Share |
اغسطس 2011
31
رمضان والعيد: من زمن الإذاعة إلى زمن الإنترنت
المصدر: الأهرام اليومى

عبدالمنعم رمضان

الثابت الوحيد هو التغير، لكن الماضى مازال يعيش فى الحاضر، ورمضان والعيد أيام أم كلثوم والشيخ محمد رفعت مازالا يسكنان وجدان الكتاب والناس العاديين، ممن كانوا أطفالاً قبل دخول التليفزيون مصر أو بعده بقليل، والعامل المشترك فى ذكريات من توجهنا إليهم بالسؤال عن رمضان والعيد زمان والآن، أنهم جميعا يتذكرون طفولتهم فى القرية، القرية التى رغم أنها كانت مظلمة حتى أواخر الستينيات، قد أثارت عقل وقلب الإنسان المصرى والعربى بإبداعات تفوق عطاء القاهرة والمدن المصرية الأخري. على الأقل من ناحية الكم.
لقد أضاء رمضان فى ظلمة ليل القرية فانوس قلوبهم. ومازال يضيء.
- أحمد عبدالمعطى حجازي
رمضان والعيد زمان يختلفان عن الآن لعدة أشياء.
زمان كنت أقضى رمضان فى الريف، وكان الاحتفال بشهر رمضان يبدأ بشراء المتطلبات المختلفة من الأكل والياميش، ثم هناك اجتماع الاسرة على الافطار والسحور، لانه فى الأيام العادية ينشغل أفراد الاسرة فلا نجتمع فى الغداء والعشاء.
كما أن هناك أيضا الجانب الروحى وهو الصيام وصلاة التراويح وهناك الدروس الدينية التى يحضرها الكبار والصغار، كما أن هناك الناحية الفنية، فالمسحراتى لم يكن شخصا واحدا ولكنه كان فرقة من عدة أشخاص: الطبال وعازف الطارة والمغنى، والاغانى فى أول الشهر مختلفة عن نصفه وآخره، ثم يأتى العيد نحتفل به بلبس الثياب الجديدة وأكل الحلوى وركوب المراجيح.
اما الآن رمضان بالنسبة لى شهر للعبادة والعيد احتفل به من خلال أولادى وأحفادي.
- محمد إبراهيم أبوسنة:
رمضان والعيد زمان فى قريتى (الودي) مركز الصف محافظة الجيزة قبل سن العاشرة مرتبطان بذكريات محزنة تدور حول رحيل أمى المبكر، وهو ماصبغ حياتى بالأسى، فكنت أشعر بالحزن، وأنا طفل فى رمضان، وفى العيد كنا نذهب إلى المقابر لنزور أمى.
عموما ذكرياتى فى الماضى لم تكن سعيدة، أما رمضان الآن فأقضيه فى العبادة مع أسرتى الصغيرة والعيد أحتفل به مع أسرتى الصغيرة وحفيدى أحمد ونذهب فيه عادة إلى النادي.
- جمال الغيطاني
رمضان والعيد قد اختلفا كثيرا هذه الايام عن الخمسينيات والستينيات، فالفرائض الرمضانية كالصلاة والصوم هى التى مازالت باقية كما كانت فى الماضي، أما الروحانيات والعادات الاجتماعية الجميلة لهذا الشهر الكريم فقد تلاشت عبر الزمن.
كان رمضان فرصة لتجمع الأهل والأصدقاء حول مائدة الافطار، وصلاة الفجر والتراويح فى الحسين، وكان الكل يلتف حول الراديو ليستمع لفوازير آمال فهمى والبرامج الاذاعية الاخرى الممتعة والمحدودة العدد فقد كان هناك وقت أكثر للتواصل الاجتماعى من الآن، الكل كان يحاول الاقتراب من الآخر فكان الرجال يلتقون بالمقاهى وتتبادل السيدات الزيارات والاطباق الرمضانية، وشيئا فشيئا بدأ التليفزيون فى سحب البساط ليصبح هو البطل الاوحد فى رمضان والعيد بعد أن أتجهت أنظار الجميع نحو سباق المسلسلات والبرامج والأفلام والاعلانات التجارية التى لاتنتهي، لنفقد يوما بعد يوم الروحانيات والعادات الاجتماعية الجميلة التى كانت تجمعنا فى مثل هذه الأيام، وأنا أعتقد فى أهمية أعادة إحياء مدرسة التلاوة المصرية مرة أخرى ان مصر مازالت بها العديد من المواهب الشابة التى يمكن ان تصبح مثل الشيخ عبدالباسط ومحمد رفعت ومصطفى اسماعيل وغيرهم من الاصوات النادرة التى مازالت معنا إلى الآن فى رمضان وفى كل وقت.
- د. محمد عناني
رمضان هو شهر الانجاز بالنسبة لى. اذ اعتدت منذ الطفولة على العمل بعد صلاة الفجر حتى الضحي، وليلة العيد كانت عندى دائما هى ليلة السهر حتى صلاة العيد.
وأذكر ليلة العيد قبل سفرى إلى انجلترا عام 1965، حيث قضيناها سمير سرحان ود. فاروق عبدالوهاب وأنا من بعد صلاة العشاء فى شوارع الجيزة، وهى المنيب الذى كان منطقة زراعية لايوجد بها إلا مصنع للطوب ومضرب لكسر الأرز، وكنا نسميها الطبيعة، فالطريق من الجيزة حتى شارع البحر الأعظم كان زراعيا.
وعند الفجر رجعنا إلى الجيزة واشترينا سمكة، ودخلنا مخبزا اشترينا منه عشرة أرغفة ساخنة وقمنا بشى السمكة وأكلناها بعد صلاة العيد.
ويوم العيد يمثل لى دائما يوم فرحة كسر النظام الروتينى المتبع
فى غيره من أيام السنة، وفى هذا معنى مهم وهو كما يقول شاعر انجليزى "وضع منارات فى حياتك لتذكير نفسك بمضى الزمن وعودتك إليه".
وأعتقد أن العيد هذا العام لن يختلف بالنسبة لى عنه فى كل عام.
- حسن طلب
يرى الشاعر حسن طلب أنه قد تغير كل شيء فى الحياة عما كان عليه فى الزمن القديم فقد تغير وقع رمضان على النفوس بالمقارنة بما كان عليه فى الماضي، وكذلك تغير وقعه فى الأعياد، لأن الحياة فى مجملها فقدت بالتدريج هذا الطابع الرومانسى منذ عقود خلت، وأصبح ايقاع الحياة أكثر سرعة، وأصبحت مصادر البهجة كثيرة ومتعددة، ولكنها غير عميقة، نجدها فى الوسائط التكنولوجية والشبكة العنكبوتية أو فى التليفزيون،.
التى لم تكن موجودة فى الزمن القديم.
فى الماضى كنا نعيش رمضان وبهجته من خلال الاذاعة فنستمع إلى القرآن الكريم ثم إلى برامج التسلية عبر الإذاعة.
وأنا أظن أن وجود الاجهزة الحديثة هو الذى جعل الحياة أقل رومانسية، لانها اصبحت ذات طابع عملى أكثر وتأثرت العاطفة الدينية مثلما تأثرت العواطف كلها، وهذا لايعنى اننا ضد التطور ولا ضد الاجهزة الحديثة، فهى فى النهاية أجهزة محايدة نستطيع أن نحسن استخدامها ولانستسلم لها.
فاذا كان فى رمضان سنستسلم لهذه الاجهزة ونبدأ فى مسلسل لننتقل إلى الآخر ونتسمر أمام الشاشة طوال الوقت فأغلب ظنى اننا نسيء إلى أنفسنا وليس إلى رمضان.
كما كنا فى الزمن القديم نقطع نهار رمضان، بالقراءة، وأنا أطالب بالعودة إلى القراءة من جديد حتى لانستمد ثقافتنا من التليفزيون، أما مفهوم العيد فقد اختلف هذه الأيام، لم تعد الكسوة والعيدية التى نفرح بها ـ وحتى الصغار ـ انما مطالب الاطفال تغيرت واصبحت مواكبة للعصر، يريدون أجهزة حديثة ويريدون أن يكونوا ابناء عصرهم، وهذا حقهم، وأن يفرحوا بالعيد على طريقتهم وان كان من واجبنا أن نوجههم إلى ماهو مفيد، ونحن نجد فرحتنا من فرحتهم.
وسيكون عيدا حقيقيا مختلفا عن كل عيد لو حل ببلدنا شيء من الهدوء والاستقرار، وانتهت الظواهر السلبية التى نعانى منها الآن مثل كثرة الشائعات والبلطجة. وغيرها.
الآن كلنا نتمنى أن يكون العيد بشرى طيبة للمصريين جميعا فى اتجاه تأسيس مجتمع ديمقراطى آمن ومستقر ومتقدم.
- محمد كشيك
كان شهر رمضان بالنسبة لى شهر الاحتفالات والمناسبات السعيدة التى ترتبط بالأهل والاصدقاء، أيضا أتذكر نفسى وأنا أتجول فى شارع الموسكى أراقب الاشاربات والفساتين والفوانيس الملونة المعلقة فى السقوف العالية وكنت أختلق أى حجة كى أمارس نشاط الشراء وأدخل إلى أى محل وأسعى إلى الحوار مع البائعين ليس بغرض الشراء ولكن كى أشعر بجو رمضان من خلال الشارع، وكنت أطوف بحى السيدة زينب والسيدة نفيسة والحسين وكل مكان ممكن التحم فيه مع البهجة الرمضانية، ولا أنسى وأنا طفل صغير عندما كنت أسهر مع أبى ونجلس بجوار «المنقد» استمع إلى صوت سيد مكاوى الذى كان يسحرنى منذ وقتها وحتى الآن.
كما أسعدنى الحظ بزيارتى لفؤاد حداد فى مدينة الطلبة لكى أقابل هذا القطب الكبير.
كنت أحب فى رمضان أن أذهب إلى المناطق الشعبية كى أستشعر الجو الرمضانى الجميل مثل تحت الربع وشارع المعز بدين الله الفاطمى وغيرها من الاماكن التى تمتلك الحياة والحب.
وكنت أحب أيضا أن أزور صلاح جاهين الذى لمح بفراسة الشاعر القدير اننى ممكن أن أكتب للاطفال ونصحنى أن أستمر فى الكتابة للاطفال وأهدانى مسرحية اسمها (صحصح لما ينجح) وبعد قراءتى لها انفتحت كل أبواب السحر وكتبت أكثر من ألف قصيدة وخمسة أبريتات للاطفال استوعبتها تسعة دواوين.
أما بالنسبة لاغانى العيد، فكنا لا نعتبر أن هناك عيدا إلا لما كنت أسمع أغنية "الليلة عيد" لام كلثوم وأزور أقاربى وأتذكر عندما كنت طفلا فى الثالثة من عمرى ألعب، اننى كنت أعيش فى مزرعة جدى لامى المليئة بجميع أنواع الزهور والنباتات، أذكر اننى كلما وقعت على الارض كنت أقع على زهرة من الازهار حيث الارض كانت أكثر رحمة مما أصبحت عليه الآن، كلما أتذكر هذه الذكريات الجميلة، تنهمر من عينى الدموع لكننى أعتقد فى الايام القادمة سوف تنهمر من عينى دموع السعادة والفرح.
فى رمضان القديم فى طفولتى كنا نعيش فى بيت نملكه من طابق واحد، كل يوم بعد العصر وحتى المغرب أبى يفترش سجادة صلاته فى مدخل البيت، ويجلس يقرأ بصوت عال جزءا من القرآن حتى اذا جاء آخر يوم فى رمضان أتم القرآن، صوت أبى كان جميلا، تعلمت منه صحة اللغة، وهذا ماأفادنى كثيرا كشاعر، وكانت أمى تنهمك فى الوقت ذاته فى إعداد طعام الإفطار، هذه هى المرات القليلة التى كنت أرى فيها شعر أمى دون غطاء.
- د. أحمد درويش
لابد أن أقول اننى من جيل ينتمى إلى فترة كان رمضان والعيد فيها يعنى كثيرا من الأشياء، وربما فى القرى على نحو خاص، ونحن من أبناء القرية، وكان رمضان فى الطفولة يعنى جزءا من الحد الفاصل بين أواخر الطفولة وأوائل الصبا والشباب.
وكان الفتى الصغير اذا استطاع أن يصوم رمضان يحصل على شهادة ممن حوله بأنه قد أصبح فتى كبيرا، أو على أعتاب الشباب والرجولة، وكنا من أجل ذلك نسارع بأن نجشم أنفسنا عناء الصوم حتى قبل أوانه لكى نكسب هذه اللمحة الرجولية المبكرة.
وكنا فى القرية نمارس الطقوس الجميلة فى شهر رمضان والعيد، فكنا نتجمع حول المسجد فى أنتظار مدفع الافطار ولايوجد فى القرية مدفع افطار، لكن كنا ننتظر حتى نسمع أذان المغرب، فتكون هذه اشارة انطلاقتنا لنجوب كل شوارع القرية لكى نعلن للجميع أن وقت الافطار قد حل، ونطلق الأغنية الشهيرة «افطر ياصايم على الكحك النايم».
وعيادة الصوم تكتسب قيمة كبيرة فى تأكيد معنى الذات عند الاغتراب، واذا أن السنوات التى قضيتها فى باريس كان الصيام من أكثر ما يعتز به المسلمون، وكان رمضان وأنا فى سنواتى الأولى بباريس يأتى فى موسم الصيف الطويل، وكان موعد الإفطار فى العاشرة مساء، ورغم ذلك فلا أتذكر أنى تخليت يوما عن صيامي، وكان صيامنا موضع إعجاب الفرنسيين.
وفى الوقت الحالى أصبح الصيام يرتبط عندى بالعمل الجاد لانه يتيح لى وقتا أكبر للعمل ليلا، لهذا فقد كانت البذرة الأولى لكثير من أعمالى فى رمضان.
أما عيد الفطر، ممكن نشعر به كأطفال فى القرى أكثر من شعورنا الآن فهو يرتبط بالبهجة وبالاحتفالات واللقاءات الأسرية، ومن أجل هذا اكتسب الآدب العبرى نفسه فكرة الحفاوة بالعيد، وربما كانت مصر على نحو خاص من بين بلاد الدنيا.
قد أضفت على احتفالات رمضان والعيد ملامح شعبية كثيرة جدا، وأنا أذكر أن الشاعر الراحل على الجندى وضع كتابا جميلا عن قرة العين فى رمضان والعيدين جمع فيه أجمل ما قاله الشعراء فى الآدب العربى فى رمضان، والعيد ومعظمها لشعراء مصريين.
- رجب الصاوي
رمضان والعيد كانا يشكلان ونحن صغار عالما من البهجة والجمال. عالما له لون وطعم ورائحة، فأنا أتذكر فى قريتى الريفية المظلة والفقيرة (الوراق) وأنا طفل فى نهاية الستينيات وبداية السبعينيات أنه كان فى لشهر رمضان سحره الخاص، فقد كنا ننتظره بشغف كبير لانه ارتبط فى أذهاننا بطقوس شعبية مصرية خاصة، تبدأ باستعدادنا له فى نهاية شهر شعبان بعمل الزينات الورقية وشراء الفوانيس والشموع (تلك الفوانيس اليدوية التى كانت تستدعى معها حكايات ألف ليلة وليلة الساحرة) ثم ننتظر بداية ظهور الهلال وكأننا ننتظر ضيفا عزيزا يأتى من بعيد ليسكن معنا شهرا كاملا وكانت يصحب قدومه أغان عاطفية رمضانية رائعة وعلى رأسها حلقات المسحراتى بصوت سيد مكاوى وأشعار فؤاد حداد، كذلك كان للعيد طقوسه الجميلة التى تبدأ بشراء الملابس والاحذية التى ننزلق بها على الارض متباهين انها جديدة ثم الذهاب إلى الأهل والاقارب لنحصل على العيدية الورقية الجديدة والقليلة والتى كنا نسعد بها سعادة غامرة.
هذا قبل الدخول بعمق فى الحقبة البترودولارية وخاصة فى فترة الثمانينيات والتسعينيات فقد حدثت فى هذه الحقبة شروخ كبيرة داخل الاسرة المصرية بسبب الفروق المادية بين من سافر من الأخوة وبين من لم يسافر وسبب تبنى ثقافة استهلاكية متخلفة ومغايرة للثقافة المصرية، فلم يعد شهر رمضان والعيد فى مصر نفس المذاق الجميل واختفت بدرجة كبيرة حالة الألفة والمودة والتجمعات الاسرية التى تتصف بالدفء والبساطة، وأصبح رمضان والعيد يشكلان عبئا ماديا ونفسيا على معظم الاسر المصرية ولم يعد لهما مثل هذه الروح الانسانية القديمة الجميلة.
- أحمد صبرى أبوالفتوح
ليست ليالى رمضان وذكرياته بالضرورة قاهرية الانتماء بأجواء أحيائها العتيقة لكن فى ربوع مصر أجواء أخرى لها طابعها المختلف فى ذكريات وحاضر أبنائها من المبدعين، ولان رمضان يرتبط أكثر بالذكريات ويحلو الحديث عنها، فقد سألنا الروائى أحمد صبرى أبو الفتوح صاحب (ملحمة الساسوة) عن ذكرياته مع رمضان والعيد فى موطنه الذى لايبرحه إلى القاهرة إلا قليلا ولامور ضرورية (المنصورة) وهو يفصح عن أن (رمضانه) هو الاب الحقيقى لابداعاته الأدبية فيقول:
ذكرياتى مع رمضان والعيد هى ذكرياتى مع البهجة، والسلام النفسي، أول وعيى ان اجازة العيد تصادف اجازة نصف العام الدراسى، فكانت المتعة مزدوجة، لكن رمضان كان على الدوام شيئا مختلفا، نتسابق فى الصوم ونحن صغار، ونكاد تزهق أرواحنا فى الساعات الاخيرة من اليوم الطويل، وفى آخر الليل نتسابق فى اليقظة لتناول السحور، ونسمع أطايب الاذاعة، ألف ليلة وطاهر أبو فاشا موهوب وسلامة وعباس الاسوانى ابتهالات الشيخ سيد النقشبندى ثم سهرة المندرة الكبيرة فى بيتنا مع ليالى الشيخ حسن الذى يحيى رمضان لدينا، الكنافة البلدى بالقشطة التى تجيد صنعها أمى و«المنقد» الكبير فى الشتاء الرمضاني، وبرادات الشاى والقرفة والحلبة والينسون، والسبرتاية وفنجان القهوة والشهوة الرائعة للطعام فى ساعات ما قبل الإفطار، صلاة التراويح والدعاء الذى لا يعرف المخاتلة أو الرياء على الخالق، دعاء صرف طازج بسيط.
دعوا قمر الدين وحده هذا الشراب اللذيذ الذى أحمل له ذكريات مستمرة، والمشمشية الرائعة، والخشاف الذى كنا نستبقيه لما بعد الافطار، ولانبادر به، وحكايات ما بعد التراويح، نحكيها لبعضنا البعض، أو يحكيها لنا الكبار، والشياطين المصفدة فى الاغلال وسخرياتنا منها، وبلدانا الرائع وهو ينهض، يغنى لثورة يوليو الرائعة، ويهز قلوبنا هزا فنحن امام مستقبل منظور، وأحلام تجعل الذين كانوا خدما وشبه عبيد معنا فى قلب الحدث، والحلم، والامل أنا لم أعش رمضانا مختلفا عن غيري، ولكنى رأيته بعينى أنا وخبرته بقلبى أنا، وسرحت فيه بخيالى أنا، واستمعت به بطريقتى أنا ربما لهذا هو لدى الجزء الأكبر من حياتي، فعشرات الحكايات التى أسهمت مع غيرها فى تشكيل عالمى الروائى كانت فى الحقيقة ابنة رمضان، ولياليه فى مندرتنا العامرة، وسهرة رمضان التى واظب أبى على احيائيا حتى انتقل إلى رحمة مولاه.
- حمدى البطران
أما الروائى حمدى البطران الذى ارتبط اسمه بروايته الشهيرة (يوميات ضابط فى الأرياف) التى أحدثت أزمة بسبب اعتراض وزارة الداخلية عليها فى منتصف التسعينات وتمت محاكمته تأديبيا بسببها، حيث كان لايزال فى الخدمة فيقول عن ذكرياته الرمضانية.
شهر رمضان يشكل خصوصية لدى كل شخص، حيث يخلق كل منا طقوسه الخاصة فى شهر رمضان والتى تختلف بالطبع عن طقوسه فى الايام العادية، وقد شكل لى شهر رمضان على الدوام طقوسا خاصة، فقد عاصرناه فى البرد القارس، والقيظ العنيف، وفى فترة التلمذة والجامعة، وفى العمل، وفى المعاش، وفى كل حالة كنا نخلق لانفسنا طقوسنا الخاصة.
أذكر اننى فى رمضان وكنت طالبا فى المرحلة الثانوية قرأت الجريمة والعقاب وذكريات من منزل الأموات لديستوفسكى وقرأت عدالة وفن لتوفيق الحكيم، والضفيرة السوداء لمحمد عبدالحليم عبدالله، بالنسبة لى ككاتب، كان شهر رمضان دوما مصدرا للقراءة، فيه أقرأ كتبا اشتريتها طوال العام، ولم أجد لدى متسعا من الوقت لقراءتها فأقرأها فى رمضان، خلال الفترة من بعد الظهر إلى ما قبل الافطار، وهى الفترة القاسية على الصائمين، غير أننى لسبب غامض أجد نفسى غير قادر على الكتابة خلال مرحلة الصوم، أى فى فترات النهار، ولا أتذكر جوعى أو عطشى إلا عندما أتاهب للكتابة.
وعندما يكون لدى عمل لم أكمله، ويأتى رمضان فاننى لا أتمكن من إكماله.
وذات مرة جاء شهر رمضان وأنا أحاكم امام مجلس تأديب الضباط فى القاهرة، بسبب روايتى «يوميات ضابط فى الارياف» وقتها كنت أعمل فى المنيا وأقيم فى ديروط مع أولادى وأسرتي، وكان معنى ذلك أننى لن أتناول الافطار معهم، وهو ما سبب لى نوعا من الضيق، كان موعد الجلسة فى الثامنة مساء فى مقر وزارة الداخلية بلاظوغلي، معنى هذا اننى يجب أن أكون فى القاهرة قبلها، وبالفعل ركبت القطار الساعة الثانية، وعندما نزلت من التاكسى فى باب اللوق، كان أذان المغرب قد أوشك وكانت المطاعم قد تعودت أن تجعل الموائد على الارصفة لتستقبل أكبر عدد من الزبائن، تجولت فى المنطقة، وجدت موائد نظيفة عليها مفارش جميلة، ورجالا محترمين ينادون الناس ليفطروا جلست، وعندما حان الآذان تقدم منى رجل يرتدى الملابس الكاملة وقدم لى كوبا به عصير المانجو أو قمر الدين، لا أذكر ثم جاءت الاطباق من الارز عليه قطعة كبيرة من اللحوم، وطبق به سلطة، وآخر به خضار، وبعد أن أكلت أشرت إلى الرجل الذى يرتدى الملابس الكاملة من بعيد، وحركت أصابع يدى بما يعنى رغبتى فى دفع الحساب جاء الرجل مسرعا، وصافحني، وكانت فى يده ورقة مالية، ولما رأى دهشتي، أشار إلى لافتة لم أتنبه لها، وقد كتب عليها (مائدة الفنانة) وقتها شعرت بحرج شديد، وعزت على نفسى وعبثا حاولت أن أعيد المبلغ الذى أعطانيه الرجل، واستبسل واستبسلت فى الرفض وتجمع بعض الناس، وهنا قال أحدهم «خلاص بأه يا أستاذ كله من خير الفنانة) وقتها شعرت بخزى هائل لا حدود له، وأحسست أن كل الناس تعرفنى وتنظر إلى لاننى أكلت فى موائد الرحمن. المهم اننى فتحت يدى عن الورقة المالية فوجدتها خمسين جنيها.
- عبد المنعم رمضان
فى رمضان القديم فى طفولتى، كنا نعيش فى بيت نملكه من طابق وأحد، كل يوم بعد العصر وحتى المغرب أبى يفترش سجادة صلاه فى مدخل البيت ويجلس يقرأ بصوت عالى جزءا من القرآن حتى أذا جاء آخر يوم فى رمضان أتم القرآن.
صوت أبى كان جيلا، تعلمت منه صحة اللغة ، وهذا ماأفادنى كثيرا كشاعر، وكانت أمى تنهمك فى الوقت ذاته فى إعداد طعام الإفطار، هذه هى المرات القليلة التى كنت أرى فيها شعر أمى دون غطاء.
- فولاذ عبدالله الأنور
لشهر رمضان منزلة كبيرة عندى لانه أولا يرتبط بالعاشر من رمضان، وهو اليوم الذى انتقلت فيه من سوهاج إلى القاهرة للدراسة الجامعية، ومن الطالع أن يتزامن انتقالى إلى الجامعة بمناسبتين عظيمتين، مناسبة العاشر من رمضان والسادس من أكتوبر ولعل هذه المناسبة جعلت لشهرى انطلاقة جديدة، وامتزج شهر الصوم الكريم بالانتصارات العظيمة.. وبالتالى تدفقت القصائد التى تعبر عن هذا النصر.
ويمثل شهر رمضان بالنسبة لى فى تلك المرحلة بالذات نقطة تحول كبيرة وذكريات غامضة مليئة بالسعادة عندما رأيت وطنى ينهض من كبوته، لكن هناك ذكريات أخرى أيام الطفولة فى رمضان، وأظن أن شهر رمضان فى طفولتى يختلف تماما عن الاحتفال به فى هذه الايام وربما كان المسحراتى فى أيام الطفولة رمزا حيا مرتبطا بالشهر الكريم اكثر من هذه الأيام، لان مفردات شهر الصوم من الصيام والسحور وانطلاق مدفع الامساك كانت تشكل حالة جمالية أظن أن مصر تفتقدها هذه الايام بسبب السهر الطبيعى التلقائى الذى يعيشه أبناء المدن والقرى على حد سواء.
أما عيد الفطر، فأنا أتساءل ترى كيف سيكون الاحتفال بالعيد خاصة بعد ثورة 25 يناير؟ وأتطلع بمزيد من الشوق لمعرفة ما تخبئه الأيام فى الاحتفال بأول عيد يمر بعد الثورة.