Share |
نوفمبر 2011
11
تشكيلات الزهاوي وطواعية الحروف
المصدر: مجلة نصف الدنيا


يقيم مركز إبداع "قبة الغوري" بشارع الأزهر ـ والتابع لصندوق التنمية الثقافية ـ معرضا جماعيا للتصوير الفوتوغرافي لمجموعة من المصورين الشباب تحت عنوان: "مصر الجميلة"، ويضم المعرض مجموعة من الأعمال الفوتوغرافية متعددة الرؤي الفنية للمصورين: عمرو الكاشف، شرين شريف، صفاء محمود، محمد نجم الدين، زينب عادل. ويستمر حتي منتصف نوفمبر الجاري بقاعة الفنون التشكيلية بالمركز.
خليل الزهاوي. خطاط بدرجة فنان مبدع ولد عام 1946 في بلدة "خانقين" بالعراق وعاش فيها فردا في عائلة محبة للقرآن ولغته العربية، درس الخط العربي وقواعده وتمكن من ضبط أصوله واهتم بالخط الفارسي (التعليق) وأصبح صاحب فضل في المحافظة علي بقاء هذا النوع من الخط وللزهاوي ستة مؤلفات في مجال الخط أحدها كراسة لخط التعليق من ثلاثة أجزاء وأخري لقواعده والثالثة عن هندسة خط التعليق والرابعة عن تشكيلات الخط العربي.
أما مؤلفه الخامس فكان بعنوان "مصور خط التعليق" والسادس تحت عنوان " جمالية الخط العربي " كما قدم الزهاوي لمجال الخط العربي رؤاه الإبداعية التي سعي من خلالها إلي تطوير الحرف العربي ليصل بإبداعاته إلي مرفأ "الروحية" التي تؤثر بمعتقداتها لتؤثر في أسلوبه العضوي والمقصود، ولأنه مهندس بارع في مجال الخط استطاع بعبقريته أن يضفيها علي أعماله لتحمل الجانب الهندسي متضمنا الجانب الروحي تحقيقا لمقولهةابن مقلة أول من وضع قوانين هندسة الحرف العربي ووزنه بميزان النقط حيث قال: "الخط هندسة روحية كتبت بآلة جسمانية" التأثيرات الروحية في أعمال الزهاوي ذات تأثير خفي وأضفت علي أعماله صفة السمو، وقد نبعت من إيمانه بالله سبحانه وتعالي ليقدم تكوينات تجريبية تعبر عن المخلوقات وأسرارها والسماء والأرض والفضاء وكأنه استقاها من آيات الله في القرآن الكريم أو الأحاديث النبوية الشريفة أو الأقوال المأثورة، وقد تضمن الإطار الروحي الذي ميز أعماله استخدامه خط الثلث المتميز بحروفه الموزونة التي تكاد تكون ثابتة الحركة وتلك كانت المرحلة الثانية لإبداعه ونهجه المتميز، أما المرحلة الأولي والتي تعود إلي عام 1966 فقد اعتمد فيها علي استخدام الخط الفارسي ذي الامتدادات المتنوعة رأسيا وأفقيا وتوصل من خلاله إلي تحقيق جوانب متعدده من قيم التشكيل والتصميم وأساسيات التكوين ألا وهي الدينامية والحركة والتكرار، وقد ساعدة في ذلك ليونة الخط الفارسي والذي يسمي أيضا بخط "التعليق" وقد ظهر في نهاية القرن السابع الهجري، وهو نوع من الخطوط يميز من أتقنه وله ثلاثة أنواع أهمها ما يسمي "نستعليق" الذي عرف في القرن التاسع الهجري وكان يستخدم في كتابة المخطوطات ونسخ الرسائل والكتابات حيث جمع - كما يفهم من اسمه - بين خط النسخ والتعليق ومع التطوير والبحث والتجريب توصل فناننا خليل الزهاوي إلي استخدام ميزات خط الثلث والخط الفارسي ليبدع أعمالا تداخلت فيها الحروف وتشابهت، استخدم فيها اللون مع أشكال تلك الحروف المرنة ذات الامتدادات المتنوعة وهذه هي سمات مرحلته الابداعية الثالثة والتي رغم تحرره فيها بفكره الخاص وخياله الخصب فإنه كان دائما ما يرتكز علي القواعد الأساسية للخط فهو فن له أصول، فالحرف يحمل دلالة تاريخية تراثية ودينية فقد تشكلت من خلاله لغة القرآن وقد اختص الله من خلقه أناسا قاموا علي خدمة القرآن من خلال احترافهم الخط فاستخدموه كأداة فنية للتعبير وزينوا به بيوت الله وكذلك المؤسسات الدينية والقصور في تنوع اتجاهات الخط وأشكال الحرف الذي كتبت به أيضا مؤلفات التاريخ الإسلامي وعيون التراث العربي علي مر العصور وعن سمات الزهاوي كخطاط غير تقليدي كتب تركي عطية الجبوري أستاذ تأريخ الخط بمعهد الفنون الجميلة ببغداد في مقدمة كتاب الزهاوي "تشكيلات الخط العربي"، يقول: ". وإذا تتبعنا تأريخ الخط، وجدنا المبدعين فيه شذرات نادرة، ومن هؤلاء خطاطنا الذي نتحدث عنه في هذه المقدمة لكتابه "تشكيلات الخط العربي" وإذا تتبعنا أولي محاولات خطاطنا "خليل ابراهيم الزهاوي" وجدناها تعود إلي عام 1966 عندما اتخذ من حروف التعليق أساسا لأسلوبه الذي نفّذه في عدة لوحات تضمنها كتابه "قواعد خط التعليق الذي طبع عام 1977. كما أن نزوعه إلي التحرر من الجمود جعله ينطلق نحو الدمج بين الحرف واللون والشكل وصار أكثر توقا إلي ادخال الحرف في أعمال الجرافيك والجداريات إضافة إلي الرسم، وسواء كانت أساليبه في التعبير عفوية أم مقصودة، فإنه يري في قناعته الذاتية أنها تخرج علي شكل نجوم أو طيور أو أشجار أو سفن. الخ "لقد جاء تميز الزهاوي في هذا المجال لأنه تعلق بفن الخط روحيا وأقام علاقة حميمة مع عالم الحروف والكلمات كون من خلالها عالمه الخاص فهو يعتبر أن الخط واحد من العناصر المهمة في الفنون التشكيلية حيث يمتلك جمالية وروحية وميكانيكية خاصة به، ويتحول إلي فن وإبداع حين يخرج عن جوانبه التقليدية ويدخل في أنماط جديدة من ناحية التشكيل وقضايا الإبداع، وهذا ما انتهجه الزهاوي في إبداعاته التي ميزته خصوصا في خط التعليق ليصير من أشهر حذاق هذا الخط، وقد جاء تميزه أيضا من خلال تنوع تشكيلاته حتي في التصميم الواحد يغير ويبدل بين الحروف والكلمات المفرغة والمصمتة والتي يقصد بها تشكيليا التعامل بين الأبيض (المفرغ) والأسود (المصمت) أما جوهريا فهو يخرج بأعماله الإبداعية من الإطار الشكلي إلي قلب المضمون والمحتوي لتأتي ردود الأفعال وآراء القراء والمتلقين لأعماله مجمعة علي القصدية غير المباشرة التي يبتغيها هذا الفنان المبدع، وفي هذا المقام نستكمل ماكتبه تركي عطية الجبوري حول مضمون بعض الأعمال نختار منها:
- اللوحة التي كتب فيها كلمة (محمد) بحروف التعليق داخل دائرة بيضاء وحول الدائرة حروف أخري كتبت بخط التعليق أيضا مما يعطيها أكثر وضوحا، وكأنه يريد بكلمة (محمد) الآية الكريمة: "محمد رسول الله والذين معه أشداء علي الكفار رحماء بينهم "
- كتابته لبعض اللواحات بحروف عريضة محددة من الخارج فقط. مكتفيا بملء حروف الأرضية المكتوبة بحروف أخري، أو يتبع العكس، أو أنه يترك حروف التعليق المكررة وكأنها أجزاء متناثره علي شكل زخرفة منبعثة من الفكر الإسلامي التجريدي.
- في حين نري تأثيرات الروحية ظاهرة علي بعض اللوحات. "فألف" الثلث المتكررة تبدو وكأنها شعاع قد خرج من خلف ضياء قمر كتب عليه بحروف منوعة "بخط التعليق"
"وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا"
- أو نري حروف خط "الثلث" وكأنها مرتفع يرتقي في سمائه حرف "لا" الملفوف والمتطابقة من الأسفل مع التاء المدورة المكررة فيظهر الجميع بشكل جميل، وكأن الخطاط يريد من خلالها ترديد الشهاده.
- كما أنه يسمو بلفظ الجلالة "الله" الذي يغطي اللوحة، ثم يتركها بيضاء فتبدو مضيئة يشع نورها في الكون الذي ملئ بحروف "الثلث". "الله نور السماوات والأرض".