Share |
يناير 2011
1
نقل وزراعة الأعضاء. هل حسم القانون الخلاف حول مشروعيتها؟
المصدر: أحوال مصرية
بقلم:   أحمد طاهر

على مدار أكثر من خمسة عشر عاما، أثير جدل واسع حول قانون نقل وزراعة الأعضاء البشرية، وما زال هذا الجدل مطروحا حتى اليوم، لتتزايد خطورة المشكلة متجاوزة الخطوط الحمراء فى ظل غياب القواعد القانونية المنظمة فى هذا الخصوص. فقد أدى التطور العلمى والطبى منذ عشرات السنين إلى استخدام بعض الأعضاء من الجسد الإنسانى للأغراض العلاجية، ومع التنوع والتوسع فى صور نقل وزراعة تلك الأعضاء، عرفت النظم القانونية فى العديد من دول العالم تشريعات وضوابط لعمليتى النقل والزراعة، تراعى فى ضوءها الحفاظ على صحة وحياة كل من المنقول منه والمنقول إليه.
وعلى الرغم من هذا التقدم العلمى الهائل فى المجال الطبى والذى أسفر عن إجراء عمليات نقل وزراعة الأعضاء البشرية بنجاح سواء بين الأحياء أو من أجسام الموتى إلى الأحياء، إلا أنه مازال ثمة جدل يتسع يوما بعد يوم حول مدى مشروعيته والضوابط والقيود الواردة على إجراءه. الخ.
ولا شك أن حسم هذا الخلاف ووضع نهاية لهذا الجدل يستوجب بداية استعراض آراء الفقه الدينى (الإسلامى والمسيحي)، وكذا الرأى الطبى فى هذا الشأن.
أولا- الرأى الفقهى الديني:
بداية، شهد الرأى الفقهى الإسلامى انقساما حاداً، هذا الانقسام لا يتعلق بقضية نقل وزراعة الأعضاء من حيث المبدأ، وإنما الخلاف ثار حول قضية موت جذع المخ أو الموت الاكلينيكى والتى اعتبرها البعض مانعا للإقدام على إقرار قانون لنقل وزراعة الأعضاء، من منطلق أن النقل والزراعة فى هذه الحالة قد تفتئت على حق الإنسان فى الحياة وكذلك حرمة جسد الموتى.
والحقيقة أن هذا الخلط بين قضية ثبوت الموت من عدمه، وبين قضية نقل وزراعة الأعضاء، جعل البعض يرفض القانون برمته.
ونستعرض فيما يلى آراء كل طرف وأدلته.
1- معارضوا القانون:
يرى معارضوا القانون بأنه يمثل اتجاها لقتل بعض المرضى الأحياء والحصول على أعضائهم البشرية ونقلها تحت بند ما يسمى بموت جذع المخ أو الموت الاكلينيكى خاصة وأن القائمين على عمليات زراعة الأعضاء فى الغالب الأعم هم المستشفيات الاستثمارية التى تبحث عن المكسب حتى تستفيد ماديا فى المقام الأول، ويستندون فى معارضتهم إلى ثلاثة حجج رئيسية، هي:
أ- أن الإنسان ملك لله تعالى، ومن ثم فإنه لا يملك أعضاءه كى يتصرف فيها، فهو منتفع بهذه الأعضاء فى حياته وبمقتضى صلاحيتها للقيام بوظائفها الحيوية، وإذا مات وجب الامتثال لأمر خالقه بسرعة دفنها دون مساس بالجثة.
ب- أن نقل الأعضاء من الموتى إلى الأحياء هو تداوى بمحرم نهى عنه الدين الإسلامي، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم "لا تتداوا بحرام". ويرون أن المحرم المقصود به فى هذا الصدد ما يطلق عليه "النجاسات" ومن ثم فإن التداوى بعضو من أعضاء المتوفى هو انتفاع بمحرم يدخل فى عموم هذا الحديث.
جـ - حرمة الميت، حيث أن للميت حرمة تتعارض مع أخذ عضو من أعضائه لنقله إلى إنسان حي، ولو كان فى نقله شفاء له.
وبالإضافة إلى ما سبق، يستند أصحاب هذا الاتجاه إلى ثلاثة أسانيد أخرى:
- فتوى الجمعية العمومية لقسمى الفتوى والتشريع بمجلس الدولة والتى تنص على بطلان ما يسمى بموت المخ، حيث جاء فيها أنه: "لا قول بموت ما دام جزء من الجسم حيا. وأن الموت ليس واقعة طبية فقط وإنما الموت حقيقة دينية وواقعة قانونية وحالة اجتماعية. وأن انتزاع الأعضاء يعد جريمة قتل طالما أن المريض حيا وتوفى بسبب انتزاع أعضائه".
- حكم المحكمة الدستورية العليا بعدم دستورية أى قانون يسمح بانتزاع الأعضاء من جسد إنسان لم يزل فيه حياة (1).
- أن توقف جذع المخ عدا النبض يعنى أن هناك بعض النشاط ما زال قائما، إذ أن القلب ما زال ينبض، ومنذ ثلاثين عاما كان توقف القلب يعنى الموت ولو كان مجال البحث العلمى توقف عند هذه المقولة لما حدث التقدم الذى أمكن عن طريق استعادة نشاط القلب بل إن الأطباء حاليا يتعمدون إيقاف عمل القلب أثناء إجراء بعض الجراحات الطبية ثم يعاد تنشيط عمله بكفاءة. وحاليا فإن استعادة نشاط جذع المخ بعيد المنال إذا وصل إلى درجة معينة من الهبوط كما تشير إليها المعايير المستخدمة فى تشخيص موت جذع المخ، ولكن من يضمن ألا يتوصل العلماء إلى حلول لاستعادة نشاط جذع المخ فى المستقبل القريب كما حدث فى القلب، كما أن عبارة "موت جذع المخ" أو توقف نشاطه تساوى الموت أى تعنى توقف الأبحاث فى مجال محاولة تنشيط جذع المخ وتعنى أن الموت قد حل فعلا وهذا غير صحيح.
2- مؤيدوا القانون:
يرى أنصار هذا القانون أن الواقع أصبح مرا فى ظل غياب قانون يحد من وجود المأساة، حيث يدفع الفقر أحيانا والطمع أحيانا أخرى النفوس الضعيفة إلى بيع أنفسهم، فيجدون فى ذلك أسهل وسيلة لتوفير المال. وهو ما يستوجب إصدار القانون لمواجهة هذا الفساد وحماية المجتمع والحفاظ على المواطنين وحقوقهم خاصة البسطاء منهم، أى أن إصدار هذا القانون - كما أقرته بالفعل دول عربية وإسلامية عديدة - يغلق السوق السوداء لتجارة الأعضاء، ويذهب أصحاب هذا الاتجاه المؤيد إلى العديد من الحجج التى تفند من أثاره أصحاب الاتجاه المعارض، وذلك على النحو التالي:
أ- فيما يتعلق بملكية الله تعالى للإنسان، فإنهم لا ينكرون هذا القول، فملكية الله تعالى لجسد الإنسان حيا وميتا. ولكنهم لا يسلمون بالنتيجة التى خلص إليها أنصار الرأى المعارض، بأن ملكية الله تتمثل فى حظر الانتفاع بأعضاء الإنسان بعد وفاته، وذلك من ثلاثة منطلقات:
- أن المال كذلك هو مال الله، وإذا أجاز إعطاء المال إلى الغير فما المانع من أن يعطى الإنسان جزءا من جسده لغيره (2).
- إذا كان كل شئ ملك لله، فالله عز وجل لم يمنع الناس من التصرف فيما يملكه.
- أنه لا خلاف بين فقهاء المسلمين على أن الإنسان سواء كان حيا أو ميتا ليس محلا ممكنا ومشروعا للمعاملات، إلا أن الفقهاء أجازوا التعاقد على لبن الأمهات عن طريق استئجار المرضعة، واللبن ليس منفصلا عن الشخص، وهو ما يعنى أن مبدأ عدم جواز التصرف فى أجزاء الآدمى ليس مطلقا وإنما مقيد بالمصلحة.
ب- أن القول بعدم مشروعية التداوى بأعضاء الميت لاعتبارها من المحرمات، لا يقوم عليه أى دليل حاسم من الشرع، بل إن الراجح من آراء الفقهاء طهارة أجزاء الآدمى حيا كان أم ميتا بمقتضى تكريم الله لبنى آدم، بل أن زراعة الأعضاء تعد مظهرا من مظاهر تغلب الطب على المرض والألم، ولذلك فهى فى حكمها العام تدخل تحت باب التداوى.
جـ- يرى أنصار هذا الرأى أن حرمة الحى وحفظ نفسه أعظم من حرمة الميت، استنادا إلى القاعدة الفقهية القائلة: أنه إذا تعارضت مصلحة ومفسدة، يقدم أرجحها فتغلب المصلحة الأعظم وإن أدى ذلك إلى الوقوع فى المفسدة الأدنى منها، وتدرأ المفسدة الأعظم وإن أدى إلى فوات المصلحة الأدنى منها.
ويدعمهم فى ذلك موقف رجال الدين الذين يرون أنه إذا كان الدين يحرم الاتجار فى الأعضاء البشرية، إلا أنه يحلل التبرع، وهو الرأى الذى أعلنه فضيلة الدكتور محمد سيد طنطاوى شيخ الأزهر قبل أن تأتيه المنية بقوله: "إن جمهور الفقهاء يرى أن التبرع بعضو أو جزء من إنسان لآخر جائز بشرط ألا يرتب عليه أى ضرر للمتبرع وينقذ المتبرع له" (3).
كما يستندون فى ذلك إلى قرار مجمع البحوث الإسلامية الصادر فى الرابع والعشرين من أبريل 1997 والذى جاء فيه: "إذا تمت المفارقة التامة للحياة لجسم الإنسان، واقر بذلك الطبيب الثقة المختص، فإنه يجوز فى أقصى حالات الضرورة نقل عضو من أعضاء جسد الميت إلى إنسان حي، شريطة موافقة الميت على ذلك كتابة قبل وفاته أو موافقة اثنين من ورثته أو الحصول على إذن من السلطة المختصة. وفى جميع الأحوال يكون النقل بدون مقابل وألا يؤدى العضو المنقول إلى اختلاط الأنساب"(4).
فى ضوء هذا الاستعراض، يمكن القول أن أدلة ودلائل الطرف الثانى أكثر اتساقا مع الواقع وأكثر تعبيرا عن القضية المثارة بشأن نقل وزراعة الأعضاء.
وعلى هذا، نخلص إلى القول بأن الرأى الأرجح بل الرأى الغالب فى الفقه الإسلامى يجيز قضية نقل عضو من جسد إنسان حى أو ميت إلى جسد إنسان حي.
ويتفق مع هذا الرأي، رأى الفقه الدينى المسيحى والذى عبر عنه قداسة البابا شنودة بطريرك الكرازة المرقسية فى رسالته إلى مجلس الشورى بشأن موافقته على قانون نقل وزراعة الأعضاء البشرية (5).
ثانيًا - الرأى الطبي:
لاشك فى أن عملية نقل وزراعة الأعضاء تحتوى على انعكاسات إنسانية وطبية ملحة، لما لها من أهمية إنقاذا للحياة، وعلاجا لمرضى ميئوس من شفائهم مما يتحتم معه ضرورة تفنين تشخيص الوفاة الإكلينيكية بالوسائل المتاحة حاليا والتى تؤكد يقينا استحالة العودة إلى الحياة مرة أخرى. فضلا عن هذا، فلا شك أن السعى فى هذا المجال يعود على المهنة الطبية بمزايا حققتها الدول التى تقدمت فى هذا المضمار، مما ساهم فى رفع مستوى الرعاية الصحية والعلاجية المقدمة، وكذلك رفع مستوى الخدمات الطبية المطلوبة بدءا من وسائل التشخيص المبكر، وإتاحة وسائل إجراء عمليات النقل الناجحة والحديثة، انتهاء بالرعاية المركزة. مع الأخذ فى الاعتبار حقيقة مهمة وهى أن نقل عضو من إنسان حى إلى آخر يجب ألا يتم إلا فى حالة الاحتياج الضرورى وعندما يكون النقل هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذ إنسان من حالته الحرجة. فضلا عما سبق، يجب أن يفرق الأطباء بين الوفاة وموت المخ، وبين حالات موت المخ، وحالات الغيبوبة العميقة، حيث إن الأخيرة يمكن أن تعود إليها الحياة مرة أخرى مما يستدعى عدم إجراء أى عمليات نقل منها.
وفى جميع الحالات لابد من ثبوت الموت المحقق، عندئذ يمكن الاستفادة من أعضاء هذا الميت - فى نظر هؤلاء الأطباء - عند توافر الشروط التالية:
- التأكد من تشخيص موت المخ بجميع الوسائل الطبية الدقيقة.
- التأكد من الموت عن طريق قرار يصدر من اللجنة الثلاثية المشكلة من الأطباء المتخصصين.
- أن يكون المنقول منه خاليا من الأمراض والصفات الوراثية التى يمكن أن تنقل إلى المنقول إليه.
- أن يتم إجراء مثل هذه العمليات فى مستشفيات ومراكز تحت إشراف وزارة الصحة (6).
ثالثا - الأحكام والضوابط التى تضمنها القانون:
- وضع قانون زراعة الأعضاء البشرية جملة من الأحكام والضوابط التى هدفت إلى إتمام عملية النقل والاستئصال والزرع بصورة تحافظ على حياة الطرفين المنقول منه والمنقول إليه. ومن أبرز الأحكام والضوابط ما يلي:
- عدم جواز نقل عضو إلا إذا كان النقل هو الوسيلة الوحيدة للمحافظة على حياة المنقول إليه، وألا يؤدى نقل بعض الأعضاء إلى اختلاط الأنساب، وأن يكون النقل على سبيل التبرع بناء على موافقة كتابية من المنقول منه، وعدم جواز نقل عضو أو جزء منه من جسد إنسان ميت إلى إنسان حى فيما بين المصريين إلا إذا كان الميت قد أوصى بذلك. كما حظر النقل من مصرى إلى أجنبى باستثناء النقل بين الزوجين، فيكتفى بأن يكون أحدهما مصريا، ومع مراعاة وضع خاص لأسرة المرأة المصرية المتزوجة من أجنبى وكذلك الأجانب المقيمين فى مصر إقامة دائمة.
- فرض رقابة صارمة ومشددة على المنشآت الطبية التى تجرى فيها عمليات النقل والزراعة، ومن ذلك انشأ القانون لجنة عليا تسمى "اللجنة العليا لزراعة الأعضاء البشرية" تكون وحدها المختصة بتحديد المنشآت المرخص لها، كما تختص بإعداد قائمة بأسماء المرضى المصريين ذوى الحاجة للنقل من جسد ميت بحسب أسبقية القيد، مع حظر تخطى هذه الأسبقية لأى سبب إلا فى حالة الضرورة القصوى.
- التأكيد على ضمان ثبوت الموت ثبوتا يقينيًا من خلال الاختبارات الإكلينيكية والتأكيدية اللازمة للتحقق من ثبوت الموت، وضمان حياد اللجنة المختصة بتقرير ذلك، بوجوب أن يكون قرارها بالإجماع، والتأكيد على عدم مشاركة أعضائها أو صلتهم بعملية الزرع.
- التأكيد على مسئولية الدولة فى علاج المرضى غير القادرين من خلال إنشاء صندوق للمساهمة فى عمليات زراعة الأعضاء لغير القادرين يتبع وزير الصحة.
وضع القانون حزمة مشددة من العقوبات تصل إلى حد الإعدام فى حالة استئصال أى عضو أو جزء منه من جسم إنسان حى على أساس أنه ميت مما أدى إلى وفاته مع علمه بذلك.
مما سبق، يمكن القول أن قضية زراعة الأعضاء البشرية أضحت فى حاجة ملحة لاستصدار تشريع ينظم هذه العملية بصورة تحافظ على جميع الأطراف المنقول منه والمنقول إليه والأطباء القائمين بإجراء العملية، وذلك فى إطار من الضوابط والقيود التى تحمى الجميع، بل والمجتمع بأجمعه من انتشار صورة من صور الاتجار بالبشر والمتمثلة فى الاتجار فى الأعضاء البشرية سعيًا وراء المكاسب المادية بأى أسلوب. فلا شك أن القانون بما تضمنه من أحكام وضوابط تتفق مع الآراء الفقهية الدينية من جانب، ومع ما ورد فى الدستور المصرى بشأن حماية الحقوق والحريات وكرامة الأفراد من جانب آخر، وذلك بما يحظره من إجراء أية تجارب طبية أو علمية على الإنسان بغير رضاءه الحر، كما يتفق ونصوص قانون العقوبات التى تجرم أى اعتداء على حرمة وسلامة الجسد سواء كان حيًا أو ميتًا.