Share |
يوليو 2011
22
قانون "الدية" في الشريعة الإسلامية بالجبر أو الاختيار
المصدر: الأهرام المسائى
بقلم:   عمرو جمال

ثورة جمعة الغضب

أثار البعض مؤخرا قضية قبول أهالي شهداء ثورة 25 يناير الدية من الضباط المتهمين بقتل الثوار، مقابل التنازل عن القضايا المرفوعة ضدهم، وأبدي البعض موافقته علي مبدأ قبول الدية، لأنها أمر تجيزه الشريعة الإسلامية، فيما اختلف آخرون علي اعتبار أن حق هؤلاء الشهداء ليس أمرا خاصا، وأن هناك حقا آخر للمجتمع. سنلقي الضوء علي مفهوم الدية في الشريعة الإسلامية وأقوال العلماء عنها وما هو موقفهم تجاه قبول الدية من أهالي شهداء الثورة.
- "تعريف الدية":
تعددت التعريفات التي قيلت بشأن الدية، وسوف نذكر بعض التعريفات التي قال بها فقهاء المذاهب الإسلامية، والفقهاء المعاصرون، فقد عرف ابن عابدين (الحنفي) الدية بأنها "اسم المال الذي هو بدل النفس، أما المال الواجب فيما دون النفس من الأعضاء فيسمي "الأرش"
وعرفها الإمام النووي بأنها" المال الواجب بجناية علي الحر في نفس أو في ما دونها، وأصلها "ودية" بوزن فعلة ومشتقة من الودي وهو دفع الدية. وقال عنها فقهاء الحنابلة بأنها "المال المؤدي إلي مجني عليه أو وليه بسبب جناية".
ولم يعرف فقهاء المذهب المالكي الدية كباقي المذاهب الأخري بل يطلقون عليها اسم (العقل) دون تعريف محدد لها وقد سمي بدل النفس عقلا إذ كان يؤتي بالإبل كدية ويتوجه بها إلي فناء أولياء المقتول فيجدها أولياء المقتول، صباحاً معقولة بفنائهم ولذلك سميت عقلا.
أما تعريف الدية لدي الفقهاء المعاصرين، فقد عرف الامام محمد عبده الدية بأنها "ما يعطي إلي ورثة المقتول عوضا عن دمه أو عن حقهم فيه"، وعرفها الشيخ محمد أبوزهرة بأنها "القصاص في المعني دون الصورة".
أما العلماء المعاصرون فقد عرفوها بأنها "المقابل المادي المقدر من قبل الشارع للضرر البدني الواجب بالتعدي خطأ علي حياة المسلم الذكر الحر المعصوم بالقتل".
- "مشروعيتها. في القرآن والسنة":
وضع القرآن الكريم قاعدة عامة في سورة النساء تبين مشروعية الدية، ولم يتطرق إلي تفصيلاتها حيث قال الله تعالي: وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنا إلا خطأ ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة إلي أهله إلا أن يصدقوا فإن كان من قوم عدو لكم وهو مؤمن فتحرير رقبة مؤمنة وإن كان من قوم بينكم وبينهم ميثاق فديـة مسلمة إلي أهله وتحرير رقبة مؤمنة فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين توبة من الله وكان الله عليما حكيما (النساء: 92)
فالله عز وجل يحرم أن يقتل المؤمن أخاه المؤمن إلا أن يكون ذلك خطأ، كما أن الله عز وجل قد قرر واجبين علي من يقتل أخاه المؤمن بطريق الخطأ الواجب الأول: هو تحرير رقبة مؤمنة ويجب أن تكون مؤمنة فلا تجزئ الكافرة. أما الواجب الثاني: فهو دية من القاتل إلي أهل القتيل، وذلك عوضا لهم عما فاتهم من قتيلهم، إلا إذا تصدق أهل القتيل فلا تجب في هذه الحالة دية، كما ذكر الله عز وجل أنه إذا كان المقتول من قوم عدو للمسلمين، ولكنه مؤمن فلا ديـة لأولياء المقتول، وإنما يحرر القاتل رقبة فقط، أما إذا كان المقتول من قوم بينهم وبين المسلمين ميثاق فتجب الديـة لأوليائه.
وتعد السنة النبوية، بالاضافة إلي أنها أحد الأدلة علي مشروعية الدية، أهم المصادر المفصلة لأحكام الدية، فقد ورد العديد من الأحاديث عن النبي صلي الله عليه وسلم تتحدث عن الدية وأحكامها، منها قوله صلي الله عليه وسلم: "من قتل له قتيل فأهله بين خيرتين إن أحبوا فلهم العقل وان أحبوا فلهم القود"، وقال رسول الله: (ألا إن في قتل العمد الخطأ بالسوط والعصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة في بطون أولادها)، وقوله صلي الله عليه وسلم: في العينين الدية وفي إحداهما نصف الدية وقال: في السمع مائة من الإبل وغيرها الكثير من الأحاديث.
- "قيمة الدية. مليون جنيه"
الدكتور أحمد طه ريان أستاذ الشريعة ورئيس قسم الفقه المقارن جامعة الأزهر يوضح أن أصل الدية في الإسلام مرتبط بحالات القتل الخطأ وتقضي بأن يدفع القاتل للمقتول مبلغا من المال حسب البيئة الموجودة، ففي مصر حيث نتعامل بالذهب فإنه يدفع 1000 دينار من الذهب، والدينار يساوي 4 جرامات ونصف، وبالدراهم فهي 12 ألف درهم، أي أن الدية ستصل إلي ما يساوي مليون جنيه وذلك في حالة القتل الخطأ، أما في حالة القتل العمد فإنه إذا ثبت عليه العمد مع سبق الإصرار، فالواجب القصاص، ويخير أهل القتيل بين الدية والقصاص فإذا إختاروا الدية فإنها في هذه الحالة تكون دية مغلظة أي أكبر قليلا من دية القتل الخطأ ويكون علي القاتل صوم شهرين متتابعين أي 60 يوما متواصلة كفارة لهذا الذنب.
وأما ما يخص شهداء ثورة يناير الذين قتلوا في سبيل رفع الظلم عن المجتمع والمطالبة بالحقوق العامة فالواجب أن تقدم الدولة لأسرهم أموالا ليس علي سبيل الدية ولا التعويض وإنما كنوع من التقدير لما بذله هؤلاء من أرواحهم في سبيل رفعة وطنهم هذا بخلاف القصاص أو الدية تجاه من يثبت اتهامهم بقتل هؤلاء الشهداء، وقديما كانت الدولة الاسلامية تقدم أعطيات لأسر المجاهدين الذين ماتوا دفاعا عن أوطانهم حيث كان يوجد ما يعرف بـ"ديوان الأعطيات" يعطي الأموال لأهالي المجاهدين، فيجب أن تتكفل الدولة بهؤلاء الشهداء وبأسرهم وتعطيهم رواتب وتنشئ صندوق أسر الشهداء لرعايتهم.
ويشير إلي أن الشريعة لم تغفل الحق العام للمجتمع فإذا كان أهل القتيل متنازلين عن حقهم سواء في القصاص أو الدية أو الاثنين معا فإن هناك حقا للمجتمع وهو أن يحبس القاتل سنة علي الأقل ويضرب ضربا شديدا كنوع من الزجر حتي لا يعود لهذا الفعل وردعا لأمثاله، ومعني هذا أن المصالحة بين أهل القتيل وأهل المقتول لابد ان يؤخذ بها ولكنها لا تلغي الحق العام، فبالاضافة للحقوق الخاصة لأسرة كل شهيد هناك حق عام يتم عن طريق استمرار المحاكمات لكل من قتل أو شارك في قتل هؤلاء الثوار حتي لانفتح الباب لأصحاب المليارات أن يدفعوا الدية ولاينالوا عقوبة زاجرة علي جرائمهم تجاه المجتمع.
ويضيف الدكتور طه ريان أن القانون يأخذ بجزء من نظام الدية في حالة القتل الخطأ ولكنها تسمي تعويضا ولذلك يطالب القانونيون بإرجاع الاسم الي مسماه الأصلي وهو الدية.
- "القتل العمد وشبه العمد"
من الجرائم الموجبة للدية كعقوبة أصلية، جريمتا القتل شبه العمد والقتل الخطأ، وقد عرف فقهاء الحنفية القتل شبه العمد بأنه "ما تعمد فيه الضرب بالعصا أو بالسوط أوبالحجر أو باليد مما يفضي إلي الموت". ويري الإمام أبو حنيفة أن القتل شبه العمد يكون الضرب فيه بعصا صغيرة أو بحجر صغير أو بلطمة مما لا يكون الغالب فيه الهلاك ولكنه أفضي إلي الموت".
وكذلك يدخل فيه الضرب بآلة يكون فيها الهلاك غالبا، ولكنها ليست طاعنة ولا جارحة ولا تعمل عمل المحدب أو المدبب، كأن يضرب الجاني المجني عليه بعصا كبيرة أو بحجر كبير.
وأيضا يدخل فيه ـ وفقا لرأي الإمام أبوحنيفة ـ الضرب بآلة لا تقتل الإنسان غالبا، لكن الجاني يكرر الضرب بها إلي أن يموت المجني عليه.
أما فقهاء الشافعية فيعرفونه بأنه "ما كان عمدا في الفعل خطأ في القتل"، ومن التعريف السابق للشافعية يتضح أنه يجب أن يتوافر لدي الجاني قصد الفعل، ولكنه يستعمل في ذلك آلة لا تقتل غالبا، إلا أن فعله هذا قد تسبب في قتل المجني عليه خطأ دون تعمد، ولقد وضعوا لذلك عدة شروط وهي: ألا يوالي الجاني ضرب المجني عليه بالعصا الصغيرة أو السوط الصغير، فان والي الجاني بين الضربات فمات المجني عليه كان الفعل قتلا عمدا.
وأيضا ألا يضرب الجاني المجني عليه في مقتل، فإن ضربه بسوط صغير في مقتل فمات من ذلك الفعل اعتبر ذلك قتلا عمدا. وكذلك ألا توجد عوامل تضاعف من نتيجة الفعل فتجعله فعلا قاتلا، وذلك كأن يكون المجني عليه مريضا أو صغيرا.
أما تعريف فقهاء المالكية فإن القتل عندهم صنفان فقط، قتل عمد وقتل خطأ، واختلفوا في هل بينهما وسط وهو القتل شبه العمد أم لا، والمشهور عند الإمام مالك نفيه، إلا في حالة واحدة فقط وهي حالة الأب مع أبنه. وفي المذهب الحنبلي يعرفون القتل شبه العمد بأنه "القتل الذي يقصد فيه الجاني الفعل دون القتل أو هو تعمد الجاني الضرب بما لا يقتل غالبا".
- "موقف السلفيين"
وعن الموقف الرسمي والمتفق عليه بين السلفيين حول مبدأ الدية، نفي الدكتور عبدالمنعم الشحات المتحدث الرسمي باسم الدعوة السلفية ما قيل بشأن توسط السلفيين في تشجيع أهالي الشهداء لقبول مبدأ الدية، وأن ما حدث هو أن أهالي الشهداء هم من جاءوا إليهم وسألوهم حول مبدأ الدية بعد أن قبلوا بالمبدأ أصلا، حيث ذهبوا إلي مشيخة الأزهر وهناك قيل لهم أنه دية القتيل تبلغ من 50 إلي مائة ألف جنيه، وأكد أنه عند السلفيين لجان مصالحة خاصة بمسألة الثأر حيث أن دية القتيل تبلغ حوالي 500 ألف جنيه بتقدير هذه الأيام ولهذا، وعندما علم أهالي الشهداء بهذه القيمة حضروا إلينا فأفتينا لهم بحكم الشرع ولهذا فنحن لم نذهب لأحد ولم نحاول أن نقنع أحداً أو نجبر أحداً علي قبول الدية وإنما قلنا إنه أمر مقبول شرعا خاصة في القتل العمد وأشار إلي أن هناك خيارات بالنسبة للقتل الخطأ بين الدية أو العفو، أما بالنسبة للقتل العمد فعليهم أن يختاروا إما القصاص وإما الدية وإما العفو، ودورنا فقط ان نقول لهم الفتوي الشرعية إذا ما جاءوا إلينا وسألونا ونريد أن نقول لمن يري أن الموقف مختلف علي أساس أن هذا الشهيد هو شهيد ثورة أو ما شابه أن يدرس ملفات كل قضية علي حدة وهل يستطيع أن يحدد هوية الشخص القاتل وهل يستطيع أن يأخذ بالقصاص.