Share |
سبتمر 2011
14
ويؤثرون على أنفسهم
المصدر: الأهرام اليومى
بقلم:   فتحى مرعى

د. فتحى مرعى

يمتدح الله رب العالمين أولئك الذين يؤثرون غيرهم على أنفسهم ولو كانوا هم أنفسهم فى حاجة لما يقدمونه للآخرين. فهذه خصلة من أرفع الخصال التى يمكن أن يتصف بها إنسان ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة (الحشر 9) ولو كان بهم خصاصة أى لو كانوا هم محتاجين لما قدموه لغيرهم وآثروهم به على أنفسهم.
الإيثار صفة نبيلة، والأثرة ـ أى تفضيل النفس على من عداها ـ صفة من أقبح الصفات التى يتصف بها إنسان. الإيثار صفة عليا والأثرة صفة دنيا. من اتصف بها فقد ارتضى لنفسه الدنيا، فلا شىء يشين إنسانا ويحط من قدره فى أعين الناس أكثر من كونه أنانيا لا يعنيه إلا نفسه ولا يفكر إلا فى نفسه. ولو كان من يؤثر نفسه عليهم من أهله أو هم أهله. والإنسان الأنانى هو الخاسر فى النهاية ولو ظن أنه الرابح، لأن الذين من حوله سيتعاملون معه من منطلق أنانيته، فلا يعطونه ما كانوا سيعطونه إياه لو عرفوا عنه الإيثار، وأنه يهتم بهم مثلما يهتمون به.
حسابات الشخص الأنانى خاطئة تماما، وهى قصيرة النظر، ولا ترى إلا ما هو قريب منها، وليس أبعد من ذلك. لا أحد يستريح للشخص الأنانى ولا يقيم له اعتبارا، لأن الشخص الأنانى يعنى بنفسه فقط، ويفضل نفسه على كل من حوله، وبالتالى فليس هناك أى داع لمساعدته، فهو متكفل بنفسه دون مساعدة من أحد، وهو فى هذا خاسر لأنه بمفرده لن يستطيع أن يبلغ كل ما يريد، فهناك من الأمور ما لا يتم إلا بالتعاون من جانب أكثر من شخص، وهذا لن يجد أحدا يعاونه ممن يعرفون عنه الأنانية وإيثار نفسه على الناس جميعا، وهو ليس مؤمنا بحق ليس منا من لا يحب لأخيه ما يحب لنفسه (حديث شريف) وهو لا يحب للآخرين ما يحب لنفسه، فهو يستأثر لنفسه بكل ما يمكن أن يستأثر به وحده، ولو أدى ذلك إلى حرمان الآخرين مما هو حق لهم، أو ما كان سيؤول إليهم لولا أنه استأثر به دونهم.
الشخص الأنانى مكروه فى أهله ومكروه فى دائرة معارفه، وقد تصل الأمور إلى درجة أن يصبح منبوذا منهم جميعا. ولو احتاج إليهم فى مرض ألم به أو ورطة وقع فيها لما سارعوا إليه بل تباطأوا عنه، ومعهم حق. فالدنيا أخذ وعطاء. وليست أخذا فقط ولا عطاء فقط، فالذى يعطى يأخذ، والذى يأخذ لابد أن يعطى، وإلا انفض الناس من حوله.
الشخص الأنانى قد يتقدم به السن ويصبح فى حاجة لتعاطف الآخرين معه وتقديم المساعدة له، ولكنه حرم نفسه من هذا وذاك بسلوكياته الأنانية، وعدم اهتمامه بالآخرين الذين كانوا فى حاجة إلى اهتمامه بهم، ولكنه أعرض عنهم وتهرب منهم.
الإنسان الأنانى شحيح بطبعه، والله تعالى يقول: ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون (الحشر 9) فالإنسان الشحيح ليس من المفلحين. فهل يصلح الإنسان الأنانى من شأنه حتى يكون من المفلحين فى الدنيا والآخرة؟ أم يظل على ما هو عليه لكى يخسرهما جميعا؟!