالمعدون الأوائل للبرامج آنذاك كانوا صفوة الكتاب والمفكرين أنيس منصور ومفيد فوزى ورؤوف توفيق ولكنى عاهدت نفسى أن يكون لى مذاق خاص ومسار مختلف وقررت ألا استضيف الممثلين والنجوم إلا إذا كانت هناك لحظة مرتبطة بهذا النجم ولم يفطن لها أحد ففريد شوقى على سبيل المثال ضرب نفسه بالقلم بعد طلاقه من هدى سلطان مواقف استثنائية جدا ولم يكن الأمر هينا وتعرفت على سامية الأتربى وحجبت عنها فى البداية طبيعة البرنامج الأصلية وأخبرت رئيسة التليفزيون سهير الأتربى أننا سنقوم بالتصوير فى قهوة قتشتمر بالظاهر والتى كان يجلس عليها نجيب محفوظ فى بعض فترات حياته على أن نقوم بالتسجيل مع الفنانين أو الوزراء كما كان معتادا آنذاك وقمت بتسجيل مقدمات عشر حلقات كجزء من خدعتى لها ولكنها ألحت فى السؤال عن مصير الفنانين فصارحتها وقلت لها لقد وصلنا إلى الخط الفاصل أنا رجل أعشق الشارع ولا أحب إلا الناس البسطاء فإذا كان يروق لك ذلك وتريدين أن تفقدى عقلك وتسيرى فى سكة الجنان فعلى الرحب والسعة وإلا هذا فراق مؤقت بيننا فوافقت على الفور وأنا أشعر بالامتنان لها لثقتها، ثم جلست - رحمها الله - تسمعنى بكل شغف ولم ندع محافظة فى مصر لم نذهب إليها من شمالها إلى جنوبها فقدمت حلقات عن أصحاب الحرف والمهن التى تعتمد على الكلام (الكلمنجي) وعن الملحنين والفنانين الشعبيين المغمورين وأصحاب الحرف الغريبة والقديمة والمهمشة فقدمت أول حلقات عن مؤرخ الترام وشيخ الرياضيين عبد الكريم صقر وأول طبيبة مصرية وتدعى هيلانة سيدراوس وقصر السكاكينى باشا واتفقت مع سامية أنه ليس ضروريا أن يتم التصوير فى قهوة اتساقا مع اسم البرنامج وقررنا أن تكون مصر كلها قهوة فنحضر ترابيزة وكراسى خيزران وبراد الشاى واستخدمت موهبتى الزجلية فى وضع مقدمات للبرامج والحمد لله أصبحت برامجى مدرسة فى التلقائية لها مريدون ساروا على نهجها فيما بعد.
- الا تشعر ببعض الحساسية حين يطلق عليك معد بعد أن امتزجت هذه الكلمة بالسطحية والنقل الحرفى عن الآخرين؟
- بالقطع فالأمر تغير كثيرا فى السنوات الأخيرة فكلمة اعداد كانت تتضمن أبعاداً عديدة اختفت كلها الآن فأنا كنت أتدخل فى الإعداد بما تعنيه هذه الكلمة من معان بدءا من اسم البرنامج وطريقة كتابة التتر وأسلوب المذيعة واختيار الموسيقى بالتعاون مع المخرج ومقدمة البرنامج وبذلك كنت أعيد الصياغة - إذا جاز التعبير - للأجواء والشخصيات فكنت أقدم برنامج «كانت أيام» الذى يتحدث عن الآثار الإسلامية لمدة ثمانى سنوات وكان يستنطق الحجر لكن الآن معظم المعدين يستخدمون الإنترنت ومعلوماته قشور والنت مثلما أرسى ثقافة جديدة فقد ألغى بدوره ثقافة التقصى والبحث الميدانى إلى حد بعيد فى العمل التليفزيونى ويقال والصحفى أيضا فالمعد الحق يجب أن يتسلح بالقراءة والمعرفة ويكون ملما بالفن والتشكيلى لأنه يوسع المدارك ومعظم برامجى يربطها خيط واحد لا يتغير وهو الحركة فى كل الأحوال سواء فكريا أن مكانيا التى يحفظها الناس إلى الآن وبفضل تلقائية وصدق المذيعة القديرة سامية الأتربي.
- قمت بكتابة سيناريو الفيلم التسجيلى «حارة نجيب محفوظ» عقب فوزه بجائزة نوبل فما هى أبرز مفردات عالمه التى حرصت على إظهارها خاصة أنك كنت قمت بتصويره شخصيا فى أماكنه المفضلة؟
- وبعد فوزه بنوبل رشحتنى المخرجة المبدعة سميحة الغنيمى لكتابة السيناريو ووضع كمال الطويل الموسيقى التصويرية وشعرت أننى أمام تحد كبير فالفيلم عن أعظم روائى عربى فهو شديد المصرية لا يحب مباهج القصور أيضا يهوى الأزقة وواقعيته التى تتبدى تحت منظاره عينان تقرآن مصر تستخلصان ما بين السطور فبحثت عن عالمه الخاص جدا فى رواياته واستشعرت أنه خير من يعبر عنه فالشخصيات الروائية أخلد وأبقى فى بعض الأحيان من الشخصيات العادية ووضعت العديد من الأسئلة التى حذفناها ومن خلال إجاباته عن فترة الكرة الشراب فى الجمالية وفتوات الحسينية والعوالم فى الثلاثينيات والعربجى وهو عالم الحرافيش على وجه التحديد استطاعت كاميرا رمسيس مرزوق أن تصهر عالمه فى صورة فنية بديعة وحين شاهد الفيلم سألنى ضاحكا كيف عثرت على فتوة الحسينية عباس حجازى وزميله لاعب الكرة وعرض الفيلم فى أوروبا وحصل على العديد من الجوائز وهو من أندر الأعمال التى تجسد مسيرة هذا الروائى العظيم فى حياته.
- فيلم رحلة العائلة المقدسة من أشهر أعمالك التسجيلية حصد نجاحا كبيرا فهل تعتقد أنه ساهم فى تقليص الفجوة المعرفية بين المصريين عن رحلة المسيح إلى مصر أم أن الموضوع أعقد من ذلك؟
- عرض الفيلم أول مرة بمناسبة الألفية الثانية وحظى بنجاح عالمى وكان دافعى الأول هو المساهمة ولو بقدر قليل فى إلقاء الضوء على الحقبة المسيحية التى أعقبت رحلة المسيح إلى مصر وإظهار فترة الصراع بين الكنيسة المصرية وكنيسة روما وهى فترة غاية فى الأهمية تؤكد وطنية الأقباط وارتباطهم الشديد بمصر وتظل رحلة المسيح إلى مصر أهم رحلة فى تاريخ مصر على مر العصور حيث كشفت النقاب عن طيبة المصريين ووداعتهم وأكدت أن مصر هى حصن الأمان ببشرها ونيلها وجبالها التى أوت العذراء وطفلها الصغير وفى الإنجيل نص صريح يقول «اذهب إلى مصر» ونص آخر «ارجع إلى فلسطين» وقد استمرت الرحلة ثلاث سنوات بدأت من بيت لحم وانتهت فى أسيوط وكل مكان استقر فيه المسيح تحول فيما بعد إلى كنيسة أو دير وأشهرها دير جبر الطير فى المنيا ودير المحرق فى أسيوط وكنيسة المعادى وشجرة مريم بالمطرية. أتمنى أن توضع مزارات العائلة المقدسة على خريطة السياحة العالمية وفق خطة محددة وستصبح مصدرا سياحيا هائلا لو قدر لها النجاح علما بأن مصر صاحبة أقدم رهبنة فى العالم وأنا أعتبر الدير نوعا من المرجعية فكل إنسان يبحث عن نقطة أمان أو ضوء فى هذا العالم المعتم، فحياة الرهبان على خشونتها وزهدها تمثل أرقى أنواع الاختيار وتظل مصر غنية بأديرتها العتيقة والتى جسدتها فى فيلم تسجيلى أيضا ومن الأفلام التسجيلية التى أعتز بهاب أيضا فيلم «النيل» الذى يروى قصة النهر من المنبع إلى المصب ويطرح سؤالا محوريا مفاده: لماذا لم تظهر حضارة عبر كل دول النهر التى يقطعها إلا فى مصر؟ وخلصت إلى أن المصريين روضوا هذا النهر العنيد ومن ثم فمصر ليست هبة النيل كما يقول هيرودت ولكنها هبة المصريين! وأبرزت مفهوم التوحد الذى يجمعنا عبر العصور من خلال المعتقدات المختلفة التى انصهرت فى النهاية لتصبح الشخصية المصرية ثرية وشديدة الخصوصية.
- كنت مشاركا فى ثورة 25 يناير فى ميدان التحرير فى أكبر حشد بشرى شهدته مصر فما الذى استخلصته بحاستك الفنية من الميدان الذى لم يكن له «مارتن لوثر» أو زعيم إصلاحى معروف؟
- يضحك قائلا: مصر كلها كانت فى التحرير والبعض يحرص على تأكيد تواجده ولكن عبقرية ميدان التحرير تكمن فى أنه دائرة ليس لها بداية أو نهاية ولا يمكن تربيعها ولا يمكن أن تتحول لكيان هرمى له صفة التراتبية فثورة يناير من وجهة نظرى أعظم من ثورة 1919 لأن الأخيرة اشتعلت عقب نفى سعد زغلول وهدأت بعودته ولكن ثورة يناير أحدثت صدمة كهربائية شديدة وأجبرت مبارك على التنحى وأيقظت روحا كانت كامنة تنبأ بها توفيق الحكيم فى عودة الوعي.
- بعض الآراء تسترجع ما حدث منذ 25 يناير وحتى الآن وترى أنه يرقى لنبوءات الأنبياء هل ترى فى ذلك تهويلا؟
- ما حدث فى التحرير كان أقرب للخوارق أكثر من الواقع المعاش ويذكرنى بنبوءات «نوسترادموس» الذى تنبأ بالحرب العالمية الأولى والثانية وسقوط هتلر ونهاية صدام حسين ويحفز الذاكرة برؤية يوحنا المعمدان فى سفر الرؤيا. وكانت موضعا لإلهام صناع السينما فى 11 فيلما عالميا ثم جاءت الثورات العربية تتوالى كالأحلام فى اليمن وليبيا فى منطقة كانت تتخذ من حكمة جنكيزخان شعارا حيث قام بقتل كل أشقائه لكى لا يرثه أحد فكل جيل كان حريصا على إقصاء الجيل التالى له وأنا أعكف الآن على كتابة فيلم تسجيلى عن ثورة يناير وتنحى مبارك اسمه «آخر رجال الرئيس» من خلال قصة شخصية أحد حراسه الذين تتم برمجتهم ويتبع خطواته أينما ذهب ولا يعى الحقيقة لأنه لو تفتح وعيه لتحول من حارس إلى قاتل ويكتشف هذا الرجل حقيقة الأوضاع فى مصر حين يسمع خطاب التنحى لمبارك على كوبرى قصر النيل فينتحر بسلاحه الميرى ماديا بعد أن انتحر مبارك معنويا بتنحيه ناقدا وتلك هى المعالجة الخلاقة للواقع وإعادة صياغتها بشكل فنى مؤثر.
- بعد الثورات يخرج كل شئ إلى الشارع كما حدث فى الثورة الفرنسية حين ترك الأدب الصالونات ونزل إلى الشارع فهل تشعر أن أمواج الثورة بلغت منتهاها ووصلت لأغلبية الشعب؟
- ما حدث فى ميدان التحرير منذ 25 يناير وحتى تنحى مبارك اسميته «كريم شانتيه» أختفى سريعا والآن يتم تقسيم الكعكة بين الغرماء ولا أعتقد أن الثورة وصلت لـ 85 مليون مصرى الكثيرين منهم يعانون من الأمية التى تعوق أى تقدم ديمقراطى أتمنى أن نعود لاسم مصر كما ورد فى الكتب المقدسة خاليا من أى إضافات وإلى علمنا الأخضر (رمز الخير والنماء) بدلا من الألوان الثلاثة التى تتشابه مع أعلام العديد من الدول أما أحداث الثورة فلم ترو بعد وربما استغرق الأمر عشر سنوات على الأقل حتى تسقط الأقنعة وتظهر الحقائق. فالثورات يكتنز تاريخها بالأدعياء وعلمتنا الحياة أن الحقائق تكون أحيانا أغرب من الخيال.