Share |
يوليو 2011
2
هذا أو الطوفان. هذا أو الكارثة!
المصدر: الأهرام اليومى
بقلم:   حسن طلب

د. حسن طلب

هذا هو ناقوس الخطر يدق بيد المفكر الحر وهو يرى مجتمعه على حافة الهاوية، فيجرد قلمه ويصيح فينا بهذه العبارة: (هذا. أو الطوفان)! ثم يأتى مفكر حر آخر ليرى الخطر لا يزال محدقا، فيعيد على مسامعنا الصيحة نفسها وإن اختلفت الألفاظ: (مجتمع جديد أو الكارثة)!
كانت الصيحة الأولى هى عنوان كتاب شهير أصدره فى خمسينيات القرن الماضى «خالد محمد خالد»، أما الثانية فعنوان كتاب أصدره «زكى نجيب محمود» عام 1978، أى بعد حوالى ربع قرن من الصيحة الأولى، معترفا بأنه اقتبس ذلك العنوان من كتاب مترجم لفريق من العلماء والباحثين، يقترحون فيه الأسس النظرية التى يمكن أن يقام عليها مجتمع جديد فى أمريكا اللاتينية.
وبعد سنوات قلائل تتكرر الصيحة للمرة الثالثة، وكان الصائح هذه المرة هو شهيد الرأى الحر: «فرج فودة» فى: (قبل السقوط)، ثم فى: (نكون أو لا نكون). ويبدو أن الناقوس، الذى لم تتوقف دقاته المنذرة بالخطر منذ حوالى ستة عقود، لم يفلح بعد فى إيقاظنا من سباتنا الطويل لنتنبه إلى الطوفان القادم، أو الكارثة المحققة، أو السقوط الوشيك!
لقد كان الخطر الذى حذرنا منه بقوة وإصرار هؤلاء المفكرون الأحرار، واحدا فى جوهره، فهو ماثل فى غياب حياة العقل والحرية والعدل، لصالح حياة الخرافة والاستبداد والقهر على المستوى الدينى والسياسى والاجتماعى، غير أن استجابتنا السلبية لصيحات التحذير ظلت كما هى، ولو وجدت صيحة «خالد محمد خالد» فى (هذا. أو الطوفان) آذانا مصغية، لما احتاج «زكى نجيب محمود» إلى أن يكتب:
(مجتمع جديد. أو الكارثة)، ولا احتاج «فرج فودة» إلى أن يكتب: (قبل السقوط)، فكيف بقينا هكذا لا نحرك ساكنا عقودا بعد عقود! وإن تحركنا بعد سكون، تجىء حركتنا دائما إلى الخلف! فنسير القهقرى خطوات باتجاه الماضى، فى عالم يغذ الخطى كل يوم، بل كل لحظة باتجاه المستقبل؟!
ربما يصدمنا حال هذه الأمة التى جعلت أصابعها فى آذانها واستغشت ثيابها، فتخلفت عن ركب الحضارة الإنسانية، وأصبحت تعيش عالة على عصرها، على الرغم من أن الله قد وهبها من رسل الحرية وحملة مشاعل العقل من ينبهونها ويستنهضونها بالصيحة بعد الصيحة، ولكن لا حياة لمن تنادى! غير أن دهشتنا ستزداد أضعافا، حين نعلم أن صيحات الاستنهاض تلك لا تعود بدايتها إلى ستة عقود خلت فحسب، إنما إلى بضعة عشر عقدا من الزمان! فلم يكن «خالد محمد خالد» هو أول من دق ناقوس الخطر، لا. ولا صدمة اليوم هى الأولى! فقد سبق أن خبرها من قبل «زكى نجيب محمود»، حين خطر له أن يختبر صيحات رواد النهضة الأوائل وما تبقى من أصدائها، منذ رفاعة الطهطاوى ومحمد عبده، إلى أحمد لطفى السيد والبقية من رفاق جيله وتلامذته، فماذا وجد؟.
كنا فى عام 1977، حين راح «زكى نجيب محمود» يستعيد قصة النهضة المصرية منذ الولادة الأولى، ولم تكن هذه البذور فى رأيه غير فكرة الحرية فى صورتها الجنينية كما عبر عنها الطهطاوى فى كتابه: (المرشد الأمين للبنات والبنين)، حيث قسمها إلى خمسة أنواع، أولها: ماثل فى الحرية الطبيعية التى يتمتع بها الإنسان فى الأكل والشرب وما إليهما، والثانى فى الحرية السلوكية، والثالث فى الحرية الدينية، ثم تأتى الحرية المدنية وأخيرا الحرية السياسية. وتتضمن الحرية بأنواعها الخمسة مبدأ المساواة، إذ إن الطهطاوى لم يفرق فيها بين رجل وامرأة، فكان من جهة أول داع إلى حرية المرأة قبل قاسم أمين، ومن جهة أخرى أول بشير بالديمقراطية السياسية قبل أحمد لطفى السيد. وحين جاء الأفغانى إلى مصر، وجد الطهطاوى قد مهد له التربة، وهذا هو سر نجاحه، فقد سبق له أن جرب التربة فى بلاد الفرس، ثم فى الآستانة، فلم ينبت ما بذره إلا فى التربة المصرية وحدها بفضل الطهطاوى، كما لاحظ أحمد أمين فى كتابه (زعماء الإصلاح).
ولا ينسى «زكى نجيب محمود»، وهو يشخص ببصره إلى الوراء ويرهف السمع لأصداء صيحات العقل كما أطلقها الرواد، أن يقف بتقدير واحترام عند صيحة الإمام محمد عبده التى انتصرت للعقل فجعلته أساسا للدين، إذ أقام العقيدة على أصلين: أولهما هو النظر العقلى، فما دام الإسلام يقاضينا إلى العقل، فقد وجب أن يذعن لسلطته، أما الأصل الثانى فهو تقديم العقل على ظاهر الشرع عند التعارض، بما يستلزمه هذا من تأويل ذلك الظاهر تأويلا يتفق مع أحكام العقل. ويكفى الإمام بعبارة «زكى نجيب محمود»، أنه أدخل إلى الجماجم المظلمة أشعة من ضياء العقل، تطارد خفافيش الخرافة! أما «أحمد لطفى السيد» فلم تكن صيحته أقل دويا وهو الذى أوشك كيانه أن يتحول إلى عقل مجسد، بعبارة زكى نجيب محمود أيضا.
وتترامى أصداء صيحات أخرى تحذرنا من التخلى عن العقل وإلا دفعنا الثمن باهظا، حيث يصغى أستاذنا هذه المرة لصوت «محمد إقبال» يتناهى إليه من وراء الحدود، لينبه إلى أن الإسلام ما كان له أن يصبح خاتمة الأديان، إلا لأنه قد ترك التحكيم للعقل، وليس لتقاليد الأسلاف، إذ لو كانت التقاليد هى مدار الحكم فيما يجوز ولا يجوز، لكان الناس بحاجة إلى رسول جديد كلما اقتضت ظروف الحياة الجديدة معايير جديدة، غير المعايير التى جسدها الأسلاف فى تقاليدهم.
توالت صيحات التحذير عقدا وراء عقد، وكلها يدور حول الفكرة الأساسية نفسها: إما نور العقل. أو الاستسلام لظلام الخرافة! فماذا عسى كانت الاستجابة؟
لنعد مرة أخرى إلى عام 1977، ولنستمع إلى «زكى نجيب محمود» وهو يتتبع أصداء تلك الإنذارات شديدة اللهجة ويتلمس آثارها بين الناس على أرض الواقع، ولننظر ما الذى وجد، فلعل ما صدمه فى ذلك العام، هو بعينه ما سيصدمنا نحن فى عامنا هذا!
يقلب أستاذنا الكبير صفحات عدد جديد من مجلة ثقافية واسعة الانتشار، فإذا بمقال أداره كاتبه حول البحث فى زراعة الأرض من وجهة نظر الإسلام، أتجوز هى أم لا؟! ولم يدخر الكاتب الفاضل وسعا فى حشد النصوص والشواهد التراثية التى تدل على أن الزراعة جائزة شرعا، والحمد لله الذى وفقه فى مسعاه الخطير، وإلا أصبحت زراعة الأرض حراما على المسلمين!
ولعلنا اليوم فى حال أشد بؤسا وتعاسة من تلك التى عانى منها خالد محمد خالد، ثم زكى نجيب محمود، فقد بدأ أعداء العقل يلوحون بسيف التكفير فى وجه كل من تسول له نفسه أن يفكر، أو يعمل عقله فى سائر ما يروجون له من خرافات!