Share |
نوفمبر 2009
16
قيم الفروسية في الشعر الجاهلي
المصدر: الأهرام -الطبعة العربية


حظيت قيم الفروسية في الشعر الجاهلي بدراسات عديدة علي يد باحثين أكاديميين وأدباء, لما تحمله هذه القيم من روح وثابة للمثل العليا, ونموذج يحتذي في تحقيق العزة التي يتغياها كل إنسان يتوق الي الحرية والشرف والنبل, وخاصة في مراحل الضعف الحضاري التي تمر بها الأمة العربية وتجعلها كلا مستباحا للمغامرين والأفاقين من الغزاة والمستعمرين والطامعين.
عرفنا قبل حين دراسة لحمودي نوري القيسي من العراق بعنوان "الفروسية في الشعر الجاهلي", وأخري عنوانها "قيم الفروسية في الشعر الجاهلي"لأحمد ياسمين من سوريا, و "جدلية القيم في الشعر الجاهلي", لجمعة بو بعيو (ولعله من الجزائر أو سوريا), فضلا عما جاء حول قيم الفروسية في دراسا ـ الشعر الجاهلي التي دارت حول الحرب أو المديح أو الهجاء بصفة عامة, ومن أبرزها "شعر الحرب في العصر الجاهلي" لعلي الجندي.
وفي دراسة جديدة حول "القيم الخلقية في شعر الفرسان الجاهليين", قدمتها الطالبة هبة الله السيد توفيق هلال ـ الي كلية الدراسات العربية والإسلامية بالمنصورة, جامعة الأزهر ـ نطالع معالجة نقدية جديدة تميل الي الدراسة الأسلوبية, وتدفع في مطلعها بتعريف لمفهوم القيمة والفروسية, وبواعث القيم الخلقية لدي الشعراء الفرسان وأبرزها البيئة الصحراوية والمرأة, فضلا عن رغبة الشعراء الفرسان في الثناء عليهم, وطموحهم الي السيادة والقيادة.
ثم هناك قيم ذاتية واجتماعية ارتبطت بالفارس أو المجتمع من حوله مثل الصبر والشجاعة والعفة والحلم والوفاء والكرم والنجدة والعدل.
بيد أن الدراسة تحتشد للناحية الفنية فتقدم الخصائص اللغوية والأسلوبية للألفاظ والتراكيب في شعر الفرسان الجاهليين, وإبراز عناصر التلاؤم والتطابق مع العواطف والمواقف من حيث السهولة والوعورة ودقة المفردة الناهضة بالمعني, المعبرة عن التجربة الفكرية والشعورية, ولنتأمل مثلا قول الحصين بن الحمام ألمري, وهو يستخدم الجملة الاعتراضية ويوظفها للفت الأنظار الي الدلالة الأساسية المقصودة وصرفها عن الدلالات الأخري التي لا يريدها, ورغبة في تسليط الضوء علي جانب معين من تجربته الشعرية:
صبرنا وكان الصبر فينا سجية
بأسيافنا يقطعن كفا ومعصما
أو قول عامر بن الطفيل:
هلا سألت بنا وأنت حفية
بالقاع يوم تورعت نهد
أو قول ذي الإصبع العدواني:
ماذا علي وإن كنتم ذوي كرم
الا أحبكم إذا لم تحبوني؟
ويحرص بعض الشعراء الفرسان الجاهليين علي استخدام ألا الاستفتاحية في مطالع قصائدهم وثناياها, وكأنها إشارة وتنبيه لفكرة يحرص الشاعر الفارس علي اجتذاب ذهن المتلقي اليها كما نري في قول حاتم الطائي مثلا:
ألا سبيل الي ما يعارضني
كما يعارض ماء الأبطح الجاري
الا أعان علي جودي بميسرة
فلا يرد ندي كفي اقتاري
وتنتقل الدراسة الي تناول العاطفة لدي الشعراء الفرسان الجاهليين مبينة أنها عاطفة صادقة منبعثة عن سبب صحيح غير زائف ولا مصطنع, فكان للمثيرات التي تعتريهم في نزالهم وطعانهم, وحلهم وترحالهم, وحربهم وسلمهم, تأثير قوي في نفس هؤلاء الشعراء, مما أثار وجداناتهم وألهب مشاعرهم, فانبعثت العواطف من حنايا صدورهم ومن حبات قلوبهم. ها هو قيس بن عاصم المنقري يستجيب لعاطفة الغضب بسبب الخذلان والتواطؤ مع الأعداء, من جانب يربوع من تيم, فيهجوها بسبب ذلك, قائلا:
جزي الله يربوعا بأسوأ فعلها
إذا ذكرت في النائبات أمورها
ويوم جدود قد فضحتكم أباكم
وسالمتم الخيل تدمي نحورها
ستحطم سعد والرباب أنوفكم
كما غاظ في أنف القضيب جريرها
فأصبحتم والله يفعل ذالكم
كمهنوءة جرباء أبرز كورها.
وتتوقف الدراسة الفنية عند الصورة الشعرية لدي الشعراء الفرسان من خلال مستويين الأول الصورة التي تعتمد في تكوينها علي المجاز, والآخر الصور التي تعتمد في تكوينها علي الحقيقة, وفي المستوي الأول تتناول التشبيه والاستعارة والكناية, وتحاول أن تتوقف عند الصورة الكلية التي تري أنه كان لها حضور متميز في أشعار الفرسان فرسموا لوحات تآزرت فيها الصور الجزئية في تعاقب وتلاحم مصورة أبعاد مشهد كبير, ومنها هذه اللوحة الي أبدعها عنترة وهو يصور ميدان القتال معبرا عن شجاعة فرسه معا وعلاقتهما الحميمة التي تبدت في أثناء المعركة:
لما رأيت القوم أقبل جمعهم
يتذامرون كررت غير مذمم
يدعون عنتر والرماح كأنها
أشطان بئر في لبان الأدهم
مازلت أرميهم بثغرة نحره
ولبانه حتي تسربل بالدم
فازور من وقع القنا بلبانه
وشكا إلي بعبرة وتحمحم
لو كان يدري ما المحاورة اشتكي
ولكان لو علم الكلام مكلمي
ولقد شفي نفسي وأبرأ سقمها
قيل الفوارس ويك عنتر أقدم.
وبالنسبة للمستوي الثاني من التصوير الفني عند الشعراء الفرسان فإنه يقدم صورة حقيقية للمشاعر والانفعالات, ومع أن التصوير يخلو من المجاز الا إنه شديد الإيحاء بالغ الدلالة ويستخدم الشعراء الفرسان الألفاظ والتعبيرات بما يصور حركة النفس والأحداث تعبيرا حيا مباشرا, وهو ما جعل الشعر عند بعضهم يقترب من الملحمية ويقدم لنا الشعر أحيانا في صورة بطل ملحمي.
تخصص الدراسة الفصل الأخير للموسيقي في شعر الفرسان الجاهليين بصورتيها الخارجية والداخلية وتبرز العديد من الخصائص التي ميزت شعرهم من حيث البحور والقوافي والسياقات الداخلية التي تناغمت مع طبيعة الفارس وتصوراته للعالم من حوله.
إن شعر الفرسان الجاهليين في النهاية يحمل من الأصالة والشاعرية ما يمثل حياتهم, ويبرز أن أغلبه يمثل تجارب حقيقية عاشها الفرسان الجاهليون وعايشوها حتي غدا كثير من شعرهم ذروة الشعر العربي.