Share |
ابريل 2011
1
جون لوك (1632 ــ 1704) السياسة والأخلاق
المصدر: الديمقراطية
بقلم:   نبيل فرج


نشأ مبدأ التسامح في الفكر الإنساني مع التسليم بالحقوق الطبيعية للإنسان، ونسبية المعرفة، وهذا يعني أن المعرفة والحقوق الطبيعية للإنسان ليست ملك أحد يستأثر بها وحده دون غيره، وليست أيضاً حكراً لأحد، ولا ينبغي أن تكون أصلا محل خلاف أحد، وإنما تعني احترام العلم والعقل، والعلم والعقل يقبلان النقد.
ويرتبط هذا كله بالدولة المدنية التي تفصل الدين عن الدولة، وتقوم علي مبدأ المواطنة والديمقراطية والحرية التي تتفق عليها كل المواثيق الحديثة فيما يعرف بمصطلح "التسامح". ومبدأ التسامح يشمل علاقة الدولة والمؤسسات الدينية بالأفراد وليس فقط الأفراد فيما بينهم. وعلي هذا الأساس يتساوي الناس، ويحق لكل فرد إبداء رأيه الخاص المخالف لرأي الآخر، ولا يتعرض للإدانة من أحد بأي شكل من الأشكال. وليس خافيا علي أحد أنه لولا نقص البشر لما احتاجت الإنسانية في مسيرتها المتواصلة إلي هذا المبدأ حتي تصل به، أو علي الأقل تقترب به من الكمال.
وبين أعلام عصر التنوير الذين صاغوا هذه الرؤية، وخاضوا المناقشات للدفاع عنها، يعد جون لوك (1632- 1704) أنضج من عبر عن هذه الفلسفة، ووضع عنها الرسائل ضد الحكم الديني المطلق الذي تمسكت به الكنيسة، ومنح الدولة حق استخدام القوة في تحطيم كل القيود التي فرضها البابوات، كما رفض أن يشغل الملك منصبه بالتفويض الإلهي الذي لا تملك المجالس النيابية معه حق سؤاله عما يتخذ من قرارات، علي نحو ما لا يستطيع الأبناء سؤال الأب أو مراجعته، بحكم العلاقة الأخلاقية القائمة بينهما.
ذلك أن الملك يتولي منصبه بعهد وميثاق بينه وبين الشعب، في علاقة سياسية وليست أخلاقية. وبالعلاقة السياسية هذه يشرف الملك علي حفظ الحقوق الطبيعية، ممثلة في الأمن، والملكية الخاصة، والمعتقدات، والمساواة، والحرية، باعتبارها حقوقا مقدسة يكفلها القانون الوضعي. أما إذا تولي الملك الحكم بغير إرادة الناس، فإنه يكون في الحكم المدني مغتصباً، استولي علي ما هو حق للآخرين، بل ويعتبر طاغية خرج علي القانون.
وليس هناك حكم أو حكومة إلا برضاء الشعب. فإذا لم يتحقق هذا الشرط، أو هذا التراضي بين الحكومة والشعب، يكون من حق الشعب عزل هذه الحكومة، كما يحق له عزل الملك الطاغية، لأن العلاقة التي يحكمون بها علاقة سياسية بحتة، تخالف علاقة الأبناء بالآباء التي لايحق فيها للأبناء عزل الأب أوالتمرد عليه، حيث إن علاقة الأبناء بالآباء كما سبق، علاقة أخلاقية، وإن سمح جون لوك للأبناء، إذا بلغوا سن الرشد، أن ينفصلوا ويستقلوا عن الأب. وجوهر هذه المعاني أن من يأخذ في الحياة شيئا بالقوة، فإنه يصبح مرغما علي إعادته إلي صاحبه فوراً. والإنسان ملزم أيضا بالمحافظة علي البشر، وليس المحافظة فقط علي نفسه. ولأن الإنسان مملوك لله الذي خلقه، فإن الانتحار في نظر جون لوك مرفوض ومحرم.
والملكية الخاصة أول الملكية الفردية، عند جون لوك، هي كل ما يختلط به أو يضاف إليه جهد الإنسان، أو جهد الذات وإرادتها، مثل الثمار التي تقتطف من الأشجار، والأسماك التي تصطاد من البحار والمحيطات، والمياه التي تعب في الجرار من الأنهار، والأرض المستزرعة وغيرها. إنها ملك خاص لمن قام به، لا يسأل عنه أو ينازع في ملكيته أحد آخر من الشر. ولم يفرق جون لوك في مجال هذه الحقوق بين الحياة الطبيعية والحياة المدنية.
طرح جون لوك هذه الأفكار وغيرها حماية لحقوق الإنسان، قبل أن تتسع آفاق فكرة التسامح والعقد الإجتماعي وحكم الشعب علي يد الفلاسفة والثوار الذين أتوا بعده، وأشهرهم: فولتير (1694- 1778)، وديفيد هيوم (1711- 1776)، وجان جاك روسو (1712- 1778)، وجون ستيوارت مل (1806- 1873).
وقبل جون لوك، وعلي مدي العصور الوسطي التي انتشرت فيها العرافة والسحر بصورة بالغة، فقد كانت القاعدة السائدة حتي منتصف القرن الخامس عشر هي التعصب للمعتقدات الدينية، وعدم التسامح مع المذاهب والأديان الأخري.
وكان لمارتن لوثر (1483- 1546 ) دوره في التمهيد للتعامل الحر مع الآخرين بالإقناع لا بالقوة، مقدراً للآخرين حقهم في الإيمان بما يؤمنون به، فهم أحرار في اعتناق أي عقيدة لأن الله، كما يقول جون لوك، لم يفوض أحداِ لفرض دين معين علي غيره، أو بمنحه السلطة لهذا الغرض.
وبكلمات شديدة الوضوح طالب مارتن لوثر بالكف عن إدانة الملحدين، رغم إدراكه لخطورة هؤلاء الملحدين بالنسبة للدولة، متأثرا بلا شك بدعوة السيد المسيح للمحبة بين البشر، ودعوة الفلاسفة للعقلانية. وطالب مارتن لوثر أيضا بإلغاء محاكم التفتيش.
ولأن جون لوك درس في المراحل المبكرة من حياته العلمية اللغات القديمة، وقرأ بها المؤلفات اليونانية واللاتينية، فقد كتب مؤلفه "رسالة في التسامح" باللغة اللاتينية. في هولندا، بعيدا عن وطنه انجلترا، في عام 1689 .
وعندما هوجم علي قوله في هذه الرسالة أن الدين لا يمنح صاحبه حق إدانة الآخر، داعيا إلي استخدام العقل، عكف من جديد في عام 1690علي تأليف رسالة ثانية عن نفس موضوع التسامح عنوانها "رسالتان في الحكم". وبعد نحو سنتين في عام 1692وضع رسالة ثالثة عنوانها "مقال عن العقل البشري"، وكانت هناك رسالة رابعة شرع في كتابتها، ولكنه رحل قبل أن يتمها. وإذا أضفنا إلي هذه الكتب كتاب "التربية"، وآخر عن "معقولية المسيحية" اكتملت أمامنا مؤلفات جون لوك.
ولاشك أن الظروف السياسية التي عاصرها جون لوك، وأعني بها الحرب الأهلية بين الملك شارل الأول والبرلمان، والتي انتهت بإعدام الملك في عام 1649، هي التي أدت من جهة إلي اتخاذ موقفه التاريخي عن التسامح وان لم يستند إلي التاريخ، ومن جهة مقابلة إلي الدفاع عن الحرية، وسيادة الشعب والحياة النيابية التي تقلص سلطة الملك، وتقيد حكمه المطلق، وهي أساس التنظيم السياسي الديمقراطي الذي ينبع من مصلحة المواطنين، ولا يجحف حقوقهم الطبيعية الملازمة للذات البشرية.
والفصل أو التفريق بين السياسة والأخلاق التي نادي بها جون لوك تتخطي المفاهيم التقليدية لفلاسفة اليونان، كما أنها تتخطي الفلسفة الإسلامية التي نطالعها، علي سبيل المثال، في كتاب "سراج الملوك" لأبي بكر الطرطوشي، أو في كتاب "الذهب المسبوك في نصيحة الملوك" للغزالي في القرن الحادي عشر، وغيرهما كثير ربطوا السياسة بالأخلاق.
والحق أن ليس جون لوك وحده الذي فصل بين السياسة والدين، وإنما اتفق علي هذا الفصل كل فلاسفة عصر النهضة والعصر الحديث، الذين نظروا للسياسة بعيدا عن الأخلاق. ويرد إلي الذهن مباشرة ميكيافيللي (1469- 1527) وذلك في إطار الثورة علي القديم. وعلي الرغم من أن مجموع الأفكار التي عبر عنها جون لوك أفكار إنسانية متقدمة، فلم يكن نظره للمرأة علي مستوي هذه الأفكار، أو كما نجد عند فيلسوف آخر مثل جون استيوارت مل، لم يفرق في حديثه عن الحرية بين الرجل والمرأة.
كان نظرة جون لوك إلي المرأة، كنظره إلي الرقيق، نظرة دونية، تساير أو تتطابق مع نظر فلاسفة اليونان والرومان القدماء، ومع فلاسفة المسيحية في العصور الوسطي وعصور الإقطاع، التي اعتبرت المرأة تابعة للرجل، تفتقد ملكاته، ومن ثم يتعين ألا تتمتع، مثلما لا يتمتع الرقيق، بحقوق سياسية. ويقتصر دور المرأة عند جون لوك في الزواج والإنجاب حفظا للجنس البشري.
وحياة جون لوك تنقسم إلي مراحل، تبدأ المرحلة الأولي من ميلاده في قرية سومرست حتي سن الرابعة عشرة في عام 1646، تليها مرحلة ثانية انتقل فيها إلي لندن لاستكمال دراسته في مدرسة وستمنستر في سن العشرين في عام 1652، انتقل بعدها إلي اكسفود لدراسة الطب بمنحة من كلية المسيح. غير أن دراسة الطب لم تستغرقه استغراقا كاملا، بسبب شغفه بدراسة الفلسفة التي بدأت في عام 1662، وهو علي مشارف الثلاثين.
وتحت تأثير هذا الشغف رفض جون لوك، بعد تخرجه، الوظائف التي عرضت عليه سواء في مجال الطب أو الدبلوماسية، حتي لا تصرفه عن الفلسفة التي أدرك حاجة الجيل المعاصر إلي معرفة موضوعاتها أو مشكلاتها الأساسية المتصلة بالحياة المدنية التي أجاد جون لوك قراءتها في ضوء مطالعات واسعة في التراث الإنساني القديم والحديث، وإن كان تأثره بالحديث أكبر من تأثره بالتراث القديم.
وعلي رأس هذا التراث الحديث ديكارت (1596- 1650) الذي يذكر جون لوك أنه حرره من الغموض الذي كان يلازم كتاباته، وجعله بفلسفته الواضحة يقبل بشهية مفتوحة علي المسائل الفلسفية.
ولكتاب جون لوك "رسالة في التسامح" أكثر من ترجمة عربية، أهمها بلاشك ترجمة عبد الرحمن بدوي عن اللاتينية، وصدرت عن دار الغرب في 1988، وترجمة مني أبو سنة عن الانجليزية وصدرت في المشروع القومي للترجمة والمجلس الأعلي للثقافة في 1997. ومن أهم الكتب العربية المؤلفة عن جون لوك كتاب عزمي سلام الذي صدر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب في سلسلة المئويات في 2006.