Share |
نوفمبر 2011
8
أزمة الشركة المصرية للاتصالات: سياسات وليس مرتبات
المصدر: الأهرام اليومى

إذا كان هناك شىء يميز حركة الاحتجاج التى شهدتها الشركة المصرية للاتصالات فى الآونة الأخيرة مقارنة بموجة الاحتجاجات العارمة السائدة بالبلاد، فهو أنها حركة شعاراتها الإصلاحية المعترضة على السياسات والأفكار اكبر وأهم من شعاراتها الفئوية المطالبة بتحسين المرتبات، وقد تجسد ذلك فى الكثير من الوقائع، من بينها الموقف العفوى الذى حدث أمام مكتب النائب العام وتناقلته بعض الأخبار، حينما بدأ أحد المحامين المتطوعين للدفاع عن المحتجين يردد شعارات فئوية مطالبة بتحسين الأجور، فما كان من جمهور العاملين الموجودين إلا أن رفض الاستجابة له ورددوا بصورة عفوية شعارات مطالبة بالتغيير والتطهير ورافضة للمطالبة بتحسين الأجور، وهذا السلوك من قبل الحركة الاحتجاجية يجعل من واجبنا أن نتناول القضية من زاوية السياسات المطبقة، ليس فى الشركة وحسب ولكن فى قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات ككل.
لقد أشرت الأسبوع الماضى إلى أن ما حدث للمصرية للاتصالات خلال السنوات العشر الماضية وما جرى تطبيقه فيها من سياسات وأفكار كان بمثابة «القلب النابض» لحزمة السياسات التى استهدفت ما أطلق عليه «تحرير قطاع الاتصالات وإعادة هيكلته»، فمعظم الخطط التى نفذت بالقطاع كانت إما تبدأ بالشركة أو تنتهى بها، سواء عند وضع سياسات تسعير الخدمات، أو عند إدارة العلاقة بين القطاع الخاص والقطاع العام ونصيب كل منهما من الموارد والفرص الاستثمارية المتاحة، أو عند تغيير البيئة التشريعية والقانونية السائدة، أو عند اختيار النموذج التنموى المطبق فعليا على الأرض.
وفى كل هذه الأحوال كانت المصرية للاتصالات فى وجه العاصفة طوعا أو كرها، تتأثر سلبيا فى معظم الأحيان، وإيجابيا فى أحيان أقل على النحو الذى أوضحناه الأسبوع الماضى، وهو وضع صنع السياق العام أو الرحم الذى تكونت بداخله حركة الاحتجاج الحالية بما تجسده من رد فعل اجتماعى طبيعى ومتوقع يحاول أن يقف فى وجه العاصفة، ولعل هذا ما يفسر تركيز الحركة الاحتجاجية على تغيير السياسات القائمة وما يكتنفها من ملابسات يرى البعض أنها «جنايات».
وبعد نشر مقال الأسبوع الماضى تشرفت باتصالات عديدة من خبراء ومسئولين يعملون بالشركة أو كانوا يعملون بها أو يعملون بشركات وجهات غيرها، واتفق خلالها الجميع على ضرورة النظر لهذه الحركة الاحتجاجية كجرس إنذار يفرض إعادة النظر فى مجمل السياسات المطبقة بقطاع الاتصالات ككل، وكان النقاش الأكبر فى هذا الصدد مع عدد من مسئولى الجمعية العلمية لمهندسى الاتصالات، وهى الجمعية التى يقف الكثير من قادتها وناشطيها على رأس الحركة الاحتجاجية للشركة، وقد طلبت من الجمعية بلورة موقفها تجاه السياسات السائدة بقطاع الاتصالات، ليعرف الرأى العام كيف كان ما يجرى خلال السنوات العشر الماضية مقدمة لما يحدث حاليا من احتجاج.
وصلتنى بعد ذلك رسالة من الجمعية بهذا الخصوص، عادت بالأمور إلى منتصف سبعينيات القرن الماضى، حينما كانت السياسات المطبقة بالقطاع ـ ومن ثم الشركة ـ فى ذلك الوقت تدرك أهمي تصنيع الأجهزة ومعدات الشبكات والسنترالات محليا، فى إطار نموذج تنموى يعتمد على تعميق المشاركة المحلية فى التصنيع، وفى ظل هذه السياسات تم إنشاء مصنع المعصرة لإنتاج معدات السنترالات الميكانيكية الأوتوماتيكية بتكنولوجيا سويدية وفى 79 قام الدكتور مصطفى خليل بعقد ما يسمى باتفاقية القرن بتمويل من بنوك أمريكية وأوربا الغربية، لإحلال وتحديث ونشر شبكات الاتصالات فى مصر وتم إدخال السنترالات الاليكترونية فى 82 والخدمات المصاحبة وفى 87 السنترالات الرقمية، وفى سنة 93 تم إنشاء مصنع اجتى لتصنيع معدات وأجهزة الشبكات والتوسع فى المعدات والأجهزة الرقمية، وكذلك تم إنشاء الشبكة القومية لنقل المعلومات وقامت بإنشاء شبكات نقل المعلومات بين البنوك الرئيسية فى مصر والجهات السيادية ومشروع الرقم القومى، وفى 96 أنشأت المصرية للاتصالات أول شبكة محمول فى مصر.
والثابت تاريخيا أن الإدارة التى عملت تحت ظلال هذه السياسات استطاعت أن تسدد القروض التى استدانتها الشركة أو الهيئة وقتها، وتبدأ فى تمويل خطط الإحلال والتجديد والتحديث ذاتيا، بل ويتوفر لديها فائض تحوله للميزانية العامة للدولة للمساهمة فى تمويل الخط الأول لمترو الأنفاق.
وقبيل مجىء أحمد نظيف بقليل إلى وزارة الاتصالات كان قطاع الاتصالات قد بدأ يشهد تغييرا فى السياسات القائمة والنموذج التنموى المرتبط بها ويضع محلها سياسات جديدة، فقد بدأ التخلى بسرعة عن التصنيع المحلى للأجهزة ومعدات الشبكات، مع العمل على تقليص دور الدولة ـ ممثلة فى الشركة المصرية للاتصالات ـ فى تقديم خدمات الاتصالات، وكانت الخطوة الأولى البارزة التى جسدت السياسات الجديدة هى إجبار الشركة على بيع شركة المحمول الأولى للقطاع الخاص، واستخدمت فى ذلك دعاوى الخصخصة، ثم أعقب ذلك سلسلة من الخطوات التى حرمت الشركة من ممارسة دورها، وكان المثال الأبرز أن الشركة فى عام 99 كانت قد قاربت على تنفيذ مشروع لتقديم خدمات الإنترنت فى مصر كلها، لكن نظيف ـ وتطبيقا للسياسات الجديدة التى جاء بها ـ اتخذ قرارا بإيقاف المشروع وقام عقيل وفريقه بالتنفيذ، وقد اعترف الدكتور طارق كامل فيما بعد بأن دواعى إيقاف المشروع كانت سياسية وليست فنية، وكان يقصد بذلك إعطاء الفرصة لإنشاء شركات متوسطة وصغيرة قطاع خاص تقوم بخدمات الاتصالات الجديدة، وأنه لابد من تعطيل المارد الكبير المسمى المصرية للاتصالات حتى تقف هذه الشركات الصغيرة وتستطيع المنافسة وكانت خطيئة كبرى فى حق الشركة.
أطلقت السياسات الجديدة يد القطاع الخاص بدون آليات للمحاسبة وترشيد الأداء، ففى كل أنحاء العالم جرى تقييد القطاع الخاص بمعايير الجودة وأداء الالتزامات الاجتماعية والإنفاق من مدخراته بصورة أساسية، وترك المنافسة مفتوحة وطبيعيه بينه وبين المشغل الأساسى لأنشطة الاتصالات، ولكن فى مصر لم يحدث هذا الأمر، واستطاع القطاع الخاص تعظيم فوائده من هذه السياسات بأقل قدر ممكن من القيود والالتزامات.
وأبرز ما خلفته هذه السياسات أنها أنشأت لوبى قوى يرتبط بالشركات والكيانات العالمية الكبرى ويعمل كمسوق وبائع لمنتجاتها وخدماتها وخبراتها بالداخل وهذا اللوبى له جناح ظاهر فى القطاع الخاص وجناح خفى فى الحكومة والمؤسسات الرسمية، ولا يأبه كثيرا ببناء القدرات الوطنية المستقلة فى هذا المجال، كما سمحت لهذا اللوبى بأن يشتط ويتطرف فى التخلى عن مسئولياته فى بناء القدرات الوطنية، حتى تحول قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات إلى قطاع يضخ فى خزانة الدولة أموالا من رسوم الجباية والصادرات الضئيلة من هنا وهناك، لكنه يعود ويستنزف من مواردها أضعاف ما يقوم بضخه من أموال فى صورة نظم ومنتجات ومعدات مستوردة، فالأرقام تقول أن واردات مصر من الخارج تصل الى 36 مليار دولار، ستة مليارات منها فى القطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، أما الإنفاق الداخلى على الاتصالات فيبلغ 35 مليارا ناتجة من الاستهلاك عبر 77 مليون خط، واغلب هذه القيمة تذهب للشركات ويحول الجزء الأكبر منها للخارج بحكم نسبة ملكية راس المال الأجنبى ومساهماته فى القطاع، أى أن قطاع الاتصالات فى التحليل الأخير يستنزف من العرق والجهد والمدخرات المصرية فى صورة واردات تتجاوز صادراته وما يحققه من دخل بأكثر من أربعة أضعاف، كما يستنزف قدرا آخر من المدخرات الوطنية فى صورة أرباح تحققها الشركات الأجنبية على أرض مصر وتحولها للخارج دون أن تكون مقيدة بما يكفى بآليات وأدوات ترشيد الأداء والمسئولية الاجتماعية الحقيقية.
ولو نظرنا إلى ما يستوعبه قطاع الاتصالات من قوى عاملة نجده يستوعب 2%من قوة العمل فى مصر فى حين أن المتوسط العالمى للقدرة الاستيعابية لهذا القطاع تصل إلى حوالى 10%عمالة مباشرة و10% أخرى عمالة غير مباشرة، وعند مقارنته بالقطاعات الأخرى نجد أن قطاع الزراعة مثلا يستوعب 17% من حجم قوة العمل الموجودة، والفرق بين وارداته وصادراته 3.7 مليار جنيه طبقا لإحصاءات 2009، أما قطاع الاتصالات فيستوعب 2% من قوة العمل وتصل وارداته إلى ستة مليارات وصادراته إلى ما دون المليار بقليل لأن الأرقام حول صادراته غير متفق عليها بصورة كاملة.
وخلاصة ذلك أن ما يقال عن أن السياسات القائمة قد جعلت من قطاع الاتصالات قطاعا إنتاجيا هو قول يكتنفه كثير من الشك وعدم المصداقية، لأنه ببساطة لا يوجد إنتاج حقيقى مؤثر فى هذا القطاع، وينطبق ذلك بصورة مؤلمة وواضحة على الشركة المصرية للاتصالات التى يكرر قادتها مرارا أنها تحقق أرباحا تتجاوز المليار، فى حين أن استخدام معايير تقييم موضوعية من منظور تنموى مختلف يقلب الأمور رأسا على عقب ويظهر أن هذه أرقام خادعة.
كان هذا فحوى ما تضمنته رسالة الجمعية العلمية لمهندسى الاتصالات من أفكار ووقائع، وهى رسالة تؤكد مع غيرها من الملابسات أن القضية فى المصرية للاتصالات ومن ورائها القطاع ككل هى قضية سياسات وليست مرتبات، فالأمر يحتاج إلى إعادة النظر فى النموذج التنموى المتبع داخل القطاع طوال السنوات الماضية، ولا شك أن الثورة والتغيير الكبير الذى حدث بعدها يعد فرصة مواتية لإعادة النظر فى هذه السياسات، وتبنى سياسات جديدة تنقلنا من اللهفة على الاستيراد إلى الصبر على الإنتاج، ومن التلذذ بالتجارة إلى الرضا بالتصنيع، ومن الفهلوة والسمسرة إلى العمل المحترف المنتج، ومن الانبطاح أمام نهم رأس المال الخاص الطفيلى ورغباته الجامحة إلى رعاية قطاع خاص رشيد، ومن التبعية إلى الاستقلال ومن الإتباع الذى يكب الوجوه على الأرض إلى الإبداع الذى يرفع الرؤوس ويطيل الأعناق.