Share |
ديسمبر 2011
6
الفن التشكيلي ودوره في المجتمع العربي. بين النسيان والتفعيل
المصدر: جريدة التعاون
بقلم:   وليد نشات


الفن جزء مهم من حركة المجتمع ولا يمكن فصل هذا الجزء عن الكل لهذا لعب الفن دورا مهما في المجتمعات الغربية. علي سبيل المثال كان الفن في فترة تاريخية معينة يؤكد علي القيم الالهية والجمال الطبيعي، اي ان الله كان المحور الوحيد للفن. كان في فترة تاريخية اخري له دور في بناء الروح المعنوية والاستقامة، وفي فترة اخري يدافع عن الفكر الشمولي، وبالعكس في فترات اخري كان للفن دور فاعل في محاربة الظلم والنظم البائدة. وفي فترة تاريخية اخري اصبح الفن من اجل الفن. الخ. الخ. هذا التفاعل المتبادل بين الفن والمجتمع كان ولا يزال مستمرا في الدول الغربية، يتغير دور الفن والفنان حسب تطور هذه المجتمعات وحركتها. اي ان الفن جزء فاعل ومهم من حركة المجتمع وتطوره. اي ان هناك حركة حية متحركة وجدلية.
يتحدث عن التجربة الفنية وفعلها الفيلسوف الفرنسي فرانسوا ليوتار (1924 - 1998) فيقول "في الفن يمكن ان تكون التجربة شديدة ومؤثرة جدا، نعم شديدة، والفن المهم الباقي هو الفن ذو الطابع الكوني لأنه يكسر كل الحواجز وكل الحدود. هذا يجعل من هذه التجربة مؤلمة في البداية لكن هي تجربة مفرحة ايضا مليئة بالحياة - بدرجة قصوى "عند دراسة حركة الفن التشكيلي العربي تجد ان هناك هوة كبيرة بين الفنان والمتلقي وبين الفن والمجتمع". هذه الهوه أو المسافة الكبيرة لها أسباب عديدة منها تاريخية، دينية، ثقافة، نظام التعليم، الأمية التعليمية والثقافية، الحروب المدمرة، السلطات الرجعية، دور الفنان السلبي والانعزالي في قضايا المجتمع، الاغتراب. الخ. الخ. الخ. هذا عرض سريع لأسباب المشكلة. وهناك وفي هذه الدراسة القصيرة أريد أن ابدأ بمشكلة الاغتراب كعامل مهم جدا وأساسي في حالة عدم استيعاب المتلقي العربي وللفنان العربي في آن واحد. أكيد هناك نخبة قليل تهتم بالفن وهذه النخبة اما من الاغنياء ماديا واغلبهم لديهم تصور عن الوسط الفني الغربي ولديهم قدره مادية لاقتناء العمل الفني أو من الوسط الفني نفسه.
الفن التشكيلي العربي المعاصر بالخصوص (هنا المعاصرة تعني من بداية القرن التاسع عشر الي الان) غريب علي المنطقة العربية لأنه معزول عن المجتمع بشكب كامل، هناك غربة قاسية تبعد الدور المرجو من الفن ومن الفنان علي حد سواء ومن نتاج هذه العلاقة المهمة والمؤثرة بين هذين الطرفين. هذه الغربة قائمة بالأساس علي قضية خطيرة جدا وهي الأسس التي قام علي أساسها الفن العربي. كانت البدايات قائمة علي استيراد نخبة من العرب الدارسين لطرق ونماذج من الفنون الغربية في الغرب ومحاولة زراعة هذه الخبرات والتجارب في بيئة شرقية، عربية وفي الغالب اسلامية غير مناسبة ومنسجمة البتة مع الأصول. عدك الانسجام هذا ادي الي عزوف المتلقي بشكل عام عن الاندماج والتفاعل مع هذا النتاج المبني علي نتاج ثقافي بعيد كل البعد عن الواقع الذي يعيش فيه وهذا الواقع المعاش للمتلقي العربي ليس له اي علاقة لا من قريب ولا من بعيد عن المنشأ. اي ان هناك قطعية معرفية بين المتلقي والمنشأ. لهذا تجد مثلا حتى عوائل الفنانين والمشتغلين في العمل الفني ليست لهم علاقة مع الفن مما يؤدي الي غربة مضاعفة.
اضافة الي ذلك ان المتمكنين ماديا في الغالب لا يمتلكون وعيا جماليا يساعدهم علي تحفيز الوسط الفني وتطويره بشكل ايجابي. السبب الآخر الكبير لهذه المشكلة هو عجز المؤسسات التعليمية المتكلة علي توظيف وسائل وطرق التعبير الجديدة هذه منهجيا بما يتناسب مع الواقع العربي التاريخي واليومي المعاش. هناك خلل كبير في تعليم الفن في المدارس الابتدائية والمتوسطة والإعدادية وحتى في المدارس المخصصة للفن بسبب انعدام مناهج فنية دراسية قائمة علي مناهج اكاديمية مدروس. وبسبب حداثة هذه المادة الفنية علي المناهج التعليمية القائمة. هناك فارق شاسع بين الاكاديميات الغربية والتي تتجاوز اعمارها المئات من السنيين والأكاديميات الفنية العربية الحديثة العهد القائمة هيه أيضا غلي الاغتراب.
السبب الثالث هو انعزال الفنان التام عن المجتمع وقضاياه بشكل غريب وكبير، وإذا وجدت هذه العلاقة فهي عبارة عن جزء من الحكومة او جزء من مكانة الدكتاتور العسكري (الفن من اجل المعركة). وقد يكون سبب دور الفنان السلبي الغربة الاولي اي ان جيل الرواد جاءوا بقيم جديدة علي البيئة العربية مما حدا بكثير منهم الي الانطواء علي نتاجه الفني غير عابئ بالمحيط الخارجي الذي يعيش فيه. الفنانون الاوائل جاءوا بتقنية وليس بوعي فني اكاديمي عميق اي نظرية فنية مثلا جاء فائق حسن (فنان من العراق) بوعي تقني فني جميل لكن بدون وعي ثقافي تنظيري ممكن علي اساسه بناء حركة فنية جمالية.
رابعا الغياب الذي قد يكون متمم لدور الناقد الفني الذي يساهم بشكل كبير في بناء وتطور العمل الفني والاتجاهات الفنية.
خامسا مشكلة المتلقي الذي لا يعول عليه ولا يعي أهمية دورة ولا حتى دور الفن والفنان لأسباب عديدة منها الأمية، عدم المعرفة بالعوالم التي يبحث الفن في افقها، فقدان المكان المناسب لالتقاء المتلقي والفن، هذا يعني قلة اماكن العرض - المتاحف وصالات العرض والتي هي أيضا نخبوية لا تنتمي للمكان. اي هي اماكن شاذة عن المحيط العام مثلا المتحف الوطني للفن الحديث (كولبنكيان) في بغداد - العراقي الواقع في الباب الشرقي، بناية هادئة وجميلة ومحتوي فني قد يكون جيد، لكن لا أحد من عامة الناس المحيطين بالمكان هذا لهم دراية ومعرفة بالمكان ومحتوياته سادسا سببا اخر مهم في عملية الاغتراب هو الغياب الفاعل لدور نقابات وجمعيات الفنون في العالم العربي التي هي تدافع عن حقوق الفنانين وإنتاجهم الفني وان وجدت هذه النقابات فليس لها اي دور، وان وجد فلا يعول عليه ومحدود جدا وغير مستقل وتابع كامل للنظام والسلطة القائمة، اي جزء من ممتلكات السلطة.