Share |
يوليو 2010
1
الجزائر: مراجعة دستور 1996 وحكاية النظام الرئاسي
المصدر: الديمقراطية

كل رئيس دستور. هذه المقولة المتداولة بكثرة في الجزائر أكدتها المراجعة الدستورية الأخيرة يوم 15 نوفمبر 2008. كل رئيس جزائري استقر في منصبه وحكم فترة كافية وضع دستورا للبلاد، فكان للرئيس بن بلة دستور 1963 وللرئيس بومدين دستور 1976 وللرئيس بن جديد دستور 1989 وللرئيس بوتفليقة دستور 2008. أما الرؤساء الثلاثة الآخرون، وهم رابح بيطاط ومحمد بوضياف وعلي كافي، فلا نظن أنهم امتنعوا عن القيام بما فعله من سبقهم ومن أتي بعدهم من الرؤساء إيمانا منهم بصلاح الدساتير القائمة في وقتهم ولا تعبيرا عن رغبتهم في مواصلة العمل بها، وإنما كان ذلك لأنهم تولوا السلطة في ظروف خاصة وقصيرة لم تكن فيها معالجة المسألة الدستورية أمرا ممكنا. فرابح بيطاط من 28 ديسمبر 1978 حتي 15 فبراير 1979 تولي رئاسة الدولة بسبب شغور المنصب عقب وفاة بومدين لفترة قصيرة لم يكن فيها التعديل ممكنا بموجب الدستور القائم حينئذ، والرئيس بوضياف، من يناير 1992 حتي 29 يونيو من السنة نفسها، تولي الرئاسة بلقب "رئيس المجلس الأعلي للدولة" في سياق أزمة حادة كان من نتائجها تجميد الدستور القائم وقتئذ، وهو علي كل حال لم يتم له الأمر بسبب قتله بعد توليه المنصب بأشهر قليلة، ثم خلفه علي كافي، من يوليو 1992 إلي 1994 يناير رئيسا للدولة حاملا اللقب نفسه لما بقي من فترة المجلس الأعلي للدولة، في وقت كانت فيه الأوضاع الصعبة بالبلاد وأزمتها الشديدة أولي بالاهتمام من القضية الدستورية.
في كل مرة كانت تساق حجج لتبرير تعديل الدستور أو إلغائه، يركز أصحابها علي معايب الدستور السابق وفضائل الدستور اللاحق. من دون الدخول في تفاصيل ما قيل عن الدساتير الجزائرية وكتب، نقول إن الحجج المقدمة ليست مقنعة. فالصحيح أن كل دساتير العالم ليس فيها دستور خال من النقائص إلا أن الصحيح أيضا أنها لم توظف وما كانت مبررا كافيا لإلغاء أو مراجعات تتعدد بتعدد الرؤساء. مادام الدستور يوضع لتنظيم قواعد اللعبة السياسية وتداول السلطة فإن ما فيه من نقائص ينطبق علي الجميع. علي سبيل المثال، يعتبر الفرنسيون أن المدة الرئاسية عندهم وهي سبع سنوات طويلة، ومن الأمريكيين من عاب دستورهم بقصر المدة الرئاسية المقدرة بأربع سنوات. ومع ذلك لم يزل العمل بهاتين المدتين في البلدين.
دوافع التعديل
شمل التعديل الأخير تنظيم السلطة التنفيذية بفرعيها، رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، إلي جانب نقاط أخري خفيفة في مقدمة الدستور، وتناول مسألتين مختلفتين في الأهمية والأولوية وقابلية التأجيل، الأولي هي مسألة تجديد المهمة الرئاسية، والثانية هي قضية العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وموقع الحكومة في التوازنات الدستورية بوجه عام. المسألة الأولي هي الأهم بنظر النظام وليس يشك أحد في أنها الدافع الأول إلي التعديل، وهي عاجلة وملحة لا تحتمل التأجيل بسبب اقتراب الانتخابات الرئاسية وأهمية الرهانات المرتبطة بها. أما الثانية المتعلقة بالحكومة فليست لها أهمية الأولي ولا خطورتها وليست عاجلة لأن النظام في الواقع، بخلاف ما كان في الدستور، عمل دائما من دون إشكال بالصيغة التي رُسّمت أخيرا، وكان ممكنا أن يواصل علي منواله من دون صعوبة.
ملخص التعديلات
تجديد المهمة الرئاسية: أخذت التجربة الدستورية الجزائرية دائما بمدة خمس سنوات للمهمة الرئاسية مع استثناء واحد لم يدم طويلا، لما جعلها دستور 1976 ست سنوات ثم كانت العودة إلي مدة خمس سنوات حين عدل هذا الدستور في يوليو 1979 وبقيت هكذا إلي اليوم. من جهة التجديد كانت القاعدة منذ البداية أيضا أن الرئيس يمكن أن يعاد انتخابه لعدد غير محدد من المرات، والاستثناء الوحيد في هذا الباب المهم وضعه الرئيس زروال لما قام بتعديل دستور 1989 يوم 28 نوفمبر 1996 فجعل المهمة الرئاسية قابلة للتجديد مرة واحدة. كان هذا بحق شيئا جديدا في التقاليد الدستورية بالجزائر لأنه قيد ممارسة السلطة بمدة زمنية أقصاها عشر سنين، وضمن تداول المنصب. مع التعديل الأخير انتهي هذا "الشذوذ" ففك القيد ورفع الحاجز وعادت الجزائر إلي قاعدتها إذ أصبحت الفقرة الثانية من المادة 74 في الدستور "يمكن تجديد انتخاب رئيس الجمهورية"، وكان نصها قبل التعديل "يمكن تجديد انتخاب رئيس الجمهورية مرة واحدة".
رئيس الجمهورية والحكومة: قبل التعديل كان في الدستور سلطة تنفيذية مؤلفة من رئيس الجمهورية وحكومة بوصفها مؤسسة لها شيء من الكيان الدستوري، متميزة عن رئيس الجمهورية لأن الدستور جعل لها إطارا تنظيميا تعمل ضمنه، وهو مجلس الحكومة المنفصل عن مجلس الوزراء، ورئيسا حاملا لقب رئيس الحكومة، له برنامج وسلطات لا تتطلب ممارسة العديد منها الرجوع إلي أحد، لكنه مسئول بالوقت نفسه أمام رئيس الجمهورية وأمام الغرفة الأولي في البرلمان ويقال لها عندنا المجلس الشعبي الوطني، وهو ما جاء في مواد الدستور المتعلقة بالموضوع وخاصة المواد أو فقرات المواد الآتية: "يعين ـ يعني رئيس الجمهورية ـ رئيس الحكومة وينهي مهامه"(1)، "يقدم رئيس الحكومة أعضاء حكومته الذين اختارهم لرئيس الجمهورية الذي يعينهم. يضبط رئيس الحكومة برنامج حكومته ويعرضه في مجلس الوزراء"(2). ومن سلطات رئيس الحكومة الهامة أنه "يرأس مجلس الحكومة" و"يوقع المراسيم التنفيذية" و"يعين في وظائف الدولة دون المساس بأحكام المادتين 77 و78 السابقتي الذكر"(3).
أما مسئولية رئيس الحكومة فهي أمام الرئيس مقررة بعبارة "يعين رئيس الحكومة وينهي مهامه"(4)، وأمام المجلس تكون في إحدي الحالتين: إذا فشل رئيس الحكومة الجديد في نيل موافقة المجلس علي برنامجه (5)، أو صوت المجلس بمناسبة بيان السياسة العامة السنوي علي "ملتمس رقابة" أو رفض التصويت بالثقة لصالح الحكومة (6). في الحالتين يكون الجزاء استقالة رئيس الحكومة مع حكومته.
مما تقدم يتبين أن الدستور الجزائري قبل التعديل أخذ بثنائية علي مستوي السلطة التنفيذية شبيهة جزئيا بما هو قائم في النظام شبه الرئاسي الفرنسي. وكلمة "جزئيا" مهمة هنا لأن الحكومة في دستور الجزائر بقيت كمؤسسة أضعف من الحكومة في فرنسا، علي سبيل المثال ليس لرئيسها ما لنظيره الفرنسي من سلطة التشريع بأوامر ولا أي صلاحية في مجال الدفاع الوطني. ونقول صيغة تشبه النظام الشبه رئاسي لمجرد المقارنة الشكلية وبشديد التحفظ لأننا لا نظن أن نظام الحكم بالجزائر فيه شيء يشبه النظام الفرنسي ولا أنه يمكن أن يكون كذلك ولو وضع في دستوره مواد الدستور الفرنسي من ألفها إلي يائها، لعلمنا أن نظام الحكم لا يعرّف فقط بنظامه الدستوري، وأن النظام الدستوري ما هو إلا عنصر فقط من عناصر نظام الحكم لعله أقلها أهمية.
قبل التعديل إذاً هناك كيان مؤسسي ضعيف لكنه مع ذلك موجود، اسمه مؤسسة الحكومة. لكن هذا كان في الدستور. أما في الواقع فإن الحكومة ورئيسها كمؤسسة لم تكن موجودة. فلم يكن لرئيس الحكومة برنامج، وعبارة "برنامج رئيس الحكومة" الواردة في الدستور لا يعرفها القاموس السياسي بالجزائر، وهذا باعتراف رؤساء الحكومة الذين تتابعوا في المنصب، واختيار رئيس الحكومة أعضاء حكومته كان أيضا مجرد كلام، وإنما كان رئيس الحكومة يُعين كما يعين غيره من الوزراء، ولعله كان يعين بعدهم وليس قبلهم فيأتي "لرئاسة" فريق لا سلطة له علي العديد من أعضائه، في تناقض مع الدستور.
ما فعله التعديل في هذا الجانب أنه ردم الهوة بين النص الدستوري والممارسة السياسية وحقق التطابق بينهما. فألغي وظيفة رئيس الحكومة وعوضها بوزير أول، "يعين ـ رئيس الجمهورية ـ الوزير الأول وينهي مهامه" (7) . وأضيفت في المادة 77 من الدستور فقرتان جديدتان، سادسة ألغت هيئة مجلس الحكومة فأصبح للحكومة اجتماعات ليس للوزير الأول صلاحية دستورية لرئاستها، وإنما "يمكن رئيس الجمهورية أن يفوض جزءا من صلاحياته للوزير الأول لرئاسة اجتماعات الحكومة" (8)، وفقرة سابعة قضت علي أمل كل وزير أول في أن يكون الأول من بين نظرائه علي مستوي الحكومة مادام الرئيس بحكم هذه الفقرة "يمكنه أن يعين نائبا أو عدة نواب للوزير الأول بغرض مساعدة الوزير الأول في ممارسة وظائفه، وينهي مهامهم" (9).
إنشاء منصب وزير أول من دون سلطة اقتضي تعديل الفقرة الأولي من المادة 79 التي منحت رئيس الحكومة صلاحية اختيار الوزراء قبل قيام رئيس الجمهورية بتعيينهم فصارت "يعين رئيس الجمهورية أعضاء الحكومة بعد استشارة الوزير الأول"، وصياغة جديدة للمادة 85 المتعلقة بسلطات رئيس الحكومة سابقا. هنا ألغيت الفقرة الثانية منها، وكان نصها أن رئيس الحكومة "يرأس مجلس الحكومة" نتيجة إلغاء الهيئة نفسها، وقيد الوزير الأول بضرورة العودة إلي الرئيس أثناء ممارسة اثنتين من صلاحياته المهمة، هما اتخاذ المراسيم التنفيذية وتوقيعها والتعيين في وظائف الدولة، فصار "يوقع المراسيم التنفيذية بعد موافقة رئيس الجمهورية علي ذلك"(10)، و"يعين في وظائف الدولة بعد موافقة رئيس الجمهورية." (11) ، واحتفظ الوزير الأول بغيرها من الصلاحيات التسييرية التقنية الإدارية.
أما البرنامج فهو الآن بحكم الدستور، وليس في الواقع فقط، برنامج رئيس الجمهورية، يعود إلي الوزير الأول أمر تنفيذه بواسطة "مخطط عمل" يعده من أجل ذلك، كما جاء في الفقرتين الثانية والثالثة من المادة 79 المعدلتين: "ينفذ الوزير الأول برنامج رئيس الجمهورية وينسق من أجل ذلك عمل الحكومة. يضبط الوزير الأول مخطط عمله لتنفيذه، ويعرضه في مجلس الوزراء". والفرق ظاهر طبعا وكبير بين البرنامج ومخطط العمل، فالأول محتوي وخيارات سياسية والثاني أسلوب عمل وأدوات ووسائل للتنفيذ.
من جهة المسئولية لم يحصل تغيير، فلم يزل الوزير الأول كرئيس الحكومة سابقا مسئولا أمام الرئيس عن طريق التعيين والعزل وغير ذلك من الأحكام المتعلقة بمراقبة الوزير الأول ومحاسبته من قبل الرئيس. والوزير الأول مسئول أيضا أمام المجلس الشعبي الوطني مسئولية يمكن أن تُحرك بالإجراءات التي تقدم ذكرها، وهي شرط موافقة المجلس علي مخطط عمله (12)، وإمكانية التصويت بملتمس رقابة أو رفض التصويت بالثقة في إطار المادة 84 التي لم يمسها التعديل مكتفيا بتعويض وظيفة "رئيس الحكومة" بوظيفة الوزير الأول علي ما ورد في المادة 13 من قانون المراجعة.
عن تماسك النص الدستوري
قبل التعديل كان الدستور الجزائري غير متفق مع الواقع من نواحي أهمها اثنتان، الأولي ما ذكرناه عن العلاقة بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، وموقع الحكومة كمؤسسة في التنظيم الدستوري. والثانية تخص مسئولية رئيس الحكومة أمام المجلس الشعبي الوطني. بعد التعديل يمكن القول إن النص الدستوري صار منسجما مع الواقع في الجانب الأول، أما في الثاني فلا يزال الانفصام بين الرسمي والفعلي قائما وتاما. فليس من شك في أن مسئولية الوزير الأول أمام المجلس وجميع الإجراءات والأحكام المتصلة بها مجرد كلام لن يخرج من حبس الدستور. فمن أين لوزير أول علي درجة من التبعية للرئيس بالشدة التي رأينا أن يكون مسئولا أمام برلمان من أضعف ما خلق الله، في علاقة مع رئيس الجمهورية جعلته إلي وضع الموظف ورئيسه في الإدارة أقرب منه إلي مؤسسة لا يجد البعض حرجا في تسميتها السلطة التشريعية. وبذلك يبقي انعدام التماسك والتناقض مع الواقع من سمات الدستور الجزائري. انعدام التماسك يتعلق ببنية النص الدستوري عامة، فهو غير متماسك لأنه أنشأ منصبا أخضع صاحبه خضوعا تاما لجهة هي رئيس الجمهورية، وجعله في الوقت نفسه مسئولا أمام البرلمان. ههنا انعدام تماسك لأن الهيمنة المطلقة لرئيس الجمهورية علي الوزير الأول جعلت جميع المواد المتعلقة بمسئولية الثاني أمام جهة أخري لا موضوع لها ولا معني. أما التناقض مع الواقع فإنه ظاهر أيضا لأن مسئولية وزير أول أمام برلمان تفترض أن هذا البرلمان له قدرة الرقابة الحقيقية علي الوزير الأول، وهذا ليس شأن برلمان جزائري هو بنفسه خاضع لرقابة مضبوطة ومحكمة بعوامل وآليات وأسباب تتعدي نطاق النص الدستوري.
ملخص المراجعة الدستورية الأخيرة إذاً أنها حلت مشكلة تجديد الولاية الرئاسية، وحققت في جانب منها الانسجام بين الرسمي والفعلي بإلغائها وظيفة رئيس الحكومة، وأبقت البنية الدستورية العامة مفتقرة إلي التماسك بإبقائها مسئولية الوزير الأول أمام المجلس. سبب معالجة النقطة الأولي ظاهر ولا حاجة للعودة إليه. في المقابل، قد يكون من المفيد أن نتساءل عن دواعي التعديلات المتعلقة برئيس الحكومة، والاحتفاظ بمسئولية الوزير الأول أمام البرلمان.
في ما يخص الحكومة يمكن تفسير ذلك بسببين. الأول إغراق مسألة تجديد الولاية الرئاسية في مجموعة من التعديلات فتكتسي العملية ثوب مراجعة واسعة لا يوجد كبير اختلاف في الأهمية بين نقطها. والثاني أن في التعديلات الحاصلة بالمناسبة بعض الفائدة. صحيح أنها لن تأتي بجديد في الواقع لأن افتقار رئيس الحكومة السابق إلي ما أقره له الدستور قبل التعديل من برنامج وسلطات كان أمرا واقعا ولم يثر أي إشكال وكان يمكن استمرار العمل علي هذا النحو بصورة عادية. ومع ذلك فإن الوضع الآن أفضل لرئيس الجمهورية. في السابق لابد أن كل رئيس حكومة، وهو يتحدث عن نفسه كموظف لتنفيذ برنامج رئيس الجمهورية، كان يري بذهنه المواد التي تقول إن البرنامج برنامجه هو رئيس الحكومة، وإذا جاء رئيس حكومة فوجد تشكيل الحكومة عملية منتهية، لابد أن ذلك لا يعجبه لعلمه أن الدستور أعطاه حق اختيار أعضاء الحكومة. إلي الآن وُجد واحد فقط من رؤساء الحكومة الذين تولوا المنصب في هذا السياق عبر عن إنكاره هذا التفاوت بين الدستور والممارسة، أما الآخرون فإنهم لم يقولوا شيئا. لم يقولوا شيئا لا يعني أنهم لم يكونوا علي علم بأن الدستور أجاز له القول في الموضوع. الآن بحكم التعديلات الأخيرة ليس للوزير الأول ما يقول لاتفاق الممارسة مع الدستور. وهذه هي الفائدة من التعديلات الخاصة برئيس الحكومة سابقا.
أما بقاء مسئولية الوزير الأول أمام البرلمان مع العلم أنها مسئولية اسمية من دون محتوي وأن الإجراءات الحاسمة منها لن تطبق فسببه أمران. الأول أن هذه المسئولية وما يتبعها من آليات الرقابة البرلمانية ستمنح البرلمان أشياء يفعلها بالإضافة إلي التصويت علي القوانين. فبهذه الطريقة ستكون فيه من وقت لآخر مناقشات لمخطط عمل الوزير الأول وتصويت، وانتقادات شكلية، ويكون سنويا بيان عن السياسة العامة تتبعه جلسات ومناقشات، ويكون بصورة مستمرة وزير أول ووزراء تحت سقف البرلمان يدافعون عن مشاريعهم أمام النواب، وتكون كل خمسة عشر يوما جلسات يسائل فيها أعضاء البرلمان أعضاء الحكومة. وهكذا تؤدي المسئولية أمام البرلمان والرقابة البرلمانية علي الحكومة وظيفة المنشطات للعمل البرلماني. طبعا في هذه اللعبة الخالية من التنافس يعلم الجميع مسبقا من هو الفائز وبأي نتيجة، إلا أن وجود اللعبة في ذاته أمر مهم.
الدافع الثاني إلي إبقاء هذه الصيغة أن إسقاط المسئولية أمام البرلمان والرقابة البرلمانية، فضلا عن حرمان البرلمان من مصدر نشاطه، يوقع التنظيم الدستوري عامة في مشكلة كبيرة. فهو يؤدي بالضرورة إلي تغيير الدستور برمته واعتماد صيغة النظام الرئاسي القائمة علي الفصل التام بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وهذا يستلزم في جملة أمور أخري حرمان رئيس الجمهورية من حق الحل ومن أن يكون المصدر الوحيد لتقديم مشاريع قوانين جاهزة، ويقتضي قيام البرلمان بدور أكبر خاصة في مجال المبادرة بالنصوص التشريعية. وهذا غير وارد في الجزائر.
الحنين إلي الماضي
الحقيقة أن المراجعة الدستورية الأخيرة تؤكد رغبة النظام الجزائري في أن يبقي كما كان، وأنه لا يؤمن بجدوي القطيعة مع الماضي وهو من أجل ذلك مستعد لإخراج طبعة جديدة غير منقحة من ممارسات أيام الأحادية. في هذا المعني نقرأ المراجعة الدستورية الأخيرة علي أنها تكرار لما قام به دستور 1976 بالمقارنة مع دستور 1963 الذي سبقه. كان الدستور الأول للجزائر المستقلة في 1963 لأسباب عديدة منها حداثة التجربة الدستورية، قد وضع قيودا علي رئيس الجمهورية، لم تطبق طبعا. في 1965 قام بومدين بانقلابه وحكم من غير دستور إحدي عشرة سنة، ثم أنه في منتصف السبعينيات وجد نفسه بحاجة ملحة إلي مصدر جديد لشرعنة سلطته نتيجة تفاقم الصراع في الدوائر القيادية عامة وفي مجلس الثورة خاصة، فأصدر دستور 1976 ووضع فيه كل ما كان يمارسه في الواقع من سلطات، يعني كل السلطات من دون أي قيد، فكان النص لا ينطبق عليه تعبير الدستور أصلا إذا تذكرنا أن هذه الكلمة تعني وثيقة وظيفتها ومبرر وجودها تقييد السلطة. وهكذا استبعد دستور 1976 جميع ما كان ورد في دستور 1963من قيود دستورية علي رئيس الجمهورية. فالمراجعة الأخيرة، بإلغائها القيود ـ الضعيفة ـ الناجمة عن وجود رئيس حكومة بسلطات خاصة به إلي جانب رئيس الجمهورية في السلطة التنفيذية، تكون قد كررت ما فعله دستور 1976 نحو دستور 1963 بما في ذلك إنشاء منصب وزير أول كان تعيينه اختياريا في نوفمبر 1976 ثم صار إجباريا بموجب التعديل الذي جري في 1979 لكن التكرار كان جزئيا فقط لأنه بقي في الدستور الحالي هذه البنود الإنشائية المتعلقة بمسئولية الوزير الأول أمام المجلس، مما لم يكن واردا في دستور 1979.
في باب آخر، وهو الأساس، تبين المعالجات الدستورية بالجزائر منذ نهاية الأحادية إلي اليوم أن النظام الجزائري يكره آليات الديموقراطية الليبرالية ولا يفكر في الإقبال علي العمل بأي واحدة منها. ما حدث أن النظام الجزائري، نتيجة التسرع والارتجال وضغط الأحداث، وضع في بداية الانفتاح دستورا ضمنه آليات الأنظمة الغربية ثم ظهرت صعوبة العمل بها في الجزائر. فعدل دستور 1989 في 1996 بغرض أساسي هو "إصلاح الخطأ" الذي وقع فيه الأول لما أنشأ برلمانا من مجلس واحد لا يمكن ضبطه إذا وقع بين أيدي أغلبية معارضة، فكان التعديل وإنشاء "مجلس أمة" بين أيدي رئيس الجمهورية، ليكون حارسا علي تصرفات المجلس الشعبي الوطني وضامنا لتحييده إذا وقع انحراف بداخله. واتفق أن الرئيس زروال صاحب التعديل المذكور، بسبب تصوره الخاص لقواعد ممارسة السلطة، وضع في الدستور مبدأ جديدا من مبادئ الديموقراطية الليبرالية وهو تجديد الولاية الرئاسية مرة واحدة، تبين لاحقا أنه شذوذ عن القاعدة بالجزائر، وأنه لابد من إصلاحه بإعادة الأمور إلي مواضعها، وهذا صميم ما حصل في التعديل الأخير.
أسطورة النظام الرئاسي بالجزائر
ذكرنا أن المراجعة الدستورية الأخيرة ألغت وظيفة رئيس الحكومة وجعلت الحكومة مؤلفة من أعضاء مرتبطين مباشرة برئيس الجمهورية ومسئولين أمامه، ووزير أول ينسق عمل الحكومة ويسهر علي تنفيذ برنامج رئيس الجمهورية، ويمكن إذا لزم الأمر أن يلحق به نائب وزير أول أو أكثر لمراقبته أو لإشباع رغبات الحزبين الآخرين في التحالف الرئاسي (13)، وضمان مساندتهما الدائمة لرئيس الجمهورية. فيكون النظام الجزائري عن طريق هذا التعديل قد أخذ علي مستوي السلطة التنفيذية بصيغة دستورية شبيهة بصيغة النظام الرئاسي، وهو كما علمنا لا يعرف ثنائية في السلطة التنفيذية وإنما أحادية محورها وقمتها الرئيس وأعضاء حكومة حاملين لقب كتاب تعبيرا عن ارتباطهم الشخصي وتبعيتهم لرئيسهم.
فهنيئا إذاً لدعاة النظام الرئاسي بالجزائر وبشري لهم. فهاهي دعوتهم قد استجيب لها وتحققت خطوة باتجاه ما يريدون، وما عليهم إلي الصبر والمواصلة لانتزاع خطوات دستورية أخري تعمق "التوجه الرئاسي للنظام الجزائري"!
فقد سمعنا بالجزائر منذ سنوات كلاما من هذا النوع حين بدأ المعنيون يفكرون في أمر الولاية الرئاسية المقبلة واصطدموا بعقبة البند الدستوري الذي منع تجديدها أكثر من مرة. عندئذ، تمهيدا للتعديل المطلوب وتحضيرا للرأي العام، ومن أجل التمويه علي الهدف الأساسي، وهو تجديد الولاية الرئاسية بوضعه ضمن مراجعة واسعة، أقبل مسئولون من أعلي مستويات السلطة علي الترويج لخطاب دستوري ملخصه أن الجزائر جربت النظام البرلماني واتضح أنه لا يناسبها وما بقي لها إلا تعويضه بنظام رئاسي. الغريب في موقف هؤلاء أنهم لم يبالوا بما كان في كلامهم من تناقض مكشوف لا يخفي علي أي مبتدئ في دراسة النظم الدستورية المعاصرة، فهم يدعون معا إلي النظام الرئاسي وإلي إلغاء تقييد الولاية الرئاسية بالتجديد مرة واحدة، وهي من خصائص هذا النظام الهامة.
قالوا إذاً: سئمنا النظام البرلماني لأنه لا يناسبنا ونحب تجريب النظام الرئاسي ففيه الخير كل الخير لنا. كلام يجعل قائله إلي عالم الخيال أقرب منه إلي دنيا الواقع، وهو يتضمن مغالطتين لا ندري أيهما أضخم من الأخري. الأولي أن نظام الحكم بالجزائر كان برلمانيا أو فيه ما يشبه هذا النظام، والأخري أنه متجه أو يمكن له أن يتجه نحو النظام الرئاسي.
في الأساس، لابد من التذكير أن نظام الحكم لا يمكن أن يعرّف ولا أن يفهم بالعودة إلي نظامه الدستوري فقط. فالنظام الدستوري إنما هو عنصر من عناصر نظام الحكم إلي جانب عناصر أخري أهمها الثقافة السياسية والقيم السياسية، والمعايير السياسية وهي تشمل المعايير الدستورية والقانونية، وتشمل أيضا العادات والممارسات والأخلاق السياسية السائدة في النظام، والعنصر الآخر المهم من عناصر نظام الحكم هو بنية السلطة، يعني توزيع أدوار السلطة الحقيقية ضمن النظام السياسي وهو دائما توزيع يختلف قليلا أو كثيرا عن التوزيع الدستوري. ومن مكونات نظام الحكم المؤسسية الهامة أيضا نظام الأحزاب ووظيفة الأحزاب السياسية في النظام ودورها الحقيقي ووزنها الفعلي في الحياة السياسية. الثقافة والقيم السياسية، والمعايير السياسية، والعادات والأخلاق السياسية، هذه هي الأرضية التي يقوم عليها نظام الحكم، والتربة التي ينمو فيها ويعيش، ثم تأتي بعد ذلك الترتيبات الدستورية تجسيدا للمكونات الأخري. إذا كان انسجام بين الاثنين، كان للترتيبات الدستورية قيمة وتطبيق واستمرارية، وإذا كان انفصام بينهما صار الدستور والخطاب الدستوري عامة شكليا اسميا عرضة للتغيير المستمر، كما هو شأن البيئة العربية.
نعود إلي مقولة النظام البرلماني أو شبه البرلماني بالجزائر وتحوله إلي نظام رئاسي. والعبارة خاطئة من أولها إلي آخرها. فالنظام الجزائري ليس برلمانيا ولا شبه رئاسي لأسباب عديدة منها أن النظام البرلماني، كما تدل عليه العبارة، يفترض وجود برلمان حقيقي حر وسيد في ممارسة اختصاصاته الدستورية، يبرهن علي وجوده بدوره الدائم في صنع القانون، ومن وقت لآخر بممارسة بعض صور الرقابة الفعالة علي الحكومة مثل "ملتمس الرقابة" وتشكيل لجان تحقيق تنتهي بتقارير مؤثرة، وغير ذلك من الشواهد التقليدية والراهنة الدالة علي وجود برلمان. والحال أن هذا ليس شأن البرلمان الجزائري. في النظام "شبه البرلماني الجزائري" بيان عن السياسة العامة يتبعه "ملتمس رقابة" أو تصويت بالثقة من المجلس، وحكومة تستقيل لعدم موافقة المجلس علي برنامجها، ولجان تحقيق تنشر تقاريرها كليا أو جزئيا، كل هذا إنما وضع في الدستور من باب الإنشاء والزخرفة.
أما الحديث عن النظام الرئاسي وإمكانية قيامه بالجزائر فهو أيضا أوهام وأحاجي. القائلون بهذا يريدون أن يعلّموا من يريد الاستماع إليهم أن النظام الرئاسي معناه أن يمنح الدستور رئيس الجمهورية سلطات من غير قيود ولا حدود. ويدل علي هذا التصور الجزئي الخاطئ للنظام الرئاسي أنهم لا يتحدثون إلا عن رئيس الجمهورية ومن دون إشارة إلي عناصر النظام الرئاسي الأخري، وكأن هذا النظام يتكون من الرئيس وحده. تُراهم هل نسوا حقا أن النظام الأمريكي علي سبيل المثال ـ لأن التفكير يكون بالأول فيه هذا حين الحديث عن النظام الرئاسي ـ لا يتكون من رئيس الجمهورية وحده علي ما له من سلطات واسعة، وأن هناك شيئا اسمه الكونغرس، برلمان يحسب له حسابه ولا يُصنع به ما يُصنع بالبرلمانات العربية، وهو مستقل لا تمتد إليه يد الرئيس بالحل، يساهم في صنع السياسات العامة، ويضع التشريعات فعلا، يضعها بالمعني المادي للعملية وليس الشكلي فقط كما يحدث بالجزائر وفي شرقها عند أشقائها العرب وجنوبها عند جيرانها الأفارقة، وله من بين اختصاصات أخري هامة سلطة العمل كمحكمة (14) تحاكم كبار موظفي الدولة ومنهم الرئيس وفق ما بينه الدستور من الظروف والإجراءات، وهي سلطة تمارس فعلا إذا اجتمعت الشروط اللازمة لذلك. ثم أن النظام الرئاسي لا يكون إلا بقضائه المستقل المساهم هو أيضا في صنع السياسيات العامة خاصة عن طريق أحكامه المفسرة للتشريعات البرلمانية واللوائح التنفيذية والقرارات الإدارية، والقاضية بتطابقها مع الدستور أو مخالفتها له، مع ما يترتب علي ذلك من إمكانية التعطيل أو الإلغاء. والنظام الرئاسي هو جميع هذه العناصر معا.
وإذا خرجنا من الإطار الدستوري ونظرنا إلي مكونات نظام الحكم المؤسسية غير الدستورية صارت المقارنة عملية شاقة لأن الفروق بين النظام الجزائري والنظام الرئاسي المقصود يقدر حينئذ بأكثر من سنة ضوئية، ولأننا نستحضر فروقا ومواضيع بحجم الثقافة والقيم السياسية، ورأيا عاما مؤثرا هناك بما جعله قادرا علي منع الرئيس من أن يترشح لولاية ثانية (15)، ووسائل إعلام مستقلة وقوية حتي أنه باستطاعتها أن تكون السبب في استقالة رئيس جمهورية (16)، ونظام أحزاب مفتوح بأحزاب تتداول الحكم وموقع الأغلبية والأقلية، وليس أحزابا حائزة علي حق الملكية للسلطة في المجتمع وأخري محصورة ومحاصرة في وظائفها المعينة ونطاقها المرسوم وحدودها المقررة للزيادة في العدد والألوان بما يجعل المشهد يستحق اسم التعددية الحزبية.
خاتمة :
الحقيقة أن الحديث عن النظام البرلماني أو شبه الرئاسي أو الرئاسي في البيئة العربية ومحاولة تصنيف نظم المنطقة بمنظور هذه النماذج التقليدية الغربية لا معني له عندنا ولا طائل من ورائه. فكل نظام من أنظمتنا نقل بقدر أو آخر من آليات هذه النظم ما يناسبه ويلبي حاجات حكمه. هذه حقيقة دارجة ومعروفة والذي يذكرها اليوم لا يأتي بجديد. لكن هناك إضافة بهذا الشأن قد لا تخلو من فائدة. فنحن إذا قارنا الدساتير العربية بالمصادر الغربية التي غرفت منها، وجدنا أن النقل لا ينم عن تأثر ولا إعجاب بالنظم الغربية، وإنما هو شبيه بعملية سطو يكون فيها الفاعل عارفا بما يريد فلا يأخذ إلا الأشياء الثمينة بنظره. والأشياء الثمينة هنا مجموع الإجراءات الضامنة لتكريس نظام مختلف في أساسه وجذوره عن النظام الذي نقل عنه. فأنظمتنا تتخبط إذاً، فتأخذ من هذا وذاك وثالث ورابع. تحب أشياء في كل واحد منها علي حدة، وتشتمها مجتمعة إذا تعلق الأمر باعتماد أحدها جملة، وتتمني لو أنها تمكنت من الحكم بغير دستور أصلا. فالدساتير هنا توضع وتلغي وتراجع بسهولة واستمرار لأنه لم يعد ممكنا في وقتنا الحاضر أن يحكم نظام من دونها، فهي إذاً بنظر أصحابها عندنا شر لا بد منه وكفي بالله حسيبا ورقيبا.
- الهوامش
1- الفقرة الخامسة من المادة 74 في الدستور.
2- المادة 79.
3- الفقرات 2 و4 و5 من المادة 85.
4- الفقرة الخامسة من المادة 77.
5- المادتان 81 و82.
6- المادة 84 من الدستور.
7- تعديل الفقرة الخامسة من المادة 77.
8- الفقرة السادسة من المادة 77 بعد التعديل.
9- الفقرة 7 من المادة 77 بعد التعديل.
10- الفقرة الثالثة من المادة 85 بعد التعديل.
11- الفقرة 4 من المادة 85.
12- المواد 80 و81 و82.
13- يتكون التحالف الرئاسي بالجزائر حاليا من الأحزاب الثلاثة صاحبة العدد الأكبر من النواب في البرلمان، وهي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديموقراطي وحركة مجتمع السلم.
14- من حق مجلس النواب الأمريكي توجيه الاتهام البرلماني للموظفين الفيدراليين ـ ومنهم الرئيس ـ بسوء التصرف الذي يمكن أن يؤدي إلي محاكمة برلمانية. في هذه الحالة لمجلس الشيوخ حق المحاكمة البرلمانية وتقرير ما إذا كان المسئول مذنبا أم لا. إذا ثبت أن المسئول مذنب عزل عن وظيفته.
15- لم يترشح الرئيس جونسون لولاية ثانية في 1968 لأن الرأي العام الأمريكي كان ضده بسبب سياسية التصعيد التي أخذ بها في فييتنام.
16- أٌرغم الرئيس نكسون علي الاستقالة عام 1974 بسبب الفضيحة السياسية المعروفة بقضية "ووترغيت" والإشهار الواسع الذي قدمته لها وسائل الإعلام الأمريكية.