Share |
نوفمبر 2011
4
عندما يحب الفيلسوف
المصدر: الأهرام اليومى

كارل ماركوس

الحكماء يعشقون وكذلك الفلاسفة.
لكن الفيلسوف العظيم سقراط الذي عشق الحكمة، وتجاسر وأنزل الفلسفة من السماء الي الأرض، كان يسعي في طرقات أثينا القديمة وأسواقها ليتحاور مع الشباب ويحضهم علي التفكير. وكان عشقه للحكمة جارفا وعظيما، وهو ماأثار حنق زوجته عليه وحولت حياته الي معاناة فقد كانت مشاكسة وعنيدة وتنكر عليه نمط حياته وتؤكد دوما سأمها من العيش معه.
ومن المؤكد أن سقراط كان تعسا مع زوجته المشاكسة.
أما كارل ماركس الفيلسوف الألماني الكبير وأحد أبرز المفكرين في القرن التاسع عشر فقد كان سعيدا مع زوجته الجميلة والمثقفة جيني. وكذلك كانت هي. فقد كانا صديقين منذ طفولتهما، وصارت جيني جميلة الجميلات في مدينة تريير الألمانية، وكانت تنتمي الي اسرة ارستقراطية.
وكان والدها البارون فون فستفالين عاشقا للقراءة وشغوفا بالمعرفة، ويشير نفر من المؤرخين الي تأثيره الثقافي علي كارل ماركس إبان فترة شبابه ويكفي انه كان أول من لفت انتباهه الي الاشتراكية المثالية.
وكان كارل في أثناء طفولته وصباه يتسم بذكاء يفوق أقرانه.
كما كان محبا للمرح واللهو مع شقيقاته وأقرانه من التلاميذ لكنهم كانوا يخشون بأسه بسبب سخريته اللاذعة.
وقد آثرت جيني الجميلة الارستقراطية أن تتزوج كارل. وكانت قد وقعت في هواه وأحبته حبا جما. وكان يبادلها ذلك الهوي وذاك الحب، وقد استأثرت قصة حب جيني وكارل باهتمام كاتبه ومؤرخة هي ماري جابريل وعكفت طوال سنوات في البحث عن تفاصيلها وأطوارها، ونشرت مؤخرا كتابها الممتع «الحب وطن ورأس المال».
وهنا يتعين الإشادة الي أن «رأس المال» هو الكتاب الذي أصدره كارل ماركس عام 1867 وشرح فيه نظريته الخاصة بالاشتراكية العلمية ويصف جواهر لال نهرو اول رئيس لوزراء الهند وأحد ابرز المثقفين في القرن العشرين الكتاب بانه عمل علمي محض حلل فيه ماركس التاريخ والاقتصاد تحليلا علميا خالصا بعيدا عن أية شائبة من شوائب العاطفة ومتجنبا كل أوهام المثالية، وناقش فيه بنوع خاص نمو الحضارة الصناعية ووصل الي نتائج مهمة في التطور والتاريخ والصراع بين الطبقات ومن أجل ذلك أطلق علي اشتراكية ماركس الاشتراكية العلمية تمييزا لها عن الاشتراكية المثالية التي كانت منتشرة قبل صدور الكتاب.
وجاء تحليل نهرو هذا في كتابه لمحات من تاريخ العالم الذي ترجم الاستاذ أحمد بهاء الدين الصحفي والكاتب المرموق فصولا منه نشرها في كتاب روز اليوسف في مارس 1955 تحت عنوان الثورات الكبري.
أما الكاتبة والمؤرخة ماري جابريل فلم تكن معنية أساسا بكتاب ماركس، وانما كانت معنية بقصة حب جيني وكارل، ذلك انها وقعت في أسر الإعجاب بجيني وبسالتها الفائقة في الوقوف الي جانب زوجها الفيلسوف واحتمالها في صبر عظيم العديد من الأزمات المالية الخانقة بسبب مطاردة السلطات لكارل ماركس.
وبلغت ذروة احتمالها عندما انتزع الموت منها أطفالها الصغار فقد ماتت ابنتهما فرانسيسكا، وكان عمرها عاما ولم تكن في حوزة جيني وكارل نقود تكفي لتشييع جثمانها وأنقذ الأصدقاء الموقف وأعقب ذلك موت ابنهما الصغير وبدا ماركس منهارا.
وعندما تتجاوز الكاتبة هذه الأزمات الحادة وتلك الأحزان في حياة جيني وكارل يحلو لها أن تشير الي جانب من سماته الشخصية وتوضح أنه كان يحب الرقص وترف العيش كما كان مغرما بالثرثرة.
وتؤكد ماري جابريل أن جيني كانت تكن لكارل كل الحب وتسعي دوما الي مساندته وتنسب اليها قولا إنني من «أسعد النساء» ولم تبد أي تبرم أو سأم من ترحالها وأفراد أسرتها بين مدن أوروبية شتي بسبب الموقف السياسي والفكري لزوجها.
وتشير الكاتبة الي أن الحزن عصف بكارل ماركس عندما ماتت جيني عام 1881. ولحق بها عام 1883 وتم دفنه الي جوارها في مدافن البوابة المرتفعة في لندن. وتركا ابنتين هما توسي ولورا وقد منحهما صديقه الحميم فريدريك انجلز جانبا من ثروته.
وقضيا نحبهما علي نحو درامي فقد انتحرت كل منهما.
وتقول ماري إن المفكر والزعيم الماركسي فلاديمير لينين الذي قاد الثورة الروسية عام 1917 وهي الثورة التي أطاحت بحكم القياصرة قد التقي عام 1910 مع ابنة ماركس لورا قبل انتحارها وكانت تعيش في باريس واصطحب لينين معه في تلك الزيارة زوجته كرويسكايا.
وتكشف ماري سرا عندما تشير الي أن الشخص الوحيد من عائلة كارل ماركس الذي كان علي قيد الحياة وقت استيلاء لينين والماركسيين علي السلطة في روسيا كان فريدي وهو الابن السري وغير الشرعي لماركس.
وتعلل وجود هذا الابن الغامض بأنه جاء نتيجة نزوة عابرة لماركس مع احدي السيدات. وقد تظاهر فريدريك انجلز بأنه ابنه حرصا علي مشاعر جيني ومكانة صديقه. وتوضح الكاتبة أن الزعيم السوفيتي جوزيف ستالين عندما أتاه نبأ فريدي هذا أصدر أوامره بدفنه في الدهاليز المعتمة للأرشيف وهو مايعني تجاهله تماما وتجنب ذكره.
وعلي هامش قصة الحب بين جيني وكارل ماركس ينبغي الاشارة الي العاصفة الفكرية التي فجرها ماركس في القرن التاسع عشر وغيرت الخرائط السياسية في العالم إبان القرن العشرين.
وهنا يمكن القول إن البداية كانت عندما درس كارل القانون في جامعة بون ثم جامعة برلين واهتم في ذات الوقت بدراسة الفلسفة والتيارات الفكرية والسياسية والاقتصادية في عصره.
وعندما انهي دراسته الجامعية عمل صحفيا غير انه تعرض للملاحقة والمطاردة من جانب حكومات أوروبية بسبب توجهاته السياسية المناوئة للنظم السائدة وعندما رحل مع اسرته الي فرنسا التقي هناك بفريدريك انجلز وهو الماني مثله ولكنه كان رجل أعمال موسر يعيش في بريطانيا ويملك مصنعا يدر عليه انتاجه عائدات وفيرة.
وتوطدت عري الصداقة بين كارل وانجلز بسبب تقارب بل ربما تماثل وجهات نظرهما ذلك ان انجلز برغم ثرائه كان يعرب عن سخطه تجاه الأوضاع المتردية للعمال في المجتمعات الصناعية الجديدة ،خاصة في بريطانيا ومن ثم كان يؤمن بالاشتراكية المثالية التي كان يدعو اليها روبرت أوين.
وقد تغيرت آراؤه بعد صداقته مع ماركس وصار يؤمن بالاشتراكية العلمية التي بلور ماركس أبعادها عبر سنوات أمضاها في مكتبة المتحف البريطاني، وكان يعكف من خلالها علي القراءة والبحث وتوج جهده الفكري الشاق هذا بإصدار كتابه رأس المال.
وهو الكتاب الذي اتخذت الكاتبة ماري جابريل عنوانه جزءا من عنوان كتابها الشائق والفريد «الحب ورأس المال».