Share |
نوفمبر 2011
20
متى يطبق الحد الأقصى للأجور؟ [2]
المصدر: الأهرام اليومى
بقلم:   سيد صالح

أحمد قورة

فى مصر تجدون العجب فى كشوف الرواتب، وتتعجبون أكثر حين تعرفون أن الغالبية العظمى من الموظفين لا يتجاوز راتبهم 1000 جنيه شهرياً، فى حين يتجاوز دخل آخرين فى نفس المكان، مئات الآلاف من الجنيهات، يتقاضونها فى صورة حوافز، ومكافآت، وبدلات.
والسؤال الآن: هل هناك معايير عالمية يمكن الاسترشاد بها فى شأن الحد الأقصى للأجور فى القطاع الحكومى المصري، بما يحقق العدالة الاجتماعية بين المواطنين، ويقلل الفجوة فى الدخول بينهم، ويلبى مطالب ثورة 25 يناير؟
الحد الأقصى للأجور - كما يقول الدكتور صلاح السبع أستاذ الاقتصاد بالجامعة البريطانية ـ يمكن تطبيقه فى القطاع العام، فهناك مسئولون بدرجات مختلفة كرؤساء الهيئات، والمؤسسات، ورؤساء البنوك يتقاضون مبالغ مالية ضخمة تثير الغضب الشعبى الذى انفجر فى أعقاب ثورة 25 يناير للمطالبة بتحقيق العدالة الاجتماعية.
- الضريبة ميزان العدالة
وإذا كان تطبيق الحد الأقصى للأجور مسألة حتمية لتحقيق العدالة الاجتماعية، فإن الدكتور السبع يرى ضرورة ألا يتجاوز هذا الحد 30 ضعف الحد الأدني، على أن يتم تقليل الفجوة بين الحدين الأدنى والأقصى للأجر بشكل تدريجى خلال 5 سنوات، مشيرا إلى أن الفروق فى الرواتب فى الدولة لا تكاد تكون ملحوظة، ففى الدول الاسكندينافية كالسويد والنرويج، لا يكون الفارق بين راتب الطبيب والممرضة شاسعاً، لكنهم يفرضون ضرائب قد تصل إلى 50% من الدخل، فضلا عن الأخذ بنظام الضريبة التصاعدية، كأن يتم تحصيل 10% ضريبة على أول 100 ألف بحسب العملة التى تتعامل بها الدولة، ثم تزيد الضريبة إلى 20% على ثانى 200 ألف، وقد تصل الضريبة إلى 40% على المليون الثاني، وهكذا، بينما فى مصر يجرى العمل بنظام الضريبة الموحدة والتى تمثل نحو 20% من قيمة الدخل، الأمر الذى لا يؤدى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية خاصة فى الدخول الكبيرة.
- فرقعة إعلامية
فى حين يؤكد عبدالرحمن خير عضو المجلس القومى للأجور أنه لا توجد تجارب دولية محددة يمكن الاستفادة منها فى شأن إقرار نظام بشأن حد أعلى للأجور، خاصة فى ظل الأخذ بنظام الاقتصاد الحر، مشيرا إلى أن محاولة إقرار حد أقصى للأجور يهدف إلى إرضاء الرأى العام، لكنه فى النهاية ليس مسألة سهلة، خاصة أن الدخول الكبيرة ليس لها علاقة بالأجر، وإنما ترتبط بعدد المناصب التى يتولاها المسئول، وعضويته فى العديد من مجالس إدارات الشركات والهيئات فى ذات الوقت، والتى تدر على صاحبها دخلا ماليا كبيرا.
ومن المعروف، أن الحد الأقصى للأجر فى القطاع الحكومى لا يزيد قانونا على 54 ألف جنيه شهرياً، إنما تتمثل الزيادة فى الدخل فى البدلات والمكافآت، وعضوية مجالس إدارات الشركات والهيئات والبنوك، وغيرها، موضحا أنه من الصعب تحديد راتب لبعض أصحاب الكفاءات، والخبرات، والتخصصات النادرة كخبراء الذرة، والأقمار الصناعية، ومن ثم يتم تحديد رواتب شاغلى هذه الوظائف وفقا لاحتياجات السوق.
والحال كذلك، يرى عبدالرحمن خير أنه فى كل دول العالم تكون لكل وظيفة مزايا مادية وعينية، ويكون لشاغل الوظيفة حقوق مثلما عليه التزامات، ومن ثم يحصل على راتبه وفق خبراته، وأدائه، وإنجازه فى القطاع الذى يعمل به، ومن الممكن أن يترك وظيفته إلى وظيفة مماثلة فى مكان آخر براتب أعلي، فالأمر كله يرتبط بالعرض والطلب، واحتياجات السوق.
- كادر الوظائف
وقد أقرت منظمة العمل الدولية الحد الأقصى للأجر بما يتراوح بين 25 و32 ضعف الحد الأدنى للأجر، ويجب أن يكون الراتب الأساسى هو الأساس، والاستثناء هو البدلات، والمكافآت، والحوافز، وبشكل عام، يجب أن يتناسب الراتب والدخل مع مهارات، وخبرات، وكفاءات الموظفين، هكذا قال لى الدكتور فؤاد أبوستيت الخبير الاقتصادى، ومن الأهمية أن يتواكب مع ذلك تعديل فى اللوائح والقوانين بحيث يتم إصدار لوائح تحدد وظيفة واحدة لكل مسئول، كما يجب تحديد عضويته فى الجمعيات العمومية المختلفة، واللجان، ومجالس إدارات الشركات والبنوك، حتى لا يحصل شخص على ملايين الجنيهات فى صورة مكافآت، واجتماعات لجان، ومن ثم يجب تفعيل قانون تقديم إقرار الذمة المالية للموظفين بالجهاز الحكومي، ومعاقبة من يتلاعب فيها.
وفى الدول المتقدمة ـ والكلام مازال لأبوستيت - يكون شغل الوظائف وفق شروط، ومعايير، وتتمتع عملية شغل الوظائف بالشفافية الكاملة، وفى دولة مثل انجلترا يضعون كادراً للوظائف، فى مقابل التزامات محددة يقوم بها الموظف، ويتقاضى عنها الراتب الذى يقرره الكادر لمثل هذه الوظيفة، أما الترقيات وما يستتبعها من زيادة فى الرواتب فتتم وفق معايير محددة، كما أن الموظف أو العالم يحصل على نسبة من الربحية حسب راتبه. أما فى مصر، فالمعايير غامضة، وهناك تفاوت كبير بين راتب موظف فى جهة، ورئيسه، أو زميله فى جهة أخري، حيث تحصل القيادات على ملايين الجنيهات، فى حين يحصل صغار الموظفين فى نفس الجهة على مبالغ زهيدة، وفى مصر أيضاً، نجد مسئولا يشغل العديد من الوظائف، وعضوية العديد من مجالس إدارات الشركات والهيئات وهو فى الحقيقة لا يتمتع بالخبرة المطلوبة، ومن ثم يتقاضى مئات الآلاف من الجنيهات شهرياً، فى حين يحصل العاملون والموظفون فى تلك الهيئات على مبالغ زهيدة شهرياً، الأمر الذى يعكس الفجوة الكبيرة فى الدخول، والتى صارت واضحة للجميع. غير أن هذا الحد الأقصى للدخول يمكن تطبيقه فى القطاع العام، ولا يمكن بأى حال إلزام القطاع الخاص بتطبيقه، ولكن يمكن فرض ضريبة تصاعدية على الدخل فى مصر.
- فلسفة الإدارة بالأهداف
وفى القطاع المصرفي، لا يمكن إقرار حد أقصى للأجر فى مصر، لاسيما أن هناك فروعا لبنوك أجنبية داخل البلاد وتمنح موظفيها رواتب قد تكون مماثلة لموظفيها فى فروعها فى دول العالم المختلفة، كما يجرى تبادل الخبرات المصرفية بين البنوك برواتب متفاوتة لكنها مرتفعه، لأنهم يتعاملون- كما يقول أحمد قوره الخبير المصرفي - وفقاً لمنطق الأجر مقابل العمل، حيث يتقاضى الموظف أجراً ثابتاً وحوافز ومكافآت ونسبة من الأرباح، وهناك أعمال فنية أخرى يجب أن يتمتع صاحبها بدرجات عالية من المهنية، ومن ثم من الصعب إلزامه بحد أقصى للأجر فى مكان ما، وفى النهاية تبقى هذه النوعية من الوظائف رهن ظروف العرض والطلب.