Share |
ديسمبر 2011
18
المرجعية الإسلامية فى الحياة الاقتصادية (1)
المصدر: الأهرام اليومى

د . طه عبدالعليم

لا جدال أن إعلاء مباديء ومقاصد الإسلام تمثل سلاحا للتقدم؛ حين يسعى «المسلم» فى الحياة الاقتصادية إلى ما يدعو إليه الإسلام. من عمل وعلم وعدل وادخار وإعمار وإتقان. إلخ. وحين ينبذ «المسلم» ما ينفر منه الإسلام. من غش وظلم وربا وجهل وإسراف واستغلال واحتكار وإكتناز. إلخ. ورغم كراهية البعض لحديث «الوطن والوطنية والمواطنة»، أزعم أن الالتزام بهذه المباديء والمقاصد يعنى إعلاء قيم تحترم «الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنة».
لكننى أعلن باستقامة واجبة أن التحلى بقيم الإسلام لا يعني: الزعم بأن نظاما اقتصاديا بعينه يتوافق مع الإسلام دون غيره! أو البحث فى أحكام الإسلام عن علم الاقتصاد! أو الحديث عن «نشاط اقتصادى إسلامي» فى الزراعة أو الصناعة أو التجارة أو غيرها! لكن للقيم الدينية والثقافية السائدة تأثير لا يخفى على الحياة الاقتصادية، وفى هذا السياق فقط نفهم من يقول اقتصاد «إسلامي» يعلى القيم الإسلامية، واقتصاد «مسيحي» يعزز الأخوة المسيحية، واقتصاد «يهودي» يقدس قيمة المال، واقتصاد «آسيوي» يحترم العمل الجماعي. إلخ.
والأمر أن «علم الاقتصاد»؛ باعتباره علم التخصيص الرشيد للموارد الاقتصادية من أجل إشباع الحاجات الإنسانية، يطلبه المسلم ولو فى «الصين الشيوعية الملحدة» أو فى «الغرب المسيحى الكافر»! و«النشاط الاقتصادي»، فى الإنتاج والتوزيع، هو نفس النشاط من مدخلات ومخرجات وبيع وشراء، والسلعة هى السلعة والتبادل هو التبادل؛ فليس ثمة زراعة إسلامية أو تجارة إسلامية. وفى «النظام الاقتصادي» يبقى المسلم مسلما، مهما تغيرت أوزان وأدوار السوق والدولة، والقطاع العام والقطاع الخاص. إلخ. ويبقى التكامل هو التكامل؛ ولا تزيد الدعوة إلى «تكامل اقتصادى اسلامي» عن مطالب تتطلع إليها جميع الشعوب، وبينها شعوب الدول الإسلامية؛ فى صراعها ضد التخلف والتبعية، ومن أجل تسريع التنمية وتعظيم التنافسية.
وما ذكرته من قيم مرجعية إسلامية فى الحياة الاقتصادية، لا تختلف إلا استثناء عن منظومة القيم الإنسانية، الدينية والأخلاقية، التى ارتقت بدءا من بزوغ فجر الضمير فى مصر الفرعونية وحتى الحضارة الغربية المعاصرة. ذلك انه لا يقوم اقتصاد بغير إعلاء قيم العمل والعلم والعدل والادخار والإعمار والإتقان، ولايستقر مجتمع مع الغش والظلم والربا والجهل والإسراف والاستغلال والاحتكار والإكتناز. إلخ. ولنتأمل بعقل نقدى موضوعى قصص النجاح أو الفشل فى تاريخ وواقع مصر والعالم، ولنتذكر أن تطور واستقرار البلدان الصناعية المتقدمة قد استند إلى أسبقية تنمية الاقتصاد الحقيقى وحصار «الربا». وفى المقابل كانت أسعار الفوائد المصرفية فى البلدان الاشتراكية تغطى بالكاد المصاريف الإدارية للبنوك، وهو ما أدى الى تبديد الموارد بالإسراف فى طلب التمويل شبه المجاني، ومن ثم تدنى كفاءة تخصيص الموارد وعدالة توزيع الفقر.
ولا جدال أن اجتهادات التيارات الفكرية «الإسلامية» بشأن الحياة الاقتصادية واجبة الاحترام. لكن هذا لا يعنى القبول بادعاء أن هذا الاجتهاد أو ذاك هو حكم الإسلام غير القابل للنقاش، طالما أن الاجتهادات تتباين، بدءا من القول باشتراكية الإسلام ورأسمالية الإسلام والاقتصاد الإسلامى المختلط، نتيجة تغير الأحوال وتعارض المصالح واختلاف الرؤي. ويبقى معيار قبول أو رفض هذا الاجتهاد أو ذاك هو توافقه أو تعارضه مع مصلحة المسلمين وغيرهم من مكونات الأمة، ما ينفع أو يضر بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنة. ولنتذكر أن الموقف النقدى يدور هنا حول اجتهادات بشر. وبين ما ينفع دون جدال ما أكده رواد الفكر السياسى الإسلامى المعاصر بشأن أولوية توظيف المال فى تنمية الإنتاج، وإعلاء قيمة العمل المنتج، وإقامة العدل الاجتماعي، ورفض الاحتكار والمغالاة فى الأسعار، واعتبار تجارة العملة والمضاربة بالسلع والتلاعب فى البورصة ضروبا من القمار والربا والغش، وتحريم كل نشاط اقتصادى يضر بالصالح العام حتى وأن أباحه نص ظنى الدلالة، وإخضاع كل المؤسسات الاقتصادية والمالية للنظام العام فى البلاد. الخ. وهنا تبرز اجتهادات رائدة طرحتها مؤلفات مثل: «العدالة الاجتماعية فى الإسلام» لسيد قطب، و«المال والحكم فى الإسلام» لعبد القادر عودة، و«الإسلام والأوضاع الاقتصادية» لمحمد الغزالي، و«اشتراكية الإسلام» لمصطفى السباعي، و«اقتصادنا» و«البنك اللاربوى فى الإسلام» لمحمد باقر الصدر، و«الحكومة الإسلامية» لأبى الأعلى المودودي. إلخ.
وقد أشير هنا إلى أن برامج حزب الحرية والعدالة وحزب النور، وإن أبرزت الكثير من القيم المرجعية الإسلامية فى الحياة الاقتصادية التى أشرت إليها أعلاه، فإنها لم تشر إلى «اقتصاد إسلامي». ولكن تلفت الانتباه دعوة حزب الحرية والعدالة إلى «إحلال المعاملات والمؤسسات المالية الإسلامية تدريجياً محل المعاملات والمؤسسات الربوية»، ودعوة حزب النور إلى «التوسع فى صيغ التمويل الإسلامية المبنية على المشاركة فى الأرباح وفى الإنتاج، بدلاً من النظام الربوى القائم على الفائدة».
والواقع أن الفوائد الربوية قامت على أساسها فئات وأمم «ريعية» أثرت على حساب حاجة المنتجين والفقراء للائتمان والقروض. وقد اعتبر الفكر الإقتصادى أن الفوائد «ربوية» حين زادت على أصل الدين، وابتلعت ليس فقط الناتج الفائض عن الاستهلاك الضرورى للفلاحين والحرفيين والتجار الصغار والفقراء؛ وابتلعت كل أو بعض الناتج الضرورى لتغطية الحاجات الأساسية للحياة، بل واغتصبت منهم وسائل الإنتاج والرزق. كما اعتبرت الفوائد «ربوية» حين تجاوزت معدلات الربح المتوسط للرأسماليين فى الصناعة والزراعة والتجارة، وفيما يسمى بالقرض الاستهلاكى لإشباع حاجات إنسانية أساسية، كالعلاج أو المسكن أو الملبس. إلخ.
وفى البلدان الرأسمالية المتقدمة أضحى نظام الفوائد المصرفية الحديثة على القروض عائدا مقابل توظيف رأس المال فى مؤسسات الوساطة المالية، التى لا غنى عنها للاقتصاد المعاصر. وأخضعت الفوائد على القروض للتشريعات التى خفضتها؛ بهدف تشجيع الاستثمار ودفع التصنيع وتنشيط التجارة، ولم تعد القوانين، الاقتصادية والتشريعية، تسمح بالمغالاة فى أسعار الفائدة بما يهدر جدوى النشاط الاقتصادي، كما أضحت الفوائد متغيرة حسب حالة السوق ومعدل الربح، وصارت مرونتها أساسا لترشيد الاقتراض وزيادة الإدخار. ولكن لنتذكر أن سبب الأسباب وراء كارثة الأزمة المالية العالمية الأخيرة كان انفلات المعاملات المالية المقامرة والمضاربة «شبه الربوية» بالأوراق المالية فى «وول ستريت» تحت شعار GEED IS GREAT!
والواقع أن الدول الفقيرة المدينة، ومنها غالبية الدول الإسلامية، قد عانت من أعباء الفوائد الربوية لقروضها من الدول الغنية، التى زادت على مستويات الربح فى أنشطتها الإنتاجية. ولكن لنتذكر أن أعباء الدين الخارجى قد زادت شعوب الجنوب، المسلمة وغير المسلمة، فقرا على فقر، فى عقود الثروة النفطية العربية والإسلامية. والأمر أن «ثروات المسلمين النقدية» لم توظف فى الاستثمار الإنتاجى بالعالم العربى والاسلامي، بل فى أشد الاستثمارات ربوية فى بنوك وبورصات أمريكا وأوروبا. وقد أعيد إقراض «الفوائض البترودولارية» - المملوكة لبلدان إسلامية أعلنت القرآن دستورها وزعمت نبذ الربا- بفوائد شبه ربوية عبر بنوك الغرب وبشروط مؤسسات خاضعة له! لتوفير ضرورات الحياة لشعوب عربية ومسلمة؛ مات أبناؤها «جوعا» فى زمن «الوفرة» العربية والإسلامية! وللحديث بقية.