Share |
اكتوبر 2009
16
لعبة في المنام
المصدر: الأهرام -الطبعة العربية
بقلم:   احمد الشيخ


كان الأمر يبدو في البداية لعبة لعبة فرار وامساك, والبارع البارع هو من يفر وينجح في الزوغان لم يكن الأمر يخلو من دعابة تستحق الضحك وتبعث نوعا من النشوة إن كان للنجاح في الفرار نشوة. ولابد أن هناك أنواعا من البهجة أو النشوة الناتجة عن النجاح في الفرار برغم أن عائد من يهرب معدوم لكنه علي أي حال نوع من النجاح يؤكد شكلا من أشكال القدرة.
كان هو كما بدأ لي في المنام ـ الكابوس أشبه بممثل فاشل لم يتحقق بالتمثيل علي خشبة مسرح أو علي شاشة تلفاز أو سينما ولا حتي علي موجة إرسال إذاعي ممثل لم يعترف بموهبته احد ولا صدق هو نفسه بأنه ينتمي لفن التمثيل بأي صلة كان يؤدي دوره دون قصد أو علي نحو طبيعي كما يقولون لعلهم لو اكتشفوه كان يحق لهم التباهي بالعثور علي النجم المستحيل لكنه لم يكن من الممكن بكل الحسابات ان يتحول إلي ممثل محترف تشيد بقدراته الافواه والأقلام ربما لأنه قبل كل شيء سوف يرفض حفظ أي نص لأي كاتب مهما علا شأنه لانه يكره فكرة الكتابة ويكره الكتاب وسوف يرفض طاعة أي مخرج أو يلتزم بالحضور في مواعيد التصوير أو التسجيل يري نفسه فوق كل هؤلاء ليتأكد الجميع انه خصم لايستهان به ويفعل كل أفاعيله بحسب إرادته الحرة وباختياره المطلق ينطق بالكلمات علي النحو الذي اختاره لنفسه ويقول العبارات التي يصوغها عقله لينطق بها لسانه يتحرك في الفراغ كل الفراغ الذي أوهم نفسه بأنه امتلكه ليتحكم في كل ميادينه ومبانيه المطلة علي شوارعه وحواريه وأزقته كنت في منامي لسوء حظي قد شهدت المصير التعس الذي انتهي اليه رجل مسالم ومعدوم الحيلة وقع عليه اختياره ليلاعبه لعبة المساكة أو العسكر والحرامية كان المصير شنقا أو خنقا أو ما شابه ذلك.
كان حلما خاطفا انقطع إرساله بحركة بدني للرقاد علي جانبي الأيسر, وسوف احدثكم بالقطع عن الاضرار التي أصابتني بسبب رقادي بغير قصد علي جانبي الايسر ذلك انني كنت أغطس في سراديب النوم بعد تناول المهدئ وأستسلم فوق الفراش ساعة أو ساعتين في أقل تقدير مهدود الكيان مفكوك الاوصال راقدا علي ظهري يسرح دماغي في ردود افعال عيالي وزوجتي اذا فوجئوا بموتي بعد فترة قصيرة أو طويلة وكثيرا ما كنت أحس بها وهي تدخل الحجرة التي أرقد فيها وتخطو ناحيتي بحذر بينما أنا غاطس في بحر النوم فأستيقظ أو أكون مازلت اتقلب قلقا أوموشكا علي النوم في تلك اللحظة الفاصلة بين الرقاد وغفلة النوم أنتفض غالبا علي الرغم مني فتبسمل هي ربما تربت علي كتفي أو صدري وكأنها تبعث لي رسالة طمأنة احتاج اليها لأعاود الدخول في سراديب الغفلة كنت أفسر الأمر علي أنه نوع من توقع الموت ـ موتي ـ من ناحيتها عشرات المرات وربما مئات المرات كان يحدث نفس الشيء وبنفس تفاصيله تقريبا فإذا قمت منتفضا سألتني عن حالتي وما أحس به في السابق كنت أتمكن من الكلام وربما الوصف لبعض تفاصيل ما كنت قد رأيته في منامي أو غفلتي وانقطع بدخولها لكنني في العامين الاخيرين صرت لا ارغب أو استطيع الكلام أو الوصف دون سابق ترتيب مني أو تدبير وعلي نحو بطيء وغير ملحوظ حدث أنني صرت لا ارغب في الكلام أو الوصف وفي أحسن الاحوال كنت اكتفي بالاشارة مثل أي أبكم مدرب وبارع في لغة الاشارة اطلب منها أن تكف عن طرح الاسئلة تجلس الي جواري وتتأملني ومن داخلي كنت اغضب وأقول لنفسي مثلا إنه من الممكن ان تكون هي قد لاحظت علامات الموت علي ملامحي أو بدني وانها بالقطع جلست لتشهد الفصل الأخير من لعبة الحياة والموت اغضب وربما اكتم غضبي أوأعبر عنه بزفرة احتجاج ربما لو اسعفتني القدرة أقوم واخرج من المكان وهي في اعقابي أو جالسة في مكانها تتأملني بلوم أودهشة وربما أبقي في مكاني فترة ثم اعاود الرقاد فتترك هي الغرفة وتسحب وراءها الباب اتذكر ان اباها مات في طفولتها المبكرة جدا فتولت أمها تربيتها انقطعت لها وما كفت عن الحسرة عليه لانه مات فوق فراشه دون ان تصدر عنه صرخة أو نداء أو صوت غير مألوف وانه لم يتركها وحدها وحيدة بل ترك طفلته وحيدة أيضا دون أخ أو أخت أو حتي عم أو خال يعتمد عليه أو يساعد في رعايتها لو تصادف ان ماتت أمها أيضا فيكتمل يتمها استنتج ان فجيعة مثل هذه في حياة الأم كانت محورا اساسيا في حكاياتها للبنت عن مصاعب الحياة بعد رحيله عنهما في صمت مطلق واقول لنفسي أيضا ان الخوف من الموت عند زوجتي كان ميراثا لا تملك منه فكاكا وربما بسبب ذلك تحولت أنا إلي موضوع للتأمل والتوقع من غير قصد لكنني برغم كل تلك التصورات كنت استشعر وجعا يصعب الاحتجاج عليه ويناسبه الكتمان رغم كونه مرجعا وبشراسة,وربما لايخفف منه كل طقوس الحنو والتعاطف الصادقة بسبب تلك المخاوف المرسومة فوق تقاطيعها.
وفي المنام رأيته مرة أخري وقد اختارني خصما له بعد ان تسبب في قيامي مفزوعا بسبب رؤية المصير التعس الذي انتهي اليه من كان قد اختاره قبلي ليكون خصما له كان لابد ان اتوخي الحذر أنام علي جانبي الأيمن لكن الأرق ناوشني قبل ان أتوه في الغفلة لكنني رأيته يختارني خصما يطيب له مطاردته كأنما كان يختبر ذكائي ومقدرتي علي مراوغته والفرار منه ولعله كان علي نحو غامض يعدني بمصير مبهج إذا افلحت ونجحت في الهرب منه ولو مرة واحدة أكد لكل من كانوا يشهدون اللعبة أنه يحترم الذكاء والاذكياء صحيح أنني في الصحو لم ادع الذكاء الفائق لكنني اعرف أنني انتمي إلي فصيلة الاذكياء في المنام ربما كنت واهما أو كنت محقا لكنني كنت اراني علي هذا النحو من فصيلة الاذكياء وربما بسبب ذلك لم اتخوف من لعبة الفرار من الحصار ربما بدا لي الأمر هينا لأن النوم يحرر الإنسان من بعض مخاوفه التي تلازمه في صحوه.
كان علي أن ارمح في طول المدينة وعرضها عارفا انه سوف يطاردني بجميع الحيل والألاعيب كنت قد تخلصت من احساسي بالخوف أو الخطر وكأنني شاب يافع مازلت أفر وأفر وهو في اعقابي تغريني علي مواصلة الرمح نشوة الانفلات من كل الفخاخ المنصوبة والشراك المحفورة التي اتخطاها هل كانت تتبدي لي في الأفق القريب بوادر حياة هادئة أو مصير مبهج لو أنه أوفي بوعده؟ ربما لكنه كان وهما في منام جعلني أطرح علي نفسي سؤالا لا يحتاج إلي ذكاء خارق للاجابة عليه كنت اسمع صوت نفسي وأنا اكرره مستنكرا: ياعبيط. متي أوفي الخصوم الخصوم بوعودهم؟ وارد علي نفسي بنفسي:
ياعبيط. ومتي توقع العقلاء أن يمنحهم الخصوم الخصوم مكافآت لأنهم بارعون؟
كنت أفر ويحاصرني أفر ويحاصرني واعاود الفرار وكان هو قد أعلن نجاحي في كل الاختبارات كانت عيون الناس تتابعني باعجاب واصواتهم تهنئني علي النجاح في الخلاص من كل الفخاخ ووسائل الحصار ومن بين الناس اقترب مني ثلاثة من الشباب المتحمس شدوا علي كفي ثم ربتوا علي ظهري وصدري وجعلوا يمسحون علي رؤوسهم وابدانهم بكفوفهم التي لمستني كأنني صرت وليا من أولياء الله تذكرت الحسين بن علي والسيد البدوي فادهشني الأمر كانت هناك عربة حنطور فسيحة ومكشوفة تجرها أربعة خيول عربية بيضاء وتزينها الورود التي تفوح روائحها العطرة فتسحر الألباب ساعدوني بكل الأدب وأركبوني احاطوني بينما تعبر العربة الشوارع والميادين حيث كانت آلاف العيون تتابعني بكل الاعجاب بينما الكفوف تصفق والحناجر تهتف فتأخذني نشوة النصر وألوح لهم واقفا ومتخليا بإرادتي عن مقعدي الوثير يهلل قلبي مع الناس فرحا لاننا تخلصنا من فترة الحصار والفرار وقبل ان ينتهي موكب المنصور الذي كنته بدا لي ان عجوزا عاجزا ومحنيا علي نفسه يشير بعصا يتوكأ عليها ناحيتي يستمهلني كانت له لحية بيضاء كثيفة وطويلة تتطلب حسن التقدير والرعاية أمرتهم بشهامة المنتصر أو أشرت عليهم بالوقوف ليركب إلي جواري لكنه بعد أن ركب رأيت فيه وجه الخصم العنيد بكل تقاطيعه وقد انفرد عوده وانخلعت لحيته المستعارة ثم اتسعت اشداقه بينما يضحك بشماتة لأنه اسقطني في أضيق فخاخه وتأكد من انتصاره لحظتها تأملت وجوه الشبان الثلاثة الذين يحيطونني فاكتشفت علامات الشبه الشديد بينهم وبينه كان فخا محكما ومفاجئا لم أعمل حسابه وكان السقوط مدويا بحسابات الجميع لكنني لم استسلم لعلني طلبت العدل المستحيل في المنام, أو حاولت توسيط واحد من اولاد الرجل ليوضح له أنني بكل الحسابات كنت قد أفلت من الحصار وانني فررت بشرف وراوغت بشرف فأجلت اللحاق بي أكثر مما كان الكل يتوقع كان الشاب يتسمع كلماتي ويزنها بميزانه فتبدو له موزونة تبدو علي وجهه علامات تعاطف وموافقة علي افكاري يتركني محاصرا بالشابين الآخرين ويقترب من الرجل هامسا في أذنه بكلمات لابد أنها كانت في صالحي لكن الرجل يرفض بعناد بغل مواصلة الاستماع فيرجع الشاب ليستنطقني لأقول له المزيد مدافعا فيبدو متعاطفا أكثر ويشير إلي بأن ارتاح يتركني في حراسة شقيقيه ويذهب إلي الرجل من جديد يقول بصوت مسموع إنه متعاطف مع حالتي وأن شقيقيه اللذين يحاصراني متاطفين معي مثله يضيف بصوت مسموع ان قوانين العدل الدولية والاساليب الديمقراطية الحقيقية في صفي من جميع الوجوه لكن الرجل كان ينظر ناحيتي بغل وكراهية عمياء ربما قال شيئا يفيد أنني اوشكت علي قلب موازين الدنيا لأنني حصلت بالحيلة أو السحر علي تعاطف اولاده فيوبخهم ويتهمهم بالغباء يطرقون خجلا ويؤكدون التزامهم بالطاعة له دون أن يتخلوا عن الدفاع عني يدفعونني دفعا لأن ادافع عن نفسي في مواجهته افعل بعد تردد واجاهد ان اوضح له ان الأمر كان خدعة من خارج قوانين لعبته هو بحسب ما اتفقنا عليه فيسخر مني ويقول ان الصراع علي البقاء ليست له قوانين وان الغفلة هي الغفلة والغباء هو الغباء بدرجات متفاوتة يعترف ببعض ذكائي لكنه يقلل من قيمته لانني في نهاية اللعبة وقعت في واحد من فخاخه المنصوبة حولي يدافع بعض الغرباء عني باصوات خافتة ويدافع عني باصوات أكثر خفوتا لكنه لايستجيب يطالبني البعض بمعاودة المحاولة معه لأفلت من عقابه البشع ينصحني أكبر عياله بأن أتودد اليه أو اداهنه واعترف له بالنصر قائلا ان مثل هذه الاشياء تجعله أكثر ميلا للمسامحة والعفو اتردد اولا ثم ابدا في شرح حالتي معه مؤكدا أنني لم أكن اضعه في خانة الخصوم ابدأ اوضح له أن الأمر كان من بدايته لعبة فيذكرني بانني رأيت بعيني رأسي المصير التعس الذي وصل اليه الرجل الطيب الذي اتخذه خصما قبلي يسخر مني أكثر فيتبدي لي جلفا دمويا بلا مشاعر احاول مرة أخري فلا يحدد عن موقفه المعادي لي أشعر أنني نزلت ونزلت ثم تنازلت بأكثر من حساباتي عن نفسي استجابة لنصائح عياله الذين اعلنوا كامل الولاء له والاستعداد لتنفيذ كل اوامره في نهاية الأمر بغض النظر عن بعض الخلافات الشكلية التي تسبك اللعبة في عيون الناس الودعاء يتبدل حالي فألعنه أبصق علي ملامحه فيمسح آثار البصقة بكل التواضع الزائف يشهد الجميع علي عصبيتي وانفلات لساني بالشتائم اللاذعة لا اتوقف رغم حصاري عن الصراخ واقول للجميع أنني لو كنت في شبابي القادر ما تمكن مني ابدا وانه لو صادفني في تلك الفترة لكسرت أنفه أو اضلاعه أو رقبته لانني كنت في شبابي بطلا للرماية والسباحة وركوب الخيل وكان من الممكن ان اصرعه في أي ميدان اكشف له ولهم صدري لأريهم آثار جراحة القلب المفتوح التي اجريتها يتعجب الحاضرون من قدرتي علي تخطي كل المصاعب التي صادفتها برغم ما وصلت اليه حالتي لكن الرجل كان يبدو بليدا وشامتا إلي أبعد حد. عيناه تنضحان كراهية ووعيدا قبل ان يشرح لهم ولي بنبراته الباردة مصيري التعس الذي ينتظرني تنقلب موازين الاشياء فيهللون استحسانا بينما يشرح لهم الاسلوب المبتكر الذي سوف يتم بمقتضاه خنقي أوشنقي كنت أنا قد تماديت وحدي في التهوين من قيمته وقيمة الزمن الذي أتاح له الفرصة ليتحكم في مصيري علي هذا النحو بسبب أنني تجاسرت ولاعبته وكنت ادعوهم لمقاومته وكشف مفاسده بأجرأ العبارات فكان يشهدهم علي انفلاتي ويستنكرون كلماتي أتحول إلي شهيد علي الحافة بين الموت والحياة شهيد مات بالفعل لأنه افرغ بالكلمات شحنات الغضب والاحتجاج لكنه لن يفلت من تنفيذ العقاب في البدن لازهاق الروح ان كانت مازالت هناك روح تحتمل مزيدا من الازهاق لعلني كنت قد سألت الرب الخالق ليبعث لناس الأرض بعض عدله بمثل ما يبعث اليهم الارزاق والاعمار والمصائر واثقا من استجابته للدعاء الصادق الذي ينطق به لسان العبد المؤمن.
كان الرجل هناك لايزال وقد أحاطني اولاده بكل القيود وبكل الغلظة التي لم أكن اتوقعها منهم لكنهم علي ما بدا لي لم يشفوا كل غليله فراح يسخر من رقة مشاعرهم ونعومة أناملهم كنت مأسورا وقد انفض الناس من حولي ولم يعد هناك في الميدان غيرنا أنا وهو والقيود وعياله الثلاثة الذين صاروا يتشابهون معه في كل شيء الملامح وقسوة القلوب والرغبة في الانتقام بكل ضراوة هل كادت اللعبة تنتهي لصالحه بخنقي أوشنقي علي نحو غير مسبوق؟ ربما استشعرت ذلك لفترة خاطفة لكنني بحركة عفوية أفلت نفسي من الكابوس فأعادني الصحو المباغت للحياة وحررني.