Share |
ديسمبر 2011
20
{إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون}
المصدر: الأهرام اليومى

د. زغلول النجار

هذه الآية القرآنية الكريمة جاءت فى بداية النصف الثانى من سورة «الحجرات», وتدور حول عدد من القيم الأخلاقية والسلوكية، ونركز هنا على وجه الإعجاز التشريعى فى تأكيد الأخوة بين المؤمنين, والأمر بالإصلاح بينهم إن حدث ما يعكر صفو هذه الأخوة, واعتبار ذلك وجها من أوجه تقوى الله التى تستوجب رحمته (سبحانه وتعالى).
من أوجه الإعجاز التشريعى فى الآية الكريمة
تؤكد هذه الآية الكريمة على حقيقة الأخوة بين المؤمنين, والتى من مظاهرها الحب, والتعاون, والوحدة. والمؤمنون بشر, والبشر معرضون لنزغات الشياطين التى قد تفسد العلاقة بين أى اثنين منهم, مع أن الأصل فى هذه الأخوة أن يسودها من معانى الترابط, والتعاون, والمحبة, والسلام ما يتغلب على الشيطان وجنوده. ولكن يبقى الإنسان هو الإنسان, بكل ما فيه من الضعف البشرى الذى قد تستغله شياطين الجن والإنس من أجل تعكير صفو هذه الأخوة بشيء من الخلاف الذى قد يصل أحيانا إلى حد الاقتتال.
وهنا يأتى دور الجماعة المسلمة للإصلاح بين المقتتلين على أساس من الحق والعدل. ويستباح فى ذلك قتال الفئة الباغية لردها عن بغيها من أجل تحقيق شرع الله, والمحافظة على الأخوة بين المؤمنين.
ولذلك جاءت هذه الآية الكريمة مباشرة بعد قول ربنا- تبارك وتعالي: «وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَتِى تَبْغِى حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْل وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ. إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُم وَاتَّقُوا اللَّه لَعَلكُم تُرحَمون» (الحجرات: 9 و10).
والآيتان الكريمتان تؤكدان على دور الجماعة المؤمنة فى المحافظة على مجتمعات المؤمنين من التفكك الذى قد تكون دوافعه فتنة أو وشاية من عدو فاسق فيندفع أحد الأطراف المؤمنة وراءها بدوافع الحمية أو العصبية لقتال إخوانه المؤمنين دون التثبت مما يكون قد وصله من أخبار.
وأعداء الإسلام فى زماننا أدركوا أننا نعيش فى زمن التكتلات البشرية الكبيرة فتوحدوا, وهم فى الوقت نفسه يسعون بالوقيعة بين المسلمين باستمرار من اجل تحقيق المزيد من تفتيتهم حتى لا تقوم لهم قائمة. وعلى الجماعة المؤمنة أن تتدخل على الفور لرأب الصدع, ولم الشمل, وجمع الكلمة, وإصلاح ذات البين, على أساس من إقرار الحق والعدل لأن الله- تعالي- يحب المقسطين. وهذا التكليف الإلهى لجماعة المؤمنين كى يقوموا على الفور بدور الإصلاح بين الطائفتين المؤمنتين المتقاتلتين نجد فيه محافظة على أرواح وأعراض وممتلكات المؤمنين, وتحقيقا للعدل على وجه الأرض. فإن بغت إحدى الطائفتين ورفضت الصلح, وقبول حكم الله فعلى جميع المؤمنين مقاتلة الفئة الباغية حتى تفىء إلى أمر الله بقبول حكمه وتطبيق عدله, طاعة له, وطلبا لمرضاته, ولذلك جاءت الآية الكريمة التى اتخذناها عنوانا لهذا المقال بالتأكيد على حقيقة الأخوة بين المؤمنين. تلك الأخوة التى تستوجب الحب والسلام والتعاون والوحدة أكثر من وجوبها بين أى فردين أو جماعتين من غيرهما.
وفى التأكيد على حتمية ترابط المؤمنين وتعاطفهم وتراحمهم نورد هنا بعض أقوال المصطفى - صلى الله عليه وسلم - التى تحض على ذلك, والتى منها ما يلي: «لا تصاحب إلا مؤمنا, ولا يأكل طعامك إلا تقى» (أبو داود؛ الترمذى)، «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» (صحيح مسلم)، «مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، (صحيح مسلم)، «يطبع المؤمن على الخلال كلها، إلا الخيانة والكذب» (مسند أحمد)، «المؤمن من أمنه الناس على أنفسهم وأعراضهم وأموالهم» (صحيح مسلم)، «ما من شىء أثقل فى ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن, إن الله يكره الفاحش البذيء, وإن صاحب حسن الخلق ليبلغ به درجة صاحب الصوم والصلاة» (مسند أحمد)، «قد أفلح من أخلص قلبه للإيمان, وجعل قلبه سليما, ولسانه عفا, ونفسه مطمئنة, وخليقته مستقيمة» (صحيح ابن حبان)، «المرء على دين خليله, فلينظر أحدكم من يخالل» (سنن أبى داود)، «مثل الجليس الصالح كمثل صاحب المسك, إن لم يصبك منه شىء أصابك من ريحه, ومثل الجليس السوء كمثل صاحب الكير إن لم يصبك من سواده أصابك من دخانه» (سنن أبى داود).
من هنا كان اهتمام الإسلام العظيم بضرورة بناء المجتمعات المؤمنة على أساس من الأخوة الإيمانية القائمة على الحب فى الله ولله, وعلى التعاون على البر والتقوي, وعلى إحقاق الحق وإزهاق الباطل, وعلى احتواء أى اختلاف فى وجهات النظر فورا حتى لا تتطور هذه الاختلافات إلى حد الاقتتال. فإن وصل الأمر إلى هذا الحد فعلى الجماعة المؤمنة التحرك فورا للإصلاح بين المؤمنين المتخاصمين أو المتقاتلين صونا لدماء المسلمين ولوحدة المجتمع المؤمن من التفكك والتفرق. ويأتى هذا التشريع الربانى الحكيم لإقرار الحق والعدل والصلاح, وتحقيقا لوجه من أوجه تقوى الله, طلبا لمرضاته. ويستباح فى سبيل تحقيق ذلك قتال جماعة المؤمنين للبغاة من إخوانهم لردهم عن بغيهم وإرجاعهم إلى صفوف المؤمنين. ولكى يتحقق ذلك لا بد من وجود مرجعية واحدة للمسلمين على هيئة إمامة واحدة يرجع إليها الجميع, ويسمعون لحكمها ويطيعون, لأن المسلمين لم يضعفوا إلا بعد أن فقدوا مرجعيتهم التى كانت متمثلة فى دولة الخلافة الإسلامية التى تم إسقاطها بمؤامرة دولية استمرت لعدة قرون حتى تحقق ذلك فى سنة 1924م. وإذا أراد المؤمنون استعادة دورهم من جديد على هذه الأرض فعليهم إحياء معنى الأخوة الإيمانية فى حياتهم, والسعى لإصلاح ذات البين فى مختلف المجتمعات المتقاتلة والمتنازعة على أراضيهم, بتكوين المرجعية الواحدة التى يرتضى بها جميع المؤمنين، وقد آن الأوان لأهل الإيمان أن يستيقظوا للأخطار المحدقة بهم, وأن يستشعروا ضرورة إحياء معانى الأخوة الإيمانية فيما بينهم, وأن يبادروا بالإصلاح بين مختلف فرق المؤمنين المتصارعة على وجه الأرض, وأن يدركوا وجه الإعجاز التشريعى فى قوله تعالي: «إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم واتقوا الله لعلكم ترحمون» (الحجرات: 10).