Share |
يناير 2011
1
حى الزمالك. جزيرة البحر الأعمى!
المصدر: ديوان الأهرام
بقلم:   كوثر زكى

الزمالك، واحد من أهم أحياء القاهرة التاريخية، عاش شاهدا على عصور الملوك والأمراء والأثرياء، ويكفى أنه حظى بإقامة الإمبراطورة «أوجينى» اثناء زيارتها لمصر، وقد لا يصدق الكثيرون أن هذا الحى قد أنشىء كبديل لحى الأزبكية الشهير عندما أقام الخديو إسماعيل سراى الجزيرة فى منطقة كانت فى الماضى مكانا لأخصاص البوص يرتادها أرباب الخلاعة والفجور، أما الكوبرى الذى تم انشاؤه ليربط بين القاهرة والزمالك فقد صممه المهندس الفرنسى «جوستاف إيفل» وتمت صناعة أجزائه الحديدية فى شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية.
كان للخديو اسماعيل الفضل الأول فى تحويل جزيرة الزمالك الى حى تفضله الطبقة البرجوازية المصرية مع بدايات القرن العشرين بعد أن كانت الأزبكية منطقة السكن المفضلة للأمراء وبكوات المماليك على مدى 600 عام حتى الحملة الفرنسية على مصر عام 1798 واستمرت كذلك فى بدايات عصر محمد على الذى انشأ لابنته زينب فيها قصرا عرف باسم قصر الأزبكية ثم أصبحت جاردن سيتى بعد ذلك حيا للباشوات والبكوات بحكم قربها من مقر الحكم فى عابدين وتحول كل هؤلاء للاقامة فى جزيرة الزمالك بعد أن أقام الخديو اسماعيل واحدا من اكبر قصوره وهو سراى أو قصر الجزيرة الذى أقامه على 60 فدانا وتكلف 898691 جنيها وأتى بالمهندسين من فرنسا وايطاليا لانشائه، وتزيين حدائقه وفيه أقامت الامبراطورة اوجينى امبراطورة فرنسا خلال حضورها احتفالات افتتاح قناة السويس واشترته بعد ذلك أسرة لطف الله وأصبح فندقا باسم عمرالخيام «ماريوت» وكان الخديو إسماعيل قد أقام معسكرا لجنود الحراسة على شكل خيام من طراز «الزملك اى أن كل أرض الزمالك قبل حفر البحر الأعمى كانت أرضا متصلة بالعجوزة وإمبابة كما جاء فى «تقويم النيل» لمؤلفه أمين باشا سامى.
وبعد ان كانت جزيرة الروضة هى مصيف القاهرة منذ أيام الأمويين ثم الأيوبيين أصبحت الجزيرة هى مصيف القاهرة فى نهاية القرن الـ18عندما اختارها إبراهيم بك شيخ البلد عام 1791 مصيفا له ولحاشيته وكانت جزيرة الزمالك قبل عصر إسماعيل مجرد مكان يلجأ إليه الشباب لقضاء أوقات جميلة لطيب هوائها, كما كانت فى الماضى مكانا لإقامة اخصاص من البوص للهو والغناء والطرب. وكلمة الزمالك أعجمية معناها الأخصاص وهى بيوت من الغاب والبرسيم, اول ما ظهرت كان فى عام 1372 وكانت جزيرة شمال أروى عرفت بجزيرة حليمة وسميت بالجزيرة الوسطى وهو اسم ما زال يطلق على أحد الشوارع بالزمالك حتى الآن واقبل الناس على سكناها بعد أن بنوا الاخصاص وتفننوا فيها وزرعوا حولها الزهور والبطيخ والشمام واقبل عليها أرباب الخلاعة والفجور.
ولما زادت تلك الأعمال أمر السلطان الكامل شعبان بن قلاوون بحرق هذه الاخصاص واتصلت أروى وحليمة وأصبحتا جزيرة واحدة أطلق عليها الفرنسيون عند دخولهم مصر اسم جزيرة بولاق أو جزيرة القرطية وهى ما تعرف الآن باسم جزيرة الزمالك.
عمر الخيام. شاهد على العصر
ولم تصبح الزمالك جزيرة بالمعنى الصحيح إلا فى الربع الأخير من القرن الـ19 اذ حتى عام 1873 لم يكن الفرع الغربى للنيل موجودا على الدوام بل كان يمتلئ اثناء الفيضان ثم يغطى بالطمى ويجف ولذلك سمى البحر الأعمى فالبحر إذا نفد منه الماء كان كالعين إذا فقدت الإبصار، ثم حفر بعد ذلك وأقيم عليه كوبرى البحر الأعمى عام 1877 ثم انشئ الكوبرى الحالى عام 1914 ليكمل محور كوبرى قصر النيل ولكن بعد فترة عجز الكوبرى الأعمى عن القيام بدوره ثم إنشاء كوبرى جديد عرضه 19 مترا منها سبعة أمتار عرض الرصيفين وقبيل كوبرى الجلاء ووضع عنده تمثال احمد ماهر باشا رئيس وزراء مصر الذى اغتيل بالرصاص .فى 5 فبراير 1945 فى البهو الفرعونى بمجلس النواب على يد المحامى محمود العيسوى.
وما زال فندق عمر الخيام يطل بتاريخه على نهر النيل الخالد وما يضم بداخله من ذكريات لحفلات وافراح أنجال العائلة المالكة فكان يتسع إلى 5000 شخص فى مناسبات الزمن الجميل و كانت عائلة لطف الله قد اشترت هذه السراى العظيمة حتى تم فرض الحراسة عليها خلال الستينيات وأخذها الدكتور محمد عبدالقادر حاتم - عندما كان مسئولا عن الاعلام والسياحة - فحول هذه السراى التى أقامها الخديو إسماعيل على الطراز الفرنسى والايطالى الى فندق يحمل اسم «عمر الخيام» واصبح هذا القصر قلب فندق ماريوت الآن.
كوبرى أبوالعلا (سابقا)
كانت وسيلة الانتقال الوحيدة بين بولاق والزمالك قديما هى القوارب الصغيرة التى كان يستخدمها راغبو السهر والطرب ثم جاءت الطفرة العمرانية فى مطلع القرن العشرين. عندما تم إنشاء كوبرى بولاق «أبوالعلا» - الذى يحمل اسم أحد الأولياء الصالحين كان يعيش فى منطقة بولاق - فى عام 1809 وانطلقت إشارة تأسيسه فى عام 1908 وتم افتتاحه عام 1912 فى عهد الخديو عباس حلمى الثانى «حفيد إسماعيل» وكان هذا الكوبرى معجزة هندسية تربط القاهرة بجزيرة الزمالك ليعبر فرع النيل الآخر «البحر الأعمى» حتى يصل إلى إمبابة إلى اليمين ثم العجوزة والدقى إلى اليسار وليمتد خط الترام من فوق كوبرى أبو العلا وامتداده كوبرى الزمالك ليصل إلى ميدان الكيت كات فى إمبابة يمينا وإلى شارع النيل عند العجوزة يسارا حتى حديقتى الأورمان والحيوان وصولا إلى ميدان الجيزة ثم إلى منطقة الأهرام.
وكان هذا الكوبرى أحد أسباب انتعاش وتعمير منطقة غرب النيل فى العجوزة والدقى والجيزة امتدادا إلى منطقة إمبابة. ويرجع إنشاء هذا الكوبرى لشركة إنشاءات فرنسية اسمها (فايف ليل) أما الذى قام بتصميمه فهو المهندس الفرنسى الشهير «جوستاف إيفل» وكان ضمن أربعة أعمال مهمة قام بها فى حياته ومنها برج إيفل الذى يحمل اسمه حتى الآن فى قلب العاصمة الفرنسية باريس، وقد حصل على ثلاثة آلاف جنيه مقابل تصميم الكوبرى.
وتكلف إنشاء الكوبرى - الذى أقامه الاحتلال الإنجليزى - مائة ألف جنيه وتم إنشاء الأجزاء الحديدية للكوبرى فى شيكاغو بالولايات المتحدة الأمريكية ثم نقلت إلى القاهرة وتم تركيبها. وعند افتتاحه كان هذا الكوبرى يفتح من منتصفه حتى تستطيع السفن التجارية ذات الصارى العالى أن تمر من أسفله، وقامت شركة المقاولون العرب بتفكيكه عام 1998 لبناء كوبرى الزمالك الجديد بتكلفة بلغت أربعة ملايين جنيه مصري.
وكان هذا الكوبرى من معالم حى الزمالك وبولاق. لقد مرت عجلات عربات الأكابر والملوك والفنانين على ارضه فكان عبد الوهاب يترك سيارته ليقف على هذا الكوبرى ليغنى للنهر الخالد وكانت أم كلثوم تعبر هذا الكوبرى فى منتصف الليل بعد انتهاء حفلتها متجهة إلى فيلتها بالزمالك فى شارع أبوالفدا وغيرهما من الفنانين والعظماء.
أما الآن فإن هذا الكوبرى يرقد على شاطئ النيل بعد أن فقد هيبته، والمحزن أن فرنسا قد طلبت من قبل شراء الكوبرى وفكه وترحيله إلى باريس لكى يعرض كواحد من آثار المهندس الفرنسى الشهير «جوستاف إيفل»!
أحد الاسواق فى حى الزمالك
قصر سراى الجزيرة 1880
كوبرى أبو العلا 1912
صور الموضوع من أرشيف سمير الغزولى