Share |
نوفمبر 2011
4
صلة الرحم. فضيلة نسيناها
المصدر: الأهرام اليومى


تاريخ الأمة الإسلامية يسجل ما كان يسود بين أفرادها من عطف وتراحم وإيثار وتلاحم وتماسك حتي أصبحت كالجسد الواحد. ولأن كل إنسان منسوب لأخيه ومتصل به، وله حقوق واجبة الرعاية، وعليه واجبات يلتزم بأدائها، فقد أوصي القرآن الكريم بالإحسان إلي الأقارب وذوي الأرحام، وجعلت تعاليم الإسلام «صلة الرحم» واجبه كالفرض لأنها من أحب الأعمال إلي الله سبحانه وتعالي، وقد حث الإسلام علي صلة الرحم لأنها من أصول الفضائل، كما توعد قاطعها بأفظع العقوبة، فمن وصل رحمه وصله الله، ومن قطعها قطعه الله.
ولكن في الفترة الأخيرة سادت الأمور المادية الجافة علي الود والتقارب والوصال الاجتماعي، وغلبت الأهواء والنفس الأمارة بالسوء علي كثير من القيم والمبادئ التي حث عليها الدين الإسلامي، فصارت صلة الرحم في المجتمعات الإسلامية أمورا ثانوية حتي وصل الأمر إلي أن بعض الأسر لا تجتمع مع بعضها البعض إلا في المناسبات فقط، وقد لا تجتمع
وما يمر به المجتمع المصري حاليا في حاجة شديدة إلي إعادة هذه القيمة وتنميتها مرة أخري في حياتنا، لكي نتخلص من الجرائم والاعتداءات التي تحدث علي حقوق الغير، ونعود إلي العدل والخير والود بين جميع أبناء المجتمع.
تقول موسوعة «ويكيبيديا» الإلكترونية أن «صلة الرحم» مفهوم أساسي نص عليه الدين الإسلامي، والمقصود منه عدم القطيعة بين الأقارب، والحث علي زيارتهم. ويعرف بعض الفقهاء الصلة: بالوصل، وهو ضد القطع، ويكون الوصل بالمعاملة نحو السلام، وطلاقة الوجه، والبشاشة، والزيارة، وبالمال، ونحوها. والرحم في الإسلام: اسم شامل لكافة الأقارب من غير تفريق بين المحارم أو الأرحام وغيرهم، وقد ذهب بعض أهل العلم إلي قصر الرحم علي المحارم، بل ومنهم من قصرها علي الوارثين منهم، وهذا هو مذهب أبي حنيفة ورواية عن أحمد رحمهما الله.
والأرحام تعني الأقارب ذوى الرحم الواحدة، بوصف القران الكريم (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام)، وكانت العرب في الجاهلية تقول: أسالك الله والرحم، فلم ينكرها الإسلام علي سبيل الاستعطاف، وعن عبدالرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله - صلي الله عليه وسلم - يقول: (قال الله تبارك وتعالي: أنا الله وأنا الرحمن، خلقت الرَّحِم، وشققت لها من اسمي، فمن وصلها وصلته، ومن قطعها بتَتُّه)، أي قطعته.
- "رحم واحدة"
في البداية يقول الدكتور محمد الأحمدي أبوالنور - وزير الأوقاف الأسبق وعضو مجمع البحوث الإسلامية - أن الرحم تعني القرابة، وأعطينا القرابة عنوان الرحم لأنهم خرجوا من رحم واحدة، فالأم هي الأصل في الرحم والقرابة، يقول الإمام الطبري أن بين كل إنسان وآخر علاقة أخوة وصلة رحم تبعد وتقترب، ولكن أساسنا كلنا أننا منسوبون لأم واحدة وأب واحد، فيقول الله تعالي في حديثه: (الرحم شجنة من وصلها وصلته ومن قطعها قطعته)، والشجنة تعني قرابة مشتركة كاشتباك عروق الشجرة.
ويعرف الإمام القرطبي رحمه الله الرحم قائلا: (ان الرحم علي وجهين عامة وخاصة، فالعامة رحم الدين، ويجب مواصلتها بملازمة الإيمان والمحبة لأهله ونصرتهم والنصيحة لهم، وترك مضارتهم، والعدل بينهم، والنصفة في معاملتهم، والقيام بحقوقهم الواجبة، كتمريض المرضي، وحقوق الموتي من غسلهم، والصلاة عليهم، ودفنهم، وغير ذلك من الحقوق المترتبة لهم، وأما الرحم الخاصة وهي رحم القرابة من طرفي الرجل أمه وأبيه، فتجب لهم الحقوق الخاصة وزيادة، كالنفقة، وتفقد أحوالهم، وتتأكد في حقهم حقوق الرحم العامة، حتي إذا تزاحمت الحقوق بدءا بالأقرب فالأقرب).
وبناء علي هذه الصلة يجب ان يسود الحب والود والتقارب والتراحم بين كل إنسان والآخر يقول الله تعالي: (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام). وأن نتقي الله في المجتمع الإنساني بأسره، فنعتبر من دخل الإسلام بيننا وبينه أخوة إسلامية، وبين من لم يدخل الإسلام ولكنه آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله أخوة إيمانية، وأما الذين لم يدخلوا أي دين من الأديان السماوية فبيننا وبينهم أخوة إنسانية نستثمرها في التعاون والمحبة وتبادل العلاقات الإقتصادية فنحن جميعا بنو آدم، يقول الله تعالي: (اليوم أحل لكم الطيبات وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب).
- "مكانتها في الإسلام"
تعد صلة الأرحام من شرائع الله لعبادة التي بينها وأكدها رسول الله صلي الله عليه وسلم، وذلك لما لها من مكانه عظيمة وهيبة وحرمة، وتوضيحا لذلك يقول - الدكتور طه الدسوقي حبيش أستاذ العقيدة والفلسفة بجامعة الأزهر - لقد حض الإسلام علي إقامة مجتمع يسوده التعاون والتكافل والعمل علي أرساء هذين المبدأين بدءا من الفرد والأسرة حتي يشمل المجتمع والأمة كلها، ومن أهم العناصر المكونة لذلك «صلة الرحم» ولأن الأسرة هي نواة تكوين المجتمع وصلاحه يتوقف علي سلوكها فقد دعا الإسلام إلي صلة الأرحام باعتبارها الركيزة الأساسية للأسرة وفرض الإحسان إلي الأقارب، كما أعطي الإسلام هذه الصلة من التقدير ما هي جديرة به وحذر من قطيعتها، وجعلت تعاليم الدين صلة الأرحام من الأخلاق الإسلامية العالية لأنها تعني الحنان والرقة والإحسان لعظمتها ومكانتها، كما اعتبر الإسلام صلة الأرحام من الحقوق العشرة التي أمر الله بها في قوله تعالي «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربي واليتامي والمساكين والجار ذي القربي والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت أيمانكم».
ويضيف الدكتور طه حبيش أن الإنسان إذا عرف أن بينه وبين إخوانه في الإنسانية رحما وأن هذه الرحم تناديه أن يصلها ويعرف لها حقها، فإن عاطفته تتحرك فتكون الرحمة والحنان والتعاون، والله سبحانه يوجه أن المساواة بين الناس تتحقق بمعرفة الله وعاطفة الرحم التي تتسع دائرتها لتشمل الزملاء في العلم والجوار والصناعة والتجارة والوطن، وبها تعدد الأرحام لتكون روابط عاطفية تيسر أمر المجتمع وتشيع فيه الرفق والإحسان والبر وتبعد عنه العسر والحرج في ظل رقابة الله التي توحي بما يجب علي المؤمنين من استشعارها دائما.
- "الصلة المادية والمعنوية"
يؤكد الدكتور محمد الشحات الجندي - استاذ الشريعة بجامعة الأزهر وعضو مجمع البحوث الإسلامية - أن صلة الرحم تعتبر علامة علي الإيمان الصحيح، وبرهانا علي أن شخصية المسلم تتواصل مع الأهل والأقارب، يقول تعالي: "وأولوا الأرحام بعضهم أولي ببعض في كتاب الله"، وفي آيات عدة قرنت بين عبادة الله سبحانه وتعالي وبين الإحسان إلي الوالدين وذي القربي وقد ورد ذلك في قوله تعالي: «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربي»، ولقد كان الرسول صلي الله عليه وسلم خير من قدم نموذج هذا التواصل الأسري والمجتمعي في ذات الوقت، فقد قال: (خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي)، فقد اعتبر الحديث الشريف معيار الأفضلية بين أفراد المجتمع لهؤلاء الأفراد الذين يرتبطون بأهلهم وأقاربهم برباط لا ينقطع أبدا، وهو ما جري عليه العمل في العصر الإسلامي الأول، وهذا التكافل أيضا يعد فريضة عائلية أسرية تسبق غيرها من أنواع التكافل المجتمعي.
كما تتمثل أهمية صلة الرحم كما يقول الدكتورالجندي في ترسيخ علاقات الحب والعطف والتراحم والتقارب بين أفراد المجتمع سواء كانت الصلة مادية إذا كان الإنسان قادر علي ذلك، وغير القادر ماديا يكفي أن يسأل عن رحمه ويتابع أحوالهم، وهذا أمر يغنيهم عن السؤال إذا كانوا فقراء، ويرفع معنوياتهم ويجعلهم يشعرون بالأمان وبأنهم ليسوا وحدهم، وتتمثل أهميتها أيضا في أن يدخر كل وصول لرحمه رصيدا ضخما عند الله عز وجل فأي صلة للرحم مادية كانت أو معنوية يرصد لها الله ثواب يظهر أثره في الدنيا والآخرة، والمجتمع الذي يعرف حق الرحم هو مجتمع راق يعرف حقا من حقوق الإنسان، وهذا الحق إنما يقوم به المسلم ابتغاء وجه الله، ولا ننسي أيضا أن صلة الرحم ينشأ عنها قرب المرء من ربه ومغفرته لذنبه، وفي حادثة حلف أبوبكر الصديق رضي الله عنه أن لا يصل قريبا له لأنه أخطأ في حقه فأنزل الله عز وجل قوله: (ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربي والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم).
ومعني هذا أن السماحة والعفو مع الأقارب ينشأ عنه عفو وصفح من الله عز وجل، فأي سعادة وأي قرب من الله يكون عندما يستثمر الواحد منا صلته لرحمه، فصلة الرحم هي القاعدة الصلبة التي نطل منها بإنسانيتنا إلي آبائنا وأمهاتنا وأقاربنا ثم إلي أفراد المجتمع بل إلي كل إنسان تربطنا به رحم الإنسانية.
- "البركة في العمر والرزق"
يقول الدكتور مبروك عطية أستاذ الدراسات الاسلامية بجامعة الازهر أن الدين يقوم علي أركان من أهمها صلة الأرحام وقد قرنها الله تعالي به فيقول في كتابه الكريم: (واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام)، وقد قال العلماء إن الصلة بحسب الحال فقد تكون بالمال أوتكون بمجرد السؤال المهم أن لا يكون هناك قطيعة، وقد تحدث هذه القطيعة لعدة أسباب منها التحاسد بين الأرحام فيقول نحن أبناء عمومة وقد أعطي كذا وكذا وأنا محروم، وهناك من لا يلتزم بآداب الزيادة حتي تكون الصلة دائمة.
وثواب صلة الرحم عظيم عبر عنه الحديث الشريف فيقول صلي الله عليه وسلم: (من سره أن ينسأ له في رزقه وعمره فليصل رحمه). فثمرة صلة الأرحام تكمن في أمرين هامين وهما: البركة في العمر والبركة في الرزق وماعدا هذا يعتبر من النوافل لأن العمر هو الحياة والرزق عمود هذه الحياة فإذا تحققت البركة فيهما فقد تحقق كل شيء للإنسان.
والذي يصل رحمه له أعلي الدرجات فقال الرسول صلي الله عليه وسلم (إن الدنيا لأربعة نفر: فذكر الصنف الأعلي وهو من اتاه الله مالا وعلما فقال عليه الصلاة والسلام هو يتقي به ربه ويصل به رحمه وهذا أعلي الدرجات أن يرزق الله مالا وعلما فعلم يهديه أن يتصدق بماله وأن يصل بهذا المال أرحامه إن كانوا فقراء، وإبتسامة وكلمة حسنة أفضل من مال يتبعه من وأذي.
- "عقاب قاطعها"
وعن العقاب الذي يناله قاطع الرحم في الدنيا والآخرة يقول الدكتور زكي عثمان - رئيس قسم الدعوة والثقافة الإسلامية بكلية الدعوة جامعة الأزهر - إن الإسلام دين الحب والوصال والتواصل وبخاصة حينما يكون مبنيا علي صلة الرحم، وما من شيء إلا وله ما له، وعليه ما عليه، فقاطعوا الأرحام عليهم ولهم عقاب شديد، عليهم هذا العقاب جزاء من جنس عملهم، فعقابهم في الدنيا ألا تتيسر لهم أسباب الرزق، وأن يواجهون ما يواجهوا من قلة البركة، فإذا نظرنا إلي واصلي أرحامهم، يصابون بالسرور، والعكس، فقاطعوا الأرحام يصابون بالحزن والكآبة، والتضييق في أعمالهم، والابتلاء الشديد في أبدانهم، وأنفسهم، وقاطع الرحم منزوع من نفسيته كل علاقة طيبة، عقابه أنه قاسي القلب، متبلد الإحساس، مدنس في مشاعره، متجمدة نفسيته، علاوة علي الغباء والفظاظة وأن تمنع الرحمة أن تزور قلبه، وليس له رصيد من المحبة.
ويتفق مع الطرح السابق فضيلة الشيخ محمود عاشور - وكيل الأزهر السابق وعضو مجمع البحوث الإسلامية - مؤكدا أن قاطعي الرحم يستحقون لعنة الله وغضبه، تطبيقا لقوله عز وجل «والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل ويفسدون في الأرض أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار» كما أن قطع صلة الرحم تجلب لصاحبها سوء العاقبة في الدار الآخرة وقد صور النبي صلي الله عليه وسلم عقاب قاطع الأرحام عند الله سبحانه وتعالي عندما قال عليه السلام «إن الله تعالي خلق الخلق حتي إذا فرغ منهم قامت الرحم فقالت هذا مقام العائذ بك من القطيعة قال الله نعم أما ترتضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك، قالت بلي، قال الله سبحانه فذلك لك»، ثم قال رسول الله عليه السلام إقرأوا قوله عز وجل «فهل عسيتم إن توليتم أَن تفسدوا في الأرضِ وتقَطِعُوا أَرْحامَكم. أُوْلَئك الَذين لعنهم اللَّه فَأصمهم وَأَعمي أَبصارهم» وفي هذا تحذير من الله سبحانه وتعالي من قطيعة الرحم، وعدها ذنبا عظيما لأنها تفصم الروابط بين الناس وتشيع العداوة والبغضاء، وتعمل علي تفكيك التماسك الأسري بين الأقارب وتحل بالإنسان لعنة العمي للبصر والبصيرة.
- "درجات الأرحام"
ويؤكد الدكتور محمد محمود هاشم عميد كلية أصول الدين والدعوة بالزقازيق أنه إذا كان الدين يتجسد بالمعاملة فأولي الناس بالمعاملة الطيبة الأرحام، والأرحام درجات أولها وأعلاها ما يتصل برحم الأم فقد قدم النبي صلي الله عليه وسلم الأخت علي الأخ فقال: (وأختك وأخاك)، وقال في الخالة إنما الخالة والدة، وكذلك قال إنما الخال والد، ويلي ذلك ما اتصل بالأب أيضا من العم وأولاده وكل ما يتصل بالإنسان من صلة دم ونسب، يقول تعالي في حديثه القدسي: (أنا الله وأنا الرحمن خلقت الرحم وشققت لها من اسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته).
ويذكر أن رجلا دخل علي معاوية وقال لحاجبه قل له رجل بالباب من أرحامك فلما أدخله عليه قال ما الرحم الذي بيني وبينك؟ فقال الرجل آدم فأعطاه معاوية درهما فقال أسألك بالرحم وتعطيني درهما فقال له معاوية لو أعطيت كل أرحامي من آدم مثل الذي أعطيتك ما وجدت لك هذا الدرهم، لكنه لم ينكر عليه هذا الرحم وذلك لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال: (كلكم لآدم وآدم من تراب) وبهذا يتسع معني الرحم ليشمل المودة بين جميع بني آدم علي إختلاف أوطانهم وأديانهم ولكننا نقدم الاولي فالأولي، يقول الله تعالي: «وأولوا الأرحام بعضهم اولي ببعض في كتاب الله».
ويتفق معه في الرأي الدكتور طلعت محمد عفيفي العميد الأسبق بكلية الدعوة الإسلامية بجامعة الأزهر فيقول إنه يجب علي المسلم أن لا يدخر وسعا في تقديم كل ما من شأنه إدخال السرور علي القريب، وهذا حق للقريب وليس تفضل، يقول تعالي في كتابه الكريم: "فأت ذي القربي حقه"، وتتفاوت صلة الرحم بحسب تفاوت درجة القرابة، فصلة الأخ أهم من ابن الأخ وصلة العم أهم من ابن العم، وهؤلاء جميعا صلتهم واجبة ولكنها تتأكد أكثر في حق القريب، والحد الأدني لصلة الرحم أن لا تكون هناك خصومة أو قطيعة فعلي الأقل يسأل عنهم بالتليفون أو الرسائل، فإذا لم يستطع الأكثر فلا يحرم الإنسان من الأقل، وقد سئل الرسول صلي الله عليه وسلم عن أفضل الصدقات، فقال: الصدقة علي ذي الرحم الكاشح، والكاشح الذي يقطع رحمه إذا وصلته.
- "توحيد للمجتمع"
وعن دور صلة الرحم في لم شمل المجتمع وترسيخ الود والاحترام المتبادل بين أبنائه يقول الدكتور محمد الدسوقي - أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة إنه إذا أدرك الإنسان أن هذا المجتمع كله أسرة إنسانية واحدة لان أصلها يرجع إلي أب واحد وأم واحدة، ومن هنا فان كل ما يحدث في المجتمع من جرائم أيا كان موضوعها سواء كانت قتلا أو سرقة أو اغتصابا أو اعتداء علي الحقوق أو حرمان الإنسان من حقه المشروع، كل هذا يعد صورة من صور قطع الرحم في الأسرة الإنسانية التي أمر الله سبحانه وتعالي بأن تكون العلاقات داخل هذه الأسرة الإنسانية عمادها السلام والوئام والتعاون، فالله ما خلق الشعوب والقبائل لتتحارب وتتقاتل وإنما ليسود بينها التعارف بنص القرآن الكريم، ولكن للأسف الشديد جهل الناس بهذه الحقيقة أن الناس جميعا مردهم لآدم وآدم من تراب هو سبب ما تعاني منه البشرية الآن من صراعات بين الدول وبين الجماعات داخل الدول وبين الأفراد، ومن هنا فلا نجاة للبشرية من هذه الصراعات ومن هذه الاعتداءات علي الحقوق والتقصير في الواجبات إلا أذا أيقنت أن العلاقة بين الإنسان والإنسان مهما اختلفت الألوان واللغات والأوطان والعقائد، هي علاقة أخوة إنسانية مصدرها نفس واحدة خلق الله منها زوجها وبث منهما هذا الوجود البشري الهائل.
ويضيف الدكتور الدسوقي أن المسئولية هنا تقع علي المفكرين والعلماء علي مستوي العالم أن يتحرروا في أفكارهم من الإقليمية والعصبية والمذهبية و العرقية، أو أن هناك شعبا مختارا وشعبا غير مختار، وإذا تحرروا من ذلك وذكروا الناس بمصدرهم الواحد ومصيرهم الواحد وأنهم خلقوا من أجل عبادة إله واحد، أمرهم جميعا بالتعاون علي البر والتقوي وتحقيق السلام والعدالة والمحافظة علي الأخوة الإنسانية وحقوقها المشروعة، والإسلام وهو خاتمة الشرائع الإلهية جعل المحافظة علي صلة الرحم بالمفهوم الخاص والعام فريضة مقدسة وأن التقصير في القيام بهذه الفريضة كبيرة من الكبائر، لأن تقطيع الرحم يمزق الروابط داخل الأسرة الواحدة، والأسرة هي عماد المجتمع، إذا تمزقت الروابط فيها، ارتد هذا علي المجتمع كله بالفساد.
- "كيفية تنميتها"
يؤكد الدكتور محمد المختار المهدي - الرئيس العام للجمعية الشرعية وعضو مجمع البحوث الإسلامية - أنه لا يمكن علي الإطلاق أن ننمي صلة الرحم إلا إذا قمنا بتنمية صلتنا بالله عز وجل وبشريعته والانتماء إلي الوصايا والتوجيهات القرآنية ونأخذها بمأخذ الجد علي أنها عقيدة وعبادة لله سبحانه وتعالي، أما مسألة العصبيات فلا تسمح إطلاقا لهذه التنمية فنصل أقاربنا من أجل العصبية والسمعة أمام الناس فقط حتي لا يكون عيب، فقانون العيب هذا لا يصلح لدوام هذه الصلة، فالإسلام يقول أن قطع الأرحام إفساد في الأرض ولعنة من رب العزة، إذن فهي ليست مرتبطة برأي الناس أو إرضائهم وعدم إرضائهم، يقول الله تعالي في حديثه القدسي: (أنت الرحم وأنا الرحمن خلقتك وشققتك اسما من اسمي فمن وصلك وصلته ومن قطعك قطعته) فحين يستشعر المسلم أن من وصل رحمه حلت عليه رحمة ربه ورضاه وعفوه، ومن قطعها خسر في الدنيا والآخرة، فنجد أن الإنسان أمام مكاسب دنيوية بوعد من رب البرية علي صلة الأرحام في البركة في العمر والبركة في الرزق، إذن حتي لو كان يسعي إلي هذين الأمرين بالوسائل المادية فأمامه صلة الرحم تفتح له كل الأبواب لقوله تعالي «ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم»، بهذه التوجيهات القرآنية تحدث فعلا نقلة نوعية في العلاقة بين الأرحام والأقارب، وإذا كان القرآن الكريم يرتب العبادة علي درجات عبادة الله أولا، وبر الوالدين ثانيا، وبصلة الرحم ثالثا «واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا وبذي القربي»، إذن هي طاعة وعبادة وتجارة من الله عز وجل في أن يحصل الإنسان علي هذه المكاسب مع المغفرة للذنوب والسير علي ما وعد به رب العزة سبحانه وتعالي.
ويوضح الدكتور أحمد كريمة استاذ الشريعة بجامعة الأزهر أن الشريعة الإسلامية لها تدابير وقائية وزجرية أو ما يمكن أن يسمي ترغيب وترهيب، وجاء في صحيح البخاري إن الله لما خلق الخلق قامت الرحم فتعلقت بالرحمن جل وعلا فقال لها مه (كفي) قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة، فقال الحق جلا وعلا ألا ترضين أن أصل من وصلك وأن أقطع من قطعك، فمن هنا المسلم حين يتقلب بين الترغيب والترهيب يصل إلي اليقين في فريضة صلة الأرحام، فإذا قام الدعاة وأهل العلم والمؤسسات الإعلامية في الاتجاه إلي إعلاء صلة الأرحام دعوة وتعليما وإعلاما، وإذا قام من يفترض فيهم القدوة بتطبيق عملي أمام الناس كالأب أمام أولاده، والأم أمام أولادها، والأخ إلي آخره فمع التوجيهات النظرية والتطبيقات العملية التي بذلت فيها الجهود نصل إلي تنمية هذه القيمة التي افتقدناها مرة أخري.