Share |
نوفمبر 2011
14
الإنفاق العام. من يوقف العربة الطائشة؟
المصدر: الأهرام الإقتصادى

نحن بحاجة إلي "معلمين وصنايعية" أكثر من حاجتنا إلي "الفواعلية" (مظاهرة بجامعة الاسكندرية لتصحيح وضع التعليم الجامعي)

تختلف قواعد إدارة ميزانية الدولة بكل تأكيد، عن قواعد إدارة ميزانية الأسرة، من ناحية التعقيد والتشابك والتداخل بين المحلي والإقليمي والدولي، وما إلي ذلك من المتغيرات، التي قد لا يشعر بها رب الأسرة وهو يدير ميزانية بيته. ومع ذلك، فإن معايير الرشادة الاقتصادية، للفرد وللأسرة وللدولة ككل، ربما لا تختلف كثيرا. فالفرد، الذي يعمل صباح مساء، بغرض تسديد فواتيره الشهرية والسنوية، يشعر بالفقر، ثم بفقدان الشهية في العمل بعد فترة، خصوصا إذا كان دخله، يذهب لسداد فواتير الاستهلاك اليومي له ولأسرته. والحكومة التي تنفق دخلها، علي سداد الديون وفوائدها وعلي توفير الاحتياجات الضرورية لاستهلاك المياه والطعام والوقود لمواطنيها، لا تتقدم أبدا في مجالات الرفاهية المحلية أو المنافسة الدولية، وإنما تقف محلك سر، بينما العالم من حولها يتقدم. وعادة ما يلجأ المواطن الرشيد، إلي ادخار جزء من دخله، لمواجهة الطوارئ، وجزء آخر لتنمية الظروف التي يعيش في داخلها أو التي تحيط به، مثل المسكن أو السيارة أو حتي الملابس التي يرتديها. وهو يعمل ألف حساب للزمن، ولتربية أولاده، تربية تفوق ما شب هو عليه، من تعليم أو من رعاية صحية واجتماعية. المواطن الرشيد يدخر جزءا من دخله، ويحاول باستمرار أن يكبر هذا الجزء المدخر، حتي يكون في وضع رفاهية افضل مع الزمن. الحكومات الرشيدة تفعل الشئ نفسه تقريبا، بل إنها فوق ذلك، تحاول من ناحيتها، تشجيع المواطنين علي الادخار أكثر. وهي عندما تفعل ذلك، فإنها لا تتوقف عن الإنفاق، في مجالات الاستهلاك والاستثمار، وخصوصا في قطاعات البنية الأساسية الاجتماعية، وأهمها التعليم والصحة والمياه النقية أو البنية الأساسية الاقتصادية، مثل الطرق والمطارات والموانئ.
وتدور فلسفة الإنفاق العام، حول عدد من الأهداف، من أهمها وفي مقدمتها العمل علي جعل الاقتصاد أقوي، وأكثر قدرة علي المنافسه مع غيره. وكلما تحقق ذلك زادت رفاهية الأفراد، وارتفعت معدلات الرضا العام، والإشباع المادي والمعنوي. ولذلك فإن زيادة الإنفاق العام، يجب أن تكون ناتجة من موارد حقيقية، أو من موارد إضافية في حدود طاقة وقدرة الاقتصاد علي السداد. فإذا جاءت زيادة الإنفاق العام، عن طريق اعتصار جهد المواطنين وسرقة ما في جيوبهم، خصوصا الفقراء وفئات الطبقة الوسطي، فإن الشعور بالرضا العام ينخفض، والحماس للعمل يبهت. وإذا جاءت زيادة الإنفاق العام عن طريق الإفراط في الحصول علي المساعدات والمعونات الأجنبية، أو المبالغة في الاعتماد عليها، ترك ذلك أثره علي الإرادة الوطنية، وصبغها بصبغة التبعية. وإذا جاءت الزيادة في الإنفاق العام عن طريق المبالغة في الاستدانة، وهذا يحدث عندما يزيد عبء المديونية علي قدرة الاقتصاد علي السداد، فإن ذلك يؤدي إلي سيادة مناخ من الاكتئاب وعدم الرضا العام، ويؤدي حتما إلي الركود، ومن ثم انكماش مستوي الرفاهية الفردية للمواطنين.
وتؤدي الزيادة في الإنفاق العام إلي خلق وظائف في المجتمع للعاطلين وللداخلين الجدد إلي سوق العمل، ومن ثم تخفيض معدل البطالة. كما تؤدي زيادة الإنفاق العام إلي مساعدة الاقتصاد علي النمو وتجنب الركود أو الكساد في الأسواق. فزيادة الإنفاق العام تقود إلي زيادة الطلب الكلي علي السلع والخدمات، ومن ثم إلي رفع مستوي تشغيل الطاقات الإنتاجية، وزيادة القدرة علي الاستفادة من التراكم الرأسمالي. ويعتبر أنصار النظرية الكينزية في الاقتصاد، أن الإنفاق العام كله خير ولا شر فيه، بما في ذلك الإنفاق علي الطلب الاستهلاكي. وتدور في العالم حاليا معركة مثيرة بين أنصار كينز وأنصار فريدمان حول ما إذا كانت الزيادة في الإنفاق العام فضيلة أم رذيلة! ويبرهن أنصار كينز (ومنهم بول كروجمان) علي أن الأزمة المالية اليونانية هي نموذج لسوء الإدارة الاقتصادية، المعتمدة علي سياسات اقتصاد العرض و السياسات النقدية التي تبناها ميلتون فريدمان. في حين أنهم يشيدون بتجربة حكومة لاتفيا في الخروج من الكساد الاقتصادي والأزمة المالية، من خلال زيادة الإنفاق، وإعادة الاقتصاد إلي النمو ثم إعادة الميزانية إلي التوازن. ولا شك أن المتابع للمناقشات الجارية حاليا علي جانبي الأطلنطي بهذا الخصوص، سيجد الكثير من المتعة فيما يقال من حجج وحجج مضادة.
وما أحوجنا في مصر حاليا ونحن في سبيلنا إلي إعادة بناء الاقتصاد، وإعداده للانطلاق إلي ساحة النمور الاقتصادية الجديدة، إلي عقيدة اقتصادية واضحة وإلي حوارات ساخنة، بين أصحاب العقائد الاقتصادية المختلفة لمصلحة النهوض بالسياسة الاقتصادية. نحن بحاجة إلي "معلمين وصنايعية" أكثر من حاجتنا إلي "الفواعلية" في الفكر الاقتصادي. نحن بحاجة إلي هؤلاء المعلمين والصنايعية، لأننا نواجه تحديا خطيرا، يتمثل في الحاجة إلي تخفيض الإنفاق العام، مع الحفاظ في الوقت نفسه، علي اندفاع الاقتصاد بمعدل نمو معتدل علي الأقل، وتحسين مستويات المعيشة للفقراء ولفئات الطبقة الوسطي في الوقت نفسه. وفي هذا فليتباري المتبارون وليخرج الأساتذة علي الناس بأفكارهم.
إن السياق الحالي للسياسة الاقتصادية هو سياق مخيف. وليس من سلطة تستطيع وحدها، بغير حوار مجتمعي، يضم أصحاب المصالح جميعا، أن تقدم سياقا بديلا. إن الإنفاق العام لا يزال منطلقا كالعربة الطائشة، لم يتوقف ولم يغير مساره علي الرغم من تغير الظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية التي تمر بها مصر. وبسبب غياب هذا الحوار، تجتهد الحكومة في الوصول إلي مصادر للاقتراض أقل تكلفة من الاقتراض المحلي الذي تجاوزت تكلفته 14% سنويا. وهنا ينبغي أن نحترس كثيرا مما نحن مقبلون عليه، الاقتراض من الخارج، في الوقت الذي يتم فيه تخفيض االتصنيف الائتماني للديون المصرية، إضافة إلي نزيف الاحتياطي من العملات الأجنبية، علي الرغم من الانخفاض الحاد في الاستيراد من الخارج في الأشهر الأخيرة. وقد تكون تكلفة الاقتراض من الخارج أقل فعلا (ربما تتراوح بين 6% إلي 7%) لكن المشكلة ليست فقط في التكلفة الحالية للاستدانة، وإنما في القدرة علي سداد الديون. وفوق كل ذلك تكمن المشكلة في دوافع الاقتراض. فالقروض التي سنحصل عليها من الخارج في الوقت الحاضر، لن تكون موجهة لمجالات تدر دخلا، وإنما لسداد ديون قديمة وفوائدها، أو لتمويل الاستهلاك. وهذه دوافع قاتلة. ويظهر من متابعة تحركات أسعار الفائدة علي السندات الدولية في الأسابيع الأخيرة، أنه علي الرغم من التوصل إلي اتفاق بشأن إنقاذ اليونان من الإفلاس، فإن إيطاليا، برغم تصنيفها الائتماني الأفضل من مصر، اضطرت إلي قبول سعر فائدة يبلغ 6,06% علي السندات الأخيرة التي طرحتها في الأسواق التي بلغت قيمتها 8 مليارات يورو تستحق الاسترداد بعد عشر سنوات. وقد رأينا أيضا كيف تعرضت السندات الدولية لمصر لهزة شديدة في أعقاب الثورة. ففي الأسبوع الأول من الثورة هبطت قيمة السندات الحكومية بالدولار (استحقاق 2020) رافعة العائد إلي 6,78% أو بزيادة 1,06% خلال الأيام الثلاثة الأولي (25 إلي 28 يناير 2011) وبلغت أقصاها في آخر يناير مسجلة 7,07% لكنها عادت للانخفاض بعد ذلك. بينما سجلت الفائدة علي السندات استحقاقا 2040 رقما قياسيا (7,533%) يوم 28 يناير 2011.
إن الخروج من المأزق الحالي للسياسة المالية، لن يكون بغير عمليات جراحية جريئة في هيكل الإنفاق العام. أما البحث عن مصادر بديلة للاستدانة مثل المصارف والصناديق الخليجية، فليس إلا مجرد البحث عن مسكنات، لا علاقة لها بعلاج المرض نفسه الذي تعاني منه مالية مصر.
إن هيكل الإنفاق العام، كما تبينه الميزانيات الحكومية في العقود الأخيرة، يعاني من الكثير من التشوهات والانحرافات، التي تحتاج إلي مواجهة صارمة، بفلسفة جديدة، تنطلق من رؤية واضحة بشأن الأهداف والتطلعات، التي يطمح المصريون إلي تحقيقها. ومن أبرز التشوهات والانحرافات التي يعاني منها هيكل الإنفاق العام، ضخامة قيمة الإنفاق العام في حد ذاته وانخفاض العائد منه، والتداخل بين ميزانية الجهاز الإداري للدولة وبين ميزانيات الإدارة المحلية والهيئات العامة الخدمية والاقتصادية، والفساد والسفه في تخصيص الموارد المالية للقطاعات المختلفة، والتشوهات في هيكل الأجور، وضعف الإنفاق علي الصحة والتعليم والرعاية الاجتماعية، وتدهور معدلات الاستثمار العام، إضافة إلي الألاعيب المحاسبية التي تم إدخالها علي طريقة إعداد الميزانية سنة بعد سنة منذ العام 2000 التي تسببت بذاتها في ظهور مؤشرات مخيفة مثل قيمة الدعم في الميزانية.
وسوف نتطرق هنا إلي بعض مظاهر هذه التشوهات والانحرافات واقتراح طرق لعلاجها بغرض الوصول إلي صيغة جديدة تضمن تخفيض الإنفاق العام وتحقق في الوقت نفسه أفضل كفاءة ممكنة للاستخدامات والمصروفات.
- ضخامة النفقات العامة
بلغت قيمة الإنفاق في الميزانية العامة للدولة هذا العام 594 مليار جنيه تقريبا، أي ما يعادل نحو 58% من إجمالي الناتج المحلي (حسب تقديرات شهر مارس 2011). وهذه النسبة مرتفعة ارتفاعا صارخا. وهي تعكس سوء الإدارة المالية بأكثر مما تعكس مستوي الرفاهية الاجتماعية التي توفرها الميزانية للمواطنين. فالإنفاق علي التعليم والصحة يتدني في هذه الميزانية وفي غيرها علي مدي العقود الماضية إلي ما يتراوح بين 4% إلي 6% من إجمالي الناتج المحلي! ويبلغ نصيب الفرد من الإنفاق الإجمالي في الميزانية العامة للدولة (لأغراض التبسيط تم حساب سعر الدولار بواقع 5,9 جنيه مصري وعدد السكان بواقع 85 مليون مواطن) حوالي 7000 جنيه للفرد أي 1184 دولارا، علما بأن نصيب الفرد من الإنفاق العام في تايلاند التي تسبق مصر في دليل التنمية البشرية التي يبلغ فيها متوسط دخل الفرد (8700 دولار) ما يقرب من 1,5 مرة مقارنة بمثيله في مصر، يبلغ 848 دولارا فقط. وإذا عرفنا أن نسبة الفقراء من المصريين، الذين يعيش الواحد منهم، علي أقل من دولارين يوميا، يقترب من نصف عدد السكان، فإن أرقام الإنفاق العام لابد أن تصيبنا بصدمة قوية، لأنها تكشف عن مدي السفه في الإدارة المالية للدولة وإهدار مواردها.
ويجب أن نسجل هنا أن هذه الضخامة في قيمة الإنفاق العام في مصر تعبر عن ظاهرة "تورم" في الإنفاق، بسبب تشوهات في كيفية إعداد الميزانية وبسبب رداءة الإدارة الاقتصادية الموروثة من النظام القديم. ونلاحظ مثلا أن إضافة التزامات صناديق التأمين والمعاشات إلي ميزانية الدولة، بعد استيلاء الحكومة علي رصيد صندوقي التأمينات (الحكومي والخاص)، قد أدي إلي حدوث قفزة في قيمة مساهمة الخزانة العامة للدولة في صناديق المعاشات في السنة المالية 2008-2009 إلي 26,8 مليار جنيه مقابل 2,6 مليار في السنة السابقة. أي أن مساهمة الخزانة زادت في عام واحد إلي 10 أمثال ما كانت عليه! وتظهر أرقام السنة المالية الحالية، أن هذا الاتجاه مستمر بمعدلات متفاوتة بسبب نقص قيمة الاشتراكات المحصلة عن قيمة المطلوبات لأصحاب المعاشات، وضعف معدل العائد علي الاستثمار الذي يدفعه بنك الاستثمار القومي. ومن المعروف تاريخيا أن نسبة الإنفاق العام إلي إجمالي الناتج المحلي في مصر كانت في حدود 33% في يونيو 2001، ولكن بسبب تعديل طريقة حساب الإنفاق العام، بإضافة قيمة الإنفاق علي شراء الأصول المالية وسداد القروض ونفقات صندوق إعادة الهيكلة، فإن قيمة الإنفاق العام قفزت من 120 مليار جنيه في السنة المالية 2000-2001 إلي أكثر من الضعف (250 مليار جنيه) في السنة المالية 2006-2007! كل ذلك علي الرغم من الموارد الاستثنائية التي حصلت عليها الميزانية من عمليات بيع شركات القطاع العام ورخص التليفون المحمول وتعاقدات التنقيب عن الغاز.
- المعدلات العالمية للإنفاق العام
ونظرا لأننا لا نعيش وحدنا في هذا العالم، ولسنا روبنسون كروزو في جزيرته المعزولة، ولأن الجدل العقيم الذي يورده البعض بشأن "خصوصية الحالة المصرية" يمتنع في مثل هذه الحسابات، فإننا لغرض المقارنة فقط، نسوق الأرقام والمعايير التالية:
- الإنفاق الحكومي في الولايات المتحدة يتراوح بين 20% من إجمالي الناتج المحلي (حسب خطة المرشح الجمهوري ميت رومني) إلي 24% حسب ميزانية الرئيس الحالي باراك أوباما. ومن المهم قياس الإنفاق العام إلي الناتج المحلي، كأحد مؤشرات الرشادة في إدارة الموارد العامة للدولة. ويجب الانتباه في تحليل هيكل الإنفاق العام، إلي نسبة الإنفاق العام الاستثماري من المصروفات الإجمالية، لقياس مدي قيام الحكومة العامة بدورها في رصد الموارد اللازمة لبناء وتنمية المرافق العامة والبنية الأساسية الاقتصادية والاجتماعية. ومن المعروف لقراء الميزانية العامة في مصر أن نسبة الموارد المخصصة للاستثمار الحقيقي هي نسبة ضئيلة جدا تتراوح في العادة بين 10% إلي 15% سنويا. وتعتمد الميزانية بشكل متزايد علي موارد القطاع الخاص للقيام بهذا الدور، بدءا من إنشاء الطرق وإدارتها حتي إنشاء الجامعات والمستشفيات الخاصة. كما يعرف قراء الميزانية أن هناك قطاعات بعينها، من أخطرها القطاع الزراعي، تعاني من الإهمال الشديد في الخطة الاستثمارية للدولة، وذلك علي الرغم من الارتفاع الصارخ في قيمة الإنفاق العام.
- تنخفض قيمة الإنفاق العام إلي الناتج المحلي الإجمالي في الدول النامية الصاعدة الشبيهة بمصر إلي ما يقرب من 18% في تايلاند وإندونيسيا، بينما تبلغ حدودها القصوي في جنوب أفريقيا حيث تسجل ما يقرب من 36% من إجمالي الناتج المحلي. ولا يعني ذلك أن الخدمات التي تقدمها الحكومة للمواطنين، في بلدان مثل تايلاند وإندونيسيا هي أقل من نظيرتها في مصر. علي العكس من ذلك، فإن كفاءة الإنفاق العام في تايلاند، وضعت هذا البلد في مكانة متقدمة علي مصر في جداول التنمية البشرية العالمية. وفي اعتقادي إننا في مصر أحوج ما نكون إلي رفع كفاءة الإنفاق، بتقليل الإنفاق وزيادة العائد علي إنفاق كل جنيه بنسبة لا تقل عن 30% من مستواه الحالي. ويذهب خبراء البنك الدولي إلي أنه من الممكن زيادة كفاءة الإنفاق والاستثمار بنسب تصل إلي 40% في حال تطوير الإدارة، والاعتماد علي قواعد الشفافية والمساءلة وسيادة القانون ومكافحة الرشوة والمحسوبية والفساد الإداري.
- يتم توجيه القسم الأعظم من الإنفاق العام في الدول النامية الصاعدة، إلي الاستثمار في مجالات البنية الأساسية الاقتصادية والاجتماعية. في حين يذهب القسم الأعظم من الإنفاق العام في مصر لسداد الديون وتغطية نفقات الجهاز الإداري للدولة وغيرها من أجهزة الموازنة العامة (المحليات والهيئات العامة الخدمية والاقتصادية إضافة إلي الدعم الحسابي للطاقة). وهذا يستدعي ضرورة فصل ميزانية الجهاز الإداري للدولة عن ميزانيات المحليات والهيئات الاقتصادية والخدمية. وسوف يساعد ذلك الفصل علي إعادة توجيه الميزانية والتحكم في بنود أبوابها المختلفة.
- فضل ميزانية الجهاز الادارى للدولة عن غيرها
يتبين من إحصاءات الحساب الختامي للدولة، أن قيمة العجز في ميزانية الإدارة المحلية الذي تولت الخزانة العامة تمويله زادت من 33,4 مليار جنيه في السنة المالية المنتهية في يونيو 2008 إلي 44 مليار جنيه في السنة التالية، بنسبة زيادة تبلغ ما يقرب من 34% وذلك علي الرغم من أن إيرادات الإدارة المحلية زادت في السنة المالية نفسها بنسبة 20%. وتعكس هذه الأرقام إهدارا في الموارد، بسبب زيادة الإنفاق بمعدل يصل إلي حد السفه وصل إلي 30% (زيادة في قيمة الأجور وتعويضات العاملين بنسبة 21,8% وفي شراء السلع والخدمات بنسبة 52% وفي شراء الأصول مثل الأراضي والمباني والآلات بنسبة 53% ).
ومن الضروري وضع قواعد محددة، لضبط وموازنة ميزانيات الإدارة المحلية، بغرض تحقيق أعلي عائد ممكن علي الإنفاق من ناحية، والحد من العجز في ميزانية الخزانة العامة للدولة من ناحية ثانية. وتتبع حكومات الولايات الأمريكية قاعدة (cut, cap and balance) لتحقيق غرض تخفيض وضبط وموازنة الإنفاق المحلي في الولايات. ومن المفيد جدا في مصر، الاستفادة من خبرات الإدارة المالية في النظم الفيدرالية مثل الولايات المتحدة وكندا وألمانيا وغيرها، خصوصا إذا كنا نسعي إلي تحقيق درجة أعلي من اللامركزية في الإدارة العامة للدولة. كما تعتبر الإدارة المالية للبلديات في بريطانيا (city councils and counties) من المصادر المهمة التي يمكن ايضا دراستها، بغرض تطوير النظم المالية للإدارة المحلية في مصر، خصوصا أن هذه البلديات تدار بواسطة سلطات منتخبة من المواطنين المحليين، ويتم تمويلها مباشرة بواسطة الضرائب المحلية، التي تنقسم أساسا إلي قسمين هما، الضرائب علي العقارات المخصصة للسكن، والضرائب علي العقارات المخصصة للأعمال، إضافة إلي نصيب البلديات من الميزانية العامة للدولة.
ومن الملاحظ أن الإنفاق علي شراء السلع والخدمات وشراء الأصول غير المالية بواسطة الإدارة المحلية، (14 مليار جنيه في السنة المالية المنتهية في يونيو 2009) يعادل نحو 28% من جملة مصروفات الإدارة المحلية مقابل (69 مليار جنيه في الميزانية العامة للدولة)، أي ما يعادل نسبة 20% من إجمالي مصروفات الميزانية للسنة المالية نفسها. ويعرف المواطن المصري العادي، كيف تتسع رقعة الفساد من خلال مناقصات الشراء التي تطرحها أجهزة الدولة المختلفة.
إنني لن أتحدث هنا عن الفساد المؤسسي، الذي يضرب بجذوره في نظام الإدارة المحلية في مصر، والذي اعترف به واحد من أقطاب النظام السابق الفاسد، قائلا في البرلمان، إنه "وصل للركب". ولكنني أكتفي بالقول إن المحافظات والمراكز والمدن والأحياء تدار، حتي الآن، من جانب المسئولين في هذه الوحدات باعتبارها إقطاعيات خاصة مملوكة أو ممنوحة لهم علي سبيل المكافأة أو التعويض! وأن إيرادات هذه الوحدات في جميع المستويات، وباستثناءات محدودة، يتم تقسيمها بين الرؤساء وبين المقاولين، علي أساس أعراف التراضي المتبادل (نفعني وانفعك أو شيلني واشيلك!). إن النظام القديم في الإدارة المحلية فقد شرعيته، مع سقوط رأس النظام المركزي السابق، ومع ذلك فإن أسلوب إدارة الدولة، وخصوصا إدارة هيئات الحكم المحلي، لايزال - كما هو - باقيا علي حاله قبل الثورة. وتثبت الحرب الأخيرة بين مقاولي الرصف في الإسكندرية، بسبب الخلاف علي ترسية مناقصات رصف الطرق في المحافظة، والتي انفجرت في صورة إعلانات مدفوعة الأجر علي صفحات الجرائد، أن مصر ليست فوق الجميع. وعلي العكس من ذلك فإن شبكة المصالح التي تجمع بين فساد المسئولين وجشع المقاولين هي التي فوق الجميع، فوق مصر وفوق رءوس كل المصريين.
والصورة في الهيئات العامة الاقتصادية والخدمية ليست أفضل حالا، بل ربما تزيد في سوءاتها عن الحال في الإدارة المحلية.
- نظام عشوائى للاجور يجب اصلاحه
نظام الأجور في مصر عبارة عن صندوق مغلق، بداخله غابة عنكبوتية عشوائية من الأجور الأساسية، والمكافآت الشاملة، والكادرات الوظيفية الخاصة، وبدلات طبيعة العمل، وبدلات المخاطر والإصابات، وحوافز التميز، وحوافز الإنتاج، وحوافز الإثابة وغيرها. ولا علاقة لهذه الغابة العنكبوتية العشوائية بما يحدث في الاقتصاد الحقيقي، وما يؤثر فيه أو يتأثر به من متغيرات. والمقترح لمواجهة ذلك هو فتح صندوق المرتبات والأجور، وتنظيفه مما فيه من عنكبوت وعشوائيات، وتصميم نظام جديد للأجور، يتميز بالانفتاح علي الاقتصاد، ويستند تحديد الأجور فيه إلي أربعة معايير أساسية:
الأول، توصيف (تصنيف) وظيفي موحد (أكاديمي، طبي، فني، هندسي، إداري، خدمات معاونة)، ويتم علي أساس هذا المعيار تحديد الأجر الأساسي لشاغلي الوظائف من الدرجات المختلفة.
الثاني، بدل موحد لطبيعة العمل، يراعي ظروف العمل في المهن والقطاعات والأقاليم الجغرافية المختلفة، ينقسم إلي عدد من الشرائح حسب طبيعة الوظائف الواردة في التوصيف الوظيفي الموحد وحسب أماكن العمل.
الثالث، إنتاجية العمل. وهو ما يستلزم وضع معايير محددة، لقياس إنتاجية العمل للموظفين أو للعاملين في الجهاز الإداري للدولة وأجهزة الحكم المحلي والهيئات الخدمية.
الرابع، المستوي القياسي لأسعار المستهلكين (معدل التضخم) بعد تنقية وتنقيح هذا المؤشر، بما يعكس الارتفاع الحقيقي في تكاليف المعيشة، واعتماد الزيادات السنوية للأجور علي أساس معادلة ترتبط بمعدل التضخم، ولكنها لا تزيد عليه.
ويتطلب فتح نظام الأجور علي الأداء الاقتصادي، أن تكون العلاوة السنوية في الأجور مرتبطة بمتغيرين هما الإنتاجية في القطاع أو الوظيفة وكذلك بمعدل التضخم السنوي الذي يعكس الارتفاع في جدول تكاليف المعيشة. ويتم تحديد العلاوة السنوية حاليا علي أساس نسبة من الأجر الأساسي (7%) حسب قانون إنشاء المجلس الأعلي للأجور، وذلك علي الرغم من ضآلة نسبة الأجر الأساسي إلي الأجر الإجمالي الذي يحصل عليه العامل أو الموظف.
إن إجمالي قيمة الأجور الأساسية في الميزانية، تعادل ما يقرب من 19,8% فقط من إجمالي الأجور والتعويضات للعاملين (الحساب الختامي للدولة 2008-2009)! ومن المثير للسخرية أن العلاوة السنوية لمهندس في وظيفة رئيس إدارة أو لضابط شرطة في وظيفة مأمور قسم أو مركز قد تكون 3 جنيهات و75 قرشا وأنها تقل عموما عن 5 جنيهات! إن العلاقة بين الأجر الثابت والأجر المتغير، في هيكل الأجور المصري هي علاقة مقلوبة ومشوهة، وهو ما يمثل خللا هيكليا في نظام الأجور. ويتوجب الآن تصحيح هذا الخلل، بأن تصبح نسبة الأجر الثابت إلي الأجر المتغير هي 5 إلي 1 وليس 1 إلي 5 كما هي النسبة حاليا.
- اعادة هيكلة الدعم
يمثل الدعم بحق "خيال المآتة" الذي صنعه وزير المالية الأسبق الهارب خارج البلاد، يوسف بطرس غالي يخيفنا به صباح مساء. وإذا عاد الواحد منا إلي مكتبة التصريحات والخطب السياسية لفترة ما قبل الثورة، خصوصا في الأعوام الخمسة الأخيرة، لوجد كما هائلا من التصريحات التي تتهم المصريين الفقراء بأنهم السبب في الأزمة الاقتصادية، بسبب الدعم وبسبب زيادة المواليد. المسئولون طبعا كانوا يتخفون دائما وراء ستار أو شعار "ضرورة توجيه الدعم إلي مستحقيه"! وها نحن لا نزال حتي الآن ننام ونصحو علي عويل وصراخ من كل جانب بسبب الدعم، الذي أصبح المسئول الأول عن مشاكل مصر الاقتصادية، إلي جانب معدل الزيادة في عدد السكان بالقطع. وفي اعتقادي أن هناك الكثير من الكذب وتعمد إخفاء الحقائق فيما يتعلق بالدعم، بغرض إخفاء السبب الحقيقي وراء المشاكل أو الأزمات التي يعاني منها الاقتصاد.
- وسوف أسواق هنا عددا من الامثلة لتوضيح ما اقول
- في عام 2009 (وكان هناك صراخ وعويل بسبب الدعم) وافق مجلس الشعب علي القانون رقم 11 لسنة 2009 وأصدره رئيس الجمهورية، بفتح اعتماد إضافي في الميزانية بقيمة 13,5 مليار جنيه، منها 2,7 مليار جنيه للدعم والمنح والمزايا الاجتماعية. ومن البديهي عندما تقرأ ذلك، أن تفهم أن المزايا الاجتماعية الواردة في القانون تخص الفئات غير القادرة اجتماعيا. غير أن التمعن في تفاصيل هذه الاعتمادات الإضافية، يكتشف أن غير القادرين الذين قصدهم القانون، ليسوا هؤلاء الذين نعرفهم، وإنما هم المستثمرون في المناطق الصناعية! وأصحاب شركات التصدير! والمستثمرون الجدد في قطاع التجارة الداخلية! هؤلاء هم غير القادرين، الذين أصدر مجلس الشعب من أجلهم القانون، ليزيد الدعم الذي يحصل عليه عدد محدود من أصحاب شركات التصدير من هذا البند فقط إلي 4,2 مليار جنيه في تلك السنة. وقد شملت الاعتمادات الأخري الواردة بالقانون رقم 11 لسنة 2009 مزايا للمقاولين وأصحاب الشركات وشبكات المنتفعين من الميزانيات العامة للدولة.
- في السنة المالية المنتهية في يونيو 2009 أيضا، تضمنت أرقام الدعم، زيادة بقيمة 24,2 مليار جنيه، بنسبة 20% تقريبا من إجمالي قيمة مخصصات الدعم والمزايا الاجتماعية في تلك السنة (121 مليار جنيه). وهذه زيادة كبيرة بلا شك في عام واحد. غير أنك عندما تبحث وراء الأرقام، فإنك تكتشف فجأة، أن هذا المبلغ هو من مستحقات أصحاب المعاشات والتأمينات لدي الدولة! ولست أدري كيف يجرؤ معدو الميزانية، علي قيد مبلغ بهذه الضخامة، علي أنه دعم من الدولة، بينما هو حق مستحق، لهؤلاء الذين دفعوا من كدهم وعرق عملهم، نصيبهم في أنظمة التأمينات والمعاشات، لكي يحصلوا علي معاش أو تأمين ملائم عند الكبر.
- إذا تأملنا أرقام الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية في الحساب الختامي للدولة (2008-2009) فسنجد أن قيمة دعم السلع التموينية بلغت حوالي 21,1 مليار جنيه، أي بنسبة 16,6% بينما يبلغ مجموع اعتمادات دعم المزارعين والنقل العام والتأمين الصحي وتنمية الصعيد ودعم القروض الميسرة للإسكان ما يقرب من 3 مليارات جنيه. أي أن إجمالي الدعم الحقيقي المباشر الذي يحصل عليه محدودو الدخل، يقع في حدود 25 مليار جنيه، بنسبة 22% من قيمة المخصصات المرصودة في الميزانية ضمن باب الدعم والمنح والمزايا الاجتماعية. فأين تذهب إذن النسبة المتبقية (78%)؟ إن النسبة الأعظم من هذا المبلغ تغطي ما يسمي بدعم الطاقة، وهو دعم حسابي، يذهب ما يقرب من 90% منه إلي أصحاب المصانع الضخمة الكثيفة الاستهلاك للطاقة. وهذا الدعم الحسابي أدخله الوزير الأسبق الهارب يوسف بطرس غالي في ميزانية 2005-2006 وتسبب في تورم قيمة دعم الطاقة في الميزانية إلي 42 مليار جنيه في تلك السنة مقارنة بنحو 10 مليارات جنيه في السنة المالية 2000-2001. وقد بلغت قيمة دعم المواد البترولية في الحساب الختامي 2008-2009 إلي حوالي 63 مليار جنيه، وواصلت الارتفاع حتي وصلت تقديراتها في السنة الحالية أكثر من 95 مليار جنيه. وقد طرحت في مقال سابق ضرورة محاسبة الصادرات الصناعية علي أساس الأسعار العالمية للطاقة، وذلك بحساب نسبة مكون الطاقة في وحدة الناتج النهائي، وحساب فرق السعر في الطاقة تبعا لذلك، ثم فرض رسم تصدير بقيمة الفرق، علي كمية الإنتاج المصدر للخارج. وبهذه الطريقة نحمي المستهلك المحلي من احتمال لجوء المنتج إلي نقل عبء زيادة اسعار استهلاك الطاقة إلي السوق المحلي.
- هناك في حقيقة الأمر أبواب أخري للدعم، تبرهن علي انعدام الكفاءة الاقتصادية والإدارية، مثل الدعم المقدم لاتحاد الإذاعة والتليفزيون (ما يقرب من مليار جنيه سنويا) مقابل الانحياز السياسي للحكومة! وهناك بنود في الدعم يجب أن تتوقف فورا مثل دعم الإذاعة والتليفزيون. بينما توجد اشكال أخري من الدعم غير المباشر يجب أن تتوقف تدريجيا علي مدار فترة زمنية محددة (3 سنوات) خصوصا الدعم الذي تقدمه الدولة للهيئات الاقتصادية والهيئات الخدمية.
إن الصراخ والعويل الذي نسمعه يتردد كل يوم بشأن الدعم، يجب أن يتوقف. وفي الإمكان خلال مدة قصيرة (3 سنوات علي الأكثر) تخفيض الدعم الحالي بنسبة 75% عما هو عليه الآن، مع المحافظة علي دعم السلع التموينية ودعم المزارعين، بل وزيادته، ودعم تنمية الصعيد، وغيره من أبواب الدعم الحقيقية، بدون أي أثر سلبي حقيقي علي الاقتصاد. وهناك وجوه أخري كثيرة لتخفيض الإنفاق العام، منها ما هو مثير للانتباه، مثل التكاليف التي تتحملها الميزانية العامة للدولة بسبب الأخطاء في تنفيذ القانون أو التعسف في استخدامه التي تتضمنها نفقات الميزانية في صورة تعويضات ونفقات لتنفيذ الأحكام القضائية، والتي بلغت 1,7 مليار جنيه في عام 2009! وضرورة تخفيض تكاليف استهلاك المياه والكهرباء في منشآت الجهاز الإداري للدولة والمحليات، والتي بلغت 5,8 مليار جنيه في السنة نفسها. ومن الممكن ببساطة تخفيض نفقات استهلاك الإنارة والمياه، باستخدام منظم التوقيت timer في الإنارة، سواء داخل المنشآت أو في إنارة الشوارع والطرق والميادين، وتحسين استهلاك المياه من خلال العناية بصيانة الحنفيات والصرف الصحي وخلافه.
ومن الضروري كذلك وضع خطط تهدف إلي الحد من الاتصال المباشر بين الجمهور وقطاع الموظفين العموميين، من خلال تطوير وتحديث نظام البريد والاتصالات التليفونية والحكومة الإلكترونية، بما يساعد علي سرعة إنجاز احتياجات المواطنين، مع تقليل مشقة السفر والانتقال والتعرض لابتزاز الموظفين، وتقليل الرشوة ورفع معدلات الأداء والإنتاجية للموظفين في أماكن العمل.
وهناك وجوه تقليدية ممكنة لتخفيض الإنفاق العام، يتردد الحديث عنها موسميا، كلما زاد الحديث عن ضرورة ترشيد الإنفاق الحكومي، مثل ترشيد نفقات التمثيل الخارجي (التمثيل الدبلوماسي - التمثيل الإعلامي - التمثيل التجاري - المكاتب الفنية المتخصصة مثل التعليميي والسياحي والصحي والعسكري وما إلي ذلك). وكذلك وقف شراء سيارات جديدة للجهاز الإداري للدولة والمحليات والهيئات الخدمية والاقتصادية لمدة 3 سنوات، ووقف تعيين مستشارين إضافيين في الوزارات والأجهزة الإدارية، وإعادة النظر في العدد وفي الأجور التي يتلقاها المستشارون الحاليون.
ويجب التأكيد في نهاية الأمر علي أنه من الضروري إعادة النظر بالكامل في هيكل الإنفاق العام، وتصحيح ما به من تشوهات وانحرافات، واستقلال ميزانية الجهاز الإداري للدولة عن ميزانيات المحليات والهيئات العامة، ووضع قانون يحدد سقف الإنفاق العام، ووضع معايير علمية لقياس الكفاءة في استخدام الموارد وقياس إنتاجية العمل في الجهاز الإداري، وإعادة بناء الهيكل أو الهرم العام للأجور والمرتبات في الدولة، بما يحقق العدالة والتكافؤ، والاهتمام بزيادة الإنفاق العام علي مكونات البنية الأساسية الاقتصادية والاجتماعية، خصوصا الإنفاق علي الصحة وعلي التعليم وعلي الإسكان، والقضاء علي الفقر.