Share |
مايو 2011
1
التقارب الإيراني - السوداني: الأهداف والتداعيات
المصدر: مختارات إيرانية
بقلم:   صلاح خليل

شهدت العلاقات السودانية الإيرانية تقدما ملحوظا فى السنوات الأخيرة، وانعكس هذا التقدم على مجالات مختلفة للتعاون بين سياسى واقتصادى وعسكرى وثقافى، ويأتى هذا التطور فى إطار الاستراتيجية الإيرانية التى تسعى الى تحقيق اختراقات إقليمية واستحواذ نفوذ فى حدود الإقليم تمكنها من تقوية موقفها فى مواجهة الضغوط الدولية والإقليمية، وعلى الجانب السودانى يسعى النظام إلى جذب مزيد من الدعم لمواقفه خاصة فى ظل تعرضه للضغوط الدولية التى انتهت بانفصال الجنوب.
وترجع مسيرة العلاقات بين البلدين "السودان وإيران" إلي عام 1974 وذلك بعد أن قام السودان بفتح سفارة في طهران ولم تكن لإيران حينها سفارة بالخرطوم، وكان الدافع آنذاك هو تلاقي النظامين إيران الشاه - وسودان النميري حيث الدوران في الفلك الأمريكي. وبعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران في العام 1979، واندلاع الحرب العراقية الإيرانية ساءت علاقة إيران الثورة بالسودان على إثر تأييد الأخير للعراق في حربه إيران، ولم تتحسن هذه العلاقة إلا بعد الإطاحة بنظام حكم الرئيس جعفر النميري في أبريل 1985، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن والخط البياني لعلاقات البلدين في تصاعد.
جاء الاهتمام الإيراني بالسودان فى إطار كونه لا يمثل مدخلا للدائرة العربية فحسب بل أيضا للدائرة الإفريقية، إذ طورت إيران علاقاتها مع عدة دول أفريقية مثل جنوب أفريقيا والسنغال وإثيوبيا، حيث اعتبرت إيران السودان بوابة لتصدير الثورة فضلا عن الوقوف فى مربع واحد فى مواجهة الضغوط الأمريكية وبناء تحالف ضد الولايات المتحدة. وازداد تطور العلاقات منذ 1989 بعد مجيء ثورة الإنقاذ وقد تم الاتجاه إلى التعاون متعدد الأبعاد الذى تراوح بين الاقتصاد والعسكري والإستراتيجي، وقد وصل هذا التنسيق ذروته مع زيارة الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رافسنجانى للعاصمة السودانية الخرطوم فى ديسمبر 1992 على رأس وفد كبير، تلك الزيارة التى تم خلالها توقيع عدد من اتفاقيات التعاون بين البلدين فى مجالات التسليح والتدريب العسكرى والقضائي، كما تم توقيع بروتوكول للتعاون بين أجهزة المخابرات فى البلدين، والتى كانت ردا على زيارات سابقة لمسئولين سودانيين إلى طهران. كما تبع ذلك وجود إيراني أكثر فعالية في أفريقيا، مكن طهران من تأدية دور الوسيط، فى النزاعات التى حدثت بين أوغندا واريتريا والسودان على سبيل المثال.
ورغم أن قضية الديون السودانية مثلت محورا للتفاعل السلبي بين البلدين، فإن الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي قد بدأ بحل هذا الموضوع، كما أن الرئيس الحالي محمود احمدي نجاد لم يعد يربط العلاقات بين البلدين بحل مسألة الديون، بل إنه قال في خلال زيارته الأخيرة إلى الخرطوم فى مارس 2007 أن "العلاقات السودانية الإيرانية لا سقف لها"، وتم توقيع سبع مذكرات تفاهم تتعلق بالمواضيع الاقتصادية والسياسية. وقد وسعت الدولتان تعاونهما الدفاعي المشترك عبر تبادل الخبراء مؤكدتان استعدادهما للوقوف جنباً إلى جنب ضد ما يسمي بـ"الإمبراطورية الاستعمارية الأمريكية"، وكانت طهران من أوائل الدول التى نددت بقرار التوقيف الصادر بحق الرئيس البشير من قبل المحكمة الجنائية الدولية.
كما تطورت العلاقة بين البلدين فى صور لجان تجارية وسياسية أدت الى توقيع عدد من الاتفاقيات المهمة المتعلقة مثلاً بالتبادل المصرفي ومنع الازدواج الضريبي والزراعة والبناء والإسكان والطاقة والنفط وبناء الطرق ووسائل النقل والسدود والجسور ومكافحة التصحر. إضافة إلى مشروع إيران غاز ومشروع التعاون البحري والملاحة، واتفاقية التعاون المصرفي ومشاريع الكهرباء. ومن المؤكد أن الفترة الحالية هي الأكثر أهمية بالنسبة لتطور العلاقات بين إيران والسودان، حيث تم تفعيل بروتوكولات التعاون المشترك بين السودان وإيران، هذا علاوة على التعاون بين البلدين في المجالات العلمية والبحثية وذلك في إطار برنامج إطاري بين الجانبين تم التوقيع عليه خلال اجتماعات اللجنة الوزارية السودانية الإيرانية المشتركة ويسري حتى العام 2012.
وعلي الصعيد العسكري، وقعت حكومتا السودان وإيران في الخرطوم فى 7 مارس 2010 على اتفاق تعاون عسكري شمل الجوانب الفنية والصناعية والعلمية والتدريب، بالإضافة إلى الاتفاقية الدفاعية التي وقعها وزير الدفاع الإيراني السابق مصطفى محمد نجار، أثناء زيارته للخرطوم فى مارس 2008 والتي وصف خلالها السودان بأنها حجر الزاوية فى الاستراتيجية الإيرانية بالقارة الإفريقية. وفى أعقاب توقيع هذا الاتفاق وصلت إلى السودان فرق عمل متخصصة من قوات القدس والحرس الثوري لإجراء مسح تفصيلي لعدد من المواقع المقترحة لاختيار أرض ملائمة للمشروع استقر الرأي على إقامة مصنع فيها ضمن حدود ولاية الخرطوم.
وكان الطرفان السوداني والإيراني قد شكلا فريق عمل مشترك ضم من الجانب السوداني، خبراء ومهندسين بوزارة الصناعة والاستثمار، وزارة الدفاع، وزارة الشئون الهندسية وعناصر من المخابرات السودانية ومن الجانب الإيراني عناصر من وحدة الهندسة التكنولوجية بالحرس الثوري الإيراني، يشرفون إشرافًا كاملاً على هذا المشروع.
- أسباب التقارب
بلغت العلاقات بين الخرطوم وطهران بداية التسعينات على وجه الخصوص قمة في التطور الايجابي علي كافة المجالات السياسية والاقتصادية والإستراتيجية، وهو ما انعكس في تبادل الزيارات بين كبار المسئولين على مستوى الرؤساء حيث زار الرئيس الإيراني الأسبق هاشمي رفسنجاني الخرطوم في العام 2008 في وقت كان السودان يشهد فيه حصارا اقتصاديا وسياسيا ودبلوماسيا في إطار عزلة شاملة فرضت عليه بعد إدراجه في قائمة الدول الراعية للإرهاب كما زار السودان أيضا الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي قبل عامين فيما شهدت طهران أيضا زيارة للرئيس السوداني عمر البشير وصفت بأنها "تاريخية".
ويمثل التقارب السوداني الإيراني نافذة تطل منها الدولتان خارج إطار العزلة الدولية التي فرضت. بينما يرجع كثير من المراقبين بالداخل والخارج التطور الكبير الذي شهدته العلاقات الثنائية بين البلدين إلى التوجه الإسلامي المشترك والاستهداف الخارجي، بما يعني أن هذا التقارب هو تطور طبيعي لتنمية وتعزيز العلاقات ولا يمكن تأويله أو ربطه بأحداث أخرى.
وتحاول إيران في الآونة الأخيرة فتح مزيد من دوائر التعاون مع كافة التكتلات، سواء كانت إفريقية أم عربية وخليجية وغيرها، بشكل يسير بالتوازي مع الضغوط الغربية والأمريكية بسبب برنامجها النووي، وتهدف من هذه التحركات إلى كسب مزيدٍ من التأييد الدولي لمواقفها، وتوجيه رسالة إلى الدوائر الغربية تحديدًا مفادها أن لديها القدرة على الانفتاح؛ لتغيير الصورة النمطية عنها والتي توصف من خلالها دائمًا بالتشدد.
- مجالات التعاون
على المستوى العسكري وقع وزير الدفاع السوداني ونظيره الإيراني في العاصمة الإيرانية طهران على عدة اتفاقيات للتعاون العسكري، تضمنت مساعدة إيران للسودان عسكرياً والمساهمة في تحول الجيش السوداني من استخدام السلاح الروسي والصيني لاستخدام السلاح والذخيرة الإيرانية، وكذلك اتفق على أن تقوم إيران بمنح تخفيضات تصل إلي 50% على مبيعات السلاح الإيراني للسودان، وعلى أن تقوم إيران بمساعدة السودان في بناء قاعدة صناعية عسكرية لإنتاج السلاح الإيراني الذي تحتاجه الخرطوم، كما أقام الحرس الثوري الإيراني مصنعا لإنتاج الأسلحة في الخرطوم يعرف باسم مصنع جياد تنفيذا لبند في اتفاقية الدفاع التي وقعت بين البلدين، والتي صاحبها وصول 169 خبيراً إيرانياً في سلاح الطيران والدفاع الجوي والحرب الصاروخية، إلي السودان للعمل في إدارة قاعدة الخرطوم العسكرية الجوية لتجهيز الطائرات وتقديم الخدمات الفنية.
وعلى الجانب الاقتصادي، تحاول السودان الاستفادة من الخبرة الإيرانية في مجال تصنيع الاسمنت ومواد البناء وإنتاج السكر والقمح وبناء السدود، إضافة إلى خبرتها في تصنيع الأجهزة والمعدات الطبية وإنتاج البتروكيماويات، وتجميع العربات والشاحنات والجرارات. و حالياً تقوم إيران بتنفيذ مشروعين في السودان، أحدهما في مجال المياه وتبلغ كلفته 30 مليون دولار والآخر في مجال إنتاج الكهرباء وقيمته 130 مليون دولار. كما أن إيران مستعدة لتقديم خبراتها في مجال استخرج النفط، وهو القطاع الذي يهيمن عليه في الوقت الراهن الآسيويون ولاسيما الصينيون.
لكن ذلك لا ينفي أن التطور في المجال الاقتصادي والتجاري كان متواضعا جداً، فحجم التبادل التجاري لا يتجاوز الـ50 مليون دولار وهو رقم متواضع لا ينسجم مع التطور التي حدث علي المسارين السياسي والثقافي. كما تسببت ديون إيران على السودان والتي بلغت بسبب الفوائد المركبة حوالي 600 مليون دولار في إهدار فرص كثيرة استثمارية وتجارية لإيران في السودان.
إذ لم تكن إيران تميل إلى الأخذ بالتجربة الصينية أو الهندية التي لم تركز على العائد السريع. ويمكن لإيران أن تستفيد من عضوية السودان في منظمة الكوميسا وذلك بإنشاء المصانع والاستثمارات في المجالات المختلفة وضخها إلى السوق الإفريقية مستفيدة من مزايا تلك الوضعية مع ضرورة تبني نظرة اقتصادية بعيدة المدى. كما أن وفرة الإنتاج الحيواني بالسودان تغري بالإسراع في اتجاه تصدير اللحوم الحية والمذبوحة من السودان إلى الأسواق الإيرانية.
ولدفع التعاون الاقتصادي ينبغي ألا تشكل الديون عائقا أمام إيران في تعاملاتها مع السودان خاصة في ظل الأطروحات التي تتعلق بشراء ديون السودان، مع مراعاة أن السودان يتمتع بموارد وإمكانيات جعلته محط أنظار العديد من الدول. وبالتالي على إيران مراجعة مواقفها حيال الديون السودانية وإيجاد بدائل لتجاوزها.
- دور المراكز الثقافية الإيرانية في السودان
ما كان السودان يعرف مذهب الشيعة على الإطلاق، لكن التشيُّع بدأ يتسلل إلى البلاد عن طريق ما تقدمه إيران من منح دراسية للطلاب السودانيين، حيث ولجت أفكار المذهب الشيعي إلى السودان، وكانت تلك أرضية مناسبة لإنشاء ما يعرف الآن بـ"المراكز الثقافية الإيرانية"، حيث نشطت السفارة الإيرانية في مجال تطوير العلاقات السودانية الإيرانية، وحرصت على إنشاء تلك المراكز ورعايتها بعناية.
ومن هنا أبرزت أنشطة السفارة الإيرانية فى الخرطوم من خلال انضمامها إلى جمعية الصداقة الشعبية العالمية باسم جمعية الصداقة السودانية الإيرانية، وربطت هذه الجمعية بالسفارة الإيرانية مباشرة، وقد أسهمت هذه الجمعية في تنشيط المراكز الثقافية الإيرانية على مستوى السودان وغيرها من الأنشطة الدعوية، كما تم التوقيع على عدد من الاتفاقيات بين البلدين فى المجالات الثقافية والرياضية والإعلامية. واستطاع المركز الثقافي الإيراني بالخرطوم، ومن خلال الاستفادة من الإعفاءات الجمركية التي وفرتها الاتفاقيات الموقعة بين السودان وإيران للأنظمة والأعراف الدبلوماسية بين الدول، إدخال 8 ملايين نسخة من الكتب المختلفة، وقد نشرت منها كميات ووزعت على الطلاب والمعاهد الدينية بالسودان ومنها على سبيل المثال "الوهابية في الميزان"، و"معالم المدرستين" (ثلاث أجزاء)، و"براءة الشيعة من افتراءات الوهابية" وقد ألفه كاتب سودانى متشيع يدعى محمد أحمد خير، و"القرآن ودعاوى التحريف".
وقد أعلنت المستشارية الثقافية الإيرانية بالخرطوم فى يناير 2011 عن جائزة الإمام الخميني للقصة القصيرة التى كانت المشاركة فيها باللغات العربية والإنجليزية والفارسية، مؤكدة على ضرورة أن يتواصل التبادل الثقافي بين الشعبين السوداني والإيراني من خلال المنتديات الثقافية والمشاركة في الأنشطة الثقافية بين البلدين عبر المركز الثقافية. وتبادل الوثائق والأرشيف، وبحث سبل تعزيز التعاون بين دار الوثائق القومية السودانية والمؤسسات ذات الصلة في إيران خاصة في مجال التدريب وتبادل الخبرات في العمل الوثائقي وحفظ وإدارة الوثائق وصيانتها وتبادل صور الوثائق التي تتعلق بكل من إيران والسودان والمحفوظة لدى كل طرف. ولأول مرة يتم افتتاح مساجد شيعية فى السودان فى منطقة العليفون شرق الخرطوم وذلك لإتاحة الفرصة للسودانيين الشيعية لممارسة شعائرهم الدينية.
وثمة شكوك حيال التحرك الإيراني المتعلق بالبعد الديني لدى الأفارقة على اعتبار أن إيران تستهدف نشر المذهب الشيعي في الدول الإفريقية، حرصاً على تغيير صورتها في أذهان الرأي العام العربي والإفريقي، وتبذل إيران فى سبيل تحقيق ذلك جهداً إعلامياً وثقافياً كبيرا.
ما سبق في مجمله يؤكد أن إيران تعتبر تطوير علاقتها مع الدول الأفريقية خصوصا في شرق أفريقيا ودول منابع النيل مسألة مصيرية، خاصة مع الوضع في الاعتبار أن منطقة شمال أفريقيا والسودان أصبحت منطقة خصبة لجذب الاستثمارات، وستشهد في المستقبل القريب تنافساً قويا بين الدول الأوروبية والآسيوية وفى مقدمتها الصين للسيطرة على منابع الاستثمار.