Share |
مايو 2011
10
« بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا»
المصدر: الأهرام اليومى

د. زغلول النجار

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت في أوائل الربع الأخير من سورة «النساء», وهي سورة مدنية, وآياتها مائة وست وسبعون (176) بعد البسملة, وهي رابع أطول سور القرآن الكريم بعد كل من سورة «البقرة», والأعراف», و«آل عمران». وقد سميت سورة «النساء» بهذا الاسم لكثرة ما ورد فيها من الأحكام الشرعية التي تتعلق بالنساء.
ويدور المحور الرئيس لسورة «النساء» حول قضايا التشريع لكل من المرأة, والأسرة, والمجتمع, والدولة, وذلك من مثل تشريعات الزواج, والطلاق, والعبادات, والمواريث, والجهاد في سبيل الله. وحسن تربية الأبناء, من أجل إقامة المجتمع المسلم الخالي من المخالفات الشرعية, ومن رواسب الجاهلية القديمة والحديثة .
وبالإضافة إلى ذلك تقرر سورة «النساء» وحدانية الخالق - سبحانه وتعالى - التي تؤكد وحدة رسالة السماء, وعلى الأخوة بين الأنبياء, وبين الناس جميعا.
هذا وقد سبق لنا استعراض سورة «النساء», وما جاء فيها من التشريعات الإسلامية, وركائز العقيدة, والإشارات الكونية, ونركز هنا على لمحة الإعجاز التشريعي في تحريم النفاق, وذم المنافقين, وتأكيد خطر وجودهم في مجتمع من المجتمعات الإنسانية, لأنهم أخطر على المجتمع الذي يتواجدون فيه من أي انحراف آخر سواء كان هذا الانحراف عقديا أو سلوكيا - على خطورة مثل تلك الانحرافات على المجتمعات الإنسانية بصفة عامة - إذا أرادت أن تحيا حياة سوية.
من أوجه الإعجاز التشريعي في الآية الكريمة يقول ربنا - تبارك وتعالى - في محكم كتابه:
«بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا. وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آَيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا» (النساء: 138-140).
وتستمر الآيات في سورة «النساء» محذرة من المنافقين ومن أخطارهم على المجتمع حتى يأتي قرار الله - تعالى - حاسما جازما يجعلهم أكثر خطرا على المجتمعات من الكافرين وذلك بقوله - تعالى: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا» (النساء:145).
ومن معاني هذه الآيات الكريمة أن الله - تعالى - يأمر خاتم أنبيائه ورسله - صلى الله عليه وسلم - أن ينذر المنافقين بأن لهم عذابا أليما يوم القيامة, لتوليهم الكافرين من دون المؤمنين, فهل يطلبون العزة من هؤلاء الكافرين؟ والعزة لله - تعالى - وحده يهبها لمن يشاء من عباده المؤمنين, ومن اعتز بالله عز ومن اعتز بغير الله ذل. وقد نزل الله عليكم في القرآن الكريم أنكم إذا سمعتم من المنافقين الاستهزاء والجحود بآيات الله فلا تقعدوا معهم حتى ينتقلوا إلى حديث غيره, فإن لم تفعلوا ذلك شاركتموهم في جريمة الكفر بآيات الله والسخرية منها, وإن عاقبة ذلك وخيمة على كل من الكافرين والمنافقين الذين سيجمعهم الله جميعا فى جهنم.
وجاءت الإشارة إلى النفاق والمنافقين بمختلف صياغات الكلمة (اسما وفعلا ومصدرا, وبالإفراد والجمع) في سبعة وثلاثين (37) موضعا من كتاب الله. و(النفاق) هو فعل المنافق الذي يدخل في الشرع من باب ويخرج عنه من باب آخر, أي يظهر الإسلام وهو يبطن الكفر, ولذلك نبه ربنا - تبارك وتعالى - على خطر النفاق والمنافقين بقوله العزيز:
«الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقوُنَ» (التوبة: 67).
و(الفاسقون) في هذه الآية الكريمة هم الخارجون عن شرع الله. ومن معاني هذه الآية الكريمة أن المنافقين والمنافقات يتشابهون في أنهم يفعلون من الأمور أقبحها, ويتظاهرون بالصلاح والورع, ويتركون الحق وينأون عنه, ويدعمون الباطل ويساندونه, ويدعون أنهم الأصلح للمجتمع. ويبخلون بأموالهم عن وجوه الخير, وينفقونها في وجوه الشر وجاهة وسمعة. أعرضوا عن خالقهم فأعرض عنهم, وتركهم في ضلالهم لأنهم هم حقا الخارجون عن شرع ربهم.
وبالإضافة إلى التملق المزيف لأصحاب الجاه والسلطان, وإلى إظهار المنافق غير ما يبطن, وإلى خداع نفسه وخداع غيره, وتلونه بكل لون, فإن نهاية النفاق دوما إلى بوار. ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يضيف إلى صفات المنافقين الخيانة والكذب والغدر والفجور وذلك بقوله الشريف « آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا اؤتمن خان «وقال - صلى الله عليه وسلم - «أربع من كن فيه كان منافقا خالصا, ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا اؤتمن خان, وإذا حدث كذب, وإذا عاهد غدر, وإذا خاصم فجر» (أخرجه كل من البخاري ومسلم).
لذلك كان صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبعد الناس عن النفاق والمنافقين, وأحرصهم على ألا يتسلل إلى تصرفاتهم شىء من هذه الصفات الذميمة, فعن ابن أبي مليكة - رحمه الله - أنه قال «أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - كلهم يخاف النفاق على نفسه». ويذكر عن الحسن البصري - رضي الله عنه - قوله عن النفاق: «ما خافه إلا مؤمن, ولا أمنه إلا منافق».
والنفاق يدمر الروابط في المجتمع, وينشر فيه كلا من الخداع, والمراوغة, والتلبيس, والغش, والكذب, حتى تنعدم الثقة بين الناس, ويسود علاقاتهم الحذر والحيطة والشك في كل أمر, والخداع والريبة في كل صلة. ومن صفات المنافق قساوة القلب, وجمود العين, والإصرار على الذنب, والحرص على الدنيا.
فكل من الخيانة, والكذب, والغدر, والفجور هي من صفات المنافقين, وإذا اجتمعت هذه الصفات الذميمة في فرد واحد كان منافقا خالصا كما وصفه رسول الله - صلى الله عليه وسلم. وهذه الصفات القبيحة تعبر عن انحطاط في أخلاق من يحملها, لأنه لا يمكن أن يؤتمن على شيء من تعود على خيانة الأمانة, ولا يمكن لمن تعود على الكذب أن يصدقه الناس, ولا يمكن لغادر أن يحفظ العهد, ولا يمكن لفاجر إلا أن يرمي خصومه بالافتراءات الكاذبة وبالتهم الباطلة, وإنسان هذا شأنه لا يمكن أن يكون لبنة صالحة في مجتمع سليم, بل هو خارج على قوانين المجتمع وأمنه, وخارج عن فطرته السوية التي فطره الله - تعالى - عليها, لأنه كي يحقق مآربه الشيطانية فلا بد وأن يظهر غير ما يبطن, وأن يدعي الصدق وهو يعلم أنه كاذب, ويتظاهر بالأمانة ثم يخون, ويدعي المحافظة على العهد وهو يخطط للغدر به. والمنافق إذا لم يراجع نفسه, وإذا لم يردها عن غيها باستمرار غلب عليه النفاق حتى في معاملته مع ربه مما يؤدي إلى انتزاع الإيمان من قلبه, وتركه ليمتلئ بالنفاق حتى يلقى ربه وهو - تعالى - غاضب عليه, وفي ذلك يقول الحق - تبارك وتعالى: «وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِى قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ» (التوبة:75-77).
والمنافقون في كل زمان ومكان همهم الأكبر الحصول على أكبر قدر من المكاسب المادية بأي ثمن دون تحري الحلال من الحرام, حتى لو كان ذلك على حساب حقوق الآخرين وحساب المصالح العامة والأخلاق والقيم وعلى حساب كرامتهم الشخصية, فيعيشون كالعبيد الذين لا يملكون من أمرهم شيئا, ولا يحركهم إلى مطامعهم إلا شهواتهم الدنيئة.
ومن أبشع صور النفاق ما يعرف باسم النفاق السياسي الذي يتبعه المتسلقون الوصوليون أصحاب الشهوات المفتوحة على المال والسلطة, فيستخدمون النفاق في مجاملة الحكام وتملقهم, وتزيين أعمالهم الخاطئة, في أنظارهم وأنظار الغير وإظهارها بغير مظهرها الحقيقي فيخدعوهم ويخدعوا المجتمع كله ويخدعوا أنفسهم, وذلك من أجل بعض المكاسب الشخصية.
والنفاق السياسي يزدهر في ظل كل حكم فردي مستبد, ينفرد فيه الحاكم بالسلطة المطلقة دون أدنى رقابة من أجهزة الدولة, فيحيطه المنافقون طمعا في بعض المكاسب الشخصية من حوله, أو خوفا من قهره وسلطانه وبطشه.
وطبقة المنافقين في كل زمان ومكان كانت ولا تزال أخطر الطبقات على المجتمعات الإنسانية, ولذلك تهدد القرآن الكريم المنافقين بمنزلة فى جهنم أخفض من مقام الكافرين بكثير فقال - تعالى: «إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِى الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا» (النساء:145).
وهنا يتضح وجه الإعجاز التشريعي في حكم القرآن الكريم على هذه الطبقة من الفاسدين الفاسقين وفي قول الحق - تبارك وتعالى - لخاتم أنبيائه ورسله «بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا» (النساء:138).
بهذه الصياغة التهديدية التهكمية الساخرة في جعل العذاب الأليم الذي ينتظر المنافقين بشارة لهم بدلا من أن تكون إنذارا, والله يقول الحق ويهدي إلى سواء السبيل.