Share |
اغسطس 2011
4
الحروب في العصر الحديث والثورة التكنولوجية
المصدر: الأهرام -الطبعة الدولية
بقلم:   جميل عفيفى


يؤكّد التاريخ أنه عملياً، وخلال كل الأزمنة، كانت الدول غالباً ما تلجأ للحروب والقهر المسلح لتحقيق أهدافها السياسية، والحرب ظاهرة اجتماعية وسياسية معقدة ومتعددة الجوانب، حيث يمكن النظر إليها والبحث فيها من زوايا وجوانب مختلفة: تاريخية، واقتصادية، واجتماعية، وسياسية، وعسكرية، وهي تشكّل مادة البحث، وموضوع الدراسات للعلم العسكري من حيث الإعداد والتحضير لها، وكيفية خوضها. ويمكن القول إن الحرب استمرار للسياسة بوسائل أخري، أي أن تحقق الأهداف السياسية يتم بواسطة العمل المسلح، وذلك عندما تستنفد كافة الوسائل الأخري. وفي كتابه: (فن الحرب) قال كلاوزفيتز: "إن الحرب عمل من أعمال العنف يستهدف إكراه الخصم علي تنفيذ إرادتنا"، والحرب كعمل اجتماعي تفترض وجود إرادتين تتصارعان أو وجود مجتمعين منظمين سياسياً، يحاول كل منها التفوق علي الآخر وقهره.
عندما تهزم إرادة القتال لدي أحد الطرفين المتحاربين، ويقتنع قادة هذا الطرف بأنه لم يعد هناك فائدة من استمرار الصراع المسلح، أو أن الاستمرار في الصراع المسلح سيكبده خسائر مادية ومعنوية تفوق الربح، أو لا تُقدر الأمة علي احتمالها وتنتهي الحرب.
وعندما تنتهي الحرب باستسلام أحد الطرفين، يثبت الوضع الجديد بمعاهدة تحدد توزيع الأراضي والمصالح، وتضمن للمنتصر فرض شروطه التي تحقق أهدافه السياسية، ويسود في هذه الحالة السلم الذي لا يخرج عن كونه مرحلة هدوء بين حربين، وتعود السياسة إلي استخدام وسائطها الأخري لتحقيق أغراضها.
ومنذ مطلع التاريخ وظهور الجيوش والحروب، شكّلت الحرب غير النظامية، أو ما يُعرف أيضاً بحرب العصابات، تحدياً حقيقياً للجيوش النظامية، التي لم تجد يوماً حلاً سهلاً لها، ولطالما نظر الكتّاب العسكريون والاستراتيجيون الغربيون بازدراء لحرب العصابات ومن شاركوا فيها، وأطلقت العديد من الأسماء والصفات علي رجال حرب العصابات، منها ما كان إيجابياً، وغالبها ماكان سلبياً، ومرد ذلك يعود لكون الدول العظمي هي من يحبّذ الجيوش النظامية ويحتقر الفرق غير التقليدية التي كانت تشكّلها عادة شعوب الدول المحتلة، وكانت الاستثناءات الوحيدة عبر التاريخ الحديث للمقاتلين الأحرار في فرنسا وروسيا ودول أخري احتلتها جيوش قوات المحور خلال الحرب العالمية الثانية، والمجاهدين الأفغان قبل الانسحاب السوفيتي، والمقاتلين الشيشان.
إلاّ أن الأمور ازدادت سوءاً بعد هجمات 11 سبتمبر 2001م، حيث لم يعد هناك في العالم أي صراع يعرف علي أنه حرب تحرير أو ثورة شرعية، وكل قوة غير نظامية تستخدم وسائل العنف لتحقيق أهدافها السياسية أو غيرها باتت تُعرف علي أنها (إرهابية).
لقد أظهرت الحروب الأخيرة أن الدول الكبري باتت تمتلك تفوقاً عسكرياً كبيراً في الحرب التقليدية، إلي حدٍ باتت معه أية محالة من دولة عادية لمواجهتها بشكل تقليدي فاشلة، وأقرب للانتحار، وخير مثال علي ذلك عملية اجتياح الكويت، والتي تمت بسبب التفوق العسكري الكبير للجيش العراقي وغياب أي ميليشيات منظمة في الكويت بحينه، ويتكرر المثل ثانية في الهجوم الروسي علي جورجيا، حيث كادت القوات الروسية أن تحتل أراضي جورجيا كافة في أيام قليلة، لولا التدخل الدولي والضغوط الدبلوماسية، إن اعتماد جورجيا علي قواتها النظامية فقط لوقف جيش جرار بحجم الجيش الروسي دون أي ميليشيات تحارب بأسلوب حرب العصابات، جعلها تخسر الحرب بشكل سريع.
- أنواع الحروب :
هناك ثلاثة أنواع من الحروب، فهي دولية، حيث تنشب بين دولتين أو أكثر تتمتعان بمستوي حضاري واحد، واستعمارية حيث تنشب بين أمتين بينهما تباين حضاري واسع، وأهلية، حيث تنشب بين فريقين داخل دولة أو أمة ما بين مجموعة ثائرة أو متحررة وحكومة رسمية.
والحرب التقليدية تستعمل فيها معدات القتال العادية التي لا تشمل أسلحة الدمار الشامل، وغالباً تحدد إمكانات القوي المتحاربة شكل وتقنيات هذه الحروب، كما تحددها هذه المعدات التي تملكها والمستوي الحضاري الذي وصلت إليه. وتخوض الشعوب الفقيرة، وقوات المقاومة عادة أنواعاً أخري بسيطة من الحروب، مثل: الحروب الثورية التي تستخدم فيها تقنية حرب العصابات، وقد تدوم الحرب من حيث المدة أياماً قليلة، وقد تشن الدولة حرباً طويلة الأمد تدوم سنوات عديدة، كالحربين العالميتين الأولي، والثانية، وحربي كوريا وفيتنام.
والحرب الدولية تندلع بين دولتين مستقلتين أو أكثر، وهي تختلف عن الحرب الأهلية من حيث وجود جيوش نظامية تحارب ضد بعضها البعض، أما الحرب الأهلية، فقد تتخذ شكل وجود جيش منظم يحارب قوات غير نظامية، أو تندلع الحرب بين قوتين غير نظاميتين تحاربان من أجل السيطرة علي إقليم ما، ولا يكون التمييز سهلاً بين الحرب الدولية والحرب الأهلية؛ فعلي سبيل المثال نجد أن المغرب تؤكد أن الحرب الدائرة بينها وبين (جبهة البوليساريو) في منطقة الصحراء هي حرب أهلية، حيث تنظر إلي منطقة الصحراء علي أنها جزء لا يتجزأ من أراضيها.
والحرب الشاملة تستخدم جميع الوسائل المتاحة، وتتضمن إعادة ترتيب الأحوال السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية للدول المهزومة تبعاً لرؤية الدول المنتصرة، كما حدث لألمانيا واليابان عقب الحرب العالمية الثانية.
أما الحرب المحدودة، فهي صراع مسلح من أجل أهداف محدودة، وهي أقل من الحرب الشاملة من حيث إنها لا تهدف إلي التدمير الكلي للعدو، أو إلي استسلامه غير المشروط، وقد ظهر هذا المفهوم في العصر النووي إبان الحرب الكورية (1950 ـــ 1953م). ويمكن تحديد ما إذا كانت الحرب محدودة أم لا بالنظر إلي القدرة التدميرية للقوة المستخدمة في القتال، وعدد الأطراف المشتركة في الحرب وحجم ميدان القتال، وطبيعة البدائل السياسية، والاستراتيجية العسكرية؛ فالحرب المحدودة يمكن أن تشمل العداء بين دولتين صغيرتين، أو أكثر ولا تتضمن تدخلاً من القوي الكبري، ويكون نطاق الحرب محدداً في منطقة جغرافية معينة، ولا يستخدم فيه أي نوع من أنواع الأسلحة النووية.
والحرب المحدودة تشمل الصراع الداخلي في مواجهة قوات استعمارية، أو حكومية، بحيث يستخدم الطرفان الأسلحة التقليدية، مع أنه قد تصلها مساعدات خارجية، وتشمل أيضاً الإجراء الجماعي في إطار منظمة دولية من أجل الحفاظ علي إقليم دولة ما، أو تحقيق أهداف سياسية محددة، مثل استخدام قوات الطوارئ الدولية.
والحرب الوقائية هي استراتيجية عسكرية تعني قيام دولة بهجوم مفاجئ علي دولة أخري بهدف تدمير هذه الدولة لمنعها من أن تصبح مصدر تهديد مستقبلي، وينتشر مفهوم الحرب الوقائية أساساً بين الدول المسلحة تسليحاً تقليدياً؛ ففي الشرق الأوسط ــ علي سبيل المثال ــ قامت إسرائيل بحرب وقائية عام 1967م ضد جيوش بعض الدول العربية، حيث أدرك قادة إسرائيل بأن تطوير الدول العربية لقدراتها العسكرية بمساعدة الاتحاد السوفيتي (السابق) يمكن أن يهدد وجود دولتهم في المستقبل.
أما الحرب الخاطفة، فهي أسلوب خاص في تكتيكات القتال، يقوم علي استخدام الطيران، والقوات المدرعة والميكانيكية في تحقيق اختراق عميق في جبهة العدو من أجل قطع خطوط مواصلاته، وتدمير مراكزه الإدارية والقيادية، وتطويق الدفاعات المعادية التي تكون قد أصبحت غير مظمة في هذه الحالة. وقد وضعت الأسس الفكرية العامة لتكتيكات الحرب الخاطفة في بريطانيا خلال العشرينيات من القرن الماضي بواسطة الكاتبين العسكريين المشهورين: (ليدل هارت)، والجنرال (فولر)، وكان يُطلق علي هذه الحرب في ذلك الحين: (السيل المتدفق)، وسماها الألمان عام 1929م الحرب الصاعقة (بليتز كريج).
وقد طبّقت أساليب الحرب الخاطفة من قِبل الألمان في الحرب العالمية الثانية علي يد الجنرال الألماني (جودريان) الذي يُطلق عليه (أبو المدرعات) والجنرال (رومل) في أثناء معارك (1941 ـــ 1943م)، في الصحراء الليبية والمصرية، وقد استوحي العدو الإسرائيلي فيما بعد هذه الأساليب واعتبرها عنصراً رئيساً في نظريته القتالية القائمة علي الضربة الإجهاضية المضادة المباغتة، ونقل الحرب بسرعة إلي أرض الخصم، ويعتمد نجاح الحرب الخاطفة علي عنصر المفاجأة، وبطء حركة ورد فعل الخصم، وعدم إدراكه أو استيعابه لأساليب حرب الحركة، وضعف سيطرته الجوية.
- أجيال الحروب
تغيّر المجتمع الإنساني، وتغيرت معه إمكاناته الاقتصادية، وتطورت الأسلحة والقوات المسلحة، وأشكال وأساليب خوض الصراع المسلح، إلاّ أن الأداة الرئيسة للحرب بقيت علي الدوام السلاح والعتاد القتالي التي ولَّدها التقدم العلمي والتقني، حيث أدي اختراع الأسلحة الجديدة واستخدامها إلي تغيير أشكال وأساليب خوض الأعمال العسكرية، الأمر الذي اعتبر دلالة علي ثورة في العمل العسكري، وبشّر بالانتقال والتحوّل إلي جيل جديد من الحروب.
ويمكن تقسيم الحروب إلي عدد من الأجيال، وفقاً لتطوّر الأسلحة والعتاد الحربي واستعمالها في كل جيل زمني، كالتالي:
الجيل الأول: وهي الحروب التي استخدمت فيها الأسلحة البيضاء؛ فقد جري خوض تلك الحروب علي مدي أكثر من 3500عام علي كوكبنا الأرضي بالاشتباك والعراك بالأيدي مع استخدام الأسلحة البيضاء، مثل السيوف والحراب، ومن أجل استخدامها كان لابد من تحقيق الاقتراب والتماس المباشر مع العدو.
الجيل الثاني: ظهرت حروب الجيل الثاني بعد اختراع البارود في القرن الثاني الميلادي، والثالث عشر، وتم خوض الحرب مع وجود مسافة بين المتقاتلين، وذلك بسبب استخدام الأسلحة النارية، واستمر معها استخدام الأسلحة البيضاء.
الجيل الثالث: ظهرت حروب الجيل الثالث بعد اختراع الأسلحة النارية المحلزنة، الأمر الذي أدي إلي زيادة حادة في مدي الرمي ودقته وتأثيره، وأدي في الوقت ذاته إلي زيادة المسافة بين المتقاتلين في ساحة المعركة، والحماية من الأسلحة النارية المحلزنة، مما دعي المتحاربين إلي حفر منشآت دفاعية، كالحفر الفردية والجماعية.
الجيل الرابع: أدي تطور الأسلحة المحلزنة واختراع الأسلحة الآلية سريعة الطلقات، والتي استخدمت في القوات البرية والبحرية والجوية إلي زيادة الآثار التدميرية للأسلحة بزيادة سرعة الرمي، مع المحافظة علي دقة رمي عالية، وعلي التوازي، كان لابد من الاحتماء من تأثير النيران، ولذلك تم تطوير الحفر ووصلها ببعضها لتشكيل خنادق، وظهرت لذلك منظومة المنشآت التحصينية.
الجيل الخامس: بدأت حروب الجيل الخامس عندما اخترعت القنبلة النووية، حيث كان الأطراف المتحاربون التي تملك السلاح النووي غير مضطرة للتماس مع بعضها البعض، لأن بإمكانها توجيه الضربات الصاروخية النووية إلي أراضي أية دولة، إلاّ أن الجميع يعترفون بأنه علي الرغم من القدرة التدميرية الهائلة للسلاح النووي، فإن حرباً نووية لا يمكن أن تؤدي إلي تحقيق الأهداف السياسية أو الاستراتيجية للحرب.
الجيل السادس: تتميز حروب الجيل السادس بطبيعتها عن الحروب التي سبقتها، حيث ينتمي إليها الشكل الجديد من الحروب التي استخدمت فيها أسلحة الدقة العالية التقليدية، مثل الحرب ضد العراق عام 1991م، وعام 2003م، والحرب في يوغوسلافيا عام 1999م.
الجيل السابع: تشير التنبؤات إلي أن المعلوماتية تحوّلت إلي سلاح، مثلها مثل الصاروخ والقنبلة والطوربيد، فواضح أن الصراع المعلوماتي أصبح عاملاً مؤثراً بشكل جدي في حروب المستقبل من حيث بدايتها وسيرها، وصيرورتها. ويمكننا أن نري أو نتوقع أنه بعد إنجاز التحوّل إلي الحروب غير المتناظرة، فإن الصراع المعلوماتي خرج تدريجياً من كونه عنصراً تأمينياً ليتحول إلي عنصر وشكل قتالي، أي أنه يتصف بطبيعة مستقلة بين أشكال وأساليب الصراع الأخري.
وفي المرحلة الراهنة، يشكّل الصراع الاقتصادي والمعلوماتي المكونات الجديدة في محتوي الحرب، وينبغي الإشارة إلي أن هذين المكونين كانا موجودين سلفاً؛ ففي كل الحروب السابقة وُجد الصراع الاقتصادي والمعلوماتي، كما أن خبرة حروب السنوات الأخيرة تظهر أن هذين النوعين من الصراع أصبحا في مرتبة واحدة مع الصراع المسلح، وبواسطتهما يتم تحقق الأهداف السياسية والاستراتيجية للحرب. وعند التنبؤ بالمحتوي العسكري الاقتصادي للحروب، يجب تحديد الأهداف والمهام الاقتصادية للحرب والأساليب والأشكال التي يستخدمها العدو في الصراع الاقتصادي وعواقبها المحتملة، أما عند التنبؤ بمحتوي الصراع المعلوماتي، فيُفترض تحديد أهداف الصراع المعلوماتي، وأساليبه وأشكاله وعواقبه المحتملة.
- أثر الثورة التكنولوجية
إن طبيعة الصراعات اليوم أخذت أشكالاً أكثر تعقيداً مما كانت عليه، نتيجة الثورات التكنولوجية والمعلوماتية التي أوجدت وسائل ومجالات جديدة للمواجهة لم تكن متوفرة سابقاً، فلقد وفّر الإنترنت وسيلة شبه مجانية لنشر المعلومات والتواصل وتجييش الرأي العام والحرب المعلوماتية، في حين وفّر الهاتف الخلوي وسيلة اتصال قوية، محلياً ودولياً، كما أدي التطور في علوم الكيمياء إلي ظهور أنواع متعددة من المتفجرات التي يسهل إعدادها محلياً، ووفّرت السوق السوداء المتنامية بفعل تحسن المواصلات والاتصالات أسلحة متقدمة وفعّالة ضد الجيوش الحديثة.
إن التطور التكنولوجي علي الأصعدة كافة أدي إلي ظهور جيل جديد من القوي غير النظامية، تعتمد أساليب وتكتيكيات ووسائل جديدة لم تكن معروفة قبل نهاية الحرب الباردة، وبما أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت الدولة التي خرجت منتصرة من الحرب الباردة وباتت القوة العظمي الوحيدة، وبما أنها هي الدولة التي تقود تحالفات دولية في حروب منذ عام 1990م، بعضها مازال مستمراً في أفغانستان، فإن الباحثين العسكريين الأمريكيين كانوا أول من وضع دراسات عن تطور حرب العصابات أو الحرب الثورية، التي باتت تُعرف لديهم اليوم باسم (الحرب الهجينة).
إن هذه القوي غير النظامية تستخدم جميع البني المتاحة، سياسياً، و اقتصادياً، واجتماعياً، وعسكرياً، في مواجهة القوات النظامية، والتغيّر في تشكيلات المجموعات وإيجادها لخلايا عابرة للقوميات والحدود، وهي تساير تطور المجتمع في كل شيء، مما يزيد من صعوبة وخطورة التعامل معها.
إن الاتجاهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية تشير إلي ظهور أفراد أو جماعات صغيرة تم تزويدها بقوة فائقة، وهذه الجماعات يربطها حب قضية معينة وليس الوطن، ومن خلال توظيفهم للتقنية يستطيعون توليد قوة مدمرة، عادة ما تستهدف موارد الدول القومية. أما التقنية محط الاهتمام في المرحلة القادمة فهي تنقسم إلي نوعين: التقنية الحيوية البيولوجية، وتقنية النانو، وهاتان التقنيتان تعطيان الجماعات الصغيرة نوعاً من القوة التدميرية كانت تقتصر في السابق علي القوي العظمي فقط. إن الحقبة الرئيسة هي أن التغيرات في المجال السياسي والاقتصادي والاجتماعي تتيح لأي جماعة صغيرة تتبني قضية ما استخدام التقنيات الحديثة لتتحدي دولة قومية.
- الحرب الهجينة
بدأ تعبير (الحرب الهجينة) يظهر في كتابات ودراسات العسكريين خلال العقد الأخير من القرن العشرين، وظهرت عدة تعريفات لهذه الحرب، منها: "أنها نموذج عصري لحرب العصابات، حيث يستخدم فيها الثوار التكنولوجيا المتقدمة، وسبل حديثة لحشد الدعم المعنوي والشعبي"، ويُقصد بالتكنولوجيا المتقدمة الأسلحة المتطورة، والتي استخدمت ضمن تكتيكات حرب العصابات، مثل الصواريخ المضادة للدروع والطائرات، والعمليات الانتحارية، ونصب الكمائن.
ووصف أحد التعريفات الحرب الهجينة علي الشكل التالي: "حين يقدم خصم علي استخدام ـــ بشكل متزامن ومتقن ـــ مزيج من الأسلحة التقليدية والتكتيكات غير النظامية، ومهاجمة مدنيين أو هجمات انتحارية والتصرف الإجرامي في مجال أرض المعركة من أجل تحقق أهدافه".
إن الحرب الهجينة تدمج مجموعة من أنماط القتال المختلفة، بمافي ذلك: القدرات التقليدية، والتكتيكات، والتشكيلات غير المنظمة، والأعمال الإرهابية، للاستفادة من كل أشكال القتال، وبتزامن أحياناً، للحصول علي التفوق، وتسعي القوي التي تستخدم الحرب الهجينة لاستنزاف وإرهاق خصومها، لإرغامهم علي الانسحاب من أراضٍ محتلة، أو التخلّي عن سياسة خارجيةمعينة، وهي استراتيجية تكون أكثر فعالية ضد الدول التي لديها أنظمة ديمقراطية وشديدة التأثر بالرأي العام.
ويري خبراء عسكريون أن حروب المستقبل ستكون خليطاً من الحروب التقليدية والمناوشات والمعارك الصغيرة، وشنّ الحملات العسكرية ضد المتمردين والإرهابيين المتخفين. وبناء علي ذلك، فإن تخطيط العديد من الدول للحروب الهجينة يهدف إلي طمأنة المواطنين علي قدرة جيشهم علي التصّدي لمجموعة من المهددات الأمنية، بما فيها: الهجمات علي شبكات الكمبيوتر، والمحاولات الهادفة إلي تعطيل نظام تحديد المواقع العالمية بواسطة الأقمار الاصطناعية، وتوجيه الضربات الصاروخية دقيقة التوجيه، وشن الهجمات بواسطة القنابل والمتفجرات المزروعة في جوانب الطرق، إضافة إلي تنظيم حملات الحرب النفسية عبر وسائل الإعلام والإنترنت، وذلك له انعكاسات كثيرة علي التدريب ونشر القوات وشراء وتطوير الأسلحة. وغيرها من الجوانب ذات الصلة بالتخطيط العسكري.
ويعتبر حزب الله من الأمثلة علي القوي التي طبّقت الحرب الهجينة في حرب صيف 2006م، حين اعتمد مقاتلوه تكتيكات حرب العصابات، مستخدمين صواريخ مضادة للدروع والسفن، كما تمكّنت صواريخه من تهديد الجبهة الخلفية للعدو، ونجحت أدواته الإعلامية من تحقيق نصر معنوي علي العدو، حتي أن حزب الله تمكّن من اختراق أجهزة اتصال العدو، والتجسس علي حركته، ومنعه من اختراق صفوفه، ولقد أظهرت حرب الــ (33) يوماً أن حزب الله لم يطوّر حرب العصابات فحسب، بل تجاوزها ليضع أيضاً نموذجاً حربياً جديداً يصهر الأساليب غير التقليدية بنمط العمليات العادي الذي تجريه الجيوش التقليدية.
- الحرب المركبة
للتمييز بين الحرب المركبة والحرب الهجينة وعدم مقارنة الأولي مع حركات تحرر وحروب ثورية أخري، عمد الكتّاب الغربيون، وبخاصة في أمريكا، إلي تقديم أمثلة علي الحرب المركبة، منها الثورة الأمريكية ضد بريطانيا حين شكّلت فرقاً نظامية أمريكية مدعومة من ميليشيات محلية لمهاجمة الجيش البريطاني وطرده من الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت قد أعلنت استقلالها عن المملكة المتحدة، ولقد استخدمت الميليشيات الأمريكية حينها تكتيكات شبيهة ـــ إلي حدٍ بعيد ـــ بتكتيكات استخدمتها حركات ثورية وتحررية أخري تعتبر اليوم (إرهابية).
والحرب المركبة تُعتمد من قِبل دول، في حين أن الحرب الهجينة تستخدم من قِبل لاعبين من خارج الدول، أي منظمات لا تخضع لنظام الدولة، حسب التعريف الدولي للأمم، وعلي سبيل المثال لاتعتبر السياسة الدفاعية للجمهورية الإسلامية الإيرانية تطبيقاً دقيقاً للحرب المركبة، حيث إن الحرس الثوري الإيراني بات مسلحاً اليوم بشكل أقرب إلي الجيش النظامي منه إلي ميليشيات تعتمد حرب العصابات، كما أن (ميليشيا الباسيج) تستخدم لمهام حماية النظام من التهديدات الداخلية أكثر منها للخارجية، فسياسة الدفاع الإيرانية فريدة من نوعها، إلي حدٍ ما، ولكنها لا تزال تعتبر أقرب للحرب المركبة.
ويعتبر المثل السويسري اليوم من أنجح سياسات الدفاع، حيث هناك جيش نظامي وآخر شعبي يتم استنفارهما وتعبئتهما بسرعة لمواجهة أي تهديد خارجي، كلٌ ضمن أنظمة محددة للمواجهة والتنسيق مع بعضها البعض، وبذلك تكون القوي المسلحة السويسرية مهيّأة للقتال بأسلوب تقليدي وبنهج حرب العصابات، في آن واحد، ومنذ اليوم الأول للحرب.
وفي الاتحاد السوفيتي السابق، لعب الأنصار دوراً كبيراً إلي جانب الجيش السوفيتي النظامي في دحر القوات النازية المحتلة وطردها.
- ملامح الحروب المعاصرة
إن الملامح الأساسية للحروب المعاصرة وحروب السنوات القادمة، هي
التأثير علي جميع مجالات الحياة البشرية
الطابع التحالفي للمشاركين فيها
الاستخدام الواسع لأشكال وأساليب العمل غير المباشر، والتأثير الناري والإلكتروني من مسافات بعيدة.
الصراع المعلوماتي الفعّال، وتضليل الرأي العام في دول محددة، والرأي العام العالمي برمته.
. سعي الأطراف للإخلال بمنظومات القيادة العسكرية والحكومية.
. استخدام أحدث منظومات التسليح وأكثرها فاعلية.
. أعمال القوات التي تتصف بالمناورة، مع استخدام واسع للقوات المنقولة جواً، والإنزالات وقوات المهام الخاصة.
. تدمير طرق المواصلات علي كامل أراضي الأطراف المتصارعة.
9. تنفيذ الحملات والعمليات الجوية.
وتنظر المؤسسة العسكرية الأمريكية إلي هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001م علي أنها خارجة عن الميزان القياسي لطبيعة الحروب الكلاسيكية، وفي المقابل، أثبتت الولايات المتحدة نظريتها بشأن الجيل الجديد من الحروب بحسم حربي غزو أفغانستان ثم العراق عملاً بمبدأ (الحرب السريعة)، التي تعتمد علي التقنيات الحديثة.
- الخلاصة:
لقد أثرت التطورات التكنولوجية بقدر كبير علي شكل الحروب والنزاعات حماية مصالحها وتأمين سيطرتها علي الساحة الدولية. ولم تعد مسألة حسم المعارك والحروب وإخضاع الدول والشعوب بالسهولة التي كانت عليها. إن الطرف الذي يعتمد أسلوب الحرب الهجينة يحمل صفات يصعب حسمها ودحرها في معركة واحدة، أو حتي في معارك عدة، وسيبقي البعد الفكري والعقائدي من أصعب الأهداف التي يمكن هزيمتها.
وعلي الدول الصغري استغلال مواردها البشرية والطبيعية والاقتصادية كافة للدفاع عن نفسها، وذلك يتطلب منها أن تعتمد عقيدة الحرب المركبة ضمن سياساتها الدفاعية من أجل تعزيز قدراتها علي مواجهة أي هجوم أو محاولة غزو من قِبل دولة كبري لأراضيها.
وستتميز حروب المستقبل بتزايد قوة الكيانات الأصغر، وبانفجار ديناميكي للثورة التقنية، وستكون حقيقتها حرب شبكات المعلومات، التي ستؤمن المواد اللازمة، وستكون بمثابة ميدان لتجنيد المتطوعين.