Share |
اغسطس 2011
21
الذهب القذر. الوجه الآخر للعملة
المصدر: الأهرام المسائى
بقلم:   اشرف اصلان


وراء بريق الذهب ولمعانه يكمن العديد من المآسي والكوارث وصنوف مختلفة من القهر والاستعباد التي تعرض لها المنتجون والملاك الحقيقيون الذين لم يحصلوا علي شيء إلا قوت يومهم تقريبا. في إفريقيا وفي أمريكا الجنوبية يتجسد الوجه الآخر لهذا المعدن العجيب حيث معاناة الشعوب وشكل آخر من الاستعمار لشعوب هي الأكثر فقرا برغم أنها تنتج وتملك معظم الذهب العالمي.
وأول ما يظهر في المشهد طبقة مسحوقة من العمال معظمها من الأطفال تعمل في ظروف عمل خطيرة للغاية استفاقت أخيرا ورفعت صوتها غاضبة تحت شعار "لا للذهب القذر".
تكفي الاشارة إلي أنه للحصول علي أوقية من الذهب يجري استخراج 30 طنا من الصخور ويتم رشها بسائل السيانيد السام المخفف الذي يفصل الذهب عن الصخور ويتم رشها بسائل السيانيد السام المخفف الذي يفصل الذهب عن الصخور. وفي المناجم الكبيرة تتم إزالة نصف مليون طن من الصخور يوميا وتوضع في صورة أكوام ضخمة تصل احيانا إلي حجم الاهرامات الكبري ويرش التراب المعدني بمحلول سام علي مدي سنوات.
وأخيرا نشرت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية تقريرا تضمن شرحا وتفاصيل عن خلاصة زيارات ميدانية لمناجم الذهب في الغرب الأمريكي وأمريكا الجنوبية وإفريقيا وأوروبا حيث انتهت إلي القول ان مناجم الذهب اصبحت اقرب إلي مكبات النفايات النووية.
كما تقول تقارير وكالة حماية البيئة ان عمليات التعدين في مناطق الصخور الصلبة تفرز حجما رهيبا من النفايات وقدرت الوكالة تكلفة تنظيف مناجم المعادن في العام الواحد فقط بنحو 54 مليار دولار وهو الأمر الذي لا يتم غالبا.
ومع تشكل طبقة مسحوقة من العمال تحصل علي أجور متدنية للغاية في ظروف عمل قاسية تحرك العمال للتظاهر مع ضغوط من جمعيات حماية البيئة وحقوق الإنسان خاصة ان الكثير من الاطفال عليهم العمل لساعات فوق الأرض وتحتها ووضع متفجرات ولنتخيل الرمال والتراب والزحف عبر أنفاق ضيقة واستنشاق الغبار من أجل استخراج الذهب الذي لا يعود عليهم بأي فائدة.
وتستهلك عملية الاستخراج كميات هائلة من المياه اضافة إلي مواد كيماوية سامة جدا خلال الحفر منها مادة السيانيد وطبقا لتقديرات منظمة هيومان رايتس ووتش فإن حجم استخدام هذه المادة الخطرة في مناجم الذهب يصل إلي 182 ألف طن سنويا.
- حمي التنقيب
في إفريقيا التي تعد المنتج الأكبر للذهب (نحو72%) تتصدر القائمة دول جنوب إفريقيا وغانا وزيمبابوي وتنزانيا وغينيا ومالي ومع الارتفاع الجنوني في أسعار الذهب سعت تلك البلدان للاستفادة حيث ارتفعت حرارة صناعة التنقيب في القارة السمراء.
وأخيرا حققت جنوب إفريقيا زيادة في معدلات الإنتاج بلغت 15% لتظل في المرتبة الرابعة عالميا بعد الصين واستراليا والولايات المتحدة الأمريكية.
وهناك تصنيفات تضع الجزائر في المرتبة الأولي إفريقيا من حيث الاحتياطي حيث يقدر مخزون الذهب بـ 173.6 طن.
وبنظرة واحدة علي الحالة الاقتصادية ومستويات المعيشة في تلك البلدان خاصة في إفريقيا وأمريكا الجنوبية يظهر الوجه الحقيقي الآخر لهذا المعدن الثمين.
يشار في هذا الصدد إلي رصد مقتل 163 شخصا بينهم 111 طفلا نتيجة اصابتهم بالتسمم أثناء قيامهم بالتنقيب عن الذهب في ولاية "زمفرا" شمالي نيجيريا هؤلاء الضحايا أصيبوا اثناء محاولاتهم استخراج الذهب من بين مخلفات حجرية.
- بأي ثمن
في أمريكا الجنوبية كما في إفريقيا تبدأ القصة من القرون الوسطي عندما غزت اساطيل اسبانيا والبرتغال القارة الأمريكية الجديدة حيث بدأت عمليات نهب منظم لثروات تلك البلاد وحتي الآن لم تنضب مناجم الذهب ولم تعد ولو مرة واحدة بأي فائدة علي حكومات هذه البلدان ولا علي المواطن العادي فيها.
وقدد حدد فيرديناند ملك اسبانيا في اوائل القرن الـ 16 قائمة أولوياته عندما كان جنوده يستعدون لغزو هذا العالم الجديد إذ قال لهم: (اجلبوا الذهب. بوسائل إنسانية ما أمكن ذلك، لكن علي أية حال وبأي ثمن اجلبوه).
وقد آلت الأمور حاليا إلي المستفيد الأكبر وهي شركات استثمار غربية منها شركات أمريكية وكندية واسترالية ابرمت قبل زمن طويل مع انظمة دكتاتورية عقودا طويلة المدي تسمح لها باستخراج الذهب ومنح حكومات البلدان جزءا بسيطا جدا من ارباحها أو شراءها مع ضمان توفير دعم سياسي يحقق الاستمرار لهذه الانظمة.
وتتمع تلك الشركات بسبب هذه العقود غير المحددة الزمن بحرية التصرف في الذهب حتي تصديره كما هو الحال في بعض بلدان أمريكا اللاتينية دون العودة إلي الحكومات هناك مما جعل الحكومات لا تجني الكثير من الارباح حتي ان بعضها لا يمكنه دفع الرسوم التي ابرمت قبل عشرات السنين وهو ما يدفع إلي القول ان فائدة الذهب ليست لمالكها بل لمستثمر مناجمها.
وخلال السنوات العشر الأخيرة تنبهت حكومات مثل بيرو وفنزويلا لخطورة الموقف مدفوعة بمشكلات اقتصادية داخلية باتت تشكل خطرا علي مستقبلها فضلا عن تعقد وتصاعد المواجهات السياسية الخارجية.
وفي هذا الصدد سعت بيرو وفنزويلا لرفع قيمة الرسوم التي تحصلها من الشركات المستثمرة في الذهب كما قررت حكومة الرئيس الفنزويلي هوجو شافيز وقف منح تراخيص جديدة لعمليات استخراج الذهب.
في بلد مثل كوستاريكا تبدو الصورة أكثر بؤسا حيث الشركات الأمريكية تسيطر علي المناجم وتسبب في الوقت نفسه مشكلات بيئية متصاعدة لاستخدامها مادة السيانيد السامة والمدمرة للبيئة والتربة.
ولا تختلف الصورة كثيرا في الارجنتين التي تحتل موقعا متقدما ضمن قائمة أغني بلدان العالم من حيث امتلاكها مناجم المعادن الثمينة خاصة في سلسلة جبال اندن وبرغم ذلك تعاني من أزمات اقتصادية مع تراجع في مستوي المعيشة.
وهكذا جسد تخلف إفريقيا وأمريكا الجنوبية ووحشية المستعمر القديم والحديث حقيقة المعدن الأصفر ليكشف عن الوجه الآخر لهذه العملة التي أثارت جنون الكثيرين في ربوع العالم الفقير قبل الغني.