Share |
سبتمر 2009
13
الأعجمي في القرآن بين الإثبات والنفي
المصدر: الأهرام اليومى

د. احمد كشك

هل هناك كلمات أعجمية في القرآن الكريم؟ قضية قديمة جديدة ناقشها العلماء واللغويون والمفسرون وكانوا أمامها ثلاثة آراء: رأي يقول بخلو القرآن من الكلمات الأعجمية وإن كل كلماته وألفاظه عربية أصيلة, وأخر يقول بوجودها في القرآن وخاصة أسماء الأعلام وثالث يقول إن مثل تلك الألفاظ مشتركة بين العرب وغيرهم وإن العرب لما عربوها واستعملوها في أساليبهم صارت تنسب إليهم باعتبار استعمالها لا باعتبار أصلها.
أما في أيامنا هذه فالقضية لا تزال مسيطرة علي أفكار اللغويين والباحثين خلال مناقشاتهم في المنتديات الأدبية, لدرجة أن المهندس عبد المنعم الغروري طالب بعقد مؤتمر دولي لعلماء العربية لإعادة النظر فيما قاله العلماء والمفسرون من قديم وحتي الآن حول الأعجمي في القرآن نافيا ـ بل ناسفا بشدة مقولة أن يحتوي القرآن الكريم علي لفظ أعجمي. ويرد علي بعضهم ممن حصر أسماء الأعلام الأعجمية في القرآن فوجدها 58 علما منها ما هو ممنوع من الصرف (42 علما) والباقي مصروف, ويشرح ذلك عمليا في كتاب له عن "خلو القرآن الكريم من الألفاظ الأعجمية" ويحلل كل علم من هذه الأعلام ويرجعها إلي أصله العربي.
ويصف مقولة إن القرآن الكريم يحتوي علي ألفاظ أوكلمات أعجمية بأنها اتهام بافتقار لغة القرآن إلي غيرها, وهذا لا يليق, ويعلل ذلك بقوله إن الله تعالي أرسل كل رسول بلسان قومه ومحمد صلي الله عليه وسلم أرسل إلي العرب وخاطبهم بلغتهم فهل يستعين بمترجم يشرح للناس ما ورد من كلمات في القرآن توصف بأنها أعجمية؟
ويوضح أهم أسباب ما أثير عن احتواء القرآن الكريم علي ألفاظ يظن أنها أعجمية بأن بعض السلف الصالح لم يلتفت إلي الغريب من الألفاظ في القرآن فأحالها للعجمة إلي أن جاء العالم أحمد بن فارس فكشف في معجمه (المقاييس) عن مئات الألفاظ والتراكيب العربية التي كان يظن البعض أنها غريبة أو أعجمية وذلك من خلال منهج التنسيل العربي (النحت), ولم يتطرق ذلك العالم إلي محاولة إثبات عربية ما يتهم بالعجمة من بعض ألفاظ القرآن, لأنه سلم بعربية جميع ألفاظه وأصالتها, كما أكد ذلك العالم محاولة إثبات عربية ما يتهم بالعجمة من بعض ألفاظ القرآن لأنه سلم بعربية جميع ألفاظه وأصالتها كما أكد ذلك الامام الشافعي والله تعالي قبل ذلك برأ قرانه من ذلك الاتهام من فوق سبع سماوات في كثير من آياته المحكمات. ومنها قوله تعالي في سورة فصلت ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لولا فصلت آياته "أعجمي وعربي"؟
ويضرب مثالا علي ما قيل أنه أعجمي في القرآن الكريم بكلمة "التوراة" مؤكدا أصلها العربي فيقول أنها وردت في القرآن بالرسم (توراية) وتجمع لفظي "تور" ومعناه في معجم لسان العرب الرسول بين القوم و"آية" وهي معروفة, وهذا الرسم توقيف من الرسول صلي الله عليه وسلم لسيدنا عثمان ليكتبها بهذا الرسم. الدكتور أحمد كشك العالم اللغوي وعميد كلية دار العلوم ـ جامعة القاهرة ـ سابقا يقول إن القرآن نزل بلسان عربي مبين وصاحبه عز وجل حكم عليه ولا يستطيع أحد من البشر أن يعارض ولغة القرآن تشم بها نفس الألوهية بينما تلمس في لغة التلمود و التوراة نوعا من الانسانية. وهناك فرق بين اللغة العربية كلغة بشر, وبينها كنص قرآني, ففي المقام الأول اضعها في محل جدل ونقاش كلغة امرئ القيس أو غيره لانها لفلان. أما في المقام الثاني وهومقام النص القرآني الذي أحكم بسياق فسره عند ربه.
والنحاة العلماء خافوا من القرآن وفضلوا البعد عن دراسته من منظورهم وجلا وخشية من الله تعالي, وقال د. كشك وائه يحيي أي باحث يبين أن لغة القرآن عربية محضة بأسلوب علمي قائم علي التحليل اللغوي السليم
د. جابر قميحة استاذ الأدب بجامعة عين شمس والباحث في الدراسات اللغوية الفارسية, يقول المعروف والمؤكد أن القرآن نزل بلسان عربي مبين, كما أنه من المعروف أيضاً أن اللغة العربية مرنة واسعة حتي قال عنها د. ابراهيم أنيس "إن اللغة العربية تضم من الكلمات ما يجعلها أغني لغة بين اللغات كلها قديمها وحديثها", ولكننا من ناحية أخري لا نستطيع أن ننكر أن في القرآن بعض الكلمات الأجنبية غير العربية وذهب السيوطي وغيره إلي أنها قرابة (150) كلمة وهي نسبة ضئيلة جداً بالنسبة لكلمات القرآن التي تبلغ عشرات الآلاف ومن هذه الكلمات مثلاً كما ذكر في هذه الكتب كلمة (الأرائك) وتعني (الكنبات) التي تستخدم في الجلوس عليها. وكلمة (إستبرق) وهو النسيج المطرز, وكلمة (أباريق) وكلمة (غساق) وهو الصديد وكلمة ( سجيل ) ومعناها الطين المحروق وهذه الكلمات من اللغة الفارسية. ومن اللغة الآرامية (هاروت وماروت) وكلمة "سكينة" وتعني مجد الله. ومن اللغة العبرية (الماعون) وتعني الصدقة, وكلمة (الأحبار) جمع حبر وتعني المعلم . ومن اللغة الحبشية كلمة (مشكاة) وتعني الكوة. ومن اللغة السريانية (الطاغوت) وتعني الأوثان, وكلمة (سورة) ومعناها فصل من كتاب, وكلمة (الزكاة) ومعناها صدقة. ومن اللغة القبطية كلمة (التابوت) وذهب بعضهم إلي أن كلمة (الفرقان) كلمة آرامية وتعني الفداء وكلمات أخري. والسؤال الذي يطرح نفسه هو. كيف يكون القرآن قد نزل بلسان عربي مبين بينما نجد فيه هذه الكلمات الأجنبية؟ وجوابنا علي هذا السؤال كما يقول د. قميحة, يتلخص في النقاط الثلاث التالية النقطة الأولي أن هذه الكلمات قليلة جدا لا تنفي عربية القرآن, الثانية أن أغلب هذه الكلمات يمكن ردها إلي جذور عربية مثل كلمة الماعون فاننا نجد أن جذورها عربية وهي (عون) والنقطة الثالثة في أن هناك كلمات أعلام مثل (هاروت وماروت) والمعروف أن العلم ينقل بشكله الذي ينادي به بصرف النظر عن اللغة التي ينتسب إليها.
قد يدور خاطر آخر وهو ما الحكمة من استعمال القرآن لهذه الكلمات الأجنبية, مهما قلت مع وجود مرادفات في اللغة العربية؟! وأنا أري ان هناك كلمة من ذلك تدل علي عالمية القرآن, وكأنما يشير الله سبحانه وتعالي بهذه الكلمات الي شعوب ودول علي المسلمين ان يصلوا إليها لنشر هداية القرآن والقيم الاسلامية, كأنما يقول تذكروا فارس والحبشة والدولة الرومية وانشروا فيها علمكم ونور دينكم ولغتكم وذلك علي سبيل الإلماع السريع, وهذا ما فعله المسلمون. ولكن علينا أن نتذكر أن اللغات الأخري اقتربت منها كلمات كثيرة من العربية مثل كلمة (شريف sharif) بمعني رئيس الحي أو العمدة, هي في اللغة العربية الشريف, وكلمة (قنال) وهي مأخوذة من العربية قنا البحر. والمستشرقة الألمانية(زي غريد هونكه) في كتابها "شمس الله تشرق علي الغرب " قد اوردت عدداً كبيراً من الكلمات الأجنبية المأخوذة من العربية, فعلينا أن نعتز بقرآننا لغة وعقيدة ومبادئ.