Share |
مارس 2011
1
السلفية فى مصر: تحولات ما بعد الثورة
المصدر: كراسات استراتيجية
بقلم:   هانى نسيرة

"مقدمه"
أثار صعود التيار السلفي في مصر بعد الثورة عددا من علامات الاستفهام حول مستقبل هذا التيار، خاصة في ضوء التحولات المهمة التي يجريها على العديد من ثوابته الفكرية ذات الصلة بالعمل السياسي، والتي جاءت نتيجة طبيعية لتغير المشهد السياسي في مصر بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير. وعلى الرغم من قدم وجود التيار السلفي في مصر، إلا أن طبيعة ومستوى حضور هذا التيار قبل الثورة، من ناحية، وتعقد خارطة هذا التيار من ناحية أخرى، أضفت صعوبة إضافية في فهم الخطاب الجديد لهذا التيار وتحولاته بعد الثورة، الأمر الذي يجعل من المهم البدء بوضع خارطة معرفية وتحليلية للدعوات السلفية الصاعدة في مصر، وضبط مفهوم «السلفية» بأنماطها المختلفة، والتعريف بتنوعاتها وأطروحاتها ومرجعياتها، وتحليل مواقفها من الشأن المصري العام والقضايا العربية والإسلامية، والتمييز بين السلفيين وغيرهم من مكونات الظاهرة الإسلامية في مصر.
وتثير الدراسة في هذا الإطار ثلاث قضايا رئيسية: القضية الأولى، احتمال تحول السلفية لتيارات سياسية أو سلفية جهادية في المستقبل القريب أو البعيد، في ظل ارتفاع هواجس البعض التي تستأهل النقاش في كل الأحوال، وكذلك دورهم في الفضاء المصري العام وليس السياسي فقط. القضية الثانية، تفسير مواقف السلفيين - في فصيلهم السكندري الأكبر - وتحولاتهم على المستويين النظري والعملي قبل وبعد الثورة، فبينما كانت الدعوات السلفية أفرادا أو مجموعات ضد فكرة التنظيم والحزبية والسرية والعمل السياسي، كما أنهم لا يأخذون بيعة من أتباعهم - شأن الجماعات الأخرى - فشرط التعاون على البر والتقوى لا يشترط البيعة، ويلتزمون في ذلك رأي شيوخ كابن باز وغيره من علماء المدرسة السعودية الرسمية، دون بعض السلفيين الذين أجازوا ذلك شأن الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق، وقد اختلف المشهد السلفي بعد الثورة عن هذه المقولات بشكل جذري عنه قبل الثورة المصرية. القضية الثالثة، استشراف مواقف واتجاهات الدعوات السلفية المصرية قبل وبعد الثورة المصرية.
وتزداد أهمية هذه القضايا الاستكشافية والاستشرافية في ظل هشاشة الفكر النظري في مصر ككل، خاصة ما يتعلق منه بدراسة الظاهرة السلفية، وغلبة التفكير السجالي والتعميمي عليها، ومن كونها محاولة لضبط الفهم والتعاطي الجدلي مع ظاهرة واسعة وصاعدة بعد ثورة 25 يناير. فرغم صعود الاتجاه السلفي في فضاء الحركات أو الدعوات الإسلامية المعاصرة، إلا أن مشكلا مفهوميا ظل يصعب فهمه على كثير من مراقبيه ومناهضيه من خارج الحركة الإسلامية، وربما من بعضها.
ويمكن تفسير سوء الفهم للسلفية في مصر بسبب دأب عدد من مفكريها وكتابها على اختزالها في المدرسة الإصلاحية، التي مثلتها مدرسة جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده والسيد محمد رشيد رضا وعبدالرحمن الكواكبي وأخلافهم، والتي ركزت على المصالحة بين الأصالة والمعاصرة، والدعوة لإعادة فتح باب الاجتهاد والمصالحة بين النقل والعقل، بل اقترب بعضهم من المفهوم المعتزلي القديم حول التحسين والتقبيح العقليين، وهو ما دعا بعض المراقبين للحراك الإسلامي والدارسين لفكر النهضة كذلك لوصفهم بالمعتزلة الجدد أو الاعتزالية الجدد!، وهو ما يكشف تناقضا بنيويا، حيث إن الاتجاه السلفي وصف يضاد الوصف الاعتزالي، بل قامت مدرسة أهل الحديث والسلفية في القرن الثالث الهجري ثم تمددت في القرن الثامن مع ابن تيمية (توفي سنة 728 هجرية) ضدا على التمدد المعتزلي والكلامي عبر العودة للنص ورفضا للتأويل والقياس والاستحسان ومعاداة لأطروحات المعتزلة حول التحسين والتقبيح العقليين والحرية الإنسانية وغيرها من المسائل الكلامية والفلسفية.
بل نزيد أن الدعوات السلفية الحديثة في مصر - بمرجعياتها المصرية وغير المصرية- وليس بسوادها، لم تكن على وفاق أو أدنى قبول بطرح المدرسة الإصلاحية التي مثلها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وتلامذتهما حتى حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، بل اتجهت إلى معاداته والتحفظ عليه وأحيانا كثيرة تخطئة وتبديع أصحابه مع غيرهم من الاتجاهات الأخرى الدينية والعلمانية على السواء، وذلك رغم إعجاب المدرسة الإصلاحية أو فكر النهضة بالدعوة الإصلاحية لمحمد بن عبدالوهاب وقبله شيخ الإسلام ابن تيمية.
ونظرا لهذا الاشتباه المعرفي والمفهومي للدعوات والمناهج السلفية المعاصرة كان من الخطأ الشائع الخلط بين السلفيين وغيرهم من الحركات الإسلامية الأخرى كالجهاديين والإخوان، وهو خلط كبير وشائع لا ينجو منه الكثيرون من المراقبين والباحثين، فيشار أحيانا للاتجاه السلفي على أنه يشمل المجموعات الجهادية أو الإخوان المسلمين وغيرهم من الحركات السلفية وهو العطب المفهومي الذي ينتج عطبا تحليليا في الآن نفسه. كما أن عدم ضبط مفهوم السلفية أو السلفيين ينتج أيضا عدم التمييز بين تنوعاتها واختلافاتهم داخل الإطار السلفي نفسه، فهم ليسوا وحدة واحدة، قدر ما هم إطار متنوع تتمايز داخله وحداته، وإن تشبث كلهم بما يتصوره من المنهج السلفي أو السلفية التي لا شك يرفض البعض الآخر احتكارهم لها.
أولا: الخارطة السلفية في مصر
1- الأسس المعرفية للسلفية
يشير مفهوم السلفية داخل الحركات الإسلامية، إلى اتجاه بعينه، يحمل نظاما معرفيا خاصا به، يقوم على المنهج السلفي أي اتباع السلف وأهل القرون الثلاثة الأولى من تاريخ الإسلام. إلا أنه يشير خارجها، ومن قبل عدد كبير من المتابعين والدارسين، للنهضة الإسلامية، عند البعض، وإلى كل رؤى اتجاهات الأصالة غير الوافدة في الفكر الإسلامي الحديث، عند البعض الآخر، حيث تصبح السلفية هنا مقابلا "للتقدمية" و"العصرانية"، و"المدنية"، و"العلمانية".
وبهذا المعنى، تصبح السلفية - لدى البعض - مرادفا لجهود الإصلاح الإسلامي، فيشار إلى جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، والكواكبي، ورشيد رضا، كاتجاهات سلفية، كما يغلب وصفها في بلاد كالمغرب بالوهابية، بينما يوصف الإصلاحيون الدينيون بأنهم سلفيون، من قبيل علال الفاسي، ومحمد الطاهر بن عاشور.
هذا ما غلب على الأدبيات الفكرية والنهضوية في القرن العشرين، خارج تيارات الحركات الإسلامية، أما داخل هذه الحركات، وخصوصا مع صعود نشاطية ودعوة الشيخ المحدث الراحل محمد ناصر الدين الألباني (توفي سنة 1999) (1) الذي بلور «السلفية» وحددها كدعوة متمايزة عن سواها من الحركات الإسلامية المعاصرة، فمع الألباني ومع تألق المؤسسة الدينية السعودية الرسمية (مع أسماء كابن باز وابن عثيمين وغيرهما) بدأ التبلور المعرفي للاتجاه السلفي عن سواه من الاتجاهات الإسلامية أو الإصلاحية.
وقد ثارت بين الألباني شخصيا - أثناء مرحلته السورية - وتلامذته وفي مقدمتهم محمد مهدي الإستانبولي، من جهة، وبين الشيخ السوري محمد سعيد البوطي، من جهة أخرى، معركة حول مفهوم السلفية واستخدامهم له، وهل يمكن اعتباره تعبيرا عن دعوة معاصرة تدعو لاتباع الدليل ومنهج السلف في الاعتقاد والإسناد وتغليب الدليل على التقليد، ورفض الاتباع الأعمى للمذاهب، فيما عرف بمعركة المذهبية واللامذهبية كما يرى الألباني ومدرسته؟ أم أن السلفية لا يجوز أن تكون وصفا احتكاريا على فئة أو اتجاه معاصر - حسب البوطي - وليست مذهبية جديدة، بل هي - أي السلفية - مرحلة زمنية مباركة لا يجوز احتكارها من قبل جماعة من المسلمين دون غيرهم (2). ولكن يبدو أن الألباني وفريقه هم من انتصروا في هذه المعركة، فقد انتشرت الدعوات والاتجاهات والشيوخ السلفيون في كل نواحي العالم العربي والإسلامي رغم هذه المعركة التي حصرت جغرافيا في سوريا.
وصارت السلفية - مع الوقت - علامة وإطارا متمايزا عن سواه من الحركات والدعوات الإسلامية، على اتباع المنهج السلفي والدعوة إليه وامتدادا لمدرسة أهل الحديث، وإن تنوعت، فحوت سلفيات لا تخلو من صراعات عليها وفيما بينها - على احتكار السلفية - داخل الإطار السلفي الواحد، وهذا ما يجب رصده في الحالة المصرية بالخصوص، التي كان صعود التيار السلفي فيها متأخرا عن سواه من البلدان، كالسعودية وسوريا والأردن واليمن، رغم التقدم الزمني فيها عن بعضها.
السلفية تعني اصطلاحا: النسبة للسلف ولأهل الحديث، الذين هم الصحابة وتابعوهم وتابعو تابعيهم، وهم أهل القرون - الأجيال - الثلاثة الأولى من بعثة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم)، وهم أهل العصمة - حسب تعبير الشيخ محمد ناصر الدين الألباني - الذي يؤكد على نسبة السلفية، كمدرسة دعوية وإسلامية خالصة إليهم. وفي ذلك يقول الشيخ الألباني: «الانتساب إلى السلفية يعني الانتساب إلى العصمة» (3)، فالسلف - كما يؤكد الألباني - هم من قال النبي صلى الله عليه وسلم فيهم «لا تجتمع أمتي على ضلالة». ويرفض أن يشمل هذا الحديث خلَفهم، وهم كذلك المقصودون بقوله: «هم الجماعة» في حديث الفِرق المشهور(4).
وحسب الألباني، فإن منهج السلف وسيرتهم هو سبيل المؤمنين، كما أخبر القرآن الكريم في قوله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً} (النساء، 115)، وهو ما يترتب عليه أن كل مسلم ينبغي أن يكون سلفياً، فيقول الألباني: «إن كل مسلم يعرف حينذاك هذه النسبة، وإلى ماذا ترمي من العصمة فيستحيل عليه إلا أن يكون سلفياً» (5)، على رغم أن مختلف التجليات الصحوية الإسلامية المعاصرة والقديمة لم تدَّعِ انقطاعاً عن إتباع السلف أو رفضاً له، بل إن كلاً منها يتصور أن فهمه للإسلام هو فهم السلف أنفسهم والاتباع الأصح لسيرتهم ومسارهم، وهنا يركز السلفيون والدعوات السلفية على الدليل والإسناد الذي يحدد الصحة وعدمها في حجة كل فريق.
إن أخطر ما يمكن أن يلحظه باحث موضوعي يطالع مثل هذا التصور للسلفية المعاصرة، حول نفسها ومقومات قيامها، وكذلك نسق علاقاتها مع سائر التنوعات والفِرق والمذاهب الإسلامية الأخرى، هو ذلك النزوع نحو سلطة الخطاب وهيمنته على سواه، وسيطرة منطق الفرقة الناجية والطائفة المنصورة عليها، فهي تجسد الصحة والاستقامة بينما يجسد غيرها البدعة والضلالة أو على الأقل الخطأ في الإطار السني، مع شدة على الفرق الإسلامية الأخرى خاصة الشيعة تبعا لأئمة الدعوة منذ عهد ابن تيمية (توفي سنة 728 هجرية) حتى عصر محمد بن عبدالوهاب في القرن السابع عشر الميلادي.
وتحضر السلفية المعاصرة، وفق هذا المفهوم، على مستويين: أولهما، إستاتيكي سطحي ظاهر للعيان، يتجلى في الاهتمامات بالسُّنة والدليل شكلاً وموضوعاً، والدعوة لهيمنة منهج السلف وعلومهم، عبر هيمنة السنَد على المتْن، حيث يكون ما صح سنده، من السُّنة، مصدراً للحكم دون اتباع أو تقليد لغيره من المذاهب أو الأفراد أو الآراء، وتصبح مركزية العلم الديني هي مركزية التفاضل الوحيدة بين المنتمين لأي من الاتجاهات السلفية دون بيعة تنظيمية ولكن ولاء روحي واتباعي لقوة دليله. وثانيهما، ديناميكي، وهو ما يمكن أن نسميه النهج التبديعي (نسبة إلى البدعة) والإخراجي لمخالفيها عن زمرة أهل السُّنة والجماعة. وقد تجلى هذا البعد واضحا في البداية في الحملة على بالصوفية ولكنها لم تقف عندهم، وإن اختلف شكلها من بلد لآخر، فحيث تحكمت السلفية وكانت جزءا من مؤسسة الحكم، كانت الشدة وهدم الأضرحة فعلا واضحا للسلفيين، وحيث لم تتمكن الدعوة كان الإنكار والنصح ورفض هذه الفعل والتركيز على التربية والتصفية والتزكية حسب تعبيرات الألباني، وهو ما سار عليه أتباعه في الخارطة السلفية المصرية وشيوخها الذي تبرأ مما نسب إليهم من هدم الأضرحة بعد الثورة المصرية، وهو نفس ما تبرأت منه السلفية الاجتماعية ممثلة في جماعة أنصار السنة المحمدية والجمعية الشرعية (6).
وقد امتد صراع السلفية- نظريا وعمليا- منذ بلورتها للمدارس الكلامية بالخصوص، وفي مقدمتها «الأشعرية» ممثلة في مؤسسة الأزهر، و"الماتريدية" و"الحنفية" التي تسكن بلاد تركيا والهند، وقد اقتسمت العالم الإسلامي طوال القرون الماضية، ثم امتدت في صراعاتها في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وبعد تمددها في عدد من البلدان العربية لانتقاد سائر المذاهب العلمانية والدنيوية والليبرالية بشكل كبير. ولعل هذا الخصم الأخير (العلمانية، الدنيوية، الليبرالية) هو المشترك الأكبر بينها وبين سائر الحركات الإسلامية المعاصرة التي تفاصلها على مستوى الرؤية والعقيدة والمنهج أحيانا كثيرة.
وإن كانت اتجاهات السلفية المعاصرة ترفض تكفير المتعيِّن، إلا أنها لا تعارض «تبديعهُ»، فهي تتحرك بتقديم نفسها باعتبارها الفرقة الناجية والطائفة المنصورة بين أهل الإسلام، وبتمييزها بين المنتسبين للإسلام، وداخل دائرته. فدائرة التمييز هنا تتم داخل الإسلام نفسه، وليست خارجه، وقد يشتد في ذلك اتجاه الجامية أو المدخلية (الذي يمثله ويقترب منه في مصر أسامة القوصي ومحمود عامر) الذين ركزوا على الحركات الإسلامية الأخرى، ومن أبرز رموز هذا التيار عربيا وإسلاميا ربيع بن هادي المدخلي، ومقبل الوادعي، وحمود التويجري، بينما اكتفت الألبانية (7) والمؤسسة الوهابية الرسمية السعودية بالتخطئة.
وبهذا المعنى، لا تكون السلفية مجرد منهج نظري أو مدرسة دعوية أو تعليمية، تدعو للالتزام بالكتاب والسُّنة والعودة إلى نهج السلف الصالح ومنهجهم في الفهم والعمل فقط، أو الاعتناء الشديد بالحديث النبوي، الذي غاب عنه العرب طويلا حتى العقود الأولى من القرن العشرين (8)، ولكنها مثلت أيضا مصفاة لأهل السُّنة والجماعة عن أهل البدعة ممن ينتسبون إليهم، فهي منهج فرْزي، إن صح التعبير، وفق آليات خاصة، يفرز الحاضر بفِرقه ومذاهبه، بانتقاداته ورفضه التبديعي أو التكفيري، لما اتسعت له عباءة أهل السُّنة والجماعة تاريخياً منذ بداية تبلور الفرق الإسلامية في القرن الثاني الهجري وحتى الآن (9). ومن هنا يبدو الخطاب السلفي - في مجمل تشكلاته - أكثر عنفا رمزيا على مستوى الخطاب.
وتاريخا يمكن اعتبار السلفية - أو السلفيات - المعاصرة الموجة الرابعة من تطور السلفية التاريخية، التي تبلورت موجتها الأولى مع «أهل الحديث» في القرن الثاني الهجري، التي ركزت على مواجهة التحدي الحضاري والثقافي الذي مثلته الفلسفة اليونانية والتأثيرات الكلامية للأمم المفتوحة، وهو ما اتضح في مقاومة أحمد بن حنبل، والحنبلية من بعده، للنزعات المعتزلية والعقلانية، التي صعدت بقوة في عهد الخليفة المأمون (توفي سنة 218 هجرية) الذي أعلن محنة خلق القرآن، حيث كان من أبرز نتائجها التبلور الواضح للموقف السلفي وتيار أهل الحديث، في إطار فكري واجتماعي واضح ومتمايز (10).
أما الموجة الثانية، فقد بدأت مع نهاية الخلافة العباسية وعقب سقوط بغداد سنة 656 هجرية، والتي سبقها غلق باب الاجتهاد في عهد الخليفة القادر بالله سنة 457 هجرية، وبعد أن صارت للدعوة الشيعية عدد من الدول كالبويهية والفاطمية، رغم اختلافهما، وفي سياق سياسي مأزوم من الغزو المغولي والصليبي الأوروبي في آن واحد، وهو ما نتجت في مواجهته دعوة «الحنبلية الجديدة» على يد شيخ الإسلام أحمد بن تيمية (توفي سنة 728 هجرية) الذي حمل على البدع وأهلها، من «جهَمية» و«قدَرية» و«باطنية» و«صوفية» و«فلسفة»، داعياً إلى إحياء عقيدة السلفية، كاقتضاء للصراط المستقيم ومخالفة لأهل الجحيم، ومعلناً منهاج السُّنة في مواجهة ما اعتبر خروجات وانتقادات مشوهة عليه وضده من مناوئيه (11).
ومثلت الدعوة الوهابية في القرن الأخير من حياة الدولة العثمانية الموجة الثالثة من تطور السلفية التاريخية. لقد تزامنت دعوة الإمام محمد بن عبدالوهاب (1702- 1792)، مع حركات تجديدية أخرى مثل «المهدية» و«السنُوسية» وعلماء آخرين مثل ولي الله الدهلوي في الهند (1702- 1854)، ومحمد بن علي الشوكاني في اليمن (1758- 1823)، وأبي الثناء شهاب الدين الألوسي في العراق (1803- 1854)، ولكنها مثلت ظاهرة عامة منذ منتصف القرن الثامن عشر حتى منتصف القرن التاسع عشر. ومع أنها اقتصرت على أطراف العالم الإسلامي حينئذ، كما تفادت مناطق القلب فيه، التي تتمثل في تركيا ومصر والشام (12)، إلا أنها كانت أهم هذه الدعوات وأبعدها أثرا، بل أثرت في غيرها بشكل أكبر، وهو ما يتضح في إعجاب إمامي الزيدية في اليمن (الشوكاني والصنعاني) بها، وكذلك العلامة الهندي ولي الله الدهلوي، صاحب حجة الله البالغة، وأبناؤه وتلامذته، كما تأثرت بها «السنوسية» رغم أصلها الصوفي، كما كانت الدعوة الوحيدة التي أقامت دولة وبناء نظريا لازال مستمرا حتى اليوم.
وتأتي الموجة الرابعة والأخيرة من السلفية المعاصرة، التي ترافقت مع صعود ظاهرتين بشكل متزامن تقريبا، هما الصحوة الإسلامية في بداية سبعينيات القرن الماضي، وكذلك الطفرة النفطية ووفرة الإمكانات المادية والمعنوية لانتشار الدعوة الوهابية السلفية، وامتدادها خارج المملكة العربية السعودية، وفي سائر بلاد العالم العربي والإسلامي، وإن كان التقارب مع هذا الطرح السلفي ومحاولة التزامه كانت له تأثيراته في دعوات وأفراد في مصر والشام منذ بدايات القرن العشرين، ربما قبل ظهور ما يسمى بحركات الإسلام السياسي ممثلة في «الإخوان المسلمين» سنة 1928، فقد ظهرت قبلها بسنتين «جماعة أنصار السنة المحمدية» على يد الشيخ محمد حامد الفقي، كما كانت مدرسة شيوخ الإسكندرية موجودة أثناء قيام تنظيم الجهاد سنة 1979 بعد التوحيد بين مجموعة قبلي (الجماعة الإسلامية المصرية) وسائر مجموعات الجهاد بقيادة محمد عبدالسلام فرج متمايزة عنها في الجامعة منذ أوائل الثمانينيات.
ويمكن تحديد الأسس الشرعية والفكرية التي يقوم عليها المنهج السلفي في المبادئ التالية:
1- التسليم، والاستسلام، لنصوص الكتاب والسنة، وتفسيرها بلا تأويل ولا هوى، وأن الأصول ثلاثة هي: الكتاب والسنة وإجماع الأمة، أو حسب ابن تيمية فإن «أصول الإسلام أربعة هي: الدال وهو الله، والدليل وهو القرآن، والمبين وهو الرسول، والمستدل وهم أولو العلم والألباب، حيث بين الله الفرقان بين الحق والباطل بكتابه ونبيه، فالقرآن لا يعارضه إلا قرآن لا رأي أو معقول أو قياس، ولا ذوق ووجد وإل41هام ومكاشفة» (13).
2- رفض التكفير، واعتبار أهل القبلة مسلمين مؤمنين ما داموا معترفين ومصدقين بما جاء به النبي (صلى الله عليه وسلم). وكان ابن تيمية ضد تكفير المعين، فيقول، نقلا عن الإمام أحمد، «أحمد لم يكفر أعيان الجهمية ولا كل من قال: إنه جهمي كفره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم وامتحنوا الناس وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفرهم أحمد وأمثاله، بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم، ويدعو لهم، ويرى الائتمام بهم في الصلوات خلفهم، والحج والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم ما يراه لأمثالهم من الأئمة وينكر ما أحدثوا من القول الباطل الذي هو كفر عظيم وإن لم يعلموا هم أنه كفر، وكان ينكره ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان، فيجمع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنة والدين وإنكار بدع الجهمية الملحدين وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة وإن كانوا جهالا وظلمة فاسقين» (14).
3- التبرؤ من أهل الأهواء والبدع والتأويل من المشبهة والمعطلة، الذين يأخذون الدين بالعقل أو بغير سنة الأتباع من الصحابة والسلف الصالح.
4- الطاعة ودرء الفتنة، حيث ترفض السلفية الخروج على الحاكم، وهو ما يعبر عنه الطحاوي بقوله في «العقيدة الطحاوية» التي تمثل النص الأبرز في الاعتقاد السلفي مع كتب ابن تيمية وابن عبدالوهاب: «ولا نرى الخروج على أئمتنا وإن جاروا، ولا ندعو عليهم، ولا ننزع يداً من طاعتهم، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل» (15)، فالمنهج السلفي يرفض الفتنة ويدرأها ويصر في عمقه على الطاعة، وهو ما يفسر موقف الدعوة السلفية بالخصوص في الإسكندرية أثناء المظاهرات خلال فترة الثورة المصرية، حيث منعت شبابها عنها ولم تقم بدور عام أثناءها إلا في تكوين اللجان الشعبية وزجر أعمال البلطجة.
5- تولي الخلفاء الراشدين والصحابة والتابعين وأئمتهم والاقتداء بهم، والسكوت عما بدر بين الصحابة من خلاف. ومن هنا اشتد السلفيون المعاصرون وأسلافهم كشيخ الإسلام ابن تيمية على الشيعة بالخصوص، ونافحوا عن عقيدة أهل السنة والجماعة في وجوههم كثيرا. وكما كتب ابن تيمية كتاب منهاج السنة في الرد على الفقيه الشيعي الحلي، كتب مختلف دعاة السلفية في مواجهة الشيعة، كالشيخ سفر الحوالي، ومحمد سرور زين العابدين، الذي كتب عقب الثورة الإيرانية كتابه الشهير وجاء دور المجوس. كما انتشرت في السياق نفسه أشرطة وخطب وكتابات الداعية الباكستاني السلفي إحسان إلهي ظهير الذي قتله الشيعة في باكستان في شهر مارس سنة 1987، وهناك أيضا العديد من الأشرطة للداعية المصري أبي إسحاق الحويني في مواجهة التشيع، التي بُثت في تسجيل بعنوان «الطائفة المنصورة» نشرته كتائب عبدالله عزام المرتبطة بالقاعدة التي يقودها عضو القاعدة السعودي صالح القرعاوي.
6- رفض منتوجات الحضارة الغربية غير المادية، والتأكيد على كمال الدين وتمامه، فلا حاجة في هذه الحضارة لغير الأمور المادية أو التحديثية. ومن ثم، يُعد الليبراليون والعصرانيون في المملكة العربية السعودية أحد أعداء التوجه السلفي، وصدرت فتاوى بتكفيرهم في السعودية واليمن، دون تعيين، وإن كان الموقف من الديمقراطية والمسألة السياسية بدأ يتطور داخل السلفية الحركية أو السرورية كما يدعوها خصومها نسبة لأحد رموزها الشيخ محمد سرور زين العابدين، والتي اتجهت بعض تشكلاتها في الخليج العربي للعمل السياسي والبرلماني المباشر.
7- للسلفية آليات استدلالية خاصة بها، ترفض فيها القياس والاستحسان والإجماع مما عرفت به مذاهب الحنفية والشافعية والمالكية بالخصوص، وتكاد تلف المعقولية السلفية كلمة واحدة هي هيمنة السنَد، فهي تتوقف وتتضاد مع مقولات إصلاحية صارت لها شرعيتها وعصريتها المقبولة، من قبيل محاسن الشريعة ومقاصدها، ويتوقف أغلب السلفيين متحفظين أمام ما يعرف بالمنهج والمدخل المقاصدي.
ومن هنا يقع «الاتباع» في النظام المعرفي السلفي - كما يذكر أحد ممثليه - في مرتبة بين الاجتهاد والتقليد، فهو لا يعتمد على إمام ولا على مذهب بل هو ضد المذهبية، حيث يلجأ مباشرة إلى النصوص من القرآن الكريم والسُّنة، ويقيس عليها ولا تقاس على ما لديه من أسس شأن المذاهب الأخرى(16).
ولا ينشأ الاختلاف بين السلفية المعاصرة والسلفية الجهادية، التي تمثل مرجعية مختلف الجماعات التكفيرية والجهادية القتالية المعاصرة، وفي مقدمتها تنظيم «القاعدة»، إلا على المبدأ الرابع فقط، حيث تتفق الأولى مع الثانية في كل شيء إلا في مسألة الخروج عن الطاعة للحاكم، والنزوع إلى تكفيره، كما ترفض السلفية العلمية والتقليدية فكرة التنظيم والبيعة، ويتفقان معا في رفض الاحتكام للقوانين الوضعية ودخول المجالس البرلمانية وهو ما اتجهت إليه حركة الإخوان المسلمون والتيار الصحوي أو السروري في عدد من البلدان غير مصر.
ووفق هذا المفهوم يحضر النقد السلفي للجماعات الجهادية بأنها أهل فتنة وخوارج، بينما يحضر التحفظ والانتقاد السلفي للإخوان المسلمين بأنهم مسيسون وغير مهتمين بالتوحيد باعتبارها القضية الأولى والمركزية في التصور الإسلامي، بينما يقترب نقدهم لجماعة التبليغ والدعوة ذات الأصل الصوفي الهندي من انتقادهم للمتصوفة من حيث إهمالهم للعلم الشرعي.
2- تنوعات الخارطة السلفية في مصر
مع الصعود المدوي والملحوظ لكثير من رموز وشيوخ الدعوة السلفية في مصر، خاصة مع صعود الفضائيات الدينية قبل الثورة وبعدها، يصبح من الضروري فهم الفروق المهمة بين الاتجاهات المختلفة في الفضاء السلفي المصري. فهناك سلفيات وليس ثمة سلفية واحدة، ويمكننا ابتداء تحديد التوجهات السلفية الآتية في الحالة المصرية:
أ- السلفية الاجتماعية والمؤسساتية
وتمثلها جمعيات تقوم ببعض الأعمال الخدمية بجوار نشاطاتها الدعوية، كجمعية أنصار السنة المحمدية التي تأسست على يد الشيخ محمد حامد الفقي سنة 1926، ويبرز من أسمائها الآن الشيخ الدكتور جمال المراكبي، والدكتور عبدالله شاكر، والشيخ على حشيش، والشيخ حسن عبدالوهاب البنا، و"الجمعية الشرعية" التي تأسست على يد الشيخ محمود خطاب السبكي سنة 1912، ويبرز على رأسها رئيسها الحالي الدكتور محمد المختار المهدي الأستاذ في جامعة الأزهر، وهي تُنسب للسلفية رغم أصولها الأشعرية وهو ما يبرر تشكيك بعض السلفيين في سلفيتها، في مصر والمملكة العربية السعودية، ولكن نظن الجماعة التي يتضاءل إنتاجها الفكري والفقهي بعد رحيل شيوخها الكبار (المؤسس محمود خطاب السبكي ثم نجله أمين خطاب ثم الشيخ عبداللطيف مشتهري والشيخ محمود فايد) قد ركزت وتكرست للعمل الاجتماعي والدعوي أكثر من سواه، كما لم تخل على المستوى الفكري من هيمنة الجماعات الأخرى عليها في مختلف أنشطتها دائما (17).
ب- السلفية العلمية والألبانية
وتوصف أيضا بالمدرسية، ويمكن وصفها بالمشايخية، حيث تقوم على مبدأ الاتباع لعدد من المشايخ، وهي سلفية تقليدية غير حركية، ترفض التنظيم، وتمثلها «مدرسة» الإسكندرية، ويبرز من أسمائها الشيخ محمد بن إسماعيل المقدم، والشيخ ياسر برهامي، والشيخ أحمد فريد، وبعض الدعاة السلفيين الأفراد شأن الشيخ أبي إسحاق الحويني ذي الميل الألباني، والشيخ محمد حسان ذي الميل الفكري، والشيخ محمد حسين يعقوب ذي الميل التبليغي، وغيرهم.
وهذا التيار هو التيار الأكثر بروزا وحضورا في الحالة المصرية حاليا، سواء عبر القنوات الفضائية، رغم حظر بث بعضها مؤخرا في 14 أكتوبر عام 2010، وقد عاد بعضها بعد الثورة، أو عبر المؤتمرات والتصريحات بعد الثورة، وتسليط الضوء عليهم، أو عبر المنشورات السمعية والمرئية الأخرى، والكتب والتحقيقات والدروس المسجدية والدورات التعليمية. وينتشر عدد من ممثليها خارج محافظة الإسكندرية خاصة في بني سويف والمنيا والقاهرة.
ويمثل كل من علماء المملكة العربية السعودية والشيخ المحدث ناصر الدين الألباني المرجعية الأولى لهؤلاء، فقد تلقى عنهم مباشرة شيوخ مدرسة الإسكندرية مثل محمد بن إسماعيل المقدم، كما تلقى الشيخ الحويني على الشيخ الألباني ولزمه فترة في مقامه بزرقاء الأردن. كما زار الشيخ الألباني مساجدهم في الإسكندرية والزيتون في مصر، والتقى بشيوخهم. وبينما يقف جهد أمثال محمد حسين يعقوب عند الخطابة المتأثرة بأسلوب جماعة التبليغ، يتضح المنهج السلفي لدى علماء مدرسة الإسكندرية بشكل كبير عبر مؤلفات وإذاعات وتسجيلات ومواقع إنترنتية، وبيانات وغير ذلك، وهو ما سنعرض له بالتفصيل بعد استعراضنا للاتجاهات الأخرى.
إن منهج هذه الجماعات يتحدد فيما عرفه الشيخ المحدث الراحل الألباني بـ"التصفية والتربية"، حيث يقول:
«وأعني بالتصفية: تقديم الإسلام على الشباب المسلم مصفى من كل ما دخل فيه على مِّر هذه القرون والسنين الطوال، من العقائد ومن الخرافات ومن البدع والضلالات، ومن ذلك ما دخل فيه من أحاديث غير صحيحة قد تكون موضوعة، فلابد من تحقيق هذه التصفية، لأنه بغيرها لا مجال أبداً لتحقيق أمنية هؤلاء المسلمين، الذين نعتبرهم من المصطفين المختارين في العالم الإسلامي الواسع». «فالتصفية هذه إنما يراد بها تقديم العلاج الذي هو الإسلام، الذي عالج ما يشبه هذه المشكلة، حينما كان العرب أذلاء، من فارس والروم والحبشة من جهة، وكانوا يعبدون غير الله تبارك وتعالى من جهة أخرى» (18).
ويرفض الشيخ الألباني - وهو المرجع السلفي المهم - تقديم الانشغال بالعمل السياسي على جهد التصفية والتربية للأجيال الجديدة، كما تفعل بعض الجماعات الأخرى حيث يقول:
«نحن نخالف كل الجماعات الإسلامية في هذه النقطة، ونرى أنه لابد من البدء بالتصفية والتربية معاً، أما أن نبدأ بالأمور السياسية فلا، والذين يشتغلون بالسياسة قد تكون عقائدهم خراباً يباباً، وقد يكون سلوكهم من الناحية الإسلامية بعيداً عن الشريعة، والذين يشتغلون بتكتيل الناس وتجميعهم على كلمة (إسلام) عامة ليس لهم مفاهيم واضحة في أذهان هؤلاء المتكتِّلين حول أولئك الدعاة، ومن ثم ليس لهذا الإسلام أي أثر في منطلقهم في حياتهم، ولهذا تجد كثيراً من هؤلاء وهؤلاء لا يحققون الإسلام في ذوات أنفسهم، فيما يمكنُهم أن يطبِّقوه بكل سهوله» (19).
ويرى الألباني أن الحركات الإسلامية ودعاتها لا يفهمون الإسلام فهما صحيحا، وهو ما يدلل عليه بقوله إن بعض الدعاة «يعتبر السلفيين بأنهم يضيعون عمرهم في التوحيد، ويا سبحان الله، ما أشد إغراق من يقول مثل هذا الكلام في الجهل، لأنه يتغافل - إن لم يكن غافلاً حقًّا - عن أن دعوة الأنبياء والرسل الكرام كانت (أن عبدوا الله واجتنبوا الطاغوت). بل إن نوحاً عليه الصلاة والسلام أقام ألف سنة إلا خمسين عاماً، لا يصلح ولا يشرع ولا يقيم سياسة، بل: يا قوم اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت» (20).
ويؤكد الألباني أن الدعوة للتوحيد كانت قبل التشريع وقبل الإصلاح وقبل السياسة، ويحث السلفيون على الصبر وعدم استعجال النتائج والصدام شأن الجماعات الجهادية وسائر جماعات الإسلام السياسي. ويستشهد الألباني في الموضع نفسه بدعوة أبي الأنبياء والرسل نوح عليه السلام الذي مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين «لا يدعو إلا إلى التوحيد، وهو شغل السلفيين الشاغل، فكيف يُسفُّ كثير من الدعاة الإسلاميين وينحطُّون إلى درجة أن ينكروا ذلك على السلفيين» (21).
وهنا يحضر مفهوم التربية عند الألباني والذي يعني إصلاح الأمة قبل إصلاح الدولة، مستشهدا بالآية القرآنية «إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم»، قائلا: «الحل يتمثل في العودة الصحيحة إلى الإسلام، الإسلام بالمفهوم الصحيح الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته»، ونصرالله هنا يعني العمل بأحكامه، إذ يتساءل الألباني: «فكيف يمكننا أن ندخل في الجهاد عملياً ونحن لم ننصرالله، عقيدتنا خراب يباب، وأخلاقنا تتماشى مع الفساد، لابد إذاً قبل الشروع بالجهاد من تصحيح العقيدة وتربية النفس، وعلى محاربة كل غفلةٍ أو تغافُل، وكلِّ خلافٍ أو تنازع (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحُكم). وحين نقضي على هذا التنازع وعلى هذه الغفلة، ونُحِلُّ محلها الصحوة والائتلاف والاتفاق، نتجه إلى تحقيق القوة المادية (وأعدوا لهم ما استطعْتُم من قوة ومن رباط الخيل)».
ويستشهد الألباني معجبا بكلمة لحسن البنا، وإن لم يذكره، ويرى أن أتباعه (يقصد الإخوان المسلمين) لم يلتزموا بها، حيث يقول:
«وكم يعجبني في هذا المقام قول أحد الدعاة الإسلاميين - من غير السلفيين، ولكن أصحابه لا يعملون بهذا القول: (أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم تقم دولته في أرضكم). إن أكثر الدعاة يخطئون حين يغفلون مبدأنا هذا، وحين يقولون: إن الوقت ليس وقت التصفية والتربية، وإنما وقت التكتل والتجمُّع. إذ كيف يتحقق التكتُّل والخلاف قائم في الأصول والفروع. إنه الضعف الذي استشرى في المسلمين. ودواؤه الوحيد يتلخَّص فيما أسلفتُ في العودة السليمة إلى الإسلام الصحيح، أو في تطبيق منهجنا في التصفية والتربية، ولعلَّ في هذا القدر كفاية. والحمد لله رب العالمين» (22).
في الاتجاه نفسه، يقوم منهج التغيير عند السلفية العلمية، كما تمثلها مدرسة الإسكندرية في مصر، وعلى لسان أحد كبار أعلامها الدكتور ياسر برهامي في كتيبه السلفية ومناهج التغيير الأخرى، على الدعوة إلى الإيمان بالمفهوم الشامل، والتي تقوم على معرفة وتعليم توحيد الله في ذاته وأسمائه وصفاته، ورفض كل أشكال الطاغوت، وتربية المجتمع حتى تظهر فيه الطائفة المؤمنة، والتي لن تتحقق إلا من خلال صلاح الأمة وحسن تربيتها وتصفيتها - وفق المعنى الذي يقدمه الشيخ الألباني. ولكن الدكتور برهامي يرفض المشاركة في المجالس النيابية - كما يفعل الإخوان المسلمين - «سواء بالترشيح أو الانتخاب أو المساعدة لأي من الاتجاهات المشاركة فيها، وذلك لغلبة الظن بحصول مفاسد أكبر بناء على الممارسات السابقة»، على نحو ما سيشار إليه لاحقا، كما يرفض الحل الجهادي القتالي كآلية وحيدة للتغيير الإسلامي.
ويمكننا القول إن القضية الرئيسة التي دأبت عليها هذه السلفية المدرسية هي أن التوحيد وتحقيقه هو الأصل وليس الدولة، مع تربية الأجيال الجديدة وتصفيتها وتصفية التراث الإسلامي قبلها من مداخيل وإسرائيليات وفلسفات شوهت أصوله النقية، ولكن بعد الثورات، وفي الحالة المصرية، لوحظ حدوث تحول للحديث عن أهمية الدولة وتطبيق الشريعة والتماهي مع حركات الإسلام السياسي كالإخوان المسلمين وغيرهم، بغية ذلك، رغم اختلاف المنهج السلفي وتمايزه عن مناهج غيره من الحركات الإسلامية، كما أكد ياسر برهامي على ذلك في دراسة صغيرة له بعنوان «المنهج السلفي»، وهو تحول جوهري لم يكن متوقعا، خاصة أنهم أخذوا موقفا متحفظا من التظاهر خلال الثورة (23). ويشاع أن هذا التحول أحدث شروخا وانقسامات داخل الجماعة وصراعا على السلفية الصحيحة وعلى مدى أولوية العمل السياسي وتقديمه على الدعوي والتربوي.
ج- السلفية الحركية
وتدعى من مناهضيها أيضا بالسرورية والقطبية، وهي عبارة عن مزيج من السلفية كنهج اعتقادي، والحاكمية القطبية كمنهج حركي، ويبرز من أسمائها الآن د. هشام العقدة، والكاتب الإسلامي الأستاذ جمال سلطان، والشيخ فوزي السعيد. ورغم أنها الأقل حضورا في مصر من بين السلفيات المتعددة، إلا أنها تعد النمط المؤهل للتطور سياسيا، كما هو حادث في الكويت والسعودية والبحرين، أو التحول إلى الجهادية العنيفة كما هو الحال بالنسبة للسلفية الجهادية التي تطورت عقب حرب الخليج الأولى سنة 1990.
وتتركز جهود هذه الجماعة في مصر في محافظة البحيرة حيث تكونت أولى بنياتها ولكن لوحظ تراجع دورها طوال العقد الماضي واقتصر نشاطها على مركز للدراسات بالقاهرة. وقد شارك هذا الاتجاه في الثورة متأخرا يوم 28 يناير حيث خرجت مظاهرة تمثلهم، ولم يتضح حتى الآن موقفهم بعد الثورة، وإن كنا نظن أنهم سيلتمسون نفس النهج الانتخابي الإخواني وسيخوضون العملية السياسية في مناطق تواجدهم كما سينشطون دعويا في المرحلة القادمة.
د- السلفية الجامية أو المدخلية
وتوصف من قبل مناوئيها بسلفية الطاعة أو السلطان، وهي تنسب إلى الشيخ الراحل محمد أمان الله الجامي، المدرس بالمسجد النبوي- وهو من أصل حبشي، أقام فترة من عمره بالمملكة العربية السعودية مدرسا ثم أستاذا في جامعة المدينة المنورة والتي تعد معقل الجامية بدرجة كبيرة (24). وقد خلفه في قيادة هذا الاتجاه السعودي الشيخ ربيع بن هادي المدخلي، وكان في الأصل مسئولا عن جماعة الإخوان بالمدينة المنورة ثم تحول للاتجاه الجامي مع الصعود الصحوي، وشقيقه محمد بن هادي المدخلبي، وفالح الحربي، والشيخ اليمني الراحل هادي بن مقبل الوادعي الذي كان يشرف على مدرسة سلفية تعليمية في مدينة صعدة اليمنية (وهو في الأصل زيدي تحول للسلفية)، وأبوالحسن المأربي وغيرهم. وتقوم مبادئه على مبدأ الطاعة للسلطان ورفض الخروج عليه.
ويبرز منهم في مصر الآن الشيخ محمود عامر، والشيخ أسامه القوصي، والشيخ سعيد رسلان، وطلعت زهران وغيرهم. وهم يسوون بين الحركات الإسلامية التي تعتبر نفسها صحوة وبين الفرق المذهبية القديمة كالخوارج والشيعة والمعتزلة وغيرهم.
ومن مبادئ الجامية تأكيد الطاعة لولي الأمر، ورفض الحاكمية، ونقد الجماعات الإسلامية الأخرى، بما في ذلك الحركات المعتدلة أو السلمية كالإخوان المسلمين أو التبليغ والدعوة، فهم أصحاب أشهر الكتابات في نقد هاتين الحركتين. كما يتوجهون بالنقد الشديد للصحويين والسروريين، ويبدعون ويتهمون سيد قطب وعقيدته. وتعتبر الجامية العدو التقليدي للسرورية، بل إن الجامية نشأت في بدايتها في المملكة العربية السعودية كرد فعل على صعود التيار الصحوي معارضا لتوجهات الحكومة السعودية في الاستعانة بقوات الحلفاء لرد الغزو العراقي للكويت.
وقد بدأ هذا التيار يصعد في مصر مؤخرا، ويمثله بقوة الشيخ الدمنهوري محمود لطفي عامر الذي ربط السلفية بتأييد توجهات الحزب الوطني الحاكم في التمديد للرئيس السابق مبارك أو التوريث لنجله السيد جمال مبارك، باعتبارهما من أولياء الأمر الذين لا يجوز الخروج عليهم من أي من السلفيين، وإلا غدا القوم خوارج على العموم أو على السلفية (25).
وفي محاولة من جانب عامر للتمييز بين تياره السلفي وممن وصفهم بمدعي السلفية، طرح عامر سبعة أسئلة دعا هؤلاء للإجابة عليها للتأكد من سلفيتهم، فالسلفية في تصوره تشترط التبرؤ من الإخوان المسلمين ومن سيد قطب ومن ابن لادن، والولاء للنظام وغير ذلك. ولأهمية هذه الأسئلة نوردها كما أوردها محمود عامر في مقاله المعنون «هذا بيان لمدعي السلفية»، والتي وجهها إلى ست فئات من السلفية أو مدعي السلفية كما وصفهم، شملت المدرسة السلفية بالإسكندرية، وأنصار السنة المحمدية بفروعها المختلفة، والجمعية الشرعية، بالإضافة إلى قائمة من الأسماء الفردية صنفها إلى ثلاث فئات، شملت الأولى الشيخ محمد حسان، والشيخ محمد حسين يعقوب، والشيخ أبوإسحاق الحويني ومريديهم وأتباعهم. وشملت المجموعة الثانية من أسماهم بالأسماء الفردية التي لها حضور دعوي وتنتسب للسلفية كالشيخ د. محمد سعيد رسلان، والشيخ أسامة القوصي، ود. طلعت زهران، والشيخ خالد عثمان، والشيخ خالد عبدالرحمن، والشيخ أبواليمين المنصوري، والشيخ عبدالحميد حسونة، والشيخ مجدي وردة، والشيخ سيد غباشي، والشيخ إيهاب البديوي. وتشمل المجموعة الثالثة بعض الأسماء السلفية غير المعروفة بين الشباب والتي تمارس دعوتها داخل الجامعة الأزهرية.
يقول عامر "هؤلاء المذكورون بأعيانهم وأفرادهم إن كانوا يزعمون بأنهم سلفيون - ولا شك أن فيهم أعيانًا قليلة سلفية كما يقول - فعليهم أن يبينوا لنا ولعموم الشباب - الذي تمزق وتحزب وأصابته الحيرة كما يقول - ولولاة أمر مصر من أجهزة معنية خاصة"، ما يلي:
"أولا: ما حكم الشريعة في التكتلات الحزبية الدينية تحت أي مسمي، وهل من السلفية التنظيمات الدينية الحزبية؟ مع ذكر الأدلة النصية وفهم السلف لها.
ثانيًا: ما هو موقفهم بصراحة ووضوح من الإخوان المسلمين كفكر ومنهج ثم كتنظيم؟
ثالثًا: ما هو موقفهم بصراحة ووضوح من شخصيات دعوية شهيرة وعلى رأسها حسن البنا - مؤسس جماعة الإخوان - وسيد قطب والمودودي وأسامة بن لادن؟
رابعًا: ما هو موقفهم الدعوي الواضح المستمر من التشيع والشيعة وأفراخهم في مصر من الطرق الصوفية النشطة.
خامسًا: هل يعترف هؤلاء المذكورون بوجود جماعة المسلمين في مصر وإمامها أم لا؟ وبمعني أوضح هل يعتقدون بإمامة وولاية الرئيس محمد حسني مبارك أم لا؟ مع ذكر الأدلة ومزيد وضوح.
سادسًا: وعلى ضوء تقرير البند الخامس نفيًا أو إثباتًا، أطالبهم بتحديد موقفهم من نجل الرئيس مبارك «جمال مبارك» في حالة إسناد الرئاسة إليه مع ذكر الأدلة مسندة بمفاهيم السلف، وهذا البند ليس بدعًا من القول أو إثارة ما ليس بهام، بل هو في غاية من الأهمية مع تنامي منازعة الأمر أهله وشحن الناس ضدهم وما تشهده مصر من تربص داخلي وخارجي، من هنا لزم مدعى السلفية بيانُ موقفهم حتى تسلم سلفيتهم من بدع أهل الأهواء.
سابعًا: لا شك عندي أن ممن وجهت لهم النداء من قد وضح ما ذكرتُه بعضَه أو كلَّه، ولكن أطالبهم بمزيد بيان وتوضيح وعلى ملأ أكبر لننفي عن السلفية ما ليس منها" (26).
ويحدد الشيخ عامر موقفه هو بالقول: «أما سقوط البعض أو تجاهلهم، بما اطلعت منذ سنوات، فهذا دليل واضح أنهم على غير هدي السلف. فالساكت عن الإخوان المسلمين فهو منهم فكيف بمن يمدحونهم، والساكت عن ابن لادن فهو معه فكيف من يمدحه؟ والساكت عن فكر سيد قطب فهو قطبي فكيف بمن يمدحه ويجله؟ والساكت عن الحزبيين فهو حزبي فكيف بمن يربي أتباعه على أصول حزبية؟» (27).
ويضيف مخاطبا هذه الاتجاهات السلفية: «فأنا في انتظار ردكم بأي وسيلة، ولا يغضب بعض من ذكرتهم وهم على الجادة إن شاء الله، إنما ذكرتهم لدفعهم لمزيد بيان إيضاح وليس اتهاما لهم في سلفيتهم، بل إنني أعرض ما عندي لكي يوضحوا لي ما حدث فيه عن المنهج السلفي لكي أرجع عنه» (28).
أما أهم ما صدر عن هذا التيار الذي نشط في ديسمبر عام 2010 عبر فتوى الشيخ محمود عامر بإهدار دم المعارض المصري الدكتور محمد البرادعي بدعوى أنه يثير الفتن «بدعوة الشعب إلى العصيان»، لذلك وجب على أولي الأمر متمثلين في الحكومة والرئيس حسني مبارك قتله حال عدم توقفه عن ذلك الأمر. ورغم معارضة محمود عامر للثورة المصرية إلا أنه قرر الترشح للرئاسة، ويدعو بعد الثورة للالتزام بأمر الإمام الجديد بعد تنحي مبارك، وهو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، قائلا وموصفا للوضع القائم بقوله:
«فالوضع الآن هو تخلي الإمام عن رئاسته للبلاد للمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية، فماذا يكون موقفنا؟ إن الأصل أن الإمام شخص واحد مسلم متغلب صاحب شوكة وقوة تُمكنه من السيطرة على البلاد، والآن نحن أمام مجلس من عدة أشخاص يتولون إدارة البلاد، فالذي أفهمه من النصوص التي بين أيدينا والذي ترجحه المصلحة الشرعية أن يلتزم أهل السنَّة قرارات المجلس الأعلى للقوات المسلحة ولا يلتزموا بغيرها أيًّا كان مصدر هذه القرارات، سواء من جماعات أو هيئات أو غيرها، فإن الشوكة الظاهرة الآن هي شوكة الجيش وقيادته. وعليه فمصدر الأوامر لأهل السنَّة في هذا الوقت هو المجلس الأعلى للقوات المسلحة، ولا يجوز مخالفتها أو الخروج عليها طالما أنها لا تحث على معصية منصوص عليها صراحة في الكتاب أو السنَّة الثابتة» (29).
وشأن الجامية والمدخلية في الخليج العربي ينشط عامر وأسامه القوصي في التأكيد على أهمية الدولة والإمام وطاعته تجنبا للفتنة والصدام، ويرون ضرورة التوافق والانتقال من خلال المؤسسات دون مزايدات المتطرفين من الجماعات الإسلامية أو العلمانيين. وكتب محمود عامر مقالا في هذا السياق بعنوان «الثورة القادمة بعد الثورة القائمة» (30)، حيث يرى أن مصر الآن تمر بحالة «من انعدام وزن وخفة في العقول إلا من رحم الله وقليل ما هم، فالحال الآن هو الكلام المرسل والاتهامات المرسلة والتشفي والبحث عن الزلات لا لتأصيل حق أو إبطال باطل وإنما للبلبلة ولإرهاب المخالفين، فمن يملك قلما في جريدة أو شاشة في تلفاز أو ميكروفون في إذاعة أو منبراً خطابياً يستطيع أن يتهم من يريد بكل ما يريد بغض النظر عن الحق والحقيقة وبغض النظر عن البيّنة والبرهان» (31).
وهكذا، تظل قضية طاعة الإمام، فيقول عامر: «وحينما يُنتخب رئيس مسلم جديد لمصر سأقول ما قلته سابقاً في مبارك، وسيكون الرئيس القادم هو أمير المؤمنين في مصر طالما أن له بيعة من خلال الانتخابات وترتب على ذلك أن دانت له مؤسسات الدولة العسكرية والمدنية فحينئذٍ سيكون هو الإمام الممكن والمتغلب والذي يجب له السمع والطاعة في غير معصية الله، ولا يجوز الخروج عليه، ومن يخرج عليه صار من الخوارج» (32).
وتعد تصفية السلفية من مدخولات الإسلام السياسي ذات الميل الخارجي والجرح والتعديل لشيوخها وأطروحاتها - كما أسلفنا - هي القضايا المركزية في السلفية الجامية أو المدخلية التي يتبعها القوصى وعامر وغيرهما في مصر، لذا كان صراعهم الأكبر والأشد على منتقديهم من الحركات الإسلامية.
هـ- سلفية التزكية أو السلفية التعبدية
ويمثلها اتجاه يقوده الدكتور الشيخ أسامة محمد عبدالعظيم حمزة، أستاذ أصول الفقه ورئيس قسم الشريعة بكلية الدراسات الإسلامية بجامعة الأزهر بالقاهرة. وقد واصل الشيخ أسامة، الشافعي المذهب والمتفرغ للدعوة بمسجده الكائن في حي الإمام الشافعي بالتونسي في القاهرة، إصدار سلسلة رسائل من فقه شيخ الإسلام ابن تيمية في الزهد والموقف من التصوف والتعبد، ويهتم اهتماما شديدا بالروحانيات والمسائل التعبدية، التي يربي عليها مريديه من الشباب في بعض مناطق القاهرة. كما يولي اهتماما كبيرا بترك المسائل والقضايا الخلافية. ومن أبرز من تأثروا به الداعية محمد حسين يعقوب، ومن تلامذته الدعاة أسامه كحيل، وأسامة حامد، وهاني حلمي (33). ونجد في هذا الاتجاه ميلا صوفيا سنيا وتبليغيا في التركيز على الدعوة وإصلاح الفرد وتجنب العنف الرمزي أو المذهبي، ويمكننا ملاحظة أن هذه السلفية لم تمتهن السياسة ولم تهتم بها سواء بعد الثورة المصرية أو قبلها، فهي تحافظ على استقلالها وسماحيتها ودعويتها التي لا نراها لا تخلو من حقيقة صوفية أو تركيز تربوي أو روحي بالأساس، بل يكاد يغيب الشيخ أسامة محمد عبدالعظيم عن المؤتمرات السلفية التي نشطت في كثير من محافظات مصر بعد الثورة إعلانا عن الدعوة السلفية.
ثانيا: توجهات السلفية إزاء قضايا الإسلام السياسي وقضايا الجدل العام في مصر
بينما يتضح موقف الجامية والمدخلية من الجماعات الإسلامية الأخرى، حيث تأخذ منها موقفا متشددا يفوق مواقف الحكومات أو الاتجاهات العلمانية، حتى أن ربيع بن هادي المدخلي يرى سيد قطب، على سبيل المثال، «أكبر مضلل» في هذا العصر، فقد ذكر الشيخ محمود عامر منقبتين لربيع بن هادي المدخلي كانت ثانيتهما أن «كُتب الشيخ (يقصد المدخلي) في تحطيم فكر أكبر مُضلل في هذا العصر ألا وهو فكر سيد قطب، والذي سيطر على عقول كثير من شباب العالم الإسلامي حتى كثير من الشباب الذي يدعي السلفية» (34).
ونظرا لضعف التيار السروري والقطبي في مصر، نكتفي هنا بتوضيح موقف مدرسة الإسكندرية والسلفية العلمية والألبانية - اعتمادا على أحاديث شيوخها - من عدد من القضايا التي ارتبطت بحركات الإسلام السياسي.
1- الموقف من المشاركة في الانتخابات والمجالس التشريعية
يتبنى ياسر برهامي موقفا متحفظا ورافضا للمشاركة الانتخابية والسياسية كسبيل للتغيير، إذ يصف هذا البديل دون أن يسمي أصحابه بقوله:
«ترى كثير من الجماعات الإسلامية العاملة على الساحة أن المشاركة في العمل السياسي بتكوين الأحزاب في البلاد التي يُسمح فيها بتكوين أحزاب إسلامية، أو بمشاركة الأفراد التابعين لهذه الجماعات في الانتخابات البرلمانية، والبعض يجيز التحالف مع الأحزاب الأخرى ولو كانت علمانية ليحصل بذلك على أصوات في المجالس المسماة بالتشريعية ليدعو إلى تطبيق الشريعة من خلالها، وليستغل الفرصة المتاحة بالسماح للمشاركين في الانتخابات بالدعوة إلى أنفسهم للدعوة إلى الإسلام وإلى شرع الله سبحانه» (35).
ومع أن برهامي يقر بوجود خلاف معتبر بين أهل العلم في هذه المسألة، بين من يعتبرونها من باب الطاعة ومن يعتبرونها من باب الذنوب والمعاصي وليست من باب الكفر والردة، إلا أنه يرى بعدم جواز المشاركة في هذه المجالس. ويستند في ذلك إلى أن كلا الفريقين: الذي يضع المشاركة في باب الطاعة أو ذلك الذي يضعها في باب المعصية، يؤمن بعدد من البدهيات حددها برهامي في ست بدهيات، هي:
1- أن «التشريع حق خالص من حقوق الله، وهو من أهم خصائص الربوبية والإلوهية، فالحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله تعالى، والدين ما شرعه الله سبحانه».
2- أن «القوانين الوضعية مخالفة للشريعة الإسلامية وكل ما يخالف الشريعة فهو باطل».
3- أن «الحكم بما أنزل الله سبب يوجب غضب الله وينزل مقته وعقابه».
4- أن «النظام قسمان، إداري وشرعي: أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف للشرع فهذا لا مانع منه. أما النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر».
5- أن هناك «فارق أساسي وكبير بين الحكم الإسلامي والحكم العلماني الديمقراطي، فتشريعات الحكم الإسلامي تنبني على الكتاب والسنة، وهو يوجب الحكم بما أنزل الله ويرى العدول عن ذلك فسقا وظلما وكفرا، فلا يمكن الفصل بين الدين والدولة في نظر الإسلام. أما الحكم العلماني الديمقراطي فمصدر السلطة عنده هو الشعب وتشريعاته تنبني على إرادته وهواه، فلابد للسلطة من الحفاظ على رغبة الشعب ومرضاته ولا يمكن لها أن تعدل عن إرادة الشعب وهواه حتى ولو أدى ذلك إلى تحليل الزنا واللواط والخمر، فالمبادئ والتشريعات كلها عرضة للتغير والتبديل في الحكم العلماني والديمقراطي حسب ما تطلبه الأغلبية».
6- أن «الشورى في الإسلام تختلف عن الشورى في النظام الديمقراطي»، فالشورى في الإسلام «تكون في أمور الدنيا وفي أمور الدين التي لا وحي فيها»، ويستشار فيها الصالحون، أما في النظام الديمقراطي فتكون الاستشارة «للملاحدة المحاربين لدين الله ممن يشرع مع الله في النظام الديمقراطي» (36).
ومن ثم، ينتهي برهامي إلى القول إن الدعوة السلفية الحقة ترى «عدم المشاركة في هذه المجالس المسماة بالتشريعية، سواء بالترشيح أو الانتخاب أو المساعدة لأي من الاتجاهات المشاركة فيها، وذلك لغلبة الظن بحصول مفاسد أكبر بناء على الممارسات السابقة، وإن كنا نقر أن الخلاف بين أهل العلم في هذه المسألة خلاف معتبر، ولو تفاوت بين الطاعة والمعصية، لأن كلا الفريقين يريد خدمة الإسلام ويقر بالبدهات والمسلمات التي ذكرناها». وقد دعم برهامي رأيه استنادا إلى الواقع العملي المتمثل في مواقف الأنظمة السياسية من مشاركة الإسلاميين في الانتخابات، إذ يقول «وما نراه اليوم في الجزائر رأينا مثله بالأمس في تركيا، وكيف أن الديمقراطية مثل صنم العجوة الذي كان يصنعه المشرك، فإذا جاع أكله، فالحكام العلمانيون إذا أحسوا بأي خطورة على مواقعهم وأن الإسلاميين على مقربة من الحكم سيسارعون بحل المجالس النيابية والأحزاب، ويكون الجيش مستعداً دائماً وفوراً لإجهاض هذه الديمقراطية التي اخترعوها، لهذا وغيره نرى أن الحل البرلماني على ضوء ما طرحناه ليس هو الطريق» (37).
ولكنه، مع كل ذلك، لا يكفر المشاركين في الانتخابات أو المؤسسات التشريعية، إذ يستدرك قائلا: «هناك فرق بين النوع والمعين، وبين الحكم والفتوى، فقد يكون الفعل كفرا والقول كفرا وفاعله وقائله ليس بكافر، وذلك بأن يكون الفاعل أو القائل جاهلاً أو متأولاً أو مكرهاً أو حديث عهد بالإسلام، وليس لنا أن نكفر الشخص المعين إلا بعد قيام الحجة الرسالية عليه على يد عالم أو ذي سلطان مطاع حتى تنتفي الشبهات وتدرأ المعاذير ويحيا من حيا عن بينة ويهلك من هلك عن بينة» (38) ولكن تغير موقفهم من المشاركة السياسية بعد الثورة وصارت محل قبول وتبرير وشرعية جديدة (39).
2- الموقف من مفهوم الجهاد
وضع الشيخ برهامي عددا من الضوابط المهمة على مفهوم الجهاد وأشكاله، إذ يرفض بداية اعتبار الخروج على الحاكم هو الشكل الوحيد للجهاد، فيتساءل "هل الجهاد هو الخروج على الحكام فقط؟"، رافضا توحيد الجهاديين بين الجهاد والخروج على الحكام، بل بين التوحيد والجهاد نفسه كدلالة عليه، أو أن الثاني تمام الأول وفق مفهوم الولاء والبراء. كما يرفض اختزال الجماعات الجهادية له في القتال. يقول برهامي:
«الجهاد إذا أُطلق فالمراد به قتال الكفار لإعلاء كلمة الله تعالى، ولا ينصرف إلى غير قتال الكفار إلا بقرينة تدل على المراد، فهو كما يقول ابن القيم أربع مراتب: (جهاد النفس، وجهاد الشيطان، وجهاد الكفار، وجهاد المنافقين، فجهاد النفس مقدم على جهاد العدو، فإن من لم يجاهد نفسه أولاً لتفعل ما أُمرت به وتترك ما نُهيت عنه ويحاربها في الله لم يمكنه جهاد عدوه في الخارج، فكيف يمكن جهاد عدوه والانتصاف منه وعدوه الذي بين جنبيه قاهر له متسلط عليه لم يجاهده ولم يحاربه في الله)، ويقول الشيخ ابن باز: (الجهاد جهادان، جهاد طلب - أي طلب الكفار في عقر دارهم - وجهاد دفاع والمقصود منهما جميعا هو تبليغ دين الله ودعوة الناس إليه وإخراجهم من الظلمات إلى النور وإعلاء دين الله في أرضه، وأن يكون الدين لله وحده)، ومن هنا تكون الدعوة إلى الله جهاداً شرعياً. قال تعالى (فَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَاداً كَبِيراً) [الفرقان: 52]، والآية مكية وعلينا أن ننظر إذا أتى الحاكم ما يستوجب العزل هل عندنا الاستطاعة على عزله أم لا، وهل المصلحة متحققة بهذا العزل أم أن هذا المنكر سيزول بمنكر أعظم، فقد نزيل كافر أو نستجلب الشر والبلاء على البلاد والعباد ويتسلط الكفار على رقاب الناس. ومن المعلوم أن شرع الله مصلحة كله ولذلك لم يقتل النبي ابن سلول - رأس المنافقين - وقال: (كيف إذا تحدث الناس أن محمداً قتل أصحابه)» (40).
وينقل الشيخ برهامي عن المحدث الراحل الشيخ الألباني قوله: «الواجب هو العمل للأهم فالأهم، والأهم هنا هو إصلاح عقائد المسلمين وتزكية النفوس والدعوة على أساس التصفية من البدع والتربية على التوحيد» (41). أكثر من ذلك، فإن السلفية تعتبر الدفاع عن القرآن الكريم والسنة يأتي قبل الدفاع عن الأرض، إذ يقول الشيخ أبوإسحاق الحويني في حوار معه ردا على من يتهمون السلفيين باهتمامهم بعلوم الحديث وإهمال قضايا الأمة والسياسة والجهاد:
«إن حياة الأمة قائمة على حفظ هذا المصدر المهم لشريعتنا الغراء ولو سقط صحيح البخاري يوماً ما ستسقط الأمة كلها. واليوم نجد أن الغزو العسكري والشأن السياسي هو الذي يحظى بالاهتمام والإنكار العام، وفي رأيي أن الهجوم على صحيح البخاري وصحيح مسلم أشد على الأمة من دخول الأمريكان إلى العراق أو من أخذ الأعداء لبلاد المسلمين. وفي نظري أن سب النبي صلى الله عليه وسلم الذي قامت به فتاة يهودية ورسمته على هيئة خنزير حاشاه ونزهه الله عن ذلك، أمر أخطر من التعدي على الأرض. لا قيمة للأرض في مقابل سب النبي صلى الله عليه وسلم والتطاول عليه، ومع ذلك مر هذا الأمر مرور الكرام ولم تستنكر هذا الأمر أي دولة من الدول عدا إيران فقط، وكأن هذا النبي ليس له من نصير في الأرض سوى الروافض؟!. كان ينبغي أن يكون جهد هذه الطائفة التي تنصر الدين وتذب عن شرع الله مشكوراً لكن التهم المعلبة للأسف لا توجه إلا إليهم، فالسلفيون العاملون المحسنون في العالم قليلون جداً جداً. آتي عليهم وأهاجمهم. أمر والله عجيب جداً» (42).
ورغم حضور أو إمكانية ورود بعض مفاهيم الإسلام السياسي عند شيوخ ودعاة السلفية العلمية، مثل «الحاكمية» التي أثنى عليها الشيخ الألباني، ونكاد نجدها حاضرة في خطب للشيخ أبي إسحاق الحويني، ومحمد بن إسماعيل المقدم، كما نجدها في مضمون كلام الشيخ برهامي عند حديثه عن تطبيق شرع الله والموقف من الديمقراطية والمجالس البرلمانية، إلا أنه يمكن القول إن الإطار السلفي الجامع والتزام توجهات ومرجعيات السلفية الألبانية كما تمثلها كتابات الشيخ الألباني، وكتابات علماء المؤسسة السلفية السعودية كالشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين، تصنع حصانة وقوة اتزان للدعوات السلفية تعصمها عن الانجراف في اتجاه التسييس والعنف بشكل كبير، خاصة في ظل فقه المآلات والمصلحة ومنطق القدرة والعجز الذي تلتزمه هذه الجماعات.
ولكن كانت المفاجأة بعد الثورة في الموقف من مقتل زعيم القاعدة أسامة بن لادن في 2 مايو سنة 2011 حيث شاهدنا الشيخ ياسر برهامي، وهو أحد أكابر الدعوة السلفية في إسكندرية، يرثي بن لادن، مهنئا إياه بالشهادة، ومؤكدا على أن الحرب الأمريكية في أفغانستان هي حرب صليبية -كما كان يقول بن لادن ومجاهدوه - (43) وهو الموقف الذي خالف فيه كل شيوخ ومرجعيات السلفية خارج مصر، بل وسوابق الدعوة السلفية المصرية ذاتها وسابق انتقاداتها للقاعدة.
كما كتب آخرون في الاتجاه ذاته، وصارت فكرة العداء للولايات المتحدة والغرب أكثر حضورا في هذا الخطاب، رغم عدم مشاركة السلفيين فيما عرف بجمعة التطهير في مصر في 8 أبريل 2011، أو جمعة فلسطين والوحدة الوطنية التي نظمتها مختلف التيارات السياسية في 15 مايو، في ذكرى النكبة الثالثة والخمسين أو غيرها من التفاعلات ضد الجيش والحكومة.
ولعل في تحول موقف الدعوات السلفية من كل من الجماعات الجهادية والعمل السياسي تطورا مهما يحمل في طياته انقطاعا مع شيوخ وتيارات السلفية داخل مصر، وسابق عهدها بهذه الممارسات والصدامات والنقاشات الحادة التي حدثت بينها وبين الجماعات الجهادية وحركات الإسلام السياسي لإهمالهم الدعوة للتوحيد الصحيح وتعليم العقيدة وغير ذلك، وتأجيج نار الفتنة بين السلطة والمجتمع في العالم الإسلامي، وعلامة دالة أن السلفية المصرية - ذات التأثر الوهابي والألباني - قد تصنع مرجعياتها الخاصة في المرحلة المقبلة منفصلة عن مرجعياتها السابقة، وربما في حالة الفوضى الاجتماعية والسياسية تنقلب إلى سلفية جهادية متى ما أتيح الأمر، فما هو واضح حتى الآن أن مختلف الحركات الإسلامية ترى في مناخ ما بعد الثورة وسقوط مبارك فرصة للتمكين والانتصار لخطاباتها وشعاراتها لم تتح من قبل!
3- الموقف من الأزهر والطائفية
الدعوة والتصحيح العقدي، العقيدة كبؤرة اهتمام، هما مركز الدائرة للدعوات السلفية في مصر، سواء من خلال نقد أعدائها التقليديين من الصوفية والأشعرية وبعض طروحات التجديد الديني التي تصفها بالمعتزلية، أو نقد الفرق الإسلامية التقليدية كالشيعية والرافضة والمنافحة عن منهج السلف وشيوخهم. كما تشتبك تنوعات السلفية نظريا مع بعضها البعض بشكل كبير، خاصة الجامية مع غيرها، حيث ينخفض الصوت النقدي للجماعات الأخرى عند السلفية العلمية، فلا تكفر ولا تتهم أمثال الإخوان أو القاعدة أو التبليغ أو أشخاصا مثل سيد قطب وحسن البنا والمودودي، كما لا تتحفظ كثيرا على الحزبية والتنظيمية. كما لا تمانع السلفية العلمية ومدرسة الإسكندرية من القيام بأعمال خدمية أو إغاثية للمسلمين.
واستنادا إلى مركزية العقيدة أيضا، يمكن تفسير موقف السلفيين من مسألة المتحولين الجدد إلى الإسلام، وما أشيع عن احتجازهم من قبل الكنيسة، وقيادتهم للتظاهرات من أجلهم في وسط القاهرة وعدد من المناطق. ورغم البيانات الرسمية للدعوة السلفية التي تؤكد على رفض ما تراه فتنة وإنكار قيادتها لهذه المظاهرات، إلا أن الموقف من الطائفية بعد الثورة من قبل السلفيين، كما سنوضح، يظل العلامة الأمثل على نشاط السلفيين وطرحهم بمختلف تنوعاتهم حتى الآن.
أ- من التوتر إلى الترحيب بمواقف شيخ الأزهر
لم يكن حوار شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب في جريدة الأهرام المصرية مع نقيب الصحافيين المصريين، مكرم محمد أحمد، (منشور في العدد رقم 45141، بتاريخ 10 يوليو 2010) (44) هو المفجر الوحيد للعلاقة بين الأزهر- المؤسسة الدينية الرسمية في مصر والأولى في العالم الإسلامي- وبين التيارات السلفية في مصر، خاصة أن شيخ الأزهر الجديد يسعى لإحياء دور الأزهر وتجديده بشكل واضح، عبر استرداد مكانته التي تراجعت أمام صعود التيارات الإسلامية الأخرى، وأمام هيمنة بعض مؤسسات الدولة الأخرى على اختصاصاته (45). فقد حمل هذا الحوار اتهامات شديدة من جانب شيخ الأزهر ضد التيارات السلفية ذات المنزع الوهابي، حيث رآها دخيلة وغريبة على مصر، وتتلقى تمويلا من دول أجنبية، كما ساوى بين خطرها وأخطار العلمنة والماركسية والتنصير التي تراجع أمامها وبفعلها دور الأزهر في مرحلة سابقة. قال شيخ الأزهر في السلفيين ونشاطهم: «إنه في غيبة دور الأزهر نشط السلفيون، ونشطت بعض المذاهب الوافدة‏،‏ وحاولت الوهابية أن تملأ الفراغ، وانتشر فقه البادية‏، على حساب فقه الوسط‏» (46).
وقد أثار هذا الحوار حفيظة المنتديات السلفية في مصر على شبكة الإنترنت، حتى أن أحدهم صرح غاضبا: «وهل يسوغ ذِكر من سميتهم بالوهابية مع أعداء الإسلام كالكنيسة الغربية والماركسية في سياق واحد» (47). وصرح آخر في المنتدى نفسه بأنها حرب على صعود التيارات السلفية في مصر ووضوح نشاطها وتأثيرها، وأن هذا متوقع من شيخ الأزهر ذي التوجه الصوفي. ووصفه هؤلاء - جنبا إلى جنب مع مفتي الديار المصرية الدكتور على جمعه - بأنه من «دعاة التمييع والعمائم» الذين تتضاءل شعبيتهم أمام تصاعد شعبية شيوخ السلفية مثل شيوخ مدرسة الإسكندرية، والشيوخ محمد حسان، وأبي إسحاق الحويني، ومحمد حسين يعقوب وغيرهم» (48). وقد تطورت هذه المعركة إلى حد إشاعة أن شيخ الأزهر سيقوم بطرد الأساتذة ذوي الميول السلفية من جامعة الأزهر، وهو ما نفاه شيخ الأزهر فيما بعد (49).
من المهم أن نشير إلى أن هذه ليست المرة الأولى لهجوم شيخ الأزهر، الذي تولى منصبه في 19 مارس 2010، على السلفيين في مصر، فقد سبق أن هاجمهم في حوار مع قناة العربية الفضائية، وصفهم خلاله بالسوفسطائية، وأن الفكر السلفي فكر طارئ على الإسلام، ولا يتجاوز عمره المائتي عام، مؤكدا عدم قلقه من انتشار هذا الفكر في مصر، استنادا إلى انتشار فكر الأزهر والوسطية والاعتدال (50). ولعل إشارة المائتي عام المذكورة، تشير لعمر الدعوة الوهابية التي هي أصل كل الدعوات والتيارات السلفية في مصر والعالم الإسلامي بعموم، وهو ما يشير إلى الخلاف التاريخي بين الأزهر وهذه الدعوة التي تراكمت عبر السنين، منذ ضرب إبراهيم باشا بن محمد على باشا (توفي سنة 1848)، حاكم مصر، «الدرعية» عاصمة الوهابيين ودمرها، وأسر حكام آل سعود وشيوخ الدعوة سنة 1818 ميلادية - الموافق 1233 هجرية - وتم نفي جزء منهم إلى مصر وجزء آخر إلى إستانبول عاصمة العثمانيين حينئذ.
إن العلاقة بين الأزهر والتيارات السلفية هي علاقة تنافر منذ البداية، إذ يمكن في هذا الإطار استحضار طرد شيوخه للطالب السعودي عبدالله القصيمي (توفي سنة 1994) في منتصف الثلاثينيات لميوله الوهابية وانتقاده لأحد علماء الأزهر حينئذ. وحتى أوائل السبعينيات لم يكن هناك سوى شيخ سلفي واحد يدرس في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر، هو الشيخ الدكتور محمد خليل هراس (توفي سنة 1975) وكان صاحب أول أطروحة دكتوراة حول ابن تيمية في جامعة الأزهر. كما تولى هراس رئاسة جمعية أنصار السنة المحمدية لفترة، وقام بالتدريس في المملكة العربية السعودية، وهو يعد، كما يذكر الظواهري في كتابه «التبرئة»، أحد مرجعيات وشيوخ الظواهري المباشرين، حيث كان الأخير يزوره بصفة مستمرة في مسكنه بمحافظة الغربية (51).
وقد رفضت التيارات السلفية بمختلف توجهاتها تصريحات شيخ الأزهر، وهو موقف معروف وثابت لدى هذه التيارات، التي تقوم على مخالفة منهج الأزهر في الاعتقاد والاجتهاد، منذ إرهاصات هذه الدعوة في عشرينيات القرن الماضي ثم مدها ذي الرافد السعودي في سبعينيات القرن نفسه. وقد سبق أن دخل شيوخ مدرسة الإسكندرية في مناظرة مع عدد من شيوخ الأزهر، منذ ما يزيد على العقد من الزمان، وتلح كتاباتهم على انتقاد منهج الأزهر في الاعتقاد والاجتهاد الفقهي في آن واحد. ويمكن تحديد ثلاثة أوجه للنقد يوجهها السلفيون للأزهر، هي:
- اعتماده المنهج الأشعري في العقيدة ورفضه للمنهج السلفي.
- غلبة التوجهات الصوفية على عدد من مشايخه، بما في ذلك شيخه الحالي أحمد الطيب، وعدد كبير من شيوخه السابقين.
- التسامح الجزئي من قبل بعض شيوخه تجاه الأقليات الدينية سواء المسيحيين أو الشيعة، كاعتماد الشيخ شلتوت المذهب الجعفري الشيعي مذهبا فقهيا خامسا معتمدا مع المذاهب الأربعة الأخرى، أو إفتاء شيخ الأزهر السابق سيد طنطاوي بجواز التبرع لكنيسة (52).
- رفض اتخاذ الأزهر مرجعية سنية عامة في مواجهة ما يعرف بالمرجعيات الشيعية، حيث يدعو شيوخ السلفية الأزهر للعودة للمنهج السلفي وترك المذهب الأشعري كما فعل بعض شيوخ الأشعرية في الماضي (53). وقد اتخذ سلفيون مثل الشيخ أبي إسحاق الحويني مواقف أكثر تشددا ضد الأزهر، كما سبق أن انتقد بشدة المفتى على جمعة حين انتقد الأخير منهج الشيخ الألباني في تصحيح الأحاديث.
وباستثناء السلفية المدخلية - أو الجامية - التي تولي أهمية أكبر لطاعة ولي الأمر في مثل هذه الأمور، وتشتد فقط عند نقدها للحركات الإسلامية الأخرى، فقد أثارت تصريحات شيخ الأزهر غضب معظم التيارات السلفية التي رأى بعضها أن ما يقوم به الأزهر ليس سوى حلقة من حلقات الحرب على الإسلام الصحيح وعلى الدعوة السلفية التي يتصاعد دورها وشيوخها وتأثيرها في الشارع المصري.
ونرى أن المشكلة في هذه المعركة التي استمرت مع شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، كانت ناتجة بشكل كبير عن عدم تحديده لمفهوم السلفية الذي يقصده، ونظن أنه كان يقصد بشكل كبير السلفية الجهادية التي تكفر وتشرعن للخروج وتتهم المخالفين بالبدعة دون سواها (54).
ولكن بعد الثورة لوحظ تطور موقف واضح من قبل السلفيين تجاه مؤسسة الأزهر، فتم الترحيب بموقف شيخ الأزهر الداعي لعدم المساس بالمادة الثانية من الدستور في التعديلات الدستورية المزمعة، وتم التوافق بين الطرفين في قضايا أخرى كالموقف من الفاتيكان أو الموقف من مقتل بن لادن أو غيرها من المواقف التي اتخذها شيخ الأزهر بعد الثورة! ولم يعكر هذا التوافق سوى موقف السلفيين النظري من الصوفية وقبور الأولياء، وهي القضية التي أثيرت إعلاميا، ورفضت الدعوة السلفية الاتهامات الموجهة إليها بشأنها، كما أنكرت رسميا نية أفرادها للتوجه لهدم قبور الأولياء والصالحين ذات المكانة الخاصة في الوجدان الصوفي العام. ومع ذلك، فقد بقي العنف والرفض النظري والجهد الدعوى هو علامة الموقف الرسمي للسلفيين دون ترجمته عمليا أو وضوح تورطهم فيه كجماعة، وهو ما لم يحل دون وجود أفراد قاموا بهذه الترجمة بالفعل، سواء من خلال القيام بعمليات عنف تجاه الأقباط في أحداث إمبابة، أو تجاه الصوفية في بعض المناطق، ويبقى هؤلاء الأفراد يعبرون عن خطاب السلفية وإن لم يكونوا ممثلين رسميين لمواقفها.
ومن ناحية أخرى، يبقى موقف السلفيين هو الأكثر نقدا ورفضا لموقف الأزهر ومشيخته - بعد الثورة - من الكنيسة المصرية والمتحولين دينيا (حقيقة أو إشاعة) في ظل ضعف قيمة الشفافية وعدم التمكين لحرية الاعتقاد الديني، وهو ما اتضح تحديدا في قضية كاميليا شحاتة. وقد قاد السلفيون في يوم الجمعة 29 أبريل المظاهرة الأكبر ربما في تاريخهم، وحملوا فيها الأزهر والكنيسة معا المسئولية عن اختفائها. في هذه الجمعة خرج عشرات الآلاف من السلفيين في القاهرة إلى الشارع، منهم من طالب بعودة كاميليا شحاتة، ومنهم من طالب بإقالة مفتى الجمهورية، وكان واضحا سيطرة السلفيين على منطقة وسط القاهرة بمسيرات بدأت من مسجدي الفتح برمسيس والنور بالعباسية، وكذلك أمام دار الإفتاء، ولأول مرة يقرر المحتجون إقامة صلاة العصر أمام كاتدرائية الأقباط الأرثوذكس بالعباسية. لقد مرت المسيرة التي انطلقت من مسجد الفتح برمسيس في اتجاه الكاتدرائية بعدد من المنشآت القبطية، ومن ضمنها المستشفى القبطي والكنيسة الكاثوليكية التي وقفوا أمامها قليلا مرددين الهتافات، فيما منعت لجنة النظام بالمسيرة بعض المتظاهرين من محاولة اقتحام المستشفى القبطي (55). لم تكن هذه المظاهرة هي الوحيدة ولكنها كانت الأكبر، فقد سبقتها مظاهرات أخرى في 19 مارس أمام مجلس الوزراء وعدد من المحافظات.
ب- الموقف من الأقباط قبل الثورة
تشتعل المسألة الطائفية في مصر منذ بداية العام 2010، فقد وقع في ليلة عيد الميلاد قبل الأخير (ليلة بداية العام 2010) حادث نجع حمادي بصعيد مصر، والذي راح ضحيته عدد من المسيحيين. واستمرت قضايا تغيير الديانة تشغل جزءا من الجدل حول الدين في مصر، وكان أبرز نماذجها ما شهدته شوارع مصر في شهري أغسطس وسبتمبر من العام 2010 من مظاهرات ودعاوى قضائية، على خلفية اختفاء كاميليا شحاتة، زوجة قس بمحافظة المنيا، واتهام الكنيسة بسجنها وتعذيبها من أجل إجبارها على العودة للمسيحية، وهو ما لم يقف عند هذا الحد، بل تطور الأمر ليأخذ شكل السجالات بين الرموز والقيادات الدينية، بعد تصريحات للأنبا بيشوي، نائب البابا، اُعتبرت إساءة كبيرة للقرآن الكريم - النص المقدس عند المسلمين - حيث طالبهم بمراجعته لاحتوائه على بعض الأخطاء، وهو ما رفضه الأزهر وشيخه في بيان له، مطالبا إياه بالاعتذار.
وقد وصلت العلاقة بين المسيحيين والمسلمين على خلفية هذه الأحداث طورا خطيرا وغير مسبوق، تدخلت على أثره الحكومة ورجال الدين والمجتمع المدني، وتجدد النقاش حول ضرورة تثبيت ثقافة المواطنة لا الطائفة في مصر. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، فقد أخذت القضية بعدا خارجيا عندما قام تنظيم القاعدة في العراق، في نهاية شهر أكتوبر سنة 2010، باستهداف كنيسة سيدة النجاة بحي الكرازة، واحتجاز رهائن بها، انتقاما لاحتجاز الكنيسة الأرثوذكسية المصرية سيدتين مسلمتين، أو أسلمتا، هما كاميليا شحاتة ووفاء قسطنطين.
في إطار هذا الجدال كان هناك موقف سلفي نظري وعملي بدرجة ما، فقد رفض السلفيون المصريون تهديد القاعدة للكنيسة المصرية ولأقباط مصر، ودبج بعضهم الدراسات في تحريم ذلك، فقد ذهب الشيخ محمد حسان في حوار معه بأنه يتحدى من يجيز استهداف المسيحيين، بل أكد أن الدعوات السلفية ساعدت في تخفيف أجيج الغضب الذي ثار بسبب حادث كاميليا شحاتة، التي قيل إن القنوات الدينية أغلقت بسببها. يقول حسان:
«قمنا بفتح ملف الفتنة الطائفية، وعالجناه بأمر الله بالضوابط الشرعية، وبلغة هادئة أدت إلى الأثر الطيب، بدليل أن غير المسلمين شهدوا لنا بذلك، لم ندع إلى مظاهرات، لأننا نؤمن بأن التغيير يكون بالعودة إلى كتاب الله، ولهذا نقول دائما تصحيح العقيدة، وتصحيح ما فسد في التعامل معها، هذا إلى جانب إعلاء قيمة العمل والإنتاج والإبداع، ثم قلت أنا شخصيا في قضية الأخت كاميليا شحاتة، إنه لا يمكن إكراه أحد على دخول الإسلام أو أي دين، قال الله تعالى: [لا إكراه في الدين]، قلت ليس من حق أي أحد أن يلزم أحدا بالدخول في الإسلام أو أي دين آخر مكرها، وانتهت الأزمة، والشاهد أنه لا يستطيع أحد أن يزايد علينا في حب بلدنا وحرصنا عليه، ولا أقول ذلك من موقف ضعف واستجداء بسبب الأزمة التي نحن فيها الآن، فأنا أقوله قبل وأثناء أزمة كاميليا شحاتة، وأقوله الآن، فهذا معتقدي الذي لا أحيد عنه» (56).
بل يرى حسان في الحوار نفسه أن الدعوة السلفية وفضائياتها التي تم إغلاقها عقب الأزمة كانت صمام أمن في هذا الاتجاه. وقد تحفظ كثير من شيوخ مدرسة الإسكندرية على حظر بث القنوات السلفية الفضائية، رغم اختلاف بعضهم معها، كالشيخ ياسر برهامي الذي يقول في أحد شرائطه:
«إن القنوات الإسلامية خيرها أكثر من شرها، في كثير منها خير فيه دخن، فنحن ندعو الله عز وجل أن يصلحها، وأن يهدى القائمين عليها حتى لا يقع تلبيس بين الحق والباطل، ووجود دخن في كثير من الأعمال الإسلامية ليس في القنوات الفضائية فقط، في الجماعات، في الدعوات. ونحن ندعو الله سبحانه وتعالى أن يصلحها، وندعو أصحابها كذلك وننصح لهم، لأن الخير فيمن يلتزم بالدين، أكثر ممن ديدنه حرب الدين وأهله» ثم يتساءل: «وإذا أغلقت هذه القنوات، فماذا يجد الناس، إلا السوء والشر والفساد، لن يجدوا إلا القنوات الإباحية، والأفلام والأغاني، فلا شك أن هناك خيرا كثيرا حصل من هذه القنوات، وإن كنا نرجو الله سبحانه وتعالى أن يكونوا أفضل مما هم عليه، وأن يتجنبوا أن ينزلقوا إلى آثام التنازل باسم الدين للمحافظة على الوسيلة» (57).
ورغم شدة الموقف السلفي النظري من الأقباط حيث يحرمون حضور أعيادهم أو تهنئتهم، إلا أنهم يرفضون التظاهر والعنف والخروج عن النظام العام أو الاستهداف ويقبلون - عكس السلفية الجهادية - مقولات الوحدة الوطنية ودرء الفتنة الطائفية وما شابه من أشياء، فيقول حسان مثلا في الحوار المذكور ردا على اتهام بعض الجهاديين لهم بأنهم صنائع أو لهم علاقات أمنية: «نحن مسلمون ومواطنون نعيش في هذا البلد، وديننا يلزمنا باحترام القوانين التي يعمل بها، وعدم الخروج عن الضوابط التي تحكم مؤسسات الدولة». بل يرى حسان أن السلفية كانت صمام أمان في درء الفتنة الطائفية ودفعها (58). وفي الاتجاه نفسه يقول ياسر برهامي إنه ساهم في تقليل الخسائر، وأن المظاهرات كانت عفوية وغير منظمة، وقد كانت ردة فعله على تأسيس حركة حفص التي أعلنت عن نفسها في مظاهرات مسجد الفتح دليلا على إصرار علماء الإسكندرية على عدم تسييس الدعوة. ولكن كانت الشدة والجدال النظري مع مواقف الأنبا بيشوي قوية ومتواترة، شارك فيها شيوخ الإسكندرية وغيرهم من الدعاة السلفيين والجامية وغيرهم.
لقد ظل اهتمام السلفية العلمية بالتصفية والتربية أساسا واضحا في توجهاتها قبل ثورة 25 يناير، كما أن غياب تنظيم يجمعها مقابل أهمية اعتبارات كبر السن أو العلم أو المقام، حصانة لديها من الانجراف نحو تسييس دعواتها، أو حتى الدخول للعمل العام كما دخلت السلفية الحركية في بلدان أخرى. وتبقى جدالاتها وبحوثاتها الشرعية الأكثر حضورا بشكل كبير، رغم سعي مختلف التيارات الإسلامية المسيسة لاجتذابها.
ثالثا: تحول موقف السلفيين من العمل السياسي والمشاركة بعد الثورة
استغل السلفيون، كغيرهم من القوى السياسية والدينية، الحرية السياسية التي أتاحتها الثورة المصرية، رغم أنهم لم يكونوا جزءا منها ولم يشاركوا في تظاهراتها، فأقاموا المؤتمرات الجماهيرية في معظم أنحاء مصر (59)، وسعى شبابهم- بمباركة من شيوخهم- لتأسيس حزب النور الإسلامي (60)، رغم أن المعروف عنهم هو رفضهم للحزبية ولفكرة التنظيم السياسي التي طالما عابوها على غيرهم من الحركات الإسلامية، كما أقاموا المظاهرات من أجل قضيتي كاميليا وعبير طلعت، رغم أنهم كانوا يرونها أثناء الثورة تضر بالدعوة ولا تنفعها!
لقد تجاوز استغلال السلفيين لمناخ ما بعد الثورة المصرية مجرد الكشف عن وجودهم، إذ أجروا العديد من التحولات المهمة على ثوابتهم السياسية أو موقفهم من السياسة بشكل عام، بالمقارنة بمرحلة ما قبل الثورة، بما في ذلك موقفهم من الحزبية التي طالما عارضوها. كذلك اتضح عداؤهم الفكري الشديد للاتجاهات العلمانية والمدنية، وللأقباط أثناء معركة التعديلات الدستورية والاستفتاء الذي أجري على هذه التعديلات في 19 مارس 2011، والتي وصفها أحدهم بأنها «غزوة الصناديق». ورغم أن أحد شيوخها قد دافع عن صاحب هذا التعبير «بأنه أخطأ من شدة الفرح» (61)، إلا أن ذلك لم يخفف من الوقع القاسي لاستخدام هذا التعبير. كما انتقد السلفيون استبعادهم بعد ذلك من الحوار الوطني، ووجهوا الانتقادات لتصريحات نائب رئيس مجلس الوزراء، يحيي الجمل، التي وصفوها بالعلمانية، ورفضوا آراء رجل الأعمال القبطي نجيب ساويرس الذي شبه الحجاب بالشادور الإيراني، ورأوا في كلامه إشعالا للفتنة الطائفية (62).
1- الموقف من الثورة
عانت جميع القوى الإسلامية خلال فترة الثورة من حالة من القلق بسبب الصدام المحتمل بين نظام لم يتفهم مطالب شعبه، ويتحرك بحركة بطيئة وغير صريحة لم تتناسب مع طبيعة التحديات التي فجرتها الثورة، وثورة تصر على إسقاط هذا النظام، وكذلك بسبب مخاوف هندسة دولة وسياسة ما بعد الرحيل الاضطراري أو المحتمل. ولكن روح الثورات دائما أقوى من احتمالات المخاطر، وصار الجميع متوزعا بين بديلي التغيير «الآن» أو التغيير التدريجي المنظم.
الإخوان المسلمون حاولوا الجمع بين الإستراتيجيتين بنجاح، فسرعان ما تحولوا إلى جزء رئيسي من جسد التظاهرات في ميدان التحرير، وهو ما حال دون تحولهم إلى "جماعة لدفن الموتى" كما يقول الكاتب الإسلامي ممدوح إسماعيل. كما نجحوا كذلك في إزالة الريب حول توجهاتهم، فقالوا إنهم "شاركوا" ولم يقولوا إنهم يملكون الحدث، كما أعلنوا موقفا متجردا ومطمئنا في حال رحيل الرئيس يقوم على عدم انتوائهم ترشيح أحد منهم لمنصب الرئاسة، وإيمانهم بالدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية، فضا لتخوفات الغرب والفضاء السياسي المصري، كما قبلوا بالحوار الوطني وشاركوا فيه مع نائب الرئيس - قبل التنحي - وسائر القوى الوطنية في 8 فبراير، ثم خرج بيانهم بعدم قبولهم بنتائجه، ليكسبوا الشارع بعد أن أكدوا شرعيتهم من داخل جسد السلطة، وهو موقف مسئول تجاه المجتمع، كما أنه ذكاء إستراتيجي، ولم يكن كما تصوره البعض إضفاء للشرعية على النظام، قدر ما كان خلخلة قوية له، وهو ما يشبه دخولهم الانتخابات الماضية رغم مقاطعة كثير من القوى السياسية لها، ومحاولة من الإخوان لتأمين انتقال سلمي للسلطة، كما ذكر بيانهم ليلة 17 فبراير 2011.
وكما كان موقف الإخوان منسجما مع مرجعياتهم وتاريخهم، جاء موقف السلفيين كذلك. فوفق الأسس المعرفية للسلفية التي تجعل من التربية والتصفية والتعليم العقدي والديني الهم الأول لها، لم يرحب السلفيون بالثورة وتظاهراتها عندما بدأت في 25 يناير. ومع توالي أحداث الثورة، توالت بياناتهم على موقع "أنا السلفي"، ونشط عدد من شيوخها في الدعوة للحوار ووقف التظاهرات وعدم الصدام مع النظام. كان في مقدمة هؤلاء الشيخ محمد حسان، الذي ظهر في قناة العربية أثناء الأحداث أكثر من مرة ليحذر من الفتنة، ودعا شباب الثورة للتعقل وعدم الانسياق وراء من قد "يسرق" جهودهم، وهو الموقف الذي فسره مؤيدو الثورة بالعمالة لحساب جهاز أمن الدولة السابق، رغم أنه حتى ذلك التاريخ كانت قناته الفضائية (الرحمة) مغلقة. وكما هو الحال بالنسبة للدعاة الأفراد، شأن الشيخ محمد حسان، جاء موقف مدرسة الإسكندرية التي أصدرت هي الأخرى عددا من البيانات التي دعت إلى ما وصفته بـ"التغيير الآمن" مقابل "التغيير الفوري" أو "الرحيل الفوري" الذي طرحه الثوار في ميدان التحرير.
وكما كان موقف الإخوان منسجما مع مرجعياتهم وتاريخهم، جاء موقف السلفيين كذلك، فقد وقفوا موقفا وسطا بين الثورة والسلطة، وإن كانوا أقرب للأولى، فقد أصدروا في الأول من فبراير بيانا تكذيبيا لما أشاعته قناة الجزيرة القطرية من أن الدعوة السلفية خرجت بمكبرات الصوت بمحرم بك بمدينة الإسكندرية تمنع المتظاهرين من الخروج في المظاهرات، وأنها سبق أن أوضحت في عدد من البيانات منذ بداية التظاهرات عن موقفها المؤيد للتغيير، لكن إلى الأفضل وليس إلى الفوضى في حال الصدام أو الفراغ المفاجئين، كما يقول نص البيان.
وقد حاول الداعية السلفي عبدالمنعم الشحات إزالة الغموض الذي شاب موقف التيار السلفي من الثورة في مقال له بعنوان: "السلفيون وكشف حساب الأزمة"، قائلا إن كل "فريق في طريقه الذي اختطَّه لنفسه، وقد عَلَّمَتْنا التجاربُ أنَ استهلاكَ طاقة الإسلاميين في المِراء لا يحل الخلافَ وإنما يزيد الشقاقَ، فأعرضتْ الدعوةُ عن اجترار كلامٍ طالما رَدَّدْناه، مؤكدة أن العلاقة بين الدعوة وأبنائِها قائمةٌ على مَرجعيَّة الدليل في الأمور الشرعية، وعلى الثقة في المشايخ في الأمور الواقعية، لاسيما تلك التي يحتاج وزنُها إلى تقديراتِ القُوَى المتصارِعة" (63).
ولكن بعد نجاح الثورة ورحيل نظام مبارك، بدأ السلفيون في تأكيد دورهم السياسي ومواقفهم السياسية من الثورة، فأكدوا على «إسلامية» الثورة و«إسلامية» الدولة المصرية، وعدم جواز المساس بالمادة الثانية من الدستور. كما شاركوا بشكل مكثف - حال باقي الجماعات والتيارات الإسلامية - في الاستفتاء على التعديلات الدستورية، لصالح هذه التعديلات. أيضا وجه السلفيون انتقادات حادة لنائب رئيس مجلس الوزراء الدكتور يحيي الجمل عندما تحدث عن إمكانية تعديل المادة الثانية من الدستور، أو إجراء استفتاء عليها. وبشكل عام، انخرط السلفيون في الفضاء العام، واشتبكوا مع معارضيهم فيما يتعلق بالانتقادات التي وجهت إليهم، خاصة موقفهم من الدولة، والأقباط، والمرأة، والحاكم، والأضرحة.الخ.
2- السلفيون من نقد «حفص» إلى المشاركة السياسية
قبل الثورة انتقدت مدرسة الإسكندرية وتحفظت على ظهور ما عرف بـ«الحركة السلفية من أجل الإصلاح» (حفص) التي سعت للعمل السياسي، وكانت تضم عددا قليلا من ذوي الميول السلفية بقيادة أحد أعضاء وتلامذة مدرسة الإسكندرية السابقين الشيخ رضا الصمدي، والتي كان إعلانها الثاني أثناء مظاهرات مسجد الفتح في الأول من أكتوبر سنة 2010 بعد أن كان إعلانها التأسيسي الأول قبل ذلك بخمس سنوات. وتهدف هذه الحركة - كما يقول الصمدي - إلى «إيجاد صوت يعبر عن المنهج السلفي في الإصلاح والتغيير في المجتمع المسلم، وترشيد الممارسة السياسية بكل فئاتها ومستوياتها لتتوافق مع الشريعة الإسلامية، ولتذكير الأمة بالثوابت التي يجب استحضارها في كل مشروع إصلاحي، وتكوين مرجعية قيادية للتيار السلفي حتى يستطيع استثمار فئاته في صالح الإسلام وتقديم النصح والتوجيه للكوادر السلفية العاملة في كل الأصعدة» (64).
لقد تبنت مدرسة الإسكندرية، بقيادة الشيخ برهامي موقفا رافضا لتيار حركة «حفص»، حيث أعلن أنه رغم حبه لصمدي - وهو أزهري من أب تايلاندي - إلا أنه يرفض تسييس الدعوة السلفية، ويلح على رفض الدعوة للعمل السياسي والاكتفاء بالتركيز على التربية والتصفية العقدية الصحيحة.
هذه «الانعزالية السياسية» من جانب التيار السلفي في مصر قبل الثورة، كانت محل نقد من جانب رضا صمدي، فقد تحفظ صمدي على موقف شيوخ السلفية من المشاركة في الحياة السياسية، وموقفهم من حركته. فقد كتب يقول في حوار له مع موقع «أون إسلام»: «لا زلتُ أعتبرهم رموز صحوتنا الإسلامية (يقصد شيوخ السلفية)، ولا زلت أوصي بكتبهم، واستماع محاضراتهم، والأخذ عنهم، وتقديم رأيهم ومشورتهم، ولا زلت أحفظ ودادي لهم، واحترامي لمقامهم» (65)، إلا أنه أخذ عليهم كثيرا القعود عن المشاركة السياسية، وعدم انخراطهم في الشأن العام، بما يجعلهم حاضرين في كل صغيرة وكبيرة من أمور الأمة، ففي مقال له شديد اللهجة تحت عنوان «السلفيون بين نداءات الواجب وتبريرات المنهج»، كتب يقول: «لم نقل انزلوا الساحة. بل لم نقل شاركوا في المظاهرات، ولكننا قلنا: وجهوا هذه الأزمة، قولوا كلمة الحق». ثم يتساءل: «كيف سنعلم الناس العقيدة وتعبدهم لربهم وفي فتنة كهذه نسكت ونتوارى ونؤثر السلامة؟!». «الواقع بكل تعقيداته ينادي على العلماء أن قدموا أطروحاتكم. الواقع ينادي على العلماء أن أنقذونا من هذا المستقبل المظلم». «أجيبوني بل أجيبوا الأمة يا وراثي العقيدة السلفية» (66).
ونظن أن حركة «حفص»، التي يبدو أنها قد تنزع نزوعا جهاديا، حيث يتسمى أحد أعضائها باسم تلميذ القاعدة، تظل محدودة، ولن تستطيع اختراق الفضاء السلفي أو شقه بحال، خاصة في ظل واقع مصري صار غير مؤهل للنضالية الجهادية، سواء القطرية أو المعولمة التي يمثلها تنظيم القاعدة، في ظل قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية تشغله عن مثل هذه النزوعات، كما حصنته تجربة الصدام بين النظام والجماعات الإسلامية المسلحة في مصر طوال عقدي الثمانينيات والتسعينيات، ثم صعود واستقرار تيار المراجعات بقوة في مصر وعدد من الدول العربية، التي تمثل التحدي النظري الأعمق للقاعدة والتنظيمات الجهادية العنيفة.
ولكن بعد الثورة لم نجد حجة قوية لتقديم الدعوة والتربية السلفية على المشاركة السياسية، بل تقدمت هذه الأخيرة على سواها وهو ما يفسره خطاب ظهر بقوة بعد الثورة عبر عنه كل من أحمد فريد، وعبدالمنعم الشحات، وياسر برهامي، وغيرهم من شيوخ السلفية، فقد صرح أحمد فريد في حوار مع جريدة الشروق أوائل مارس 2011 بأن «الديمقراطية حرام، ولكنهم سيؤسسون حزبا وربما يترشحون لرئاسة الجمهورية» (67).
هذه هي التحولات الأبرز للسلفية العلمية - الإسكندرية - داخل مصر بعد الثورة، حيث أن سابق عهدهم - قبل الثورة - رفض التنظيم والحزبية والعمل السياسي، وكذلك مرجعياتهم السعودية والإسلامية خارج مصر التي لطالما انتقدت الجماعات الأخرى بهذه المركزية للسياسي وإهمال مركزية الاعتقاد والتوحيد!
لذا نرى أن إعلان تأسيس حزب لبعض القريبين من الدعوة السلفية في الإسكندرية وكذلك تشكيل مجلس إدارة للدعوة السلفية في الإسكندرية، ينظم أمورها، بداية ابتعاد الدعوة السلفية المصرية عن مرجعياتها السلفية خارج مصر وتأسيس بلورتها السلفية الخاصة، رغم ما يبدو من انه تراجع لما سبق أن رفضوه مع حركة «حفص» المشار إليها سابقا، ثم إعلان شيوخ سلفية الإسكندرية تأييدهم للإخوان في الانتخابات النيابية القادمة، وهو ما نظنه ناتجا عن حملة الاتجاهات العلمانية الشديدة ضد التيار السلفي عليها، فكان الإخوان هم الأقرب والحاضن الإعلامي والسياسي الذي يمكن أن يمثل سندا لهم في ظل هذه الهجمة (68).
وقد فسر الشيخ ياسر برهامي تغير الموقف السياسي للدعوة السلفية من المشاركة السياسية، استنادا إلى المبادئ التالية:(69):
1- المصالحة مع مفهوم الإسلام السياسي، والتأكيد على شمول الإسلام لمختلف مناحي الحياة، وهو ما نظنه مخالفا للمعهود من الخطاب السلفي قبل الثورة في مصر وكذلك من شيوخها خارج مصر وفي مقدمته ما كتبه الشيخ الألباني ووهب له جهده بعد تجربة مضنية مع الإخوان المسلمين في سوريا من هجرة لهذا المفهوم والالتزام بالتربية والتصفية، وهو نفس ما التزمه ربيع المدخلي وهادي الوادعي بعد تجربة الأول مع الإخوان أو الثاني مع حركة جهيمان. بل نراه اقترابا من السرورية والسلفية الصحوية التي أسس لها الإخواني السوري المنشق الشيخ محمد سرور زين العابدين في الخليج منذ منتصف السبعينيات.
2- وحدة الحركات الإسلامية، حيث يقول برهامي في هذا الإطار: إن "تقسيم الإسلام إلى إسلام سياسي وإسلام غير سياسي مبني على تصور خاطئ غير سليم، لأن أولويات الجماعات والاتجاهات الإسلامية تختلف، فيظنونها متناقضة وأن بعضها يرى الفصل وعدم المشاركة في السياسية ونحو ذلك، وإنما كانت هناك أولويات في مراحل سابقة - وما زال - أولوية معينة في إيجاد الشخصية المسلمة الملتزمة التي تقوم - كما ذكرت - على أن يكون الشخص مسلمًا مؤمنًا محسنًا، فهذا حجر الزاوية بالنسبة لنا واللبنة الأولى في البناء الذي نهتم به."
3- فقه الأولويات وعدم الفصل بين الشرعي والسياسي، إذ يقول برهامي حول هذه النقطة: "لابد أن تكون الأهداف السياسية ضمن الأهداف الشرعية، ولابد حين نعمل عملًا معينًا أن تكون نيتنا لله - سبحانه وتعالى - ولا بد أن تكون متابعة لما ورد في الشرع، كي يكون العمل صحيحًا، فلابد أن تكون هذه الأهداف فقط ترتيب أولويات: ما الأولى بالنسبة لي في هذا التوقيت، في هذا المجتمع، في هذه الظروف؟! وبين آخر يرى أولويات أخرى، ولكن في النهاية لابد أن تصب هذه الأهداف في غاية واحدة وهي: تحقيق العبودية لله، وفي نفس الوقت تكون متابعة لما جاء به الرسول، صلى الله عليه وسلم". ونظن أيضا أن ذلك يخالف ما سبق أن سطره الشيخ نفسه حول المنهج السلفي قبل الثورة وفي الموقف من الانتخابات مرات عديدة سابقة، ولكنه اختلاف السياق الذي أدى إلى اختلاف الرؤية والخطاب.
ويفسر برهامي تصويت السلفيين بـ"نعم" للتعديلات الدستورية التي طرحت في 19 مارس 2011، والتي كانت موضوع إجماع تقريبا من مختلف الحركات والاتجاهات الإسلامية بأنها كانت خطوة في طريق الاستقرار، رغم تحفظهم على الدستور الحالي وعدم رضائهم به (قبل صدور الإعلان الدستوري)، وأن القضية الرئيسية للدعوة السلفية في المرحلة الحالية هي المادة الثانية التي تنص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع. ويشير برهامي إلى أن كلمة (المصدر الرئيسي) تدل على الحصر، ومن ثم فإنه لا يجوز لأي مصدر فرعي أن يخالف الرئيسي، وبالتالي يصبح التفسير المعتمد لهذه المادة أن أية مخالفة للشريعة الإسلامية تصبح باطلة، وكل قانون يسنه مجلس الشعب أو الشورى مخالفًا للشريعة يصبح باطلاً (70).
وعن صناديق الاقتراع والمشاركة السياسية التي وتحرص الدعوة السلفية على التزامها في مصر بعد الثورة، يقول برهامي إنهم لم يكونوا ضدها في السابق ولكن كانوا يرون عدم فاعليتها في ظل النظام الديكتاتوري السابق، بل يرى أنهم مع الاتجاهات الإسلامية الأخرى كانوا يمثلون المعارضة الحقيقية التي تم من أجلها سن قانون الطوارئ وغيره، وأنهم الآن رغم رفضهم للديمقراطية كمبدأ ورفضهم أن يحكم مصر قبطي، إلا أنهم سيشاركون من أجل الحفاظ على هوية مصر الإسلامية. يقول برهامي في هذا السياق:
«تغيرت الموازين وشعر الناس أن هذا الاستفتاء خطوة إيجابية، وأنها تحترم الجماهير، وتحترم إرادة الشعب، وفي نفس الوقت هناك فرصة للتغيير من خلال المشاركة الإيجابية، أما في الماضي - قبل الثورة - فكانت موازين القوى تفرض على كل من يشارك أن يتنازل عن ثوابت عقدية لا يمكن أن نتنازل نحن عنها، لابد أن يقبل أن يقال له على سبيل المثال: إذا جاءت صناديق الاقتراع برئيس قبطي أو زنديق هل تقبل أم لا؟!».
وكما اتسع طموح الشيخ أحمد فريد وبعض دعاة السلفية الآخرين، بعد الثورة مباشرة، اتسع طموح الشيخ ياسر برهامي الذي لم ينف إمكانية تأسيس السلفيين لحزب رغم نفي بعض الشيوخ الآخرين لتأكيداتهم السابقة، فتغير الموازين والسياقات الثائرة هي التي سيحدد السلفيون على أساسها مواقفهم. يقول برهامي:
«هذه القضية ما زالت مطروحة للبحث وليست ملغاة من حساباتنا، ولكن - كما ذكرت - أولويتنا ونظرتنا إلى التغيير الحقيقي أنه يبدأ من إيجاد شخص مسلم متكامل الشخصية وعملنا من المسجد والدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة والجدال بالتي هي أحسن، لتكوين هذه الشخصية، ثم لإيجاد طائفة مؤمنة قادرة على أداء فروض الكفاية التي شرعها الله -عز وجل - وهي بذرة أنظمة الحياة الإسلامية، فنسعى لإيجاد كل ما نقدر من ذلك» (71).
ثم جاء التطور الأبرز في هذا السياق بالإعلان في 31 مايو 2011 برنامج حزب سياسي تحت اسم «حزب النور الإسلامي». وقد لوحظ على هذا الحزب أنه يظل محكوم بالإطار السلفي، والهوية الإسلامية الغالبة وتقديمها على المصرية كأساس للمواطنة، وكذلك حبسه الديمقراطية داخل المرجعية الإسلامية، مما يعني أنها محكومة بالدلالات الدينية للحلال والحرام، وغلبة التصور الديني للاجتماع والاقتصاد ومسائل الحريات، وهو ما يقترب من خطاب جماعة الإخوان ولكن لا زال بعيدا عما يمكن اعتباره حزبا مدنيا (72)! هذا رغم رؤية البعض لتلك الخطوة بأنها خطوة إيجابية في حد ذاتها في ظل تسارع الفرز السياسي الجارية في مصر بعد الثورة.
ومن المهم أيضا مراعاة أن حزب النور الإسلامي لا يمثل الدعوة السلفية بالإسكندرية وإن نال مباركتها، ومن ثم فإنه لا يمثل الدعوة السلفية من الناحية الرسمية، خاصة بعد أن أوصى شيوخها بعدم الترشح على قوائم أي حزب حتى لا ينشغلوا عن الدعوة، واكتفوا بتأسيس مجلس إدارة لها، الذي كان قد تم حله في عام 1994.
لم يطور برنامج الحزب شيئا بخصوص الموقف من الأقباط، واكتفى بالتركيز على المبدأ التقليدي: «لهم ما لنا وعليهم ما علينا». وبقي تصور الشريعة كمرجعية عليا- أي حاكمة- هو الشرط الحاكم لكل شئ، بما في ذلك الحرية الدينية للأقباط، حيث تصبح القضية ليس الحرية الدينية للأقباط وإنما ولاية القبطي على المسلم (الموقف من محافظ قنا مثال مهم)، على نحو يثير الشكوك حول مدى قدرة المجموعة المؤسسة للحزب على مغادرة سلفيتها، وإن تمتعت بقدر من المرونة بالمقارنة بالدعوة السلفية.
هكذا تحول السلفيون، وهكذا يصرون على إسلامية الدولة، وعلى قبولهم بصناديق الاقتراع بحكم شعبيتهم، التي تقترب من شعبية الإخوان، ولكن حتى حدود معينة قد تولد الاعتراض.
3- الموقف من الكنيسة والأقباط
تظل أخطر مواقف السلفيين هي مواقفهم الدينية المتشددة من الأحداث ذات البعد الديني التي تجري على الساحة المصرية، فعلى الرغم من إنكارهم تورط السلفيين في هذه الأحداث، إلا أنهم كثيرا ما برروا ودافعوا عن المتورطين فيها من المسلمين، بدءا من هدم كنيسة صول بأطفيح بمحافظة الجيزة أوائل مارس 2011، إلى قطع «أذن» الشاب القبطي ديمتري، بمحافظة قنا أواخر الشهر نفسه، وانتهاء بأحداث إمبابة الطائفية في 8 مايو، فقد كتب عبدالمنعم الشحات، المتحدث باسم الدعوة السلفية بالإسكندرية، ساخرا ومستنكرا قيام السلفيين بقطع أذن الشاب القبطي، واصفا إياها بالـ «كذبة»، وإغفال تورطه بممارسة أعمال جنسية. وذهب في هذا الصدد إلى أن من يصرون على إلصاق هذه الممارسات بالسلفيين إنما يمارسون بدورهم «التدليل» الطائفي للمسحيين والذي يساوي -لدى الشحات- الفتنة الطائفية (73).
وقد اتخذ السلفيون الموقف ذاته من قضية تعيين محافظ مسيحي لمحافظة قنا في أبريل 2011، حيث ثار أهالي المحافظة، ونظموا اعتصاما، وقطعوا السكك الحديدية، بمشاركة مكثفة من جانب السلفيين الذين تزعمهم شخص يدعى سيد قرشي. وقد قام موقف السلفيين على أنه لا ولاية لكافر على مسلم، وأن هناك مناصب مرموقة أخرى يمكن أن يتولاها المسيحيون، وأنه لابد من احترام دين الأغلبية ووقف ما وصفوه «تدليل الأقلية» (74)!
وقد أصدرت الدعوة السلفية فيما يخص أحداث كنيسة صول بمحافظة الجيزة بيانا في 13 مارس سنة 2011، دعت فيه إلى رفض الاستقواء بالخارج من قبل المسيحيين، ونزع السلاح من جميع الأطراف، والبعد التام عن الأقوال والأفعال المستفزة للطرف الآخر، وتفويض المحامين في قضية المحتجزات داخل الكنائس (75). وأعاد السلفيون التأكيد على الموقف نفسه بخصوص أحداث إمبابة، حيث ألقى الشيخ على حاتم، المتحدث الرسمي باسم مجلس إدارة الدعوة السلفية، بيانا أنكر فيها ما حدث، محذرا من دفع البلاد إلى الفتنة، وأهمية التعايش السلمي بين المسلمين والأقباط «الشركاء» في الوطن، ورفض موقف الإعلام المغرض، مؤكدا في الآن نفسه على خطورة الاستقواء بالخارج أو المطالبة بالتدخل الأجنبي في شئون مصر. وأكد في هذا المجال على أن علاج المشكلة الطائفية يجب أن يكون عبر بسط سلطة الدولة، والمساءلة القضائية، والتخلص من ممارسات النظام السابق الذي أشعل نار الفتنة من خلال ممارساته الخاطئة، ومصادرة الأسلحة من جميع الأطراف حتى لو اقتضى ذلك تفتيش المساجد والكنائس (76).
وانطلاقا من التقييم السلبي لدور الكنيسة في حادثتي إسلام وفاء قسطنطين وكاميليا شحاتة، وإشاعة احتجازهما من قبل الكنيسة، أسس عدد من السلفيين ائتلافا للدفاع عن المسلمين والمسلمات الجدد - المتحولين من المسيحية إلى الإسلام، تحت اسم «ائتلاف دعم المسلمين الجدد». شارك في هذا الائتلاف، بالإضافة إلى حسام أبي البخاري، مؤسس موقع «كاميليا شحاتة. كوم»، والمنسق العام والمتحدث الإعلامي باسم الائتلاف، كل من الشيخ عبدالمنعم الشحات، والدكتور محمد عبدالمقصود أحد رموز التيار السلفي في مصر، وعدد من النشطاء الإسلاميين من جهات مختلفة، في مقدمتهم الشيخ حافظ سلامة، أحد أبرز قدامى الإسلاميين في مصر، وجماعة «شباب محمد» أولى الجماعات المنشقة عن الإخوان المسلمين، والمحامي نزار غراب محامي عبود وطارق الزمر، والشيخ عبدالمنعم البري، من جبهة علماء الأزهر الشريف، ود. أحمد عارف، من الإخوان المسلمين (77).
ويذهب السلفيون في هذا الإطار إلى ضرورة أن تعيد الكنيسة في مصر النظر في دورها بخصوص المتحولين دينيا بما يضمن حرية الاعتقاد، والتحرر من الدور التقليدي الذي قامت به في هذا المجال خلال مرحلة نظام مبارك الذي سمح للمؤسسات الكنسية باحتجاز المسلمات الجدد، وهو ما سبق أن اعتبره ياسر برهامي، شيخ السلفية في الإسكندرية، استفزازا من قبل الكنيسة لا يمكن احتماله (78).
وليس جديدا استغلال السلفيين لمشكلة المتحولين دينيا، إذا أخذنا في الاعتبار أن السلفية دعوة عقدية في الأصل تولي اهتماما كبيرا بمسألة صحة الاعتقاد، وتركز على الدفاع عن تصورها للعقيدة الصحيحة على منهج ابن تيمية. وقد وفرت الثورة مناخا مواتيا لحرية الحركة واتخاذها مواقف محددة بشأن ما تعتبره اعتداء على حرية العقيدة أو العقيدة السليمة، وفق تصوراتها، وهو ما يفسر أيضا الموقف النشط للتيار السلفي بشأن قضية المتحولين من المسيحية إلى الإسلام ومن موقف الكنيسة في هذا المجال، ومن قضايا «التدليل الطائفي» أو «الاستفزاز المسيحي» في مصر، وفق تعبيراتهم.
رابعا: السلفية والجهادية في مصر. محطات التلاقي والافتراق
إن مناقشة احتمال تحول التيارات السلفية في الحالة المصرية إلى الفكرة الجهادية ليس من باب فزاعة الصعود الأصولي في مصر بعد الثورة، فهذا سجال يعمل عليه مساجلوه، كما أننا ضد المداخل المصمتة والإجابات الجاهزة في دراسة أي ظاهرة، مهما كان موقفنا منها بعدا أو قربا! من هنا نطرح احتمال السلفية كمنهج ورؤية إلى السلفية الجهادية، انطلاقا من وجود تجارب سابقة خرجت فيها الأفكار والمجموعات الجهادية من مخاضات وإطارات سلفية بالأساس، سواء في مصر أو غيرها.
كان أبرز تلك التجارب ما شهدته المملكة العربية السعودية عندما خرجت الجماعة السلفية المحتسبة، المعروفة إعلاميا بجماعة جهيمان العتبيبي، أو جماعة الحرم سنة 1979، من بين تلامذة شيوخ السلفية في السعودية، فقد تلقى هؤلاء تعليمهم على يد شيوخ الحرم وأساتذته كالشيخ ابن باز والألباني، الذي كان يدرس في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة حينئذ. ونُسب للسلفي اليمني الراحل مقبل بن هادي الوادعي دور معنوي وفكري في قيامها. وقد ضمت جماعة جهيمان بعض المصريين من دعاة السلفية المعروفين اليوم (مثل أسامة القوصي) رغم ما انتابهم وطرأ عليهم من تحولات أبعدتهم عن السياسة، شأن الوادعي الذي انتمى للمدرسة الجامية فيما بعد التي تعادي التنظيم الحزبي الديني والخروج على الحاكم وترفض مفهوم البيعة وتركز على الجرح والتعديل وتصفية الجسد الدعوي بالأساس.
ويُذكر أن جهيمان العتيبي، الذي لا زال محل إعجاب وتقدير من تيار السلفية الجهادية والقاعدة، كان يستلهم في مساره ودعوته سيرة الإخوان السعوديين، بقيادة سلطان بن بجاد العتيبي وحاكم المطيري، الذين رفضوا مرونة الملك وتوجهه الوسطي أثناء بنائه للدولة السعودية الثالثة بعد أن كانوا من أنصاره، وخرجوا عليه للاصطدام به في معركة السبلة سنة 1927، ولكن هزمهم الملك عبدالعزيز آل سعود وقتل أبرز قادة الحركة.
وكان الخروج الأكبر للجهادية من بطن السلفية هي ما شهدته المملكة العربية السعودية وسائر دول الخليج بعد حرب الخليج الثانية في بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، وبعد أن رفضت المملكة العربية السعودية اقتراحا تقدم به أسامة بن لادن - الذي عاد للملكة بعد أن ذاع صيته أثناء مرحلة الجهاد الأفغاني - بأن يقوم هو ومجموعات العرب الأفغان العائدة حديثا من أفغانستان بصد القوات العراقية، حيث فضلت المملكة التعاون مع التحالف الدولي الذي تشكل بقيادة الولايات المتحدة آنذاك، والذي شن حربا ضد قوات صدام، تلاها عقد عدد من الاتفاقات الدفاعية بين الولايات المتحدة وعدد من دول المنطقة. لقد مثلت هذه العمليات مخاضا نتج عنه - بعد خروج ابن لادن وهروبه من السعودية إلى السودان سنة 1995- قيام «الجبهة العالمية لمواجهة الصليبين واليهود والصهيونية»، التي عرفت فيما بعد بقاعدة الجهاد أو تنظيم القاعدة اختصارا، والتي كان فرعها الأول هو «تنظيم القاعدة في جزيرة العرب» والذي رفع شعار «أخرجوا المشركين من جزيرة العرب» (79).
وقد كان بعض وجوه السلفية السعودية من رموز هذا التوجه الذي طبقه ابن لادن فيما بعد، ولكنهم تراجعوا عنه وعدلوا من وجهات نظرهم، كرموز التيار الصحوي الشيخ سفر الحوالي، والشيخ سلمان بن فهد العودة، والشيخ عائض القرني، بينما لم يتراجع البعض الآخر شأن الراحل حمود بن عقلا الشعيبي، وعلى الخضير، وفهد الدوسري، وسعد الزغير، وغيرهم، ولا زال بعضهم يمثل مرجعية للفكر السلفي الجهادي الذي تلتزمه القاعدة (80).
ومن التجارب المصرية تكفي الإشارة إلى أول مجموعة جهادية عرفتها مصر سنة 1958 والتي أسسها الشاب ذو العشرين عاما - حينئذ - نبيل البرعي بعد أن وجد كتيبا صغيرا يضم فتاوى ابن تيمية بعنوان ابن تيمية جهاديا (81)، يحوى فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية في الجهاد، وهو ما انطلق به داعيا ومجندا لفكر الجهاد ومجموعاته، في وقت كان النظام الناصري منشغلا لحد بعيد بالمواجهة مع الإخوان المسلمين وقضايا الوحدة الخارجية (82). كان اكتشاف ابن تيمية (وهو شيخ السلفية وأبرز أعلامها التاريخيين) «جهاديا» هو المخاض الذي أنتج مختلف المجموعات الجهادية، وهو ما تكرر مع صالح سرية وتنظيم الفنية العسكرية، حيث يحضر ابن تيمية بقوة في رسالته «الإيمان»، ثم في كتاب الفريضة الغائبة لزعيم ومنظر تنظيم الجهاد المصري محمد عبدالسلام فرج الذي أسقط حكم ابن تيمية في الحكام التتار في بلدة ماردين (ضمن حدود تركيا الآن) على الرئيس الراحل محمد أنور السادات، مبررا بها قتله واغتياله الذي تم بالفعل على يد خالد الإسلامبولي الذي أعدم في فبراير عام 1982 (83).
ونظن أن أغلب المجموعات الجهادية في مصر والعالم العربي قد تشكلت من مرجعية مزيج من كل من السلفية والإخوانية، عبر اعتماد المنهج السلفي في الاعتقاد والاستدلال ورفض الممارسة السياسية، واعتماد الحاكمية وفق المفهوم القطبي، واتخاذ الجهاد والتغيير المسلح سبيلا للتغيير، وإيجاد أسانيد شرعية وسلفية لها، خاصة فتاوى الجهاد عند شيخ الإسلام ابن تيمية وفتواه في أهل ماردين التي تعد السند الأبرز في هذا السياق.
وحين نتحدث عن شيخ الإسلام أحمد بن عبدالحليم بن تيمية فإننا نتحدث عن أبرز رموز المنهج السلفي، وأهم مرجعياته، فهو واضع محاور النظام المعرفي للسلفية، أثناء منافحته وحجاجه الشديد عن المنهج السلفي في وجه مخالفيه من المتكلمين والفرق الإسلامية والمدارس الفلسفية والصوفية، وتعد النسبة إليه والاستناد عليه أول أدوات وعلامات الخطاب السلفي المعاصر، ومن أفكاره خرجت أسس الدعوة النجدية للشيخ محمد بن عبدالوهاب، الذي لخص عددا من كتبه وكتب تلميذه ابن القيم والتزم طروحاته وتوجهاته التي مثلت العامود الفقري والأساس الأولى للدعوات السلفية التي امتدت شرقا وغربا، على يد أمثال الشيخ محمد بن عبدالوهاب وتلامذته وأبنائه في جزيرة العرب، وولي الله الدهلوي وصديق حسن خان وأبي الكلام آزاد في شبه القارة الهندية، وحمل دعوته أسماء عديدة ربما ظل بعضها مجهولا لكن عرف الناس آثارهم كشيخ مصري مجهول يدعى "الرمال"، والذي ذكر الشيخ محمد حامد الفقي، مؤسس جماعة أنصار السنة المحمدية، أنه كان يجوب القرى المصرية داعيا لمنهج ابن تيمية في الاعتقاد. وقد تحول الشيخ الفقي للمنهج السلفي بعد أن تخرج من الأزهر، حينما خاطبه فلاح بسيط أنه إن لم يقرأ كتابات ابن تيمية في التوحيد فلم يعرف التوحيد (84)!
ويظل ابن تيمية، وهو رمز ومرجع الاتجاهات السلفية الأكبر، الملهم الأكثر حضورا كذلك للقاعدة وسائر الجماعات الإسلامية المسلحة حتى الآن، وترفض هذه الجماعات من الدعوات السلفية تركيزها على ابن تيمية توحيديا وعقديا دون التزامه جهاديا حسبما ترى، وترميها بالإرجاء والتعطيل وادعاء السلفية التي تهمل الشأن العام ومسألة الحاكمية ولا تجاهد من أجلها - أي من أجل الحاكمية وتطبيق الشريعة - ولا تحارب الرافضين لحكمها من العدو القريب (الأنظمة الحاكمة) أو العدو البعيد (الولايات المتحدة والغرب)!
وقد استمر الجهاديون المصريون ومنظروهم في انتقاد السلفية العلمية والاجتماعية، التي تبرر عدم جهادها بانشغالها بطلب العلم أو الدعوة أو إنشاء الجمعيات الخيرية وهو ما انتقده محمد عبدالسلام فرج في الفريضة الغائبة، كما انتقده أيمن الظواهري في عدد من رسائله وكتاباته وكذلك أبومحمد المقدسي في عدد من رسائله (85).
يقول فرج في انتقاد شباب الدعوة السلفية الذين يعرفون خاصة بطلاب العلم قائلا:
«وهناك من يقول إن الطريق الآن هو الانشغال بطلب العلم، وكيف نجاهد ولسنا على علم وطلب العلم فريضة؟!» ويضيف: «ولكننا لم نسمع بقول واحد يبيح ترك أمر شرعي أو فرض من فرائض الإسلام بحجة العلم، خاصة إذا كان هذا الفرض هو الجهاد فكيف نترك فرض عين من أجل فرض كفاية! ثم كيف يتأتى أن نكون قد علمنا أقل السنن والمستحبات وننادي بها ثم نترك فرضاً عظمه الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم أن الذي تعمق في العلم إلى درجة أنه عرف الصغيرة والكبيرة كيف يمر عليه قدر الجهاد وعقوبة تأخيره أو التقصير فيه؟ ومن يقول إن العلم جهاد عليه أن يعلم أن الفرض هو القتال لأن الله سبحانه وتعالى يقول: (كتب عليكم القتال.) ومعلوم أن رجلاً شهد الشهادتين بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم نزل ميدان القتال فقاتل حتى قتل قبل أن يفعل شيئاً سواءً في العلم أو في العبادة فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا العمل القليل وبالأجر الكثير، ومعلوم أن من علم فرضيّة الصلاة فعليه أن يصلي، ومن علم فرضية الصيام فعليه أن يصوم، كذلك من علم فرضية الجهاد فعليه أن يجاهد، ومن يحتج بعدم علمه بأحكام الجهاد فعليه أن يعرف أن أحكام الإسلام سهلة وميسرة لمن أخلص النية لله فعلى هذا أن ينوي الجهاد في سبيل الله وبعد ذلك فأحكام الجهاد تدرس بسهولة ويسر وفي وقت قصير جداً والأمر لا يحتاج إلى كثير من الدراسة، ومن أراد أن يزداد من العلم فوق هذا الحد فليس هناك حكر على العلم فالعلم متاح للجميع. أما تأخير الجهاد بحجة طلب العلم فتلك حجة من لا حجة له. وهناك مجاهدون منذ بداية دعوة النبي صلى الله عليه وسلم وفي عهود التابعين حتى عصور قريبة لم يكونوا علماء وفتح الله على أيديهم أمصاراً كثيرة، ولم يحتجوا بطلب العلم أو بمعرفة علم الحديث وأصول الفقه بل إن الله سبحانه وتعالى جعل على أيديهم نصر للإسلام لم يقم به علماء الأزهر يوم دخل نابليون وجنوده الأزهر بالخيل والنعال، ماذا فعلوا بعلمهم أمام تلك المهزلة؟ فالعلم ليس السلاح الحاد والقاطع الذي سوف يقطع دابر الكافرين ولكن هذا السلاح الذي ذكره لنا المولى عز وجل في قوله: [قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين] (التوبة: 14). ونحن لا نحقر قدر العلم والعلماء بل ننادي به ولكن لا نحتج به في التخلي عن فرائض شرعها الله» (86).
كما التقت المجموعات الجهادية المصرية، منذ أواسط الستينيات، مع المرجعية السلفية والحنبلية الجديدة، كما أسسها ابن تيمية (توفي 728 هجرية) وتلامذته كابن القيم (توفي سنة 758 هجرية)، وعماد الدين بن كثير (توفي سنة 774 هجرية) وغيرهما، في منهج الاعتقاد والاستدلال. وقد تبنى الجهاديون المصريون المنهج السلفي في الاعتقاد، وكانت تحفظاتهم سلفية المضمون والمبنى، على كل من الأشعرية والصوفية التي التزمها كثير من شيوخ الأزهر، كما اتسم بهما خطاب حسن البنا المنحدر في طفولته من طريقة صوفية، هي الطريقة الحصافية، والأشعري كذلك في اعتقاده، وخطاب الإخوان المسلمين في العموم.
ومن السمات الفارقة والمائزة بين السلفيين وغيرهم، عدم اعتماد السلفية لفكرة الخروج من أجل إقامة الدولة الإسلامية، أو الاعتقاد في مبدأ الحاكمية، الذي يعد مشتركا قويا بين الإخوان والجهاديين، وإن اختلفت أدوات إقامته، كما كان لتجربة الصدام مع السلطة في العصر الناصري، وإعدام أمثال سيد قطب بالخصوص، أثره في إلهام ودفع التيار الجهادي للتكفير واعتماد التغيير المسلح. وتبقى هذه المبادئ المشتركة بين الإخوان والجهاديين كحركات اجتماعية سياسية، يعبر عنها بـ«الإسلام السياسي» من إقامة الدولة الإسلامية وجواز الخروج عليها وتكفير الحاكم والصدام المسلح مع الأنظمة والإعجاب بسيد قطب بل إن اسما كبيرا كسيد قطب وإن أظهر البعض تقديرا له، وانتقده الكثيرون من شيوخ السلفية (مثل مقبل بن هادي والمدخلي والتويجري والدويش وغيرهم) إلا أنه - في كل الأحوال - ليس مرجعا معتمدا عند الدعوات السلفية ولا حسن البنا كذلك، رغم اقترابه من السلفية بعد لقائه بالملك عبدالعزيز آل سعود سنة 1936 وتوالى حجاته للسعودية حتى عام 1948 قبل وفاته بعام.
ومما يتشارك فيه الجهاديون مع السلفيين في مصر - بعد الثورة - هو القول بالحاكمية، وإن الديمقراطية حرام لأنها تجعل الحكم لغير الله (الطاغوت)، ومما يختلفون فيه مع الدعوات السلفية في أغلبها - باستثناء السرورية أو القطبية والسلفية الاجتماعية التي تختار رئيسا وهيئة عليا من أجل تنظيم أمورها كجمعيات رسمية - فكرة الحزبية والتنظيم وأخذ البيعة لأمير داخله، حيث تصر أغلب التيارات السلفية على رفض فكرة الحزبية والبيعة ابتداء، وتراها فكرة بدعية لا أصل لها في غير باب الإمامة والولاية العظمي (حكم البلاد).
وهناك عدد كبير من شيوخ وعلماء الأزهر في القرن العشرين الذين تحولوا للمنهج السلفي ولاعتناق فكر شيخ الإسلام ابن تيمية بعد أن تعرفوا عليه، وصاروا أعلاما كبارا في الدعوة السلفية، خاصة بعد هجرة بعضهم للسعودية والكويت مثل الشيخ عبدالرزاق عفيفي - الذي ترأس جماعة أنصار السنة المحمدية فترة - وتخرج على يديه عدد كبير من كبار شيوخ الدعوة الوهابية في المملكة العربية السعودية، والشيخ عبدالرحمن عبدالخالق - والذي ترأس كذلك الجماعة نفسها - وهو يمثل منظرا ومرجعية كبرى للسلفية الحركية في الكويت، والشيخ محمد خليل هراس الأستاذ في كلية أصول الدين والذي يعتبره أيمن الظواهري في التبرئة أحد مرجعياته ومعلميه، ويذكر الظواهري أنه حين زاره في بيته بمحافظة الغربية، بارك الشيخ له القيام بعمليات جهادية في مصر، والتخطيط لاغتيال السادات، وحسب نص الظواهري:
«الشيخ العلامة المحقق محمد خليل هراس رحمه الله، وقد استفتيته في بيته بطنطا في حدود عام 1974 تقريباً، ولا أذكر تحديداً، فأفتاني بردة النظام المصري ووجوب خلعه لمن يقدر على ذلك. وتباحثت معه فيما ذكرت ومسائل أخرى منها حكم قتال اليهود في الجيش المصري للمكره على ذلك، وعرضت عليه ما توصلت إليه من أدلة من كلام الإمام الشافعي وشيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ محمد بن عبدالوهاب رحمهم الله، فأقرني على ما توصلت إليه، وسر بوجود شباب في مقتبل العمر يصلون لهذه الأدلة ويطالعون هذه المباحث» (87).
ويعرف الظواهري كذلك الشيخ عبدالرزاق عفيفي قائلا:
«الشيخ عبدالرزاق عفيفي رحمه الله عضو هيئة كبار العلماء بالسعودية. حدثني من أثق بنقله أنه قد استفتاه في نظام حسني مبارك، فأفتاه بأنه أكفر من فرعون، وقال له ما معناه: إنه لا يجب فقط الخروج عليه، ولكن يأثم من لم يدع للخروج عليه» (88).
ولعل هذا التأثير والتوجيه الذي رآه من أمثال الشيخ عفيفي أو الشيخ هراس، وغيرهما كالشيخ أحمد محمد شاكر الذي أفتى بقتل المدنيين أثناء حرب بورسعيد والاحتلال الإنجليزي في مصر، يؤكد على شرعية التساؤل حول إمكانية تحول السلفية في مصر إلى جهادية في يوم من الأيام؟.
وكما مثلت رموز وشيوخ السلفية في المملكة العربية السعودية واليمن والأردن، مرجعيات ومراجع للدعوات السلفية في مصر، فقد تلقى شيوخ مدرسة الإسكندرية كالشيخ محمد بن إسماعيل المقدم وغيره، على يد الراحلين الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ المحدث الراحل محمد ناصر الدين الألباني. كما تلقى غيرهم كالشيخ أبي إسحاق الحويني على الشيخ المحدث ناصر الدين الألباني بالخصوص، كما تلقى غيرهم كالشيخ أسامة القوصي (حلمية الزيتون) ومحمود عامر(البحيرة - دمنهور) على الشيخ ربيع بن هادي المدخلي (رمز التيار الجامي الأشهر) والشيخ اليمني الراحل هادي بن مقبل الوادعي الذي كان يعد عراب السلفية في اليمن، رغم أنه في الأصل متحول إليها عن الزيدية، وكان أشد السلفيين على الجماعات الإسلامية الأخرى، كالإخوان والتبليغ ولا يرى في الجهاديين إلا خوارج. ولم يكن يصفهم إلا بذلك!
بل لا نبالغ إذا قلنا إن جماعة أنصار السنة المحمدية التي تمثل السلفية الاجتماعية والانتصار الهادئ لمنهج السلف قد تخلت عن ريادتها السابقة، وتتبع المرجعية السعودية في كثير من توجهاتها، ولم تعد تملك من الرموز شأن الفقي وعفيفي وعبدالخالق كما كان في السابق، ما يتيح لها امتلاك ناصية التوجه السلفي في مصر، بل غدت تبعا للمرجعيات غير المصرية ولمن أجازتهم في مصر، فيسيطر بعض الجامية على بعض مساجدها، مثل محمود عامر الذي يرأس فرعها في دمنهور رغم انتقاده لشيوخها، وكثير من مساجدها تدار من قبل من ليسوا منها، وهو ما يشبه سيطرة الجماعة الإسلامية ومجموعات الجهاد والإخوان في فترات سابقة على مساجد جمعيات أنصار السنة المحمدية والجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنة، التي تعد كبرى الجمعيات الأهلية الإسلامية في مصر ويمتد تأثيرها في مختلف ربوع الوطن، حيث كانت تسيطر على ما يزيد عن خمسة آلاف مسجد ومؤسسة خيرية، قبل تعميم إشراف وزارة الأوقاف على المساجد منذ سنوات قليلة.
ورغم احتساب البعض الجمعية الشرعية للعاملين بالكتاب والسنة على التيارات السلفية، منذ أسسها الشيخ محمود خطاب السبكي سنة 1912، وتوالى على قيادتها ابنه الراحل الشيخ يوسف خطاب، ثم الشيخ الراحل عبداللطيف مشتهري، ثم الشيخ محمود عبدالوهاب فايد، ويرأسها حاليا الشيخ الدكتور محمد المختار المهدي، إلا أن هذه الجمعية ورموزها منذ التأسيس لم يكونوا على تماه كامل مع التوجه السلفي السعودي. ورغم شدتهم على التبديع ورفض الشطحات الصوفية وبعض العادات التعبدية، إلا أنه ظلت محل تحفظ الرموز السلفية المصرية والسعودية على السواء، نظرا لبقاء أساسها الأشعري، وبعدها عن المنظومة السلفية مبنى ووسما، فهي، وكما يمثل لها كتاب «الدين الخالص» لمؤسسها محمود خطاب السبكي وفتاوى شيوخها، أقرب لأشعرية «مسلفنة» أو صوفية «مصفاة» وليس للمنهج السلفي كما أسس له ابن تيمية والحنبلية الجديدة أو أحياه الشيخ محمد بن عبدالوهاب والدعوة النجدية، بل كانت هذه المرجعيات بعيدا عن إلهامها، ولا زالت، ويظل تميزها في الجانب الدعوي والخدمي، وكان سهلا اختراقها من قبل مختلف الجماعات الدينية الأخرى، بدءا من الجماعات المسلحة إلى الإخوان المسلمين حتى جماعة التبليغ والدعوة ذات الأصل الصوفي الهندي!
ولكن رغم هذه الدلائل والتجارب التاريخية المتعددة وغيرها التي تؤكد على احتمال تحول السلفية إلى حركات جهادية، نظن أن الدعوات السلفية في مختلف العالم الإسلامي قد أنتجت - بعد طول عنائها مع القاعدة وسائر التيارات الجهادية ووفق مفهومها للطاعة ودرء الفتنة ورفض الخروج - بعض المصدات الفكرية التي تتقى بها احتمال حدوث هذا التحول أو انفراط عقد جماهيرها وذوبانهم في الحركات الجهادية التي يمثل سيد قطب المتحفظ عليه أو المرفوض سلفيا جزءا من مرجعياتها. بل لوحظ على بعض الدعوات السلفية تحولها لدور الهجوم والنقد الجذري لأفكار الجماعات الجهادية وكشف هشاشة سندها السلفي (89). على سبيل المثال، يلح التيار «الجامي»، والمؤسسات السلفية الرسمية، على التبرؤ السلفي من التشوه الفكري والفقهي للجماعات الجهادية، ومن التسييس والعنف الذي تم بفعل بعض منتسبيها.
هذه التطورات الراهنة تجعل من الصعب القول بحتمية تحول السلفية إلى الجهادية في الحالة المصرية، أو غيرها، والتسليم بذلك كلية، بل يمكن القول إن كثيرا من تنوعات السلفية المعاصرة تمثل حائط صد قويا في وجه النزوعات والنزعات الجهادية العملية والفكرية، وإنه من الضروري استثمارها لقطع الطريق على هذا التحول. فكما أخرجت القاعدة والسلفية الجهادية خطابا مناهضا ضد تيار المراجعات التي توالت موجاتها من الجماعة الإسلامية المصرية، إلى الدكتور فضل، إلى الجماعة الليبية المقاتلة، يمكن القول إن السلفية - في بلدان العالم العربي والإسلامي - أنتجت كذلك خطابا وقائيا، بل وهجوميا في كثير من جوانبه ضد القاعدة والسلفية الجهادية، يساعد على الحيلولة دون اختراقها أو تأويلها عنفيا بفعل الأفكار والمجموعات الجهادية والقاعدية بالخصوص.
ورغم أن الجسد الغالب من التيارات السلفية يقف ضد فكرة الخروج، حيث تمثل فكرة الطاعة ودرء الفتنة أساسا معرفيا واضحا للسلفية، مع رفض تكفير المعين، ورفض فكرة البيعة والحزبية والتنظيمات خاصة السرية منها (90)، إلا أنه يمكن القول إن السلفية الحركية، التي تمثلها القطبية والسرورية، تطورت في الآونة الأخيرة في اتجاه مقولات عصرية وتقدمية عديدة، تعلن قبولا بمنطق التعددية والمواطنة والديمقراطية (91). ولكن التطور المهم هو في مراجعاتها المهمة والدءوبة للأصول السلفية ومحاولة تصفية التراث السلفي مما انتابه من شبهات أو مشتبهات، خاصة التراث العريض لابن تيمية، وكذلك الموقف من أفكار عديدة كالوطنية والمواطنة وغيرها من الأفكار التي تستند إليها القاعدة والسلفية الجهادية.
ونرى أن أقرب التيارات السلفية للفكر الجهادي هو التيار الصحوي أو السروري أو القطبي على اختلاف تسمياته، والذي يجمع بين القطبية والوهابية، ولكن يبدو أن مآله الأخير هو العمل السياسي السلمي، أو الانتهاء دعويا كما انتهى كثير من رموزه في المملكة العربية السعودية بالخصوص، وقد تجلى ذلك سياسيا في انتخابات البلديات في السعودية سنة 2005، وغيرها من دول الخليج العربي، خاصة الكويت والبحرين.
وفي الحالة المصرية نلاحظ أن التيار السروري أو القطبي أو السلفية العلمية - وهي تسميات مختلفة للتيار نفسه - يظل محدود الحجم بشكل كبير، ولم يعد يتعدي نشاطه نشاطا فرديا، بعد أن كان صاعدا بقوة في أواخر عقد التسعينيات من القرن الماضي، خاصة في محافظة البحيرة بالوجه البحري. كما يلاحظ أيضا ضعف وهشاشة الوجود السلفي في محافظات الصعيد. ونناقش فيما يلي الحالة المصرية بشيء من التفصيل.
إن الإصرار والاستعداد للحرب على الهوية الإسلامية للدولة المصرية ومرجعيتها في الخطاب السلفي المصري- بعد الثورة- وتحول السلفية للتنظيم الحزبي، وتحول مدرسة الإسكندرية لذلك وهي سلفية مدرسية وتعليمية في الأصل، يجعل السلفية تقترب من حركات الإسلام السياسي ولكنها على المستوى الخطابي أقرب للجهاديين من الإخوان وغيرهم، ولازال يتهم بعض رموزها من قبل السلفيات الأخرى خارج مصر بأنهم قطبيون لقولهم بالحاكمية. ولا شك أن السياقات المتغيرة ستبلور رؤية أكثر وضوحا في مصر بعد الثورة قد تنتهي لعودتهم للسلفية التعليمية الألبانية، أو تحولهم أكثر للاتجاه السلفي القطبي الجهادي أو إلى السلفية الجهادية، كما كان أبومحمد المقدسي تلميذا سروريا يوما ما.
"خاتمة"
إن ما يؤكد الاستنتاجات السابقة أن كثيرا من السلفيين في مصر يرفضون مفهوم «السلفية الجهادية»، بل واستخدامه، حيث يعبر هذا المفهوم عن مرجعية القاعدة والجهادية المعولمة المعاصرة. وقد ظهر هذا المفهوم متزامنا مع ظهور القاعدة سنة 1998 معبرا عن مرجعيتها النظرية التي تجمع بين المنهج السلفي في الاعتقاد والاستدلال وبين الجهادية كمنهج حركي ووسيلة تغييرية. وقد عبر بها منظرو السلفية الجهادية عن أنفسهم، وعبرت بها القاعدة عن فكرها، فكلاهما واحد. وكما يقول أحد منظريها على منبر التوحيد والجهاد: «يتضح جليا، أن السلفية الجهادية هم الطائفة المنصورة التي وعدها الله ورسوله صلى الله عليه وسلم بالنصر والقهر لعدو الإسلام وعدوها، واتضح أيضاً أن كل من خالف سبيلها، فلم يعتقد بعقيدة السلف الصالح، أو لم يسلك سبيل الجهاد، فهو من الضالين المخذولين». ثم يضيف هذا الكاتب في تلويح بالسلفيين غير الجهاديين وتشهير غير مباشر بهم: «فكن أخي - بقلبك وقالبك - سلفيا جهاديا، تفلح، والتحق بركب المجاهدين، تنجح». ويقول موحدا بين مفهوم السلفية الجهادية والقاعدة: «فطوبى لمن تنكب عن طريق «القاعدين»، وسار في طريق «القاعدة» (92). ونظرا لمرجعيتها السلفية في الاعتقاد تسمت السلفية الجهادية باسم السلفية وتمايزت عن سواها من السلفيات بالجهادية، وترى نفسها ممثلة للسلفية الصحيحة، بالمقارنة بغيرها ممن لا يرون الخروج ولا التكفير ولا العنف المسلح سبيلا للتغيير، إذ يرميهم السلفيون الجهاديون تارة بأدعياء السلفية وتارة بـ«مرجئة العصر» أو أهل الإرجاء. الذين لا يكفرون. وغير ذلك من التهم (93)!
وكما تسمت السلفية الحركية التي استلهمت ودمجت بين الحركية الإخوانية وبين الاعتقاد والمنهج السلفي، كما عبر عن ذلك السرورية، والاتجاه السلفي في الكويت الذي يمتلك حزبا سياسيا هو حزب الأمة، وهو حزب أسسه سلفيون كويتيون سنة 2005، وهو غير معترف به وإن كان يعد أول حزب سياسي في الكويت والخليج العربي (94).
وتختلف شدة رفض السلفيين للسلفية الجهادية حسب تنوعات الخريطة السلفية السابقة،، فبينما يصر اتجاه كالمدخلي أو الجامي على وصف القاعدة وأنصارها ومنظريها بـ«الخوارج» و«الفئة الضالة»، وكذلك كثير من ممثلي المؤسسة الرسمية السعودية، يغلب على اتجاهات كالسرورية التخطئة وعدم الاتهام بالخروج أو الضلال، وهو ما تلتزمه كذلك مدرسة الإسكندرية السلفية.
ورغم التزامنا بمفهوم «السلفية الجهادية» كعنوان لمرجعية القاعدة الفقهية والنظرية، كما تسمت بها وأسست لها، إلا أننا نرى أن هذا المفهوم غير دقيق من جوانب عدة، منها:
1- أن السلفية أوسع من مفهوم الجهاد، الذي هو باب من أبواب الفقه، بينما السلفية منهج في الاعتقاد والفقه وسائر فروع الشريعة.
2- أن نحت تعبير السلفية الجهادية منتج سجالي أرادت به القاعدة تشويه واتهام الدعوات والاتجاهات السلفية الأخرى بالقعود والموالاة للحكام والإرجاء كفقهاء للسلطان لا يكفرون ولا يخرجون!
3- أن مفهوم «السلفية الجهادية» يحتكر الانتساب للسلفية الصحيحة، عبر ادعائه التطابق بين التوحيد والجهاد، كما يختزل الأخير في القتال، فلا معنى للجهاد في سبيل الله عند القاعدة في غير القتال (95).
وبينما يتحفظ السلفيون في الغالب على تعبير «توحيد الحاكمية»، وإن قبل بعض اتجاهاتها بها كمفهوم ولكن ليس بابا من أبواب العقيدة، إذ لم يذكره أئمة السلف، فإن السلفية الجهادية تجعله أول أبواب التوحيد، تأثرا بسيد قطب والقطبية، حيث ترى التوحيد أنه «الكفر بالطاغوت» الذي يعني في منظومتها الفكرية ومن لف لفها الاحتكام للقوانين الوضعية وحكام العالم العربي والإسلامي، وهو تأويل يتفارق مع ما عرف من تعريفات الطاغوت في كتب الشريعة ومنهج السلف، الذين لم يحبذوا الخروج ولم يكونوا من القائلين بالتكفير خاصة على مدار التعيين شأن القاعدة والمكفرة المعاصرين.
وختاما. نرى أن أغلب اتجاهات الحالة السلفية في مصر غير مؤهلة للتحول نحو أفكار أو مجموعات جهادية، بل أو حتى سياسية، باستثناء تيار السلفية الحركية كما مثلته السرورية، التي لازالت نخبوية، ويمثل وجود الجامية حائط صد لانتشارها كعدو تقليدي لها. ويبدو أن حركة حفص التي سعت لهذا التسييس خروجا من عباءة مدرسة الإسكندرية ستظل صمتا وسكونا يصعد فقط في بعض الأزمات عبر البيانات على مدونتها على شبكة الإنترنت ليس أكثر.
ولكن المعارك النظرية للسلفية سواء في الصراع على السلفية الصحيحة فيما بينها، والجدل مع مرجعياتها ومدارسها في الخارج أو الداخل، أو معارضيها، أو صدور بعض الفتاوى الشاذة أو الغريبة من بعض ممثليها، يمثل الحضور الأكبر لها ولممثليها في الحالة المصرية، مع بقاء ونشاط السلفية الاجتماعية منذ عقود بها.
- "الهوامش"
• مؤلف هذا العدد أ. هاني نسيره، الخبير في دراسات الحركات الإسلامية، ورئيس الدراسات الإستراتيجية بمركز المجهر للدراسات بدولة الإمارات العربية المتحدة.
1- انظر ترجمة للشيخ الألباني وثناء العلماء عليه على موقعه على الإنترنت على الرابط التالي:
http://www.alalbany.net/albany_serah.php
2- د. محمد سعيد رمضان البوطي، اللامذهبية أخطر بدعة تهدد الشريعة الإسلامية (بيروت، مؤسسة الرسالة، ط 2، 1987).
3- الألباني: شريط رقم 100، سلسلة "الهدى والنور".
4- المصدر السابق.
5- المصدر السابق.
6- انظر جريدة الأهرام المصرية، عدد 2 أبريل سنة 2011.
7- يذكر أن الألبانية في مركزها الأردني قد انقسمت بعد رحيل الشيخ المحدث ناصر الدين الألباني بين أكثر من اتجاه، أبرزها اتجاه يتزعمه محمد إبراهيم شقرا الداعية السلفي المعروف، واتجاه آخر يتزعمه سعد الحلبي صاحب مركز دراسات الألباني (له موقع على الإنترنت) وكلاهما يتنازعان على الألبانية كمدرسة سلفية صحيحة.
8- حتى بداية القرن الماضي اشتهر المسلمون الهنود باهتمامهم بعلوم الحديث النبوي، وهو ما غبطهم عليه السيد محمد رشيد رضا بعد زيارته للهند وعاب ذلك على العرب، وذكر ذلك في مجلة المنار التي كان يحررها حتى وفاته سنة 1935، ووقف في سبيل ذلك مع عدد من شيوخ الحديث في سوريا وغيرها شأن جمال الدين القاسمي ومحمد راغب الطباخ وعبدالله القصيمي في مرحلته الأولى بغية هذا التوجه.
9- راجع في ذلك د. حسن الشافعي، المدخل إلى دراسة علم الكلام، (القاهرة، مكتبة وهبة مصر، سنة 1995).
10- راجع د. فهمي جدعان، المحنة، بحث في جدلية الديني والسياسي في الإسلام (عمان: دار الشروق، 1989).
11- راجع د. مصطفى حلمي، قواعد المنهج السلفي في الفكر الإسلامي (الإسكندرية: مكتبة دار الدعوة، ط1 سنة 1991)، ص ص 29- 31.
12- حول هذه الفكرة انظر: طارق البشري: الملامح العامة للفكر السياسي الإسلامي في التاريخ المعاصر (القاهرة: دار الشروق، سنة 1996) ص 23.
13- ابن تيمية، الفرقان بين الحق والباطل، مصدر سابق، ص 23.
14- مجموع الفتاوى، ج 7/507.
15- انظر: شرح العقيدة الطحاوية، تحقيق الشيخ الألباني (دمشق: منشورات المكتب الإسلامي، 1984)، صفحات متفرقة.
16- انظر ياسر برهامي، "السلفية ومناهج التغيير"، مقال منشور على شبكة الإنترنت على هذا الرابط:
http://www.saaid.net/book/open.php?cat=83&book=
17- انظر تعريفا وترجمة لأئمة الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة على موقعها على شبكة الإنترنت على الرابط التالي:
http://www.alshareyah.com/
18- http://www.alalbany.net/misc006.php
19- http://www.alalbany.net/misc006.php
20- نفس المصدر السابق.
21- المصدر السابق.
22- المصدر السابق.
23- انظر في ذلك حوار الشيخ ياسر برهامي مع قناة الخليجية، المنشور مفرغا أول أبريل على موقع "أنا السلفي" بعنوان "لماذا تغير موقف السلفيين من المشاركة السياسية؟" على الرابط التالي: http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=25230
24- حصل الجامي على شهادته للدكتوراة من كلية دار العلوم بجامعة القاهرة في أوائل الثمانينيات، ولكنها لم تطبع حتى الآن ولا يعرف تلامذته السعوديون عنها شيئا.
25- انظر مقال محمود عامر، "هذا بيان لمدعى السلفية"، الأول من يونيو سنة 2010، يمكن مطالعته على موقعه على الرابط التالي:
http://mahmodamer.com/web/play.php?catsmktba=427
26- محمود عامر، "بيان لمدعى السلفية"، مصدر سابق مذكور.
27- المصدر السابق.
28- المصدر السابق.
29- محمود عامر، "ما هو الموقف الشرعي بعد تنحي الرئيس"، 13 فبراير سنة 2011 منشورة على موقعه على الرابط التالي:
http://mahmodamer.com/web/play.php?catsmktba=628
30- انظر المصدر السابق.
31- انظر محمود عامر، "الرد على عقول المساكين"، نفس المصدر السابق على الرابط التالي:
http://mahmodamer.com/web/play.php?catsmktba=642
32- المصدر السابق.
33- انظر تعريفا بهذا التوجه على موقع فرسان الحق على الرابط التالي:
http://www.forsanelhaq.com/showthread.php?t=151359
34- انظر محمود عامر، "الربيع ربيعنا وإن اختلفنا معه"، منشور على موقع محمود عامر وجمعية أنصار السنة بدمنهور على الرابط التالي: http://mahmodamer.com/web/play.php?catsmktba=582
35- ياسر برهامي، "السلفية ومناهج التغيير"، مصدر سبق ذكره.
36- ياسر برهامي، "السلفية ومناهج التغيير"، مصدر سبق ذكره.
37- المصدر السابق.
38- المصدر السابق.
39- انظر الهامش رقم 73.
40- المرجع السابق.
41- المصدر السابق.
42- من حوار لأبي إسحاقى الحويني مع مجلة الفرقان الكويتية في جزءين منشور على موقعه على الرابط التالي:
http://alheweny.org/aws/play.php?catsmktba=663
43- انظر مقال الشيخ ياسر برهامي، "هنيئا لك يا أسامه. هنيئا لكم أيها المجاهدون"، منشور على موقع أنا السلفي، على الرابط التالي:
http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=25906
44- انظر نص الحوار في جريدة الأهرام، 10 يوليو 2010. يمكن الاطلاع عليه عبر الرابط التالي:
ttp://www.ahram.org.eg/223/2010/07/10/10/28762.aspx
45- Hossam Tamam, "A revival of Al-Azhar", Al-Ahram Weekly online, 19-25 August 2010.
http://weekly.ahram.org.eg/2010/1012/focus.htm
46- حوار الأهرام مع شيخ الأزهر، مصدر سبق ذكره.
47- http://www.forsanelhaq.com/showthread.php?t=171418
48- المصدر السابق.
49- جريدة الأٍسبوع المصرية، متاح على الرابط التالي:
http://www.elaosboa.com/elosboaonline/news/show.asp?fesal_hussien=add&id=13545&vnum=fesal&page=deen
50- انظر حوار قناة العربية مع شيخ الأزهر، 2- 4- 2010. متاح على الرابط التالي:
http://www.alarabiya.net/articles/2010/04/02/104746.html
51- أيمن الظواهري، التبرئة، نسخة إليكترونية، ص 5.
52- انظر عبدالمنعم الشحات، "خصوم الأزهر، محاولة للترتيب"، موقع أنا السلفي، متاح على الرابط التالي:
http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=18903
53- المرجع نفسه.
54- انظر: هاني نسيرة، "حملة شيخ الأزهر على السلفية"، على موقع العربية نت، 28 أكتوبر سنة 2010.
55- انظر جريدة اليوم السابع، 29 أبريل سنة 2011.
56- انظر حوار جريدة اليوم السابع مع الشيخ محمد حسان، منشور بتاريخ 27 أكتوبر سنة 2010.
57- http://www.youtube.com/watch?v=kyx-peynqtc
58- حوار لجريدة اليوم السابع مع محمد حسان، مصدر سبق ذكره.
59- http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=26303
60- http://ar-ar.facebook.com/pages/%D8%AD%D8%B2%D8%A8-%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%88%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D9%8A/198097886894880?sk=wall
61- http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=25036
62- http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=25227
63- عبدالمنعم الشحات، "السلفيون وكشف حساب الأزمة"، موقع أنا السلفي، متاح على الرابط التالي:
http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=24133
64- انظر حوار رضا الصمدي مع على عبدالعال في موقع أون إسلام على الرابط التالي:
http://www.onislam.com/arabic/newsanalysis/newsreports/islamic-world/126161-salafya.html
65- حوار على عبدالعال مع رضا صمدي، مصدر سبق ذكره.
66- راجع مقال رضا الصمدي، بعنوان " السلفيون بين نداءات الواجب وتبريرات المنهج"، متاح على موقع أنا المسلم، على الرابط التالي:
http://www.muslm.net/vb/showthread.php?t=402533&page=11
67- حوار مع جريدة الشروق المصرية، منشور في 5 مارس سنة 2011.
68- انظر جريدة الأهرام، 2 أبريل سنة 2011.
69- د. ياسر برهامي، "لماذا تغير موقف السلفيين من المشاركة السياسية؟"، على الرابط التالي:
http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=25230
70- د. ياسر برهامي، "لماذا تغير موقف السلفيين من المشاركة السياسية؟"، مرجع سبق ذكره.
71- المصدر السابق.
72- انظر تفاصيل هذا البرنامج في جريدة المصري اليوم بتاريخ 1-6-2011.
73- انظر حوارنا مع العربية نت حول تأسيس حزب سلفي في 1 يونيو سنة 2011.
http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=25687
74- برنامج (آخر كلام)، قناة أون تي، 19 أبريل 2011، يمكن متابعته على شبكة اليوتيوب على الرابط التالي:
http://www.youtube.com/watch?v=yD4paQI1oik
75- ttp://www.forsanelhaq.com/showthread.php?t=216820
76- http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=26031
77- http://www.forsanelhaq.com/showthread.php?p=1443540
78- http://www.anasalafy.com/play.php?catsmktba=19693
79- انظر دراستنا: هاني نسيرة، "تنظيم القاعدة في جزيرة العرب"، ضمن موسوعة الحركات الإسلامية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ط سنة 2011).
80- انظر في هذا التاريخ: عبدالعزيز الخضر، السعودية دولة ومجتمعا في ثلاثين عاما (القاهرة: الشبكة العربية للأبحاث، ط 1، سنة 2009).
81- انظر في ذلك د. محمد مورو، تنظيم الجهاد، أفكاره وجذوره وسياسته (القاهرة: الشركة العربية الدولية للنشر والإعلام، 1995).
82- انظر في ذلك: د محمد مورو، تنظيم الجهاد (القاهرة: دار أطلس للنشر، سنة 1995).
83- ثبت خطأ كبير في نص فتوى التتار لشيخ الإسلام ابن تيمية، بعد تصحيف مخطوطتها عند نشرها أوائل القرن العشرين في مصر، واستمر هذا التصحيف لحين مراجعة باحثين له اعتمادا على نسخة فتاوى ابن تيمية الوحيدة الموجودة في المكتبة الظاهرية بدمشق، وقد عقد خلال العام 2010 في محافظة ماردين مؤتمر كبير حول هذه المفهوم شارك فيه خمسة عشر عالما عربيا ومسلما برعاية جامعة ماردين لتصحيح هذا الخطأ.
84- انظر ترجمات الشيخ محمد حامد الفقي وتحوله من الأشعرية إلى السلفية على عدد من المواقع السلفية والسعودية.
85- انظر مثلا: أبومحمد المقدسي، "زل حمار العلم في الطين"، تعليقا على بيان هيئة كبار العلماء السعودية ضد التفجيرات، بتاريخ 2 يوليو سنة 1996. متاح على الرابط التالي: http://www.tawhed.ws/r?i=ay060t2e
86- محمد عبدالسلام فرج، الفريضة الغائبة، منشور على شبكة الإنترنت، انظر موقع منبر التوحيد والجهاد لأبي محمد المقدسي.
87- أيمن الظواهري، التبرئة، نسخة إليكترونية ص 27.
88- المصدر السابق نفسه، ص 27.
89- نشط بعض دعاة التيارات السلفية كالجامية بالخصوص في نقد هذه الأفكار، فأصدر على بن صالح الغربي المغربي كتابا بعنوان: طواغيت الخوارج بالمغرب بين الفتاوى التكفيرية والعمليات الإجرامية الانتحارية (الرباط: مطبعة المعارف الجديدة، ط1، 2006). كما نشط عبدالعزيز الحميدي السعودي في تناول كتابات منظري السلفية الجهادية، في حلقات تليفزيونية كانت تنشرها جريدة الشرق الأوسط سنة 2010. وتنشط بشكل جيد حملات وجهود السكينة والمناصحة في المملكة العربية السعودية. وكتب الأردني عمر البطوش كتابا بعنوان: كشف الأستار عما في تنظيم القاعدة من أفكار وأخطار، منشور على شبكة الإنترنت. كما توالت كتابات التيار السروري في نقد الجماعات القتالية.
90- وفق هذا الأساس الفكري يمكن تفسير تراجع الدعوة السلفية في الإسكندرية عن تأسيس حزب بعدما انجذب بعض شيوخها وشبابها لذلك بعد ثورة 25 يناير.
91- انظر في ذلك مثلا نواف القديمي، أشواق الحرية: مقاربة للموقف السلفي من الديمقراطية (بيروت: المركز الثقافي العربي، 2009).
92- انظر "لماذا السلفية الجهادية؟"، منشورة على موقع منبر التوحيد والجهاد، على الرابط التالي:
http://www.tawhed.ws/r?i=whr6miky
93- انظر تفصيلات أوفى حول هذا المفهوم، والموقف من مرجعيات السلفية، في دراسة للمؤلف: هاني نسيرة، "القاعدة والسلفية الجهادية"، كراسات إستراتيجية، القاهرة، مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أغسطس سنة 2008.
94- انظر تعريفا بحزب الأمة وبياناته ومواقفه على موقعه على شبكة الإنترنت على الرابط التالي:
http://www.ommahparty.com/
95- انظر: هاني نسيرة، "القاعدة والسلفية الجهادية، الروافد الفكرية وحدود المراجعات"، مصدر سابق مذكور.