Share |
يونية 2011
1
بالصور. توشكي الآن
المصدر: مجلة الشباب
بقلم:   محمد شعبان


علي مر العصور لم يتوقف زحف المصري القديم علي ضفاف النيل حتي ضاق الوادي به. من هنا جاء حلم توشكي من أقصي الجنوب لخلق حياة جديدة ودلتا أخري لمصر تتشابه مع دلتاها العليا من حيث الخضرة والخير والجمال. وعلي مدار 13 سنة هي عمر المشروع لم تسلم توشكي من الهجوم ولهذا تعد أكثر المشروعات إثارة للجدل في تاريخ مصر الحديث نظرا لارتباطه بالرئيس السابق ولهذا كان ميدانا رحبا لتصفية الحسابات والصراعات السياسية مع أنه كان في الأصل مشروع كل المصريين الذي لم يكتمل. لهذا قررنا أن نقطع أكثر من 1400 كيلو متر جنوبا من أجل أن نعرف الحقيقة بالأرقام والتفاصيل عبر سطور التحقيق التالي.
في أثناء زيارتنا الشاملة لتوشكي رافقنا المهندس طارق عويس مدير إدارة نظم المعلومات والتدريب والعلاقات العامة بالمشروع بوزارة الري حيث رصد لنا بالأرقام كشف حساب توشكي حتي كتابة هذه السطور قائلا: يتولي زراعة واستصلاح توشكي أربع شركات كبري هي المملكة (الوليد) والظاهرة الإماراتية والراجحي وشركة جنوب الوادي المصرية وتقوم المساحة الإجمالية للمشروع والتي تقدر بـ540 ألف فدان علي أربعة أفرع مائية وهي فرع (1) ويضم 120 ألف فدان بطول 24 كيلو متراً وكان مخصصاً منها 100 ألف فدان لصالح شركة المملكة للتنمية الزراعية وصاحبها الأمير الوليد بن طلال وقد بدأت الشركة الزراعة علي مساحة 17 ألف فدان ولكن الوليد بن طلال لم يزرع حتي الآن سوي ألفي فدان أي 2% من إجمالي المساحة التي حصل عليها وذلك بزراعة العنب والفراولة والخضراوات والشعير وبعض أنواع من علف الماشية أما الـ20 ألف فدان الأخري فتستثمر فيها شركة الراجحي وتقوم حاليا بزراعة 10 آلاف فدان من إجمالي 25 ألف فدان مخصصة للشركة كمرحلة أولي أما فرع (2) فيضم 120 ألف فدان مخصص منها 45 ألف فدان لصالح شركة جنوب الوادي للتنمية الزراعية وهي شركة مصرية تابعة لوزارة الاستثمار وتم في هذا الزمام حتي الآن زراعة 14 ألف فدان وجار استصلاح وزراعة 7 آلاف فدان أخري في حين يضم فرع (3) 100 ألف فدان بطول 23 كيلو مترا وتم تخصيصه لصالح شركة الظاهرة الإماراتية وهذا الفرع يقوم بتمويله صندوق أبوظبي بتكلفة 100 مليون دولار ولم تبدأ الزراعة في هذا الفرع حتي الآن أما فرع (4) فقد توقف العمل به ومن المفترض أنه يضم 200 ألف فدان بطول 57 كيلو مترا أي أن مساحة توشكي الإجمالية تبلغ بدقة نحو 540 ألف فدان وهي تعادل تقريبا مساحة الأراضي الزراعية في محافظتين ولهذا كانت أهمية وخطورة هذا المشروع.
والسؤال الأشد خطورة يتصل بعلاقة المشروع بمؤسسة الرئاسة وكيف كان يتم تخصيص الأرض ولماذا غاب المستثمر المصري من توشكي؟
حول ذلك يقول المهندس طارق: المشكلة الكبري التي كانت تواجه المستثمر المصري هي أن تخصيص أراضي توشكي كان يمثل لغزاً كبيراً فالمفروض أن وزارة الزراعة كانت مسئولة عن هذا التخصيص لكن واقع الحال كان يؤكد أن التخصيص كان يتم من الجهات السيادية العليا أي من رئاسة الجمهورية ورئاسة الوزراء من منطلق أن توشكي كانت مشروع الرئيس السابق ولهذا حضر أحد المستثمرين المصريين وطلب من إدارة المشروع أن يأخذوا عليه كافة الضمانات من أجل أن يحصل علي قطعة أرض في المشروع فكان جزاؤه أنه "لف كعب داير" علي الوزارت ومن وزير لوزير ومن مسئول لمسئول حتي وصل في نهاية الأمر إلي رئاسة الجمهورية وفي رئاسة الجمهورية طلبوا منه مبالغ مضاعفة وثبت أن هؤلاء المسئولين في رئاسة الجمهورية لم يكونوا مسئولين عن الأمر كله ولهذا لم يستطع المستثمر المصري أن يصل إلي الجهة المنوط بها توزيع الأرض والمفروض أنها هيئة التعمير في النهاية أيضا من ناحية أخري كان المستثمرون المصريون خائفين من المجيء إلي توشكي فلما جاء الوليد قدموا له كل التسهيلات والخدمات من أجل أن يزرع ويشجع باقي المستثمرين علي المجيء إلي هنا لكن الوليد كانت مشكلته أن حركته بطيئة جدا ولم يزرع سوي 2% من المساحة طوال السنوات الماضية فتسبب في الإساءة لسمعة المشروع وتسبب في مشكلة أحرجت النظام السابق كله وللأسف أيضا تصفية الحسابات بين النظام والمعارضة أضرت بالمشروع الذي كان يتم اتخاذه كوصمة عار علي جبين النظام السابق وأنه مشروع فاشل وكلف الدولة المليارات وكان هذا الهجوم يتم علي وجه الخصوص في فترات الانتخابات البرلمانية والرئاسية وقد أدي ذلك إلي عرقلة المشروع وتأخيره سنوات بل وقلل من حماس الدولة له حتي تم إهماله مع أنه مشروع كل المصريين وأنا أعتقد أن جميع ما تم إنفاقه علي المشروع والذي وصل حتي الآن إلي 5.6 مليار جنيه لم تشبها أي ذرة فساد من الناحية الفنية التي قامت بها وزارة الري.
توشكي خالية من الحياة
يواصل المهندس طارق حديثه قائلا: مشروع توشكي لم يكن خاضعا لإشراف وزارة الري فقط التي تولت مسئولية رفع المياه من بحيرة ناصر إلي المشروع وإنشاء الفروع المائية ومحطات الرفع وتوصيل المياه للأرض وإنما كانت هناك أدوار أخري ومسئوليات تم توزيعها علي باقي الوزارات من أجل خلق حياة كاملة في المكان كامتداد لمصر في الجنوب وكان المفروض أن يحدث توطين في توشكي لذلك تم تكليف وزارة الإسكان ببناء مدينة توشكي الجديدة وتم تعليق لافتة تحمل هذا الاسم منذ عام 1998 ولكن لم تقم الوزارة بأي دور ولم تضع حتي حجر أساس وكان ذلك منذ أيام محمد إبراهيم سليمان وأيضا كان مطلوبا من وزارة النقل أن تمد شبكة طرق وأن تقوم هيئة السكك الحديدية بإنشاء خط سكة حديد يربط توشكي بالعمران عند أسوان حتي يتسني للجميع أن يحضروا إليها في القطار من الإسكندرية مرورا بجميع أنحاء الجمهورية ولكن هذا لم يحدث فتوشكي مقطوعة الصلة بأي عمران حيث تبعد عن أسوان حوالي 240 كيلو متراً جنوبا أيضا كان مطلوبا من وزارة الصحة أن تنشيء مستشفيات عامة في المكان لكن هذا لم يحدث وبإمكان الزائر أن يري مبني مهجورا يقف علي الأعمدة الخرسانية كان من المفترض أن يكون مستشفي توشكي الجديد ولكن هذا لم يحدث أيضا كان من المفترض أن تقوم وزارة التربية والتعليم بإنشاء مدارس صناعية وزراعية في المكان ولكن هذا لم يحدث إذن لم يتحرك أحد سوي وزارة الري التي حملت عبء مد المياه لتوشكي في حين لم يتحرك أحد من الباقين فبدا المشروع هكذا منقوص الخدمات وقيل إن محمود أبوزيد وزير الري السابق عندما تكلم عن الأدوار الغائبة في المشروع تمت إقالته من منصبه. وعندما هوجم توشكي بشراسة من أحزاب المعارضة بدأت الميزانيات والاعتمادات تقل أيضا كان هناك مبرر للنقد والهجوم وهو أن المردود الانتاجي كان بطيئا جدا ولم يكن كما كان متوقعا أيضا لم تكن هناك استراتيجية لزراعة المحاصيل القومية مثل القمح والذرة وإنما تركت الحرية للمستثمر أن يزرع ما شاء.
أين الحكومة؟
يقول المهندس طارق: حماس الحكومة قل منذ سنتين وهذا يعزي لسوء الإدارة يعني الحكومة عملت حاجة كويسة ولكنها لم تستطع أن تديرها فكانت النتيجة أن المشروع من الناحية الفنية تم إنجازه بنسبه 100% أي نسبة وصول المياه للمكان لكن النسبة لم تصل إلي 50% في باقي النواحي أما الإنتاج فهو مسئولية المستثمر وكان المفروض أن تكون هناك جهة تتابع ما تم إنجازه وقد ثبت أن تشجيع المستثمر الأجنبي علي تولي مشروعات الدولة العملاقة ثبت أنه كلام فارغ خاصة في المجال الزراعي لأن رأس المال جبان أو أن المستثمر يخاف أن يرمي فلوسه في الأرض مادام لم يتحقق له الربح السريع وهذا لا يتحقق في الزراعة لأنك هنا لو دفعت 100 قرش فإنك يجب أن تنتظر 4 سنوات حتي تسترد أول قرش وسنوات أخري حتي تحقق المكاسب أو تجني ثمار ما زرعته ولهذا كان يجب منذ البداية أن يستمر الفكر القديم في تولي الدولة مسئولية المشروعات القومية وهناك بالفعل شركات استصلاح زراعية مصرية وقومية كان المفروض أن تأخذ قروضاً طويلة الأجل من أجل أن تعمل في المكان ولو حدث هذا لكانت خريطة توشكي تغيرت تماما فمثلا شركة جنوب الوادي المصرية التابعة للدولة ضربت أفضل الأمثلة في سرعة الزراعة وفي الإنتاج حتي زرعت حتي الآن 14 ألف فدان منها محاصيل استراتيجية مثل القمح وتدل خريطة المساحة المزروعة والمنتجة في توشكي الآن علي هذا الفارق بين المستثمر الأجنبي والمستثمر الوطني وبين دور الدولة أو المستثمر الوطني عندما نعلم أن الوليد حتي الآن زرع ألفي فدان فقط أما شركة الراجحي فقد زرعت 12 ألف فدان وهناك عدة مزارع تجريبية أي أن المساحة المزروعة قد لا تتجاوز 35 ألف فدان فقط لكن يبدو أن الحلم كان كبيرا للغاية وهناك ملاحظة هامة جدا وهي أن مشروع توشكي هو أول مشروع يتعامل مع فكرة الأمن القومي عن طريق تأمين حدود مصر الجنوبية بالزراعة وبالبشر وكان الحلم أن يبدأ التوطين من اسفل مصر ويستمر في الصعود حتي أعلي كانت تلك هي فلسفة المشروع من منطلق أن الأرض الزراعية هي أكثر وسيلة تضمن الأمان للمجتمع وهذا أيضا ما تكرر بنفس المنطق في شرق التفريعة ومشروع العوينات في حدودنا الأخري أي أننا هنا كنا نرسم حدودنا بناسنا وبأرضنا بدل ما نترك أرضنا وحدودنا سداح مداح. لكن يجب أن نعلم أن هناك أسباباً أدت لتعثر المشروع وهو أننا يوم أن خططنا للمشروع قلنا إنه خلال 10 سنوات سيتم زراعة توشكي لكن المشكلات التي مرت بها البلد أدت لتباطؤ البرنامج وتأخره وكانت أولي هذه المشكلات هي تحرير سعر الصرف وارتفاع أسعار المواد الخام والقرارات الحكومية المتخبطة والخاصة بتوزيع وتخصيص الأراضي وتراجع حماس الدولة للمشروع الذي شهد ذروة الاهتمام به في عهد الدكتور كمال الجنزوري الذي كان يحرص علي زيارة توشكي بشكل شبه شهري لكن بعده قلت الزيارات يعني عاطف عبيد جاء مرة واحدة مع مبارك أما نظيف فتقريبا لم يزرها.
"أرض الوليد"
الحقيقة التي رأيناها بأنفسنا هي أن أرض الوليد تبدو للناظرين مجرد نقطة خضراء وسط بحر من الرمال حيث اكتشفنا أن الوليد لم يزرع سوي ألفي فدان من الـ100 ألف فدان فقط وفي أرضه يوجد مهبط طيران خاص لاستقبال كبار الزوار الذين كان علي رأسهم مبارك وسمو الأمير نفسه كما يوجد أيضا استراحة خاصة ومكاتب إدارية ومساكن للعاملين بها و يكشف لنا المهندس إبراهيم دحروج مدير المزرعة الحقيقة الكاملة حول هذه الأرض قائلا: سمو الأمير زار أرض توشكي مرة واحدة مع حسني مبارك والوليد لم يجنِ ثمار استثماره في الأرض حتي الآن يعني الأرض عليه بالخسارة و في المساحة الخضراء المستصلحة والتي تعادل ألفي فدان زرعنا عنب وفراوله. وكانتلوب وبعض الخضراوات والمحصول يتم تصديره للسوق الأوروبية خصوصا فرنسا وإنجلترا تحت شعار "from toshka" و جملة إنتاج المزرعة من العنب تصل إلي حوالي 700 طن في الموسم ونحن في طريقنا لتصدير بلح توشكي أيضا لأوروبا و استطعنا أن نصنع ميزة تنافسية لكن للأسف سوء السمعة بدأ يؤثر علي الشركة بسبب كثرة الهجوم علي الأمير وهو كان زعلان جدا وعبر عن أسفه من كثرة الكلام حتي تنازل عن 75 ألف فدان وهي أرض رملية وغير مستصلحة تماما ويحتاج الفدان الواحد منها لاستصلاحه حوالي 15 ألف جنيه أما الأرض المتبقية فجار العمل بها والسبب في هذا البطء أن الاستثمار الزراعي مكلف جدا وقليل العائد وسمو الأمير لم يأخذ حاجة وكان ينفق علي المزرعة بشكل جيد وبشكل علمي وحتي هذه اللحظة لم يجن ثمار ما غرسه ويحتاج لنحو 10 سنوات علي الأقل حتي يحقق المكسب.
ضحايا توشكي
كان من أهم أهداف توشكي فتح المجال لنصف مليون فرصة عمل لكن علي مدار السنوات الماضية يعمل ويعيش في توشكي الآن من 15 إلي 20 ألف عامل فقط وهم أحياء توشكي الذين قرروا البقاء هنا وتحمل الحرارة والمناخ القاسي بلا حياة آدمية ولا مساكن آمنة ولا عيادة ولا مستشفي - حياة قاسية للغاية - وقد شهدت رمال المشروع وفاة عدد كبير من العمال بسبب هذه الحياة حيث يصل عددهم إلي المائة تقريبا وكان وجودهم هنا من أجل الفلوس بعدما فشلوا في الحصول علي فرصة عمل في الوادي الأخضر. وقد تبين لنا أن العامل الشاب يحصل علي أجر شهري يبلغ حوالي 600 جنيه فقط حيث يخضع العمل في توشكي لمبدأ الأجر علي حسب العمل وليس علي حسب الطلب أو الظروف هذا ما أكده لنا العامل هاني الشحات(46 سنة) من مركز ميت غمر بالدقهلية ويعمل في أرض شركة جنوب الوادي حيث يقول: الأجر يتراوح ما بين 500 و600 جنيه واللي مش عاجبه يمشي وفعلا فصلوا حوالي 200 عامل لأنهم طلبوا زيادة في الأجر ولذلك هناك عمالة كبيرة جدا هربت من توشكي وطبعا الشركة توفر لنا السكن في المزارع وتعطينا بدل أكل لكن لا يوجد بدل سفر أي أن المرتب الشهري شامل المواصلات وغالبية الشركات لا تقوم بالتأمين علي العمال إلا بعد سنوات من العمل وهناك عمال يتعرضون لمخاطر الموت والإصابات وضربات الشمس ولا أحد يسأل عنا في هذه الصحراء.
أما عمال مزرعة الوليد فهم تقريبا الأفضل حالا ومع ذلك أضربوا عن العمل ومنعوا المهندسين من دخول المزارع وعلقوا لافتات علي جذوع النخيل تطالب بملاحقة الفساد في المزرعة والقضاء علي سياسة التفرقة العنصرية في الأجور بين عمال بحري وعمال الصعيد حيث إنه حسب قولهم يتم تمييز أصحاب البشرة البيضاء من الوجه البحري ورفعوا لافتات أيضا تطالب بإسقاط النظام ومنع التخريب وطالبوا برفع أجورهم وتساءلوا كيف يتقاضي مهندس 70 ألف جنيه في الشهر وهو جالس في مكتبه تحت التكييف في حين يتقاضي عامل 23 جنيه في اليوم بينما يكدح هذا العامل طوال النهار في الشمس الحارقة وكان عددهم يصل إلي نحو 400 عامل وعندما وصلت شكواهم للأمير طالب بالتحقيق وتبين أن عمال شركة الوليد يتقاضون يوميا أجر يتراوح ما بين 23 جنيها و33 جنيها وكل سنة الأجر يزيد جنيها واحدا كما يتم التأمين عليهم بعد استقرارهم في العمل ولهم مسكن خاص وبدل أكل وقد تم بحث مشكلتهم لتوفيق أوضاعهم.
شباب الخريجين راحوا فين؟
يفند لنا المهندس حسين طه مدير الإدارة المركزية والمهندس المقيم بالمشروع حقيقة هذه الدعوة قائلا: أولا الحلم في توشكي لا يزال قائما وبإمكانه أن يحقق النقلة النوعية إذا ما تم استزراع واستصلاح باقي الأرض لكن حاليا هناك صعوبة كبيرة جدا فيما يتعلق بمشاركة شباب الخريجين في المشروع أولا لأن الفدان الواحد يحتاج بنية تحتية لا تقل تكلفتها عن 15 ألف جنيه في صورة شبكات تنقيط وتجهيزات للري ولذلك يتم تسليم الأراضي للمستثمرين شاملة البنية القومية أي أن تكون المياه علي رأس الأرض أما تجهيزات الأرض من الداخل فهي مسئولية المستثمر ولهذا فإن الموضوع مكلف جدا أيضا المشروع يحتاج خدمات إعاشة مناسبة وهذا غير متوافر ولكن لو أنا خدمت الأرض وجهزتها وعملت خدمات ومستشفيات ومدارس وطرق بحيث يأتي الشباب لتسلم الأرض جاهزة علي الزراعة هنا فقط ممكن يشارك شباب الخريجين لكن ما دون ذلك فإن الأمر سيكون مستحيلا أي أن الدولة يجب أن تتحمل عبء البنية الداخلية والخارجية والقومية ولهذا فإن المشروع كله في توشكي تقوم عليه أربع شركات كبري بينها شركة واحدة مصرية ولا يوجد دور للمستثمر الصغير.
ما هي طبيعة العقود؟
يجيب المهندس علي عبدالمجيد منوفي مدير عام مشروعات الصرف ومشرف أعمال المكتب الفني بالمشروع قائلا: لم تكن تشتمل عقود تخصيص أراضي توشكي في البداية علي إلزام المستثمرين علي زراعة محاصيل معينة قد تحتاجها الدولة أي أن من حق المستثمر أن يزرع ما يشاء وفي أي وقت أيضا كان يتم تسليم المساحة كلها دفعة واحدة وعندما تعثر المشروع تم تعديل صيغة العقود فمثلا تم تسليم شركتي الراجحي والظاهرة الأراضي علي مراحل بواقع 25 ألف فدان وتم إلزامهما بموعد محدد لزراعة الأرض وفق برنامج زمني معين علي أساس أنه بعد أن تتم عملية الزراعة تتسلم الشركة 25 ألف فدان أخري ومن هنا نضمن جديته وإذا ما تعثر أو تباطأ في الرزاعة يتم سحب الأرض كاملة ومن هنا استطاعت الدولة من خلال هذه العقود الجديدة أن تقضي علي "دلع" المستثمرين. أيضا ميزة أرض توشكي أن المياه متوافرة وجاهزة للري لأن المشروع يتم تغذيته من بحيرة ناصر ومن المعلوم أن كمية الفاقد من المياه في هذه البحيرة يعادل 10 مليارات مترمكعب أي خمس حصة مياه مصر من النيل ولهذا فإن استغلال مياه البحيرة كان يمثل بعدا استراتيجيا وقوميا.
عودة الأمل!
أما عن عودة الأمل في توشكي في فترة ما بعد الثورة فيقترح المهندس عبدالحافظ طه أحمد مدير عام الدراسات والبحوث بالمشروع أن تكون توشكي حلم جميع المصريين مثل حلم السد العالي وليس حلم المستثمرين خاصة وأن توشكي عادت للشعب مرة أخري بعد أن تنازل الوليد عن الـ75 ألف فدان وكتابة عقود جديدة مع باقي الشركات أي أن حوالي 80% من أرض توشكي هي ملك الشعب وملك الدولة بل إن هناك 200 ألف فدان فارغة لم تدب فيها الفأس حتي الآن إذن مازال الحلم مستمرا ونحن نعتقد أيضا أن المنطقة لن يعمرها الوليد ولا الراجحي وإنما سيعمرها المصريون إذا ما جعلناها حلما لكل شاب وذلك يتم من خلال طرحها للاكتتاب العام مثلما فعل طلعت حرب باشا في العشرينيات والثلاثينيات عندما كان هناك حلم وكان هناك أيضا إيمان بالحلم وتوشكي حتي الآن لم تستغل مع أن المياه تجري أسفلها أو تجري أسفل 350 ألف فدان علي الأقل وبالإمكان أن تجري أسفل نصف مليون فدان أيضا توشكي أخذت اهتماماً رسمياً ثم توقف هذا الاهتمام لكنها لم تحظ باهتمام شعبي.
أين يذهب محصول توشكي؟
من خلال زيارتنا للمشروع تبين أن إنتاج توشكي من المحاصيل يشمل الفاصوليا والبسلة والطماطم والشعير والقمح والفول السوداني والعنب والمانجو والبلح وهو إنتاج ضئيل للغاية قياسا علي المساحة الخضراء أو المزروعة لكن هناك أصناف تحمل ميزة تنافسية عالمية مثل عنب سمو الأمير الذي يتم تصديره لأوروبا والفول السوداني الذي يصدر لأوروبا بسعر 3 يوروات للكيلو أيضا هناك تعاقدات تتم مع شركات المياه الغازية لزراعة الشعير حيث إن 3 حبات من شعير توشكي تكفي لصناعة زجاجة "بيريل" أما المانجو والفراولة والخضراوات فتجد طريقها أحيانا للهايبر ماركت الشهيرة بالقاهرة والإسكندرية ولكن لا يوجد منفذ توزيع رسمي لإنتاج توشكي إلا في مدينة أبوسمبل علي بعد 50 كيلو متراً من المشروع نفسه حيث يقول محمد عزب حجازي مدير إدارة التسويق والتعاقدات بشركة جنوب الوادي للتنمية بتوشكي: إنتاج توشكي ليس ضخما حتي يحظي بالانتشار الواسع وكان هناك منفذ واحد في القاهرة وتم إغلاقه نظرا لارتفاع تكلفة النقل وعدم تحقيق مكاسب كافية ومن المعلوم أن محصول توشكي يظهر قبل موسمه بحوالي شهر ونصف أي أن العنب مثلا ينضج في توشكي مبكرا جدا قبل موعده وبالنسبة للخضراوات فإننا نقوم بشحنها إلي شوادر سوق الجملة في أسوان وطبعا إنتاجية الأرض في توشكي عالية جدا يعني يكفي أن نعلم فدان الطماطم ممكن نجمع منه ألف صندوق من الحجم المتوسط أما القمح فإن الفدان ينتج نحو 18 أردبا وهو أيضا إنتاج كبير وعال وبالنسبة لشركة جنوب الوادي فإننا زرعنا حوالي 6 آلاف فدان ووردنا للمطاحن في أول دفعة حوالي 4 آلاف طن قمح. لكن المشروع في بداياته ويحتاج لمزيد من الصبر والجهد والاهتمام.