Share |
مايو 2011
18
مشكلات السكن في الريف المصري ودور المجتمع المدني. بين الواقع والتطبيق
المصدر: الأهرام -الطبعة الدولية
بقلم:   دعاء عادل


القاهرة:
في دراسة جديدة لمركز الأرض لحقوق الإنسان والذي يعني بمشاكل الفلاحين والدفاع عن قضاياه و قضايا الريف المصري قام بها الباحث عبدالله مأمون، وهي بعنوان "مشكلات السكن في الريف المصري" وهي ضمن اصدارات مركز الارض، تقدم تصويراً واقعياً لحالة السكن الريفية ومدي تطابقها مع المعايير الدولية المتفق عليها للحق في السكن.
تبدأ الدراسة بتعريف السكن كحاجة أولية من الحاجات الإنسانية، تتقدم من حيث ضرورة الإشباع علي غيرها من الحاجات البشرية ولا تعادلها إلا الحاجة للمأكل والمشرب، باعتبار أن المأوي المناسب، مطلب بشري يحمي الآدمية ويصون الخصوصية، وهما من أهم ما يميز الإنسان عن غيره من الكائنات.
ثم تعرج الورقة علي ذكر أهم المعاهدات والمواثيق الدولية التي تنص علي أن السكن واحد من أهم حقوق الإنسان، والمواصفات التي تصفها تلك العهود الدولية للسكن الآدمي الملائم، ابتداء بأمان الحيازة، مروراً بالمواصفات الصحية، وعرض متطلباته من المرافق والخدمات، وذلك بدءاً من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان 1948 تنص مادته الخامسة والثلاثين علي "لكل شخص حق في مستوي معيشة يكفي لضمان الصحة والرفاهة له ولأسرته وخاصة علي صعيد المأكل والملبس والسكن والعناية الطبية وصعيد الخدمات الاجتماعية الضرورية، وله الحق فيما يأمن به الغوائل في حالات البطالة أو المرض أو أسباب عيشه"، كما تنص المادة الحادية عشرة من العهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية علي "تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل شخص في مستوي معيشة كاف له ولأسرته، يوفر ما يفي احتياجاتهم من الغذاء والكساء والمأوي وحقه في تحسين متواصل لظروف معيشته، وتتعهد الدول الأطراف باتخاذ التدابير اللازمة لإنقاذ هذا الحق معترفة في هذا الصدد بالأهمية الأساسية للتعاون الدولي القائم علي الاتصال الحر". وحتي الاتفاقية الدولية لحقوق المرأة والطفل.
وكذا تورد أهم القوانين المصرية التي تتفق أو تختلف مع تلك العهود والمواثيق الدولية وذلك حسب التوجهات الاقتصادية والاجتماعية للحكومات القائمة، علي اعتبار أنها تارة تتلمس طريق العدالة الاجتماعية، وتوزيع الأعباء والمزايا بين المواطنين، بعدالة القدرة علي التحمل، وتارة تخذل فقراءها، وطبقاتها الاجتماعية الدنيا، لصالح من ملكوا الدنيا دون شبع، عندما ملكوا الحكم مع المال والشره، كتلك الحالة التي ربضت علي صدر مصر خلال العقود الثلاثة المنقضية، والتي مافتئنا نتطهر منها الآن.
- الريف والحضر
وبعد ذلك، وقبل الخوض في حالة السكن في الريف المصري تحاول الدراسة إيجاد تعريف ملائم للقرية والمدينة والحدود الفاصلة بينهما، لنوضح بداية المعايير الأممية للتفرقة بين الريف والحضر، هو تقسيم اعتباري والتقسيم الاعتباري معناه أن كل دولة تقسم بين ريفها وحضرها حسبما تراه، وأن كل باحث في هذا الميدان يجتهد بطريقته الخاصة وحسب الاعتبارات التي يختارها للتمييز بين الريف والحضر.
وتعد أكثر التقسيمات شيوعا للريف والحضر التي ترتكز علي منطلقين أساسيين المهن والأنشطة الاقتصادية وعدد السكان وفي هذا المعيار يتم اتخاذ رقم محدد في جداول التعداد السكاني يكون عنده الحد الفاصل بين الريف والحضر، أو بين القرية والمدينة، ويتفاوت هذا الرقم من دولة لأخري حسب النشاط الاقتصادي السائد وعدد سكان الدولة، فمثلا أيسلندا تعتبر القرية كل مركز عمراني يقل عدد سكانه عن 300 فرد فقط، وما زاد عن ذلك يدخل في عداد المدن بينما كنــدا تعتبر الرقم 1000 من السكان هو الفارق بين الريف والحضر، أما الولايات المتحدة الأمريكية تتخذ رقم التعداد السكاني 2500 نسمة، حدا فاصلاً بين الريف والمدينة.
وهكذا يبدو التفاوت صارخاً في أحجام القري من دولة لأخري، ولذلك تعتمد الدراسة للقرية المصرية، ومشكلات السكن بها علي المنطلق الأول، والمتعلق بالنشاط الاقتصادي للمحلة العمرانية، علي اعتبار أن بعض القري في مصر يزيد عدد سكانها عن 40.000 نسمة في حين إن هناك بعض مدن العواصم الإدارية اقل من ذلك حجما بكثير.
إذ أن تضخم عدد سكان بعض القري بهذا الشكل لم يقفز بها إلي مصاف المدن لأن النشاط الاقتصادي بها لم يتغير، وكذلك طبيعة العلاقات الاجتماعية. وعلي ذلك فالقرية هي كل محلة عمرانية يعمل غالبية سكانها في الأنشطة الإنتاجية الأولية (غالبا الزراعة وتربية الحيوان والصيد المائي).
بينما المدينة هي كل محلة العمرانية يعمل غالبية سكانها بالصناعة والخدمات (صناعة، حرف يدوية، تجارة جملة، توكيلات. الخ).
ثم تورد الدراسة تصويرا للتغييرات التي طرأت علي القرية المصرية في العقود الأخيرة، من النواحي المختلفة، عمرانياً، وسكانياً، واقتصادياً، والتي جعلتها أقرب إلي الريف المتحضر أو الحضر الريفي وما يترتب علي هذه التطورات من تغيرات أنماط السكن واحتياجاته المختلفة من المرافق والخدمات، وما يحتاجه الريف تخطيطا كي يتواكب مع ما تغير فيه تلقائياً، حيث تضاعفت أعداد القري خلال القرنين الماضيين، حيث كان عددها 2325 قرية في عصر محمد علي، وأخذت في الزيادة حتي صار عددها 4066 عام 1976، ثم 4129 عام 1986، ووصل حاليا إلي نحو 7000 قرية بفعل النمو المستمر في أعداد سكان العزب والتوابع الصغيرة وانضمامها إلي عداد القري.
ويعود ارتفاع عدد القري إلي التحسن النسبي الذي شهدته القرية المصرية، بداية من التوسع في استخدام الري الدائم، إلي مد خطوط السكك الحديدية والتي يخترق معظمها قلب الريف، وليس نهاية برصف الطرق بين المدن والتي خدمت الريف دون قصد، إلا أن التحسن النسبي الذي شهدته القرية والذي أدي إلي تلك الزيادة في أعداد القري، لم يشفع في خفض معدلات الهجرة من الريف للمدينة، فرغم الزيادة المستمرة في أعداد السكان في الريف، إلا أن نسبتهم للعدد الكلي للسكان ظلت تتراجع.
وليس يغيب عن الذهن اثر جهود ثورة 23 يوليو 1952 في تنمية، والاهتمام بالريف المصري، وقوانين الإصلاح الزراعي، في خفض معدلات الهجرة من الريف للمدينة (بل إن التطورات اللاحقة في المدن أدت إلي شكل من الهجرة العكسية).
ومما لاشك فيه أن القرية المصرية قد تغيرت خلال العقود الثلاثة الأخيرة، أي منذ نهاية سبعينيات القرن العشرين قد تغيرت تغيراً جذرياً وفي صلب الموضوع بعد ذلك تعدد أنماط السكن في الريف المصري والتي أصبحت تتدرج من العشة حتي القصر، وذلك طبقا للأوضاع الطبقية والمهنية المستحدثة في الريف المصري، والتي أصبح ضروريا معها إعادة ترتيب المحلة العمرانية الريفية، لتصبح نسقا عمرانيا منظما ولائقا بالحياة البشرية المعاصرة حيث نلاحظ اختفاء النمط التقليدي للقرية المصرية والقائم علي بيوت الدور الواحد المبنية بالطوب اللبن ومسقوفة بالخشب والبوص والطين وملحق بها حظيرة للماشية، تمرح الطيور المنزلية في مداخلها وحجراتها وفي الشوارع المحيطة بها، تعلوها أكداس من قش الأرز وحطب القطن والذرة ويتعالي الدخان من جنباتها عند الطهي أو إعداد الخبز.
انتشرت النوافذ خشبية ضيقة والأبواب العتيقة البالية وأرض البيت المتربة والأثاثات بسيطة والشوارع بين البيوت ضيقة ومتعرجة لا تتسع إلا للدواب والماشية وعربات الكارو المحملة بحاصلات الحقل في مواسم الحصاد ومخلفات الحيوانات في كل الأوقات.
بالطبع هذا موجود وأكثر وخاصة في العزب والقري الصغيرة والأكثر تباعدا من المناطق الحضرية والمدن الكبري ولكنه أصبح نمطا حفريا وتراثيا من العمران الريفي.
أما المشهد الغالب اليوم علي الريف فهو العمارات السكنية المتعددة الطوابق والشقق وإن كانت مساحاتها ومستويات تشطيبها وتأثيثها مما يمكن أن يطلق عليه المساكن المتوسطة المستوي.
وإلي جوارها بنايات خرسانية أخري يمتد ارتفاعها إلي دورين وثلاثة تؤوي مجموعة من الأسر ، ونمط ثالث انتشر في معظم القري في بدايات تسعينات القرن العشرين وتحديداً بعد سنة 1992 بعد زلزال 12 أكتوبر من نفس العام ألا وهو عمارات الإسكان الشبه محدودة التكاليف والتي أقامتها الدولة في الريف بدلا من المدن لإيواء المتضررين من الزلزال والذين تهدمت بيوتهم بفعل الزلزال فما كان من السلطات إلا أن ضربت عصفورين بحجر واحد، إيواءهم والتخلص من عشوائياتهم وتلويثهم لفضاءات المدن الرحبة التي أرادوها نقية معطرو لأغنياء العهد البائد.
إلا أن الأمر لا يخلو من بعض المباني وليدة عصر أزمة السكن، وقلة الحيلة كتلك المقامة بمواد حديثة (الخراسانات المسلحة، والاسمنت، ولكنها معروشة بالبوص والخشب، والأخري التي أقيمت مؤخرا ببلوكات الحجر والأسقف الخشبية المعتادة، والتي انتشرت كالسرطان في الدلتا والصعيد علي السواء).
ويأتي في النهاية غريبا علي الحياة الريفية وعمرانها نمط الفيلات الفارهة والاستراحات الفخمة والتي انتشرت في معظم القري القريبة من الحواضر الكبري تحيطها الحدائق الغناء وتبدو عليها من نظرة عابرة سيماء الأبهة والعظمة.
وفي الإطار السابق وفي محاولة لقياس مدي اتفاق حالة السكن في الريف المصري مع المعايير الدولية للحق في السكن ـ نعدد أهم المشكلات التي يعانيها الريف في مجال المرافق والخدمات من حيث وجودها من عدمه، وفي حالة وجودها مدي كفايتها وملاءمتها، ورغم الرغبة في الدفع نحو وجود قرية عصرية حضارية إلا أن الدراسة تركز علي المرافق الأكثر حيوية، فبحثت حالة مرافق الصرف الصحي ومياه الشرب والكهرباء والنظافة. ومثال علي ذلك مشكلة الصرف الصحي حيث أكد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشئون الإنسانية أن مرافق الصرف الصحي لا تحظي بالاهتمام في مصر، وقال تقرير للمكتب صدر في 2008/3/3 أن معظم الصرف الصحي بدائي ويفتقر إلي نظام صرف مناسب و أشار التقرير إلي أن مصر تأتي في الترتيب السادس عشر بين أسوأ دول العالم بجدول الصرف الصحي استنادا لتقرير (ووتر إيد) الذي صدر مؤخراً.
وفي نفس العام 2008 دعا برنامج الألفية التنموية للمياه والصرف الصحي التابع للأمم المتحدة، دعا مصر إلي ضرورة توفير الصرف الصحي لـ 77% من سكانها البالغ عددهم 80 مليون نسمة بحلول العام 2010.
وأشارت الألفية التنموية إلي أن المراحيض بالمناطق الزراعية، في حال وجودها أصلا تطفح في بعض الأحيان أو يتم تفريغها قبل تحويل الفضلات إلي أسمدة، مما يؤدي في أغلب الأحوال إلي تلوث المياه الجوفية، وما ينتج عن ذلك من مخاطر صحية للسكان. وهي احتياجات أساسية لابد أن تتطور بالتوازي مع تطور الريف والسكن الريفي، وتركت الدراسةجانبا ـ ومؤقتا بطبيعة الحال ـ الحديث عن إشباع الحاجات الثقافية والترفيهية للقرويين بصفة عامة، والفلاحين بصفة خاصة، وهي جميعها حقوق أصيلة من حقوق الإنسان المصري المعاصر، لا يستقيم الميزان الاجتماعي بدون إشباعها.
- علاج المشكلة
ثم تعقب ذلك بطرح أهم الحلول - من وجهة نظر الدراسة - الكفيلة لعلاج مشكلات السكن والمرافق في الريف المصري، وذلك ليس فرضا لحلول وعلاجات، بقدر ما هي محاولة لفتح باب المناقشة حولها، للوصول إلي أهم الأطروحات العلاجية لمشكلات الريف، لأن الغرض في النهاية هو تطوير حياة الريف والريفيين باعتبارهم الجانب المنتج والأكثر عطاءاً في المعادلة الإنسانية المصرية، ومن هذه الحلول وعي المسئولين في وزارة الإسكان أن يتخطي سكان المدن الكبري إلي كل سكان مصر، إقامة مئات وربما آلاف القري في الظهير الصحراوي في الصعيد أو ساحل الدلتا الشمالي أو الساحل الشمالي الغربي وسيناء وفي الأراضي المستصلحة في شرق الدلتا لسكان الريف مما يضمن حلا جزريا لمشكلاتهم، إسراع الخطي في اتجاه استكمال تأسيس نقابة الفلاحين، لاعتقادنا أنها ستكون معولا ضخما يهدم بقايا وأطلال النظام السابق ويتيح للفلاحين حياة يستحقونها علي ارض يملكونها.
ثم تذكر الدراسة - الدور المقترح - لدور منظمات المجتمع المدني في رصد المشكلات المتعلقة بالريف عموما، ومشكلات السكن بصفة خاصة، وطرح الحلول الواقعية أو الافتراضية التي يمكن عن طريقها خروج الريف من أزمته بل والنهوض به وتطويره منها أنه ينبغي علي المراكز الحقوقية المصابة بفيروس التواجد القاهري أن تدرك أن مصر ليست القاهرة وأن المصريين ينتشرون في 27 محافظة وأن هناك قضايا تمس القرويين أخطر من تلك التي تنتاب العاصمة، بل إن أحد أهم حلول مشكلات القاهرة هو علاج مشكلات الريف وخاصة في مجال السكن، استثمار النجاحات التي حققتها بعض المراكز الحقوقية في مجالي الدفاع عن الفلاحين سكان أراضي الأملاك، أو منتفعي الإصلاح الزراعي السابقين، وكذا استرداد أراضي وممتلكات الدولة المسروقة، والبناء عليها في تحقيق المزيد ثم نبين كيف يمكن لهذه المنظمات أن تراقب تنفيذ خطوات الاهتمام بالريف ومشكلات السكن به، ومتابعة تنفيذ روشتة العلاج علي أرض الواقع.
وفي الختام توضح الدراسة الفارق البين في رصد وطرح ومتابعة حلول المشكلات حتي 24 يناير 2011 في ظل نظام الحكم الفاسد البائد والذي أهمل مصر عامة وريفها خاصة وتفرغ لفساده وثرائه الغير مشروع، وبين الواقع الراهن بعد 25 يناير 2011 وفضاءات الحرية والانطلاق المتاحة والمفتوحة لمزيد من الرؤي والأحلام لنهضة الريف ورفعة المواطن، هذه الرؤي وتلك الأحلام التي نؤمن يقينا انه لامناص من الانطلاق إليها، ومن تحقيقها إذا كنا جادين في أن نكون حداً فاعلا في المعادلة الإنسانية المعاصرة والمستقبلة.