Share |
ابريل 2011
1
إدارة مشكلة القمامة فى مصر: محافظة القاهرة نموذجا
المصدر: أحوال مصرية


تزايدت فى الآونة الأخيرة مشكلة تكدس «القمامة» - التى اصطلح على تسميتها فى الأدبيات بـ المخلفات الصلبة(1) - فى مختلف أحياء القاهرة، الراقية والشعبية والعشوائية على حد سواء. ورغم أن هذه المشكلة ليست جديدة بل أصبحت سمة عامة تعانى منها غالبية محافظات مصر، فإنها تظهر بدرجة واضحة فى قلب العاصمة أو بالقرب منها(2). وهناك بعض التقديرات لعام 2009 تشير إلى أن المتولد اليومى للمخلفات الصلبة «القمامة» حوالى 43 ألفاً و835 طناً يومياً على مستوى الجمهورية.
وفى بعض الأحيان يصل إلى 47 ألف طن، أى أن المخلفات الصلبة الناتجة فى مصر تقدر بـ 17 مليون طن سنوياً، وتشير هذه التقديرات أيضاً إلى أن محافظة القاهرة تنتج وحدها يومياً حوالى 10 آلاف و795 طن قمامة بخلاف ما بين 2 إلى 3 آلاف طن مخلفات مبان وأتربة، حيث أن القاهرة تعد واحدة من أكبر 10 مدن من حيث الكثافة السكانية (18 مليون نسمة)، بالإضافة إلى حوالى 2 مليون زائر للقاهرة يومياً من المحافظات المختلفة(3). ووفقا لما تذكره هيئة نظافة وتجميل القاهرة، يتم جمع نحو 65% من هذه الكمية بواسطة الهيئة و15% بواسطة جامعى القمامة والـ20% الباقية لا يتم جمعها(4).
فالقاهرة تخرج بها مخلفات تزيد على مجموع عدة محافظات مع بعضها البعض، حيث بلغ حجم الناتج اليومى لرفع القمامة فى محافظة الجيزة حوالى 4.610 آلاف طن، ويليها الدقهلية 3.825 طنا ثم القليوبية 3.455 طنا والإسكندرية 2.615 طنا والبحيرة 2.160 طنا والشرقية 1.730 طنا وكفر الشيخ 1.725 طنا والمنوفية 1.265 طنا والمنيا 1.220 طنا، أما بالنسبة لأقل المحافظات من حيث حجم المخلفات فهى الوادى الجديد 65 طنا يوميا والأقصر 120 طنا يوميا.
ومما لا شك فيه إن انتشار القمامة فى شوارع وأحياء وأزقة محافظة القاهرة يعنى عدم الاهتمام بالسياسة العامة، لأن المجال العام أصبح مقلبا للنفايات بأنواعها المختلفة على حد تعبير مأمون فندي(5). ونظرا لعدم وجود أسلوب محدد أو سياسة ثابتة للتعامل مع المشكلة أو اعتبارها «الحل» لمشكلات عدة، فإن الآثار السلبية الناتجة عن تراكم القمامة أفرزت مشكلات بيئية تؤثر على الصحة العامة للمصريين، رغم أن ذلك مناقض لما هو قائم فى الدستور المصري(6) وقانون البيئة فى مصر(7).
تركز هذه الورقة على واحد من المستويات التحليلية فى دراسة السياسة العامة، كما برز فى بعض الأدبيات(8)، وهو المستوى الخاص برصد وتحليل وتقويم الأدوار الفعلية للفاعلين الرئيسيين فى صنع السياسة العامة سواء على الصعيد الحكومى أو غير الحكومى بهدف التعرف على آليات التعامل مع واحدة من أكثر المشكلات البيئية حدة وهى تراكم مخلفات القمامة فى القاهرة.
وتناقش هذه الورقة - وهى فى الواقع ورقة تفكير thinking paper تثير تساؤلات أكثر مما تقدم من إجابات - عدة عناصر أساسية، على النحو التالي: الفاعلون فى إدارة مشكلة القمامة فى القاهرة، وتنفيذ السياسات المتعلقة بالمشكلة، وتقويم السياسات المطبقة من جانب الفاعلين الرسميين وتفاعلات الفاعلين غير الرسميين، مع تقديم توصيات للحد - وليس "الحل" - من تأثير مشكلة القمامة.
أولا: الفاعلون فى إدارة مشكلة القمامة فى القاهرة
تعد مشكلة القمامة أو المخلفات الصلبة واحدة من المشكلات البيئية المتفاقمة فى محافظة القاهرة، وهو ما يعود إلى تعدد مراحل المنظومة المتكاملة لإدارة هذه المخلفات، والتى تشمل التجميع والنقل والفرز والمعالجة والتدوير للمخلفات القابلة لذلك ثم الدفن الآمن للمخلفات غير القابلة للتدوير(9). ومن ثم، فإن هناك أكثر من فاعل واحد فى التعامل مع مشكلة القمامة، على النحو التالي:
أ- وزارة الدولة لشئون البيئة. يعد جهاز شئون البيئة هو الجهاز التنفيذى للوزارة، ويختص بتحقيق أهدافها، وذلك حسبما ورد نصا فى المادة "5" من القانون رقم 4 لسنة 1994، فهو معنى بتنفيذ السياسة البيئية للحكومة المصرية، التى يشير إطارها العام إلى تطوير السياسات البيئية ودعم نظم الإدارة البيئية المستدامة(10). وبالتالي، فإن هناك دوراً محدداً للوزارة بصدد مشكلة القمامة. ووفقا لأحدى الدراسات(11)، تحتل مشكلة القمامة المرتبة الثانية على قائمة المشكلات البيئية التى تواجه مصر، وهو ما يدفع الجهات المانحة لتقديم المعونات المالية للمشروعات التى تراعى الاعتبارات البيئية، مثل البنك الدولى، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة، وبرامج المعونة الخارجية الخاصة بوكالات التنمية للدول المتقدمة مثل الوكالة الكندية والدنماركية والأمريكية.
وقد تم البدء فى تطبيق البرنامج القومى لإدارة المخلفات الصلبة عام 2001/2000 معتمدا على التعاون بين الوزارات المعنية ووزارة الدولة لشئون البيئة على مستوى الحكومة المركزية والمحليات بالارتكاز على عدد من المبادئ الأساسية، ومن أهمها: مبدأ تحمل الملوث لتكاليف معالجة التلوث Polluter pays principle، وإعداد التشريعات المالية والمؤسسية والبيئية لضمان المشاركة الفعالة للقطاع الخاص فى هذا البرنامج، ودعم لا مركزية أنظمة الإدارة وتشجيع الحد من تولد المخلفات وإعادة تدويرها واستخدامها وبناء وعى عام بهذه المشكلة(12).
وقد هدف هذا البرنامج فى مرحلته الأولى إلى تنفيذ مشروعات إدارة متكاملة لحوالى 9.3 مليون طن سنويا من المخلفات الصلبة فى المدن الرئيسية بالمحافظات المصرية، وإعادة استخدام 3 ملايين طن سنويا من المخلفات الزراعية، والتخلص الآمن من 25 طناً سنويا من مخلفات الرعاية الصحية، والتخلص الآمن من مليون طن من مخلفات الهدم والبناء. ووفقا لما جاء فى الخطة الخمسية الثانية 2007-2012 بالتقرير السنوى لعام 2008 الصادر من وزارة الدولة لشئون البيئة فى يونيو 2009(13)، فإن الخطة تستهدف رفع تراكمات القمامة من المحافظات بتكلفة 234 مليون جنيه. وهذا المبلغ لا تدخل فيه محافظات القاهرة الكبرى لأن وزارة البيئة قامت برفع تراكمات القمامة التاريخية التى ظلت لسنوات طويلة من عام 2003 وحتى عام 2006 إلا أن هذه التراكمات عادت مرة أخرى. ومن هنا، خصصت وزارة البيئة خلال العام المالى الأول (2007-2008) لمحافظة القاهرة 126 مليون جنيه.
وقد قرر رئيس مجلس الوزراء إدراج الاعتمادات المالية المطلوبة لإقامة منظومة إدارية وصناعية متكاملة لتدوير القمامة والمخلفات بدءا من الموازنة العامة المقبلة للدولة (2011-2010). وفى اجتماع لرئيس الدولة بوزير الدولة لشئون البيئة ومحافظ القاهرة فى منتصف فبراير الماضي، تم تحديد خمسة مواقع لجمع وتدوير المخلفات ودفنها خارج نطاق المدن فى طريق الفيوم، والقطامية، والعين السخنة، والسلام بلبيس، ومنطقة العاشر(14)، إلا أن هناك من يرى أن المشكلة لا تتعلق بالمدافن أو بالتراكمات وإنما تكمن فى غياب المنظومة المتكاملة لإدارة القمامة(15).
ب- المحليات، حيث تقوم المحليات بالاشتراك مع الهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة بتجميع ونقل المخلفات من الشوارع وصناديق القمامة والحاويات العامة، والإشراف على المقالب العمومية، وكذلك تشغيل مصانع السماد العضوي.
ج- نظام جامعى القمامة التقليدي، الذى يرجع إلى أوائل القرن العشرين، ويقوم فيه عمال النظافة بجمع القمامة من الوحدات السكنية وبعض المنشآت التجارية، ونقلها بوسائلهم الخاصة إلى مجتمعاتهم لفرزها وإعادة تدويرها. ومع أن ظروف العمل والطرق المستخدمة، التى تتسم بانخفاض التكلفة إلى أدنى الحدود، لا تتوافق مع المتطلبات الصحية والبيئية، إلا أنها تعتبر خدمة جيدة نسبيا من وجهة نظر العميل. كما يحقق هذا النظام أقصى درجات الاسترجاع الممكنة التى قد تصل إلى 80% من كميات القمامة التى يجمعها جامعو القمامة(16).
د- الشركات الخاصة المحلية والأجنبية. اتجهت الحكومة المصرية نحو تعزيز مشاركة القطاع الخاص فى عملية النظافة والإدارة المتكاملة للمخلفات الصلبة، فيما يطلق عليه “خصخصة القمامة”، وطرحت مناقصات فازت بأغلبها شركات أجنبية (فرنسية وإيطالية وأسبانية) بالإضافة لشركات وطنية. ومنذ عام 2003، عملت عدة شركات خاصة فى مجال النظافة فى مصر، ومنها شركة مصر لخدمات البيئة (الأسبانية)، وشركة أما العرب (الإيطالية) وشركة مصر سيرفيس، وشركة إيكو كونسرف والشركة المصرية لتدوير النفايات الصلبة (إيكارو)، وشركة الفسطاط الوطنية التابعة للهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة، وشركة أوروبا 2000(17).
ومن الجدير بالذكر أن العاملين فى هذه الشركات مصريون، لكن الإدارة أجنبية فى غالبية تلك الشركات. ويقوم هذا النظام على حصر دور هيئات الدولة فى الرقابة مع تطبيق فلسفة مشاركة المواطنين فى تحمل تكاليف خدمة النظافة من خلال إضافة نسبة على فاتورة الكهرباء(18).
وتشير العقود المبرمة مع شركات النظافة إلى أن مهامها، تتمثل في: جمع القمامة من «الوحدات السكنية- المحلات التجارية - الأسواق - مواقف الأتوبيس - ودور السينما- الوحدات الطبية- مخلفات المصانع والورش»، كنس وغسل الشوارع بالكامل، التخلص من القمامة بالدفن الصحى فى المقالب، رفع الملصقات من على المبانى وأعمدة الإنارة، تنظيف سلات المهملات على أعمدة الإنارة، تقديم الخدمة 7 أيام أسبوعيا، فى مقابل ذلك تحصل الشركات على الأموال المتفق عليها فى العقود فى صورة رسوم تحسب من فاتورة الكهرباء.
هـ- الجمعيات الأهلية البيئية. تعد هذه الجمعيات فاعلاً غير رسمى فى التعامل مع مشكلات البيئة عموما والقمامة خصوصا، وذلك فى إطار سد الفراغ أو ملء الفجوة بين ما لا تقدر عليه الحكومة ولا يرغب فيه القطاع الخاص(19).
وتشير إحدى الدراسات إلى تراجع محافظة القاهرة عن مكانها التقليدى فى صدارة المحافظات الأكثر عددا فى الجمعيات الأهلية المعنية بشئون البيئة. فقد كانت نسبة الجمعيات الأهلية البيئية بمحافظة القاهرة فى عام 1994 حوالى 80% من إجمالى الجمعيات البيئية على مستوى الجمهورية انخفضت فى عام 1998 إلى 39% فقط، واستمرت هذه النسبة فى التراجع بحيث انخفضت إلى 8% من إجمالى الجمعيات البيئية على مستوى الجمهورية. وقد تراجعت محافظة القاهرة من المركز الأول إلى المركز الرابع بعد محافظات سوهاج من الوجه القبلى والمنوفية من الوجه البحرى والإسكندرية. وتجدر الإشارة إلى إن هذه النسبة يمكن أن ترتفع إلى حوالى 12.5% من إجمالى الجمعيات البيئية على مستوى الجمهورية لو تمت إضافة الجمعيات البيئية المركزية إلى نصيب محافظة القاهرة باعتبار أن مقار هذه الجمعيات موجودة فى العاصمة(20).
ومن أبرز الجمعيات التى تولى اهتماما بمشكلة القمامة فى القاهرة، سواء التى لها اهتمامات واسعة مثل المكتب العربى للشباب والبيئة، وجمعية أصدقاء البيئة والتنمية، والجمعية المركزية للحفاظ على البيئة، أو الجمعيات التى تعنى بقضية بيئية واحدة مثل جمعية حماية البيئة من التلوث، وجمعية التنمية الصحية والبيئية(21).
ثانيا: تنفيذ السياسة المتعلقة بمشكلة القمامة فى القاهرة
وفقا للتعريف الذى يشير إليه د.السيد عبد المطلب غانم، فإن تنفيذ أو إدارة السياسة العامة فى النظام الديمقراطى بأنها «العملية التى توفر بها الحكومة أو منظماتها الخدمات، مديرة الموارد ومسوية الصراعات، مراعية الكفاءة والإنصاف، على أن تكون مسئولة أمام الجمهور عن الوسائل والنواتج»(22). وبالتطبيق على حالة الدراسة، فقد اتسم الأداء الحكومى فى التعامل مع مشكلة القمامة فى محافظة القاهرة بعدم الفعالية، حيث لم تحقق برامج وزارة الدولة لشئون البيئة أهدافها، رغم التصريحات المتكررة من قبل المسئولين، سواء رئيس الوزراء أو وزير الدولة لشئون البيئة أو محافظ القاهرة أو رئيس الهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة أو رؤساء الأحياء، بشأن تحسين عملية جمع القمامة وتحديث معدات الإنقاذ المركزى وزيادة أعداد جامعيها.
علاوة على ذلك، فإن المبررات التى قدمتها الهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة بشأن الاستعانة بالشركات الأجنبية فقدت مصداقيتها، والتى تتمثل فى أن تكلفة الخدمة تفوق العائد (فى حينه) نظرا لاشتراك أقل من 50% من الوحدات السكنية فى الخدمة مع جامعى القمامة، وأن نظام الخدمة ذو كفاءة محدودة وفقا للمعايير البيئية والصحية العامة. كما لم يتم تفعيل بنود العقود المبرمة مع الشركات الخاصة بجمع القمامة وزيادة أطقم وأعداد جامعيها من المنازل وتقليل الكميات التى تستقبلها صناديق الجمع فى الشوارع. وهنا البعد الاقتصادى مؤشر مهم فى تنفيذ السياسة العامة.
ورغم أنه تم تشكيل «وحدة مراقبة العقد» كوحدة إدارية جديدة تابعة للهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة تضم كوادر فنية وقانونية ومالية وإدارية، لمراقبة أداء الشركات الخاصة الأجنبية، وكتابة التقرير عنها، وتوقيع الغرامات على الشركات فى حال عدم أداء أى خدمة واردة بالعقد، فما حدث فى الشهور الأخيرة من العام الماضى يشير إلى أنها لم تضطلع بمهامها.
أما فيما يتعلق بتحقيق الغايات، أى تمكين المواطن فى محافظة القاهرة من العيش فى بيئة نظيفة، فلم تتم إدارة تلك المخلفات بشكل مثالى على نحو ما يحدث بعد جمعها ونقلها وإعادة تدويرها والتخلص منها. ولا توجد مؤشرات بأن ثمة متابعة من جانب قطاع الإدارة البيئية داخل وزارة الدولة لشئون البيئة لما يحدث بشأن إدارة المخلفات، ولم يقم هذا القطاع بتقييم ومراجعة التأثير البيئى والعمل على إيجاد تكنولوجيا التعامل مع مختلف أنواع المخلفات.
ودائما ما يتم التركيز على الجانب السلبى فى التعامل مع القمامة، رغم أن هناك جانباً أخراً، وهو يتعلق باقتصاديات القمامة، حيث إن هناك بعض الدراسات الصادرة عن معهد بحوث الأراضى والمياه والبيئة تشير إلى أن قمامة القاهرة تعد من أغنى أنواع القمامة فى العالم، لدرجة أن البعض يعتبرها أغلى من النفط(23). وتضيف تلك الدراسة أن الطن الواحد من الممكن أن يتراوح ثمنه ما بين ستة إلى ثمانية آلاف جنيه، ويمكن للطن الواحد أن يوفر فرص عمل لـ 8 أفراد على الأقل، بما يعنى أنه يتيح 120 ألف فرصة عمل من خلال عمليات الفرز والجمع والتصنيع. كما أن هناك فاقدا يقارب 12 أو 13 مليار جنيه سنويا من مصادر الثروة الطبيعية فى القمامة، وهى مخلفات يمكن إعادة تدويرها واستخدامها إضافة لنفايات صناعية قابلة للتدوير، مثل البلاستيك والزجاج والورق والصاج ولعب الأطفال والملابس الداخلية والأحذية الرياضية والموكيت والمواسير والأجهزة الكهربائية والعبوات، والحصول على أعلى نسبة للمخلفات العضوية التى يمكن استغلالها فى إنتاج السماد العضوي(24). وبالتالي، يمكن للقمامة أن تمثل مصدرا مهما للدخل القومى بدلا من أن تكون ثروة مهدرة(25).
ثالثا: تقويم السياسة المتعلقة بمشكلة القمامة فى القاهرة
يفترض أن الصحة البيئية واحدة من أولويات الحكومة باعتبارها الجهة المنوط بها التخطيط والمسئولة عن تطبيق السياسات، لكن ما حدث يشير إلى عجز وزارة الدولة لشئون البيئة، والهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة، والشركات الخاصة الوطنية والأجنبية، فضلا عن عوامل أخرى لم تعد عوامل مساعدة تتعلق بممارسات جامعى القمامة وانصراف غالبية الجمعيات الأهلية البيئية عن المشاركة.
لكن يتحمل الجزء الأكبر من المسئولية الحكومة، حيث إن مشكلة القمامة هى جزء من مشكلة البيئة، وهى لا تتعلق بتمرير تشريع أو سن قانون، وإنما تتجاوز ذلك إلى مستوى السياسة البيئية للحكومة المصرية بمعناها الشامل كجزء من السياسة العامة فى مصر، لدرجة أن البعض يرى أن الاهتمام بالبيئة على مستوى الخطاب فقط. كما أن هناك فجوة بين ما يخرج من تصريحات وما ينفذ من سياسات.
ولا يقتصر التقويم على تقدير النجاح أو الفشل، وإنما من مهامه الأساسية تحديد أسباب النجاح أو الفشل. وفى الحالة موضع الدراسة، لا يوجد سبب واحد لمشكلة القمامة فى محافظة القاهرة، وإنما هناك منظومة متكاملة ساهمت فى تفاقم المشكلة، فترة بعد أخرى، لكن هناك وزناً نسبياً لعامل أكبر من الآخر، بحيث تتعلق بأطراف المعادلة وهم الحكومة (هيئات النظافة)، والشركات الخاصة المكلفة بذلك، والعاملون فى قطاع القمامة (الزبالون)، والمواطن بقيمه وسلوكياته، وإلى حد ما الجمعيات الأهلية المعنية بقضايا البيئة والصحة العامة وتنمية المجتمع. وتتمثل هذه العوامل، فيما يلي:
أ- الحكومة. يلاحظ على الخطوات التنفيذية التى اتبعتها الحكومة المصرية للحد من مشكلة القمامة ما يلي(26):
- عدم وجود سياسات رسمية، وأهداف استراتيجية، وبرامج عمل وفقا لمراحل لمحافظة القاهرة بعينها تخاطب كافة مراحل منظومة الإدارة المتكاملة للمخلفات البيئية الصلبة، نظرا لعدم توافر البنية المؤسسية القادرة على تخطيط وتنظيم وتنفيذ المنظومة المتكاملة التى تستند على قاعدة بيانات وإحصاءات متوافرة.
- قصور فى تجهيزات التخزين وحاويات استقبال القمامة وانخفاض كفاءة تغطية خدمات الجمع والنقل، بما لا يجعلها قادرة على استيعاب الكميات التى تنتج يوميا مما يؤدى لتراكمها يوماً بعد آخر.
- عدم توافر مواقع كافية للمقالب العمومية والمتوافقة مع الاشتراطات البيئية والصحية، مع عدم وجود مواقع كافية للدفن الصحى الآمن للتخلص من القمامة. وفى الآونة الأخيرة، برز أن ثمة أزمة لدفن النفايات واضحة بعد التقسيم الإدارى الجديد الذى قضى بانفصال حلوان عن محافظة القاهرة لتصبح محافظة مستقلة. فالقاهرة أصبحت بدون ظهير صحراوي، وهو ما اضطر د.عبد العظيم وزير، محافظ القاهرة إلى طرح فكرة دفن القمامة بمدفن القطامية التى أصبحت جزءا من محافظة حلوان، لكن محافظة حلوان رفضت استقبال أطنان القمامة من القاهرة.
- نقص العمالة المدربة فى مجال تدوير القمامة والحد من التلوث، حتى يتسنى تشغيل أكثر من دورية.
يضاف إلى ذلك مسئولية المحليات فى محافظة القاهرة، حيث تتساهل الأجهزة المحلية فى متابعة أداء الشركات الخاصة الأجنبية أو المحلية، نتيجة وجود أسهم لأحد المسئولين فيها، وهو ما يؤدى إلى فساد ذمم البعض بما يسمح بوجود ثغرات فى صياغة العقود الموقعة مع الشركات وتنفيذها بعد ذلك( 27). كما أن الشركات الأجنبية تدرك مستحقاتها وتتمسك بحقوقها فى حال فسخ العقود ويلجأون للجهات القضائية التى عادة ما تنصفهم.
ب- شركات النظافة الخاصة (الوطنية والأجنبية). إن أحد أسباب مشكلة القمامة الأخيرة تقاعس الشركة الموكل لها خدمة النظافة عن أداء عملها. فقد استعانت الحكومة المصرية منذ ستة أعوام بخبرات شركات أجنبية للتخلص من القمامة، وفى الشهور الماضية أبدت تلك الشركات اعتراضها على تحصيل هيئة النظافة والتجميل بمحافظة القاهرة غرامات وخصومات المخالفات التى ترتكبها، وكذلك تعترض على تسديد حصيلة مصاريف الضرائب والتأمينات والدمغات، رغم أن العقود المبرمة مع هذه الشركات تنص على سداد الأخيرة لهذه المبالغ، وهو ما أدى إلى تزايد حالات الإضراب فى أوساط العاملين فى هذه الشركات نتيجة لعدم حصولهم على مستحقاتهم من الشركة(28).
ج- جامعو القمامة (الزبالون). إن الشركات الأجنبية أغفلت دور جامعى القمامة ولم تفكر فى إدماجهم بمنظومة العمل الجديدة وفق الأسلوب العلمى وهو ما أدى إلى قيام عدد كبير منهم بمحاربة المشروع بشكل غير مباشر لإحساسهم بعدم تحقيق مزايا تعود عليهم. ومن هنا، رفضت الغالبية من جامعى القمامة القيام بمهامهم الخاصة برفع القمامة من المنازل كورقة ضغط احتجاجا على قرار ذبح الخنازير الذى انعكس سلبيا على «بيزنس» القمامة فى مصر، حيث يرفض الغالبية العظمى من الزبالين العمل فى رفع القمامة من المنازل كورقة ضغط احتجاجا على ذبح الخنازير، التى كانت تخلص مصر يوميا من 40% من المخلفات والقمامة، واكتفى الزبالون بجمع المخلفات الصلبة الموجودة فى صناديق القمامة بالشوارع دون القيام بجمع القمامة من المنازل، لأنهم أدركوا عدم استفادتهم من المواد الغذائية التى كانوا يعتمدون عليها فى تربية الخنازير بمقالب القمامة(29).
بخلاف ما سبق ذكره، هناك مسئولية ملقاة على عاتق المواطن، حيث إن هناك سبباً مجتمعياً أزلياً للمشكلة القائمة منذ سنوات وليست المشكلة الحالية، يتعلق بسلوكيات وممارسات المصريين فى خارج حدود بيوتهم بل قد تنحصر النظافة داخل الشقق التى يسكنون فيها، وهو ما يتناقض مع ما يردده المصريون دائما أن «النظافة من الإيمان»، فكلما زادت درجة الإيمان ازداد الإحساس بالنظافة. فالمواطن فى مصر ليس لديه اهتمام أو وعى بالبيئة(30)، بدءا من إلقاء ورقة فى الشارع وانتهاء بإلقاء الزبالة فى الميادين الرئيسية، لدرجة أن البعض يعتبرها مسألة تنتمى لعالم الشمال(31).
وبالنسبة لمنظور التكلفة والعائد الخاص بالسياسة المتبعة فى حل مشكلة القمامة فى القاهرة، فقد زادت النفقات على المنافع وذلك فى ضوء الأهداف المعلنة للسياسة البيئية فى مصر، وزادت قيمة العقود المبرمة مع الشركات الوطنية والأجنبية عن الخدمات التى تقدمها، ولم تنجح محاولات الضغط التى قامت بها محافظة القاهرة، على شركات النظافة الأجنبية أو المحلية الخاصة، للقيام بالمهام المطلوبة منها، إلا بعد دفع مستحقات هذه الشركات المتأخرة، بل لجأت فى بعض الأحيان لمقاولى التراكمات الذين تعاقدت معهم الهيئة لرفع القمامة، وبصفة خاصة مخلفات الهدم والبناء.
ولم تلجأ الهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة لفسخ عقود هذه الشركات رغم فشلها، لأن العقد المبرم بين الهيئة وهذه الشركات ينطوى على شرط جزائى ينص على أن من يقم بفسخ العقد قبل انتهاء مدته وهى 15 سنة، سيتكبد خسائر مالية فادحة قد تصل إلى إجمالى ما ستتقاضاه هذه الشركات طوال المدة المتبقية وهى ثمانى سنوات. فالتصريحات أو التهديدات التى يطلقها المحافظ أو المسئولون فى المحليات تستهدف الاستهلاك المحلى فقط(32). ومن ثم، فإن هناك فجوة كبيرة بين الأهداف المعلنة والنتائج المتحققة.
وفى هذا الإطار، لابد من تقييم دور هيئة نظافة وتجميل القاهرة التى أنشئت بهدف جمع القمامة والمخلفات الصلبة والحفاظ على بيئة نظيفة. فقد أوضحت الكثير من الدراسات أن هناك أوجه قصور كثيرة أدت إلى انخفاض مستوى أداء الخدمة، ولعل من أهم أسباب ذلك هو نقص الاعتمادات المالية لتغطية تكاليف التشغيل والصيانة وإحلال المعدات الميكانيكية، والقصور فى القوانين واللوائح، وتدنى الأجور والحوافز، وغياب الإشراف والرقابة الجادة على عمليات التشغيل، وغيرها من الأسباب التى أدت إلى انخفاض جودة الأداء.
فى حقيقة الأمر، إن مشكلة جمع القمامة التى تعانى منها محافظة القاهرة يمكن معالجتها بالإدارة العلمية والتنظيم الجيد لأداء النشاط. ويكون المعيار الرئيسى للاستعانة بالخبرة الأجنبية هو مدى الحاجة للخبرة الفائقة والتقنية العالية التى قد تحتاج إليها مشروعات إنتاجية وخدمية ذات طبيعة تقنية خاصة لا تتوافر لدى الإدارة الوطنية المحلية(33)، حيث يلاحظ على أداء عمل شركات النظافة السعى للحصول على الربح قبل تأدية الخدمة. كما أنها لم تقم بدراسات كافية عن الواقع المصري، لذا فهناك رغبة فى العودة إلى الاعتماد على الشركات الوطنية فقط(34).
ومن هنا، فإنه من الضرورى سرعة إجراء تقييم موضوعى لتجربة الاستعانة بالشركات الأجنبية فى أعمال النظافة للتعرف على إيجابياتها وسلبياتها، وكذلك ضرورة إجراء دراسة تنظيمية عاجلة لتحويل هيئة النظافة والتجميل التابعة لمحافظة القاهرة إلى شركة وطنية تعمل بالأسلوب الاقتصادى طبقا لمبدأ «التكلفة والعائد»، لتطوير وتحسين أداء الخدمات المكلفة بها، وذلك من خلال اتخاذ الخطوات التالية:
- إنشاء كيان تنظيمى فى شكل شركة مساهمة، يكون له شخصية اعتبارية مستقلة، ويتم التعاقد لإدارتها مع قيادة إدارية ناجحة.
- يكون للشركة موارد ذاتية بعيدة عن الموازنة العامة للدولة، وتوضع لها لوائح خاصة بتشغيل العمالة والأجور والحوافز، ونظام صارم للثواب والعقاب.
- توفير المعدات والحملة الميكانيكية ذات التقنية والتكنولوجيا العالية فى التشغيل.
- وضع نظام جيد للرقابة وقياس جودة أداء الخدمة ومتابعتها.
- وضع تسعير مناسب لأداء الخدمة يتحمله المستفيدون من الخدمة، وغير ذلك من النظم الإدارية التى تستهدف تقديم الخدمة المتكاملة بصورة قد تكون أفضل وأكثر قدرة وفعالية فى الأداء.
أما بالنسبة لأداء الفاعلين غير الرسميين، وتحديدا أحزاب المعارضة، فهى لم تتعامل مع مشكلة القمامة بشكل جاد بل غلب عليها طابع السخرية، بحيث برزت فى بعض تحقيقات الصحف الحزبية والخاصة مثل «مصر تحولت إلى مقلب زبالة كبير»، و"مصر تقع تحت سطوة القذارة وأكوام القمامة وأكياس الزبالة»، و»أصبحت أهرامات القمامة تنافس أهرامات الجيزة»(35)، وذلك دون محاولة طرح أفكار خلاقة وحلول بديلة للتعامل مع المشكلة. ولم يظهر دور ملموس لحزب الخضر الذى يفترض أنه الحزب الوحيد الذى يكرس جهوده ونشاطه للدفاع عن القضايا البيئية(36). ويكشف الواقع الفعلى عن أن نظام الأحزاب فى مصر يجعل من المحظور قانونا على أحزاب المعارضة أن تتلقى أى تبرعات من الخارج. وبالتالي، فإن حزب الخضر- على عكس المنظمات المعنية بالبيئة - لا يستطيع أن يقبل أموالاً من برنامج الأمم المتحدة للبيئة أو حتى من أحزاب الخضر الأخرى.
وكذلك لم تعتمد الحكومة على مبدأ الشراكة والتعاون مع المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية المهتمة بشئون البيئة(37)، وإن حدث تغير جزئى فى العام الماضي، حيث تبنت محافظة القاهرة، كما جاء فى القرار رقم 949 لسنة 2009، مبادرة جديدة للتخلص من القمامة واستعادة الوجه الحضارى للعاصمة من خلال تشكيل لجان التنمية والوعى البيئى بالأحياء تضم فى عضويتها رئيس الحى رئيسا وممثلاً أو أكثر (بحد أقصى ثلاثة) لإحدى الجمعيات الأهلية الناشطة فى مجال البيئة والتى تعمل فى نطاق الحي، بالإضافة إلى واحد أو أكثر (بحد أقصى ثلاثة) من القيادات الشعبية والتنفيذية بالحى، وواحد أو أكثر من الشخصيات الإعلامية أو الصحفية، ورئيس فرع هيئة نظافة وتجميل القاهرة والمسئول عن الحدائق بالحى والمتطوعين من أبناء الحي.
علاوة على ذلك، لم تقم الحكومة باستشارة بعض مراكز البحوث والدراسات المتخصصة فى السياسات البيئية، مثل مركز دراسات واستشارات الإدارة العامة بجامعة القاهرة، الذى يناقش فى منتديات عديدة القضايا المتعلقة بالسياسات العامة بهدف تقييمها والتوصل لبدائل محددة للتعامل مع المشكلات.
على جانب آخر، فإن هناك صحفاً مستقلة ومواقع الكترونية طرحت أفكاراً، حتى لو اتسمت بالبساطة فى التعامل مع المشكلة. فقد أطلقت صحيفة المصرى اليوم حملة
«من أجل مصر نظيفة»، حيث نشرت صورا من شوارع وأحياء، لم يعد المسئولون عن النظافة يقومون بإيلاء أهمية لها، وتلفت التحقيقات النظر إلى مقالب القمامة واسم الحى الذى تتبعه واسم المسئول عنها. إضافة إلى ذلك، أطلقت الصحيفة حملة أخرى وهى «اخدم نفسك وأنس الحكومة». كما أطلقت مجموعة من الشباب حملات على الفيس بوك لحث المصريين على نظافة بلادهم، عبر طرح شعارات مثل «تعالوا ننظف بلدنا بأيدينا» و»تعالوا نغير طباعنا للأحسن» و»تعالوا نجمل شوارع مصر» و»تعالوا نزين ميادينها»، وهو ما يشير إلى إمكانية وجود مدخل للمشاركة الشعبية فى صنع السياسة العامة عبر «المواطن الالكتروني». وقد تم اختيار يوم 10 أبريل 2009 بداية حملة تطوعية مستمرة للنظافة فى مختلف المحافظات المصرية. وقد دعمت وزارة البيئة منفذى الحملة بأكثر من 300 حاوية بلاستيكية كبيرة لتجميع المخلفات بالتنسيق مع أجهزة الحكم المحلي(38).
ورغم أهمية هذه الأدوار التطوعية فإنها لا يمكن أن تكون بديلة للجهود الحكومية وأدوار شركات التنظيف، التى تتطلب عمالاً يشتغلون على مدار اليوم وفق نظام الدوريات، وتوافر معدات لرفع المخلفات، ومقالب مجهزة لاستقبال القمامة، وهى احتياجات تتجاوز بكثير قدرات وإمكانيات مجموعة من الأفراد.
ومن الملاحظ أن الحكومة المصرية لم تستفد من التجارب الدولية العديدة فى التعامل مع مشكلة القمامة. فقد اتبعت غالبية الدول الأوروبية نظام «فصل القمامة من المنبع»(39)، سواء كانت: مخلفات عضوية مثل مخلفات الطعام، ومخلفات أخرى مثل البلاستيك والورق والكرتون والمعادن والزجاج. وهناك أحدى الشركات فى مصر اتبعت هذا الخيار، بتطوير عمليات جمع القمامة والتصرف فيها عبر الفرز من المنبع، أى من شقة المواطن من خلال كيسين بلونين مختلفين، الأول أسود للمخلفات العضوية، والثانى أخضر للمخلفات الصلبة. كما تشجع الولايات المتحدة سكانها فى عدد من الولايات على فرز نفاياتهم وفصل ما يصلح منها لإعادة التدوير بالتعاون مع بعض جمعيات حماية البيئة.
وتعد التجربة السويسرية من أفضل التجارب فى إدارة المخلفات الصلبة، حيث تحقق ثلاثة أهداف هي: الحفاظ على البيئة، وتوفير فرص عمل، وضمان خامات أولية محليا. وقد تمكنت الحكومة السويسرية من تحويل نصف القمامة المجمعة خلال عام 2008 إلى خامات أولية عن طريق إعادة تدويرها، أما النصف الثانى فقد تم استخدامه لتوليد الطاقة للتدفئة أو الحصول على الكهرباء(40). كما أن تجربة فيلادلفيا ملهمة فى هذا السياق، حيث أسست إحدى الجمعيات بنكاً لإعادة التدوير أسمته «ريسايكل بنك»، واستخدمت وسائل متعددة لنشر فكرته بين المواطنين، مثل توفير كوبونات لصرفها فى الخدمات العامة مقابل فصل القمامة القابلة لإعادة التدوير، ولقى استجابة غير مسبوقة من المواطنين، الذين انتشرت بينهم تلك الثقافة، بحيث وصلت أرباح ذلك المشروع ما بين 12 إلى 18 مليون دولار سنويا، وتم تشغيل 18 ألف شخص على إثره(41).
رابعا: توصيات للتعامل مع مشكلة القمامة فى القاهرة
إن تحسين صنع وأداء وتنفيذ وتقويم وآثار السياسات المتعلقة بمشكلة القمامة فى محافظة القاهرة، يتطلب منظومة جديدة لإدارة المخلفات ككل(42)، وهو يمكن أن يتحقق فى حال اتباع المسارات أو الاتجاهات التالية: فهناك اتجاه يدعو إلى تكوين مجلس أعلى للنظافة يتولى هذا الموضوع من الألف للياء، يكون مقره الرئيسى فى القاهرة، بما يضمن قيام المسئولين بجولات ميدانية مستمرة فى الشوارع والأحياء، أو بلورة درجة عالية من التنسيق بين الوزارات المعنية، حيث تقوم المحليات بتجميع القمامة من المنازل، وتكون وزارة الصناعة مسئولة عن تدويرها، وتتولى وزارة الدولة لشئون البيئة مسئولية الإشراف والتخطيط، حيث إن ثمة أهمية للعلاقة بين الأبنية الحكومية، وكذلك العلاقات المركزية المحلية، بحيث يفترض فى المرحلة المقبلة أن تكون السياسات البيئية المتعلقة بالقمامة التى يصنعها المركز تتناغم مع السياسات التى تصنعها المحليات. فضلا عن ذلك، هناك ضرورة لتوفير صناديق فى مسافات متقاربة ولتكن المسافة بين كل صندوق وآخر 30 متراً، خاصة أن أغلبية المناطق فى محافظة القاهرة مزدحمة. فثمة علاقة طردية بين الكثافة السكانية وتوفير العدد المناسب من صناديق القمامة.
واتجاه ثان يهدف لإعادة التفاهم مع الشركات التى تم التعاقد معها، وتضمين التزامات جديدة عليها وتوفير إمكانيات جديدة تؤدى إلى تحسن الخدمة ورفع مستوى النظافة.
واتجاه ثالث يرى ضرورة تشجيع البنوك على الاستثمار فى مجال إعادة تدوير القمامة الخاصة بالعاصمة، وعلى الحكومة أن تقوم بدورها فى توفير أراض بأسعار مناسبة لإنشاء مصانع خاصة بتدوير القمامة، ويتم تعميم التجربة بعد نجاحها على المحافظات الأخرى.
واتجاه رابع يدفع إلى ضرورة تغيير النظرة الدونية لمهنة جامعى القمامة، وتشجيع الشباب العاطل على الذهاب لجمع موارد وليست قمامة لإعادة تدويرها. وفى هذا الإطار، يمكن لكليتى العلوم والزراعة بجامعة القاهرة المضى قدما فى اتجاه إنشاء أقسام خاصة بتدوير القمامة تدرس فيها الأساليب الحديثة للاستفادة من القمامة، وتمكين شباب الخريجين من إنشاء مشروعات صغيرة لتدوير القمامة عن طريق الصندوق الاجتماعى للتنمية(43).
واتجاه خامس يطالب بتكاتف الجهود الشعبية مع الجهود الرسمية فى محافظة القاهرة، وهو ما تم تطبيقه فى إحدى المحافظات مثل الوادى الجديد، من خلال مشروع النظافة المجمعة، حيث قام سكان حى ميتالكو بالتعاون مع العاملين فى الحكم المحلى بتقسيم الحى إلى قطاعات ليتم تنظيف كل قطاع يومين فى الأسبوع، لتشمل أعمال النظافة العامة والكهرباء والصرف وتحسين البيئة، وهو ما انعكس فى تقلص حجم القمامة إلى 65 طن يوميا وهو الأقل بين المحافظات.
كما أن هذا التكاتف يمكن تحققه بتفعيل آلية تلقى الشكاوى والبلاغات ممن يشاهد فرداً أو سيارة تقوم بإلقاء مخلفات فى غير أماكنها المخصصة لذلك، وكذلك إجراء شرطة المرافق دورات تفتيشية، بما يؤدى لتجريم كل مواطن يقوم بإلقاء كيس القمامة بالشارع، من خلال فرض غرامة مالية كبيرة، وهو ما يفرض إحداث تعديل تشريعى على قانون النظافة العامة الصادر منذ أكثر من أربعة عقود (1967).
خلاصة القول، هناك سوء أوضاع للنظافة فى مصر، وفى القلب منها محافظة القاهرة، وهى ليست حالة جديدة، ومازالت المشكلة قائمة، وإن كانت حدتها تراجعت نسبيا، إلا أن حياة المواطنين فى مصر أصبحت لا تحتمل من المشاكل البيئية أكثر مما احتملت حتى الآن. لذلك فالسياسة البيئية فى مصر تحتاج لمزيد من الاهتمام والتكاتف، حيث إن ما تحقق منها حتى الآن، ولاسيما فيما يتعلق بمشكلة القمامة فى القاهرة، لا يبشر بمستقبل بيئى أفضل.
المراجع:
(1) تشير أدبيات البيئة إلى أن المخلفات الصلبة هى تلك المواد الصلبة أو شبه الصلبة التى يتم التخلص منها عند مصادر تولدها سواء من المنازل والمنشآت التجارية والمؤسسات الإدارية والخدمية والأعمال الإنشائية. وتنقسم المخلفات الصلبة إلى عدة أنواع أساسية تشمل النفايات العضوية بنسبة 55% من إجمالى المخلفات، والورق والكرتون بنسبة 15% من النفايات، ومخلفات البلاستيك بنسبة 6% ونفايات معدنية %4 وزجاج 2% والنسيج 2% و16% للنوعيات الأخرى كالأخشاب.
(2) لمزيد من التفاصيل انظر: كرم سعيد، محافظة القاهرة (القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، (سلسلة المحافظات المصرية، 2005) ص 149. سلامة أحمد سلامة، "النظافة مشكلة قومية"، الشروق، القاهرة، 13 سبتمبر 2009.
(3) مؤمن النزاوى ودنيا الصاوى، "70 مليون طن قمامة سنويا وتراكمات تارخية 22 مليون طن" نهضة مصر، القاهرة، 15 سبتمبر 2009.
(4) انظر الموقع الالكترونى للهيئة العامة لنظافة وتجميل القاهرة على الانترنت www.ccba.goy.eg
(5) د. مأمون فندى، "السياسة والزبالة!"، الشرق الأوسط، لندن 12 أكتوبر 2009.
(6) انظر نصوص الدستور المصرى على موقع الهيئة العامة للاستعلامات على الانترنت www.sis.gov.eg حيث يتضمن نصا واضحا للحق فى بيئة نظيفة. فالمادة "59" من الدستور تنص على أن حماية البيئة واجب وطنى وينظم القانون التدابير اللازمة للحفاظ على البيئة الصالحة"
(7) انظر الموقع الالكترونى لوزارة الدولة لشئون البيئة www.eeaa.gov.eg إن القانون رقم "4" لسنة 1994 المعدل بالقانون رقم "9" لسنة 2009 الخاص بإصدار قانون فى شأن البيئة يشتمل على عدد من النصوص القانونية التى تضمن تمتع المواطن بالحق فى بيئة نظيفة، حيث أفرد القانون مادة واحدة مكونة من أربع فقرات، تنوعت ما بين "المنع وتحديد المسئولية". فقد نصت المادة "37" من قانون البيئة على: أ- يحظر قطعيا الحرق المكشوف للقمامة والمخلفات الصلبة. ب- يحظر على القائمين على جمع القمامة ونقلها إلقاء وفرز ومعالجة القمامة والمخلفات الصلبة إلا فى الأماكن المخصصة لذلك بعيداً عن المناطق السكنية والزراعية والمجارى المائية وتحدد اللائحة التنفيذية لهذا القانون المواصفات والضوابط والحد الادنى لبعد الأماكن المخصصة لهذة الأغراض عن تلك المناطق. ج- وتلتزم وحدات الإدارة المحلية بالاتفاق مع جهاز شئون البيئة بتخصيص أماكن إلقاء وفرز ومعالجة القمامة والمخلفات الصلبة ونقلها وتحديد المواعيد المناسبة لذلك وإلا وجب محاسبة المختص إداريا. د- ويحظر إلقاء القمامة والمخلفات الصلبة فى غير تلك الصناديق والأماكن المخصصة لها ويلتزم القائمون على جمع القمامة والمخلفات الصلبة ونقلها بمراعاة نظافة صناديق جمعها أو سيارات نقلها، وأن تكون الصناديق مغطاه بصورة محكمة وبأن يتم جمع ونقل ما بها من قمامة ومخلفات صلبة فى فترات مناسبة، وألا يزسد كميتها فى أى من تلك الصناديق على سعتها الحقيقية.
(8) لمزيد من التفاصيل انظر: د. أمانى قنديل، دراسة السياسة العامة فى الدول العربية مع التركيز على مصر" فى تحليل السياسات العامة فى مصر (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 1988)، ود. السيد عبدالمطلب غانم (محرر)، تقويم السياسات العامة (القاهرة: مركز البحوث والدراسات السياسية، 1989)، ود. سلوى شعراوى جمعة، تحليل السياسات العامة فى الوطن العربى (القاهرة: مركز دراسات واستشارات الإدارة العامة، 2004).
(9) هشام بشير، "مشكلات التلوث البيئى فى مصر"، سلسلة قضايا، المركز الدولى للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، يونيو 2007، ص4.
(10) عمر راشد، وزارة البيئة، (سلسلة الوزارات المصرية، القاهرة: مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، 2007) ص66-68.
(11) جمال العزب، "دور الجمعيات الأهلية لحماية وتنمية البيئة"، بحث مقدم إلى المؤتمر السنوى للاتحاد العام للجمعيات الأهلية "الجمعيات الأهلية وتحديات القرن الحادى والعشرين"، القاهرة، أبريل 2000.
على الانترنت. www.eeaa.gov.eg
(13) تقرير حالة البيئة فى مصر (القاهرة: وزارة الدولة لشئون البيئة،2009)، ص 23-24.
(14) محمد أمين المصرى، "تطوير جمع المخلفات ونقلها خارج الكتل السكنية: الرئيس يستعرض خطة إدارة القمامة خارج إقليم القاهرة".
الأهرام. القاهرة، 16 فبراير 2010.
(15) صلاح منتصر، "المدافن ليست الحل"، الأهرام، القاهرة، 25 سبتمبر 2009، أيمن السيسى، "فى القاهرة: المدافن. غير مطابقة للمواصفات"، الأهرام، القاهرة، 26 سبتمبر 2009.
(16) أحمد عطية وخالد عبدالرسول، "الشركات والزبالون والحكومة ضد التدوير"، الشروق، القاهرة، 16 سبتمبر 2009.
(17) د. محمد عبدالباقى، "تقييم تجربة القطاع الخاص فى إدارة المخلفات الصلبة"، ورقة مقدمة للمؤتمر السنوى الثامن لمركز الدراسات التخطيطية والمعمارية، كلية الهندسة بجامعة عين شمس، 17-18 نوفمبر 2009.
(18) تهانى إبراهيم، "خصخصة الزبالة"، الأخبار، القاهرة، 18سبتمبر 2009.
(20) على محمود محمد محمود، "دور جماعات المصالح فى صنع السياسات العامة فى مصر: دراسة حالة السياسة البيئية"، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 2007، ص 152-153.
(21) على محمود محمد محمود، المرجع السابق، ص 154.
(22) د. السيد عبدالمطلب غانم، تنفيذ (إملاء) السياسة العامة" ورقة بحثية مقدمة كمادة تدريبية لبرنامج "بناء قدرات أعضاء فروع المجلس القومى للمرأة" 2002.
(23) انظر فى هذا الإطار: الموقع الالكترونى لمعهد بحوث الأراضى والمياه والبيئة فى مصر على الانترنت. www.sweri.eg.com أحمد عطية وغادة على، "طن الزبالة أغلى من برميل بترول"، الشروق، القاهرة، 12 سبتمبر 2009، طن القمامة المصرية الأغلى عالميا بسعر 1090، موقع مصراووى على الانترنت، 28 يناير 2008. www.masray.cm
(24) حازم منير، "خطة للقمامة"، الأهرام المسائى، القاهرة، 24 نوفمبر 2009.
(25) لمزيد من التفاصيل انظر: د. عبدالمنعم سعيد، "ملاحظات ضرورة على قضية القمامة فى مصر"، الاهرام، القاهرة، 19 سبتمبر 2009. محمد عزالدين، "بيزنس القمامة مليارات ضائعة من الحكومة"، الأهرام العربى، القاهرة، 17 أكتوبر 2009.
(26) عاطف سعداوى قاسم، "السياسات البيئية فى مصر"، قضايا برلمانية، العدد 34، يناير 2000، ص14-15.
(27) علام عبدالغفار، "شركات الزبالة فى مصر أكبر من المحافظين. ومسئول كبير له أسهم فيها"، الموقع الالكترونى لصحيفة اليوم السابع، 18 سبتمبر 2009.
www.youm7.com
(28) انظر فى الإطار: أبوسريع إمام، "خبراء النمسا يكشفون أسباب فشل شركات النظافة الأجنبية بمصر"، الاهرام، القاهرة، 12 مارس 2010، ومنال الغمرى، "قصور فى أداء الشركات الوطنية"، الأهرام، القاهرة 26 سبتمبر 2009، وهبة حسن، "تأخير المستحقات المالية بسبب أزمة الشركات الأجنبية"، الأهرام القاهرة، 26 سبتمبر 2009.
(29) أعمال ندوة "القمامة فى مصر" التى نظمها المركز الفرنسى للدراسات والوثائق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية، التى عقدت بمقر المركز فى 3 مارس 2009 قبل إغلاقة فى مارس 2010، حيث تناولت الندوة الإشكاليات المتعلقة بالقمامة مع التركيز على دور العاملين فى هذا المجال: العاملين فى قطاع الزبالة، والسلطات المحلية، والشركات الخاصة، والجمعيات الاهلية غير الحكومية.
(30) "مشكلة القمامة هل تجد حلا؟"، الأهرام، القاهرة، 25 سبتمبر 2009.
(31) انظر كلا من: هشام بشير، مرجع سابق، ص4.
ود. علا غنام، حماية البيئة فى مصر (القاهرة: مركز الدراسات والمعلومات القانونية لحقوق الإنسان، 1997).
(32) "كلام فى معضلة النظافة"، الأهرام، القاهرة، 25 نوفمبر 2009.
(33) د. حسين رمزى كاظم، "الإدارة الوطنية. وقضية النظافة"، الأهرام، القاهرة، 15 سبتمبر 2009.
(34) عبدالجواد على، "لجنة برلمانية موسعة تناقش حل أزمة القمامة: المحافظون يطالبون بالعودة إلى الاعتماد على الشركات الوطنية فى جميع القمامة"، الأهرام، القاهرة، 14 يناير 2010.
(35) انظر تعليقات الصحف الحزبية على مشكلة القمامة فى مصر، وأبرزها صحيفة الأهالى الصادرة عن حزب التجمع والوفد الصادرة عن حزب الوفد والعربى الصادرة عن الحزب العربى الناصرى، وتحديدا خلال شهرى سبتمبر وأكتوبر 2009.
(36) أحمد منيسى، حزب الخضر (سلسة الاحزاب المصرية القاهرة: سلسلة الأحزاب المصرية، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام، ديسمبر 2004) ص7-8
(37) رانيا محمد مصطفى، "دور الجمعيات الأهلية فى حماية البيئة"، رسالة ماجستير، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، 1998.
(38) أحمد الجزار، "ناشطون يطلقون حملة الكترونية للنظافة فى مصر"، الشرق الأوسط، القاهرة، 3 مارس 2009.
(39) هبة حسن، "فصل القمامة من المنبع"، الأهرام، القاهرة، 28 سبتمبر 2009.
(40) هالة السيد، "النظافة على الطريقة السويسرية أحياء القاهرة"، الأهرام، 28 أكتوبر 2009.
(41) صالح الدمرداش، خبراء الاقتصاد يطالبون بتأسيس بنك للقمامة مثل فيلادلفيا، 14 يوليو 2008، على الموقع الالكترونى. www.ikhwanonline.com
(42) انظر فى هذا الإطار: "منظومة جديدة لإدارة المخلفات"، الأهرام، القاهرة، 17 فبراير 2010. وعصام عبدالكريم، "منظومة متكاملة لمواجهة تراكم المخلفات وحلها جذريا"، الأهرام، القاهرة، 1 ديسمبر 2009.
(43) نهى الشرنوبى، "المطالبة بإنشاء مشروعات صغيرة لإعادة تدوير المخلفات" الأهرام، القاهرة، 27 أكتوبر 2009.