Share |
اكتوبر 2010
1
قواعد حماية البيئة فى القانون الدولي الانساني (حالة العراق)
المصدر: ملف الأهرام الإستراتيجى
بقلم:   هشام بشير


أضحت المحافظة علي البيئة وحظر تلويثها، تشكل عبئًا على عاتق الدول، سواء في وقتِ السلمِ أو في زمن الحرب، غير أن هذا الالتزام يصبح أشد إلحاحًا في أوقات الحروب والنزاعات المُسلحة. فلا شك أن قيامَ الحربِ يؤثر بين أمور أخرى على البيئة بمُختلف عناصرها البرية والبحرية والجوية بالنظر إلى طبيعة المواد المُستخدمة والآثار التي تترتب على استخدامها، ومن هنا بات من الضروري الاهتمام بحماية البيئة أثناء النـزاع المُسلح.
ومن أهم ملامح حماية البيئة فى هذا الاطار ما تضمنته الأعراف والمواثيق الدولية من حظر إستخدام وسائل القتال التي يتوقع منها إحداث ضررٍ واسعٍ وجسيمٍ وممتدٍ زمنيًا بالبيئة الطبيعية، لأن ذلك من شأنه إحداث ضررٍ كبيرٍ بصحةِ وحياةِ السكانِ، فضلاً عن حظر الاعتداء على البيئة على سبيل الانتقام فقد قررت المادةُ 8 من النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أنه يُعد من جرائم الحرب: شن الهجوم عمدًا مع العلم أن هذا الهجوم سيُحدث فقدًا للحياةِ أو إصابات للمدنيين أو إضرارًا واسعًا وممتدًا زمنيًا وجسيمًا بالبيئة الطبيعية، والذي يكون زائدًا بطريقة واضحة عن الميزة العسكرية المُتوقعة.
وهناك العديدُ من المواثيق الدوليةِ التي تنص على ضرورة احترام البيئة وحمايتها في أثناء النزاع المُسلح، نذكر منها وعلى سبيل المثال اتفاقيةُ جنيف الرابعة الخاصة بحماية المدنيين وقت الحرب 1949، واتفاقيةُ الأمم المُتحدة للبحار لعام 1982، والميثاقُ العالمي للطبيعة (قرار الجمعية العامة للأمم المُتحدة رقم 37 /7 لعام 1982، م20). وكذلك إعلان "ريو" بشأن البيئة والتنمية خصوصًا المبدأ رقم 24.
- المبادئ الحاكمة لحماية البيئة أثناء النزاعات
هناك عددٌ من المبادئ المُهمة والحاكمة لحماية البيئة أثناء النزاعات المُسلحة تتحصل في الآتي:
1- مبدأ تقييد حق الأطراف المُتحاربة في اختيار أساليب ووسائل القتال
2- مبدأ حظر الآلام التي لا مُبرر لها: والذى يُعتبر المقصد الرئيس للمبدأ العام القاضي بتقييد حق الأطراف المُتحاربة في استخدام واختيار وسائل القتال، حيث يهدف المبدآن معًا إلى حظر استخدام الأطراف المُتحاربة لبعض الأسلحة التي إذا استُخدمت أثناء النزاع المُسلح تفرز آلامًا لا مُبرر لها، قد تطول ليس فقط المُقاتلين والمُنخرطين في الأعمال العسكرية، بل قد تضرُ، أيضًا، المدنيين غير المُقاتلين.
3- مبدأ التمييز بين الأهدافِ المدنيةِ والأهدافِ العسكريةِ: حيث اقتضى التطورُ الحاصلُ في وسائل الحرب وفنون التسلح وضع القواعد والأحكام التي تكفل حماية المدنيين والأعيان المدنية ضد أخطاء الحروب وأضرارها من خلال وضع القيود والضوابط التي يُستعان بها في التمييز بين الأهدافِ المدنيةِ والأهدافِ العسكريةِ.
4- مبدأُ التناسبِ: يُعتبر من أهم المبادئ الحاكمة للحماية الدولية للبيئة أثناء النزاعات المُسلحة بصفةٍ خاصة، ومن المبادئ المُنظمة للحروبِ والنزاعاتِ المُسلحة بصفةٍ عامة، ويقوم هذا المبدأ في جوهره على ضرورة مراعاة التوازن بين ضرورات الحربِ والنزاعِ المُسلح وبين مُتطلبات الحفاظ على الإنسانية والحضارة البشرية، وبمقتضاه، يتعين أن يكون العملُ العسكري في حجمه وقوته متناسبًا مع النتائج المُتوقعة من ورائه.
- الحالة العراقية
إن إلقاء نظرة على واقع الأحداث في منطقتنا العربية يكشفُ عن تعرض البيئة الطبيعية لانتهاكات جسيمة من جراء ما شهدته المنطقة من نزاعات وحروب. والمثال العراقى يقدم نموذجا واضحا فى هذا المجال، فقد تعرضَ العراقُ منذ الغزو الأمريكى في عام 2003 وحتى الان، لحربٍ مُدمرةٍ وأحداثَ عنفٍ داميةٍ، شمل تأثيرها جميع مساحته الجغرافية، وامتد هذا التأثير إلى عمق المناطق المجاورة، وقد تميزت هذه الحرب باستخدام العديد من الأسلحة الفتاكة (أسلحةٌ ذات تأثيرٍ عشوائي- أسلحة تدمير جماعي- قنابل فراغية، قنابل عنقودية، أسلحة فسفورية، غازات سامة، أسلحة كيماوية، أسلحة حديثة جُربت للمرة الأولى في الحرب على العراق).
هذا التدمير المُنظم الذي امتدت آثارهُ السلبيةِ إلى دول الجوار الجغرافى، هذا فضلاً عن امتدادها فى المُستقبل - عبرالزمن - لقرون قادمة وذلك طبقا للكثير من الدراسات العلمية فى هذا الخصوص، حدث قصدا، والقول بالقصد يعني بأن ما ارتُكب بحق الشعب العراقي وبحق بيئته كان عن سابق إرادة مما يُعد جريمة حرب من الدرجة الأولى بحسب تعريف القانون الإنساني لجريمة الحرب " بأنها الجريمةُ التي تتحصل أركانها بمجرد حصول انتهاكات جسيمة لاتفاقيات جنيف (1949) وذلك بالاعتداء على المدنيين ومُمتلكاتهم، كما تقوم أركانها بحصول انتهاكات خطيرة للقوانين والأعراف السارية المفعول خلال المُنازعات المُسلحة "، ومن خلال التعريف وبمطابقته على ما حدث ويحدث في الواقع من انتهاكات جسيمة تطابق ما ذكر في توصيف جريمة الحرب.
- مظاهر انتهاكات البيئة فى العراق جراء الغزو
استخدمت الولايات المتحدة وقوات التحالف فى الحرب على العراق الكثير من الأسلحة المحظورة والعشوائية، والتي لها تأثيرٌ كبيرٌ على البيئة، ومن هذه الأسلحة استخدام الفسفور الأبيض، وهو عبارة عن مادة شمعية شفافة بيضاء مائلة للإصفرار، لها رائحة تُشبه رائحة الثوم وتُصنع من الفوسفات، وهو مادة دخانية كيميائية تخترق العظام، وتسبِّب حروقًا عند ملامستها للجلد، تحرق كل طبقاته حتى تصل إلى العظام.
وقد أجمع الخبراءُ على تأثير هذه المادة على البيئة؛ فعندما تترسب على التربة الزراعية تُفقدها خصوبتها لفترات طويلة، حيث تقتل البكتيريا المسؤولة عن تحليلِ المادة العضوية وتثبيت عنصر النيتروجين بها، وينتقل التلوث إلى النباتات والمزروعات ويصل إلى المياه الجوفية عن طريق الأنهار والري.
استخدمت قوات التحالف اليورانيوم المُنضَّب، وبحسب صحيفة الجارديان فقد أحصى الخبراء أن قوات التحالف قد استخدمت ما بين 1000 و 2000 طن من اليورانيوم المُنضَّب المُضاد للدبابات خلال الغزو في مارس 2003 والمعارك التالية مُباشرة، ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تستخدم فيها الولايات المُتَّحدة، فقد استخدمته في حرب الخليج الثانية.
واليورانيوم المُنضَّب هو نفاية سامة ضعيفة الفعالية الإشعاعية، تنتج من تخصيب اليورانيوم، وتُستخدم في عددٍ من الأسلحة لاختراق دروع الدبابات والآليات المُدرعة الأخرى من مسافات بعيدة.
ويؤثر اليورانيوم المُنضَّب على البيئة، حيث إن استخدامه ينتج عنه غبار مكون من جزيئات دقيقة سامة، وهذه الجزيئات ذات نشاطٍ إشعاعي، ويمكن لهذا الغبار أن ينتقل بواسطة الرياح "الطوز" لمئات الكيلومترات.
ولقد كان للإشعاعات دور بالتلوث الذي أصاب البيئة الهوائية، وخصوصًا التلوث الإشعاعي الذي نتج عن استخدام اليورانيوم المُنضَّب، وانتشار المواد المُشعة بين الناس بعد أن سكبت محتوياتها عشوائيًا، نجم عن إصابات بأمراض لم تكن معروفة من قبل وزادت الأمراض السرطانية.
ولم تسلم المياهُ الجوفية من التلوث - كما حدث في معظم الانهار - والذي نجم عن قيام القوات الأميركية من عمليات دفن مستمره في الأراضي القريبة من مُعسكراتها، وفي بعضِ الأحيان البعيدة عنها، حيث تدفن مُخلَّفاتها من الآليات والأسلحة والأجهزة والمواد الكيمياوية والأغذية الفاسدة والأدوية المُنتهية صلاحية الاستخدام، والتي تحتوي في غالبيتها على (الرصاص والكاديوم والزئبق وبعض المواد ذات الإشعاع والمواد السمِّية)، هذا بالإضافة إلى المُخلَّفات البشرية، وبحكم أن المياه الجوفية قد تنتقل من مكانٍ إلى آخر فإن التلوث ينتقل معها، الأمر الذي أدى إلى ظهور العديد من الإصابات المُختلفة، خصوصًا في الحيوانات التي تعتمد في سقيِّها على المياه الجوفية وتحديدًا في المناطق الغربية من العراق ذات البيئة الصحراوية.
وبالإضافة إلى ما سبق فإن القوات الأميركية قد أنشأت قواعد عسكرية مُنتشرة في مناطق عديدة في العراق، وقد أنشأت مصافي خاصة بها للمياه تحتوي على كميات كبيرة من المواد الكيميائية لأغراضِ التصفية تطرح بعد الاستخدام في نهري دجلة والفرات والبحيرات القريبة من قواعدها دون مُعالجة، وتحتوي هذه المُخلَّفات على مركبات (الكلور الهيدروكربونية) التي تُعتبر من أهم ملوثات الماء.
وتنتشر في العراق العديدُ من البحيرات الطبيعية والتي تُعتبر مصدرًا مهمًا للثروة السمكية، وقد اتخذت القوات الأميركية العديدَ من معسكراتها قرب تلك البحيرات وقد جعلت من تلك البحيرات مكبًا لزيوت آلياتها ومقبرةً لدفن العديد من قتلى الشركات الأمنية المُتعاقدة معها والتي لا تُريد الإفصاح عنهم، وقد نتج عن ذلك تلوث واسع وقتل للثروة السمكية ونقل التلوث إلى الإنسان والإضرار بصحته العامة، وحتى الأعشاب الطافية أصابها التلوث والتي هي المصدر الغذائي الأساسي للأسماك. وقد أشار بعض الباحثين إلى ما أصاب الثروة السمكية من تلوث سيبقى إلى عشرات السنين القادمة.
- المسئولية الدولية عن الاضرار البيئية
إن ثبوتَ مسؤولية أحد أطراف النزاع المُسلَّح، عن الأضرارِ التي لحقت بالبيئةِ – وغيرها من الفئاتِ المحميةِ - نتيجة انتهاكِ قواعد الحمايةِ المُقرَّرة في القانون الدولي الإنساني، يؤدي إلى ترتيب نوعين من الآثار أو العلاقات القانونية:
علاقةٌ قانونيةٌ بين الدولةِ المُنتهِكةِ لتلك القواعد والدولة المُتضرِّرة، تلتزم بمقتضاها الأولى بإزالة الضرَّرِ الناجمِ عن هذا الانتهاك أو التعويض عنه (المسؤولية المدنية).
علاقةٌ قانونيةٌ بين الدولةِ المُنتهِكةِ أو المُرتكبةِ لجريمةِ حرب والجماعة الدولية بأسرها لمُعاقبة الطرف الأول باعتباره قد خرج عن القيَّم والقواعد الإنسانية العامة التي تهم الجماعة الدولية (المسؤولية الجنائية).
وما منْ شكٍ في أن الولايات المُتَّحدة الأميركية تُعدُ مسؤولةً مسؤليةً كاملةً عن الضررِ البيئي، والتدهورِ الصحي الذي لحق بالعراق، وذلك بموجب القواعد الدولية، وبموجب القواعد والأسسِ الشرعيةِ الدولية، وقواعد وأعراف الحرب بالاتفاقيات.
وطبقًا لقواعد القانون الدولي الإنساني فإن الدولةَ تُسأل في حالة إخلالها أو مُخالفتها للالتزامات التي تفرضها قواعد هذا القانون، وتفرض هذه القواعد على الدولة مُحدثة الضرر أن تقوم بإصلاح الضرر أو التعويض عنه. وإصلاحُ الضررِ هو الالتزام الذى يفرضه القانونُ الدولي على الدولةِ التي تسببت في حدوثِ الضرر، ويرتبط بإصلاح الضرر حق الدولة التي أصابها الضرر في التعويض أو الرد العيني.