Share |
ديسمبر 2011
24
مـصـر ياولاد
المصدر: الأهرام اليومى
بقلم:   سناء البيسى

سـناء البيـسى

أنا قلت لروحى الحمد لله انكشف المستور وانفضح الغموض ورفع الستار وانبلجت الحقائق وظهر اللهو الخفى، بعدما سلطت الأضواء الكاشفة الفاضحة عن شخصية الجناة الحقيقيين الذين عاثوا فى الأرض فسادا وقطَّعوا أوصال مصر الوطن والأم والملاذ فى أحداث إمبابة والسفارة الإسرائيلية وماسبيرو ومحمد محمود ومجلس الوزراء وقصر العينى. الخ. الخ. حمدا وشكرا للمولى فقد ألقت السلطات القبض على الأشرار الذين تمت إحالتهم إلى المحاكم المدنية وليست العسكرية طبقا للمطالب الثورية، وذلك بعدما انتقلت إلى ميدان الجريمة دوائر البحث والتقصى ورجالات المتابعة والاستدلال. أخيرا رأيناهم فى المواجهة على الشاشة رأى العين بلا تمويه أو قص أو لصق أو ترقيع. أخيرا الآثمون تحت الأنظار تتابع الكاميرات الراصدة خلجات وجوههم وتعبيرات سحناتهم وما تنطق به ألسنتهم من اعترافات. أخيرا أدخلنا الوحوش القفص بعدما طال البحث عنها حتى مللنا طول البحث والانتظار. أخيرا أمسكنا برأس الحربة التى تروع حياتنا وتهدد كياننا وتدمر اقتصادنا وترمل نساءنا وتيتم أطفالنا وتؤرجح بورصتنا وتجمد سياحتنا وتشمت أعداءنا وتكسر قلوبنا وأرصفتنا شذرات شذرات. الجميع كان فى انتظار اللحظةالحاسمة. الكل كان مستنفرا لرؤية اللقطات الفارقة. لحظات التوتر تشد حبال الأعصاب على شفا تمزيقها. لحظات حبس الأنفاس تسبق المشهد الجلل فبعدها يأتى المراد للعباد. و. الصدمة الحارقة. مسرح بريخت يعرض اللامعقول. العتاة الجناة أمامنا على الشاشة محمد وسعيد وعلى ثلاثة أطفال معطوبين مذعورين ليسوا في عمر الزهور فأبدا لم تنبت خلال أعمارهم الصغيرة المجففة أية زهور، وإنما صبار وأشواك وأوراق البانجو. أحدهم زرقته منتفخة من أثر الكدمات، والثانى صنعت سطور الدماء على وجهه خريطة لا يكاد يبين من بين تضاريسها المنبعجة سوى حدقات عيون زائغة وبقايا شفة مشقوقة دامية، وثالث مرتعش يجيب على أسئلة لا نرى سائلها لكن السؤال الكرباج اللامرئى يهبط على الكيان النحيل فيعترف اللسان المتلعثم بالجريمة النكراء، والاعتراف فى شرع القانون سيد الأدلة: «ورحنا حرقنا مبنى العلمى فى قصر العينى». وحمدا لله ظهر الحق وزهق الباطل مع فارق بأن الباطل لا يمثله هؤلاء الموؤدون أحياء محمد وسعيد وعلى وإنما فيمن أصبح الوطن لا يمثل لهم سوى أرض الغلبة والانتقام، حتى باتوا يوزعون على البلطجية والمسجلين خطر وأصحاب السوابق الخوذات قبل إطلاقهم من جحورهم كالجراد المبرمج لحرق الأخضر واليابس، وقد رأينا اعترافهم السادى السافر على الشاشات بتوزيع الخوذات بدعوى حماية الاعتصام. الباطل فى مصاصى دماء مصر الملعونين على أرضها وفي سمائها الذين جرفوا خيرها ونهبوا أرضها وهربوا أموالها واحتسوا دماءها فى كؤوس جماجم أطفالها نتاج زنا المحارم، النيام تحت الكبارى والأرصفة، المحشورون في الملاجئ المنهوبة زكاتها المنتهكة عذريتها المحطمة أبوابها وأسوارها.
وترسل الدعوات المؤطرة بذهبياتها للمؤتمر المعنى بأطفال الشوارع ونجتمع وننفض بعدما تقبِّل المؤتمرة مثيلتها المعطرة على جانبى هواء الوجنتين المحقونتين لتثنى على موديل حقيبتها المستوردة، ونخرج إلى بوفيه السيمون فوميه إثر خطابنا بالعربية واللغات الأجنبية ومناقشة القضية المستعصية بعد العديد من ورش العمل على الطريقة الأمريكية، واستضافات تأتى من بلادها تحكى تجاربها اللامجدية فى المسألة الشائكة، لنخرج بعدها بالتوصيات المحفوظة التى تسبقها العبارة الروتينية الممجوجة التى لا تلقى اعتبارا أو اهتماما أو التفاتا أو حتى إلقاء النظر ـ تماما مثل شرح مضيفة الطائرة لخطوات النجاة باستخدام الحقيبة الموجودة تحت المقعد ـ وهى عبارة أن أطفال الشوارع بمثابة القنابل الموقوتة.
وها هو التوقيت قد حان ودقت ساعة انفجار قنابل البؤس والهوان والإهمال في وجوهنا وظهورنا وصدورنا وأمننا ومصرنا، ولم يعد هناك وقت لفتح حقائب ما تحت المقاعد فالطائرة تتهاوى بنا بلا مظلات أمان، وأمامنا حريق وتحتنا غريق، وكان فى الإمكان أن نحول تلك القنابل إلى أكياس من حلوى ومزارع من تفاح وغيطان من سنابل وجنّات غنّاء وكساء وغذاء وأمن ومسكن وعلم وكتاب. وكان الثمن زهيدًا. مليار واحد لا غير يتنازل عنه طوعًا أو جباية أحد مصاصى الدماء من تل مليارات نهبوها وخبؤوها فى آخر الدنيا تحسبا لليوم الأسود، وها هو اليوم الأسود قد أتى عليهم وعلينا لتغرق بنا السفينة معا، بينما لم يكن ذلك المليار سيمثل لأى منهم ـ ومنهم من لم يزل يجنيه مضاعفا يوميا بيننا ـ أكثر من ميزانية حفل زفاف بمطرب عالمى، أو ثمن طائرة خاصة لامعة تقف على أهبة الاستعداد لوليمة عشاء فى مكسيم باريس، أو لنش يجوب أعالى البحار بشلة الأصدقاء، أو ديكورات قصر جديد قد لا يتسع الوقت لقضاء ليلة واحدة فيه. مليار واحد يا كلاب النهب والسلب والسعار وضياع البلد كان حتما سينزع فتيل القنبلة التى أودت بحياة كتاب «وصف مصر»!.
هذا الكتاب يا محمد يا ابنى اندفعتم كالقذائف الممنهجة لحرقه بكرات النار، ورقصتم رقصة الموت على جثته، وعندما استشرت ألسنة الدمار في مبناه الأثرى وتعالت أنّات استغاثات أوراقه وتأوهات مفاصل خرائطه انتشيتم بتحقيق الهدف من بعثتكم الغوغائية المارقة الحارقة. تمايلتم طربًا لدقة تنفيذ الأوامر التى ستأتى بمكافأة الخمسين والمائة والطعام والخِدر الذى يجعل من الأجساد حشوًا من قطن لا رَجْعَ فيها للطم أو ضرب. رفعتم أصابعكم الملوثة بدماء العقول بعلامة النصر انتقاما من الوطن والأم والعِلم. ثلاثية الطرد التى حولتكم لقنابل موقوتة، فقد نبذكم الوطن، ولفظتكم الأرحام لأرض الطريق، ولم يعن لأحد أن يغسل الطين من على وجه أحدكم ويقلم أظافره ويمسك بيده ليعلمه فك الخط وحفظ سورة من القرآن ترشده للحلال والحرام. فوقعتم فى شِباك الصياد فريسة سهلة يجعلها يده الطولى للخراب. هذا الكتاب العملاق ـ يا نبتة إهمالنا وأنانيتنا ـ لم يسبق لأحد أن شرح لكم مغزاه أو قيمة مبناه الذى راح فى حريقه إلى جانبه خمسين ألف كتاب. ومن قبل احترقت مثله في يناير الماضى آلاف الكتب والموسوعات النادرة من أيام محمد على حتى عام 1979 مع كافة وثائق ثورة يوليو التى شغلت 18 مجلدا وذلك فى الحريق المتعمد للمجلس الأعلى للصحافة فى الدورين السابع والثامن الذى امتد ليأكل مبنى الاتحاد الاشتراكى كله واجهة النيل الذى تنظر إليه النوافذ بأحداق مفحمة ودموع من سناج تشكو ظلم من لم يعد إنسانا، وحاشا لله أن يكون حيوانا، بل إبليس من نسل الشياطين هدفه محو ذاكرة أمتنا وجعلنا مع سبق الإصرار والحرق بلا هوية.
هذا الكتاب «وصف مصر» الذى حرقته يا محمد قام بتأليفه مائة وسبعون من صفوة العلماء والفنانين الشبان في فرنسا الذين قدموا مع حملة نابليون وحملوا معهم إلى أرض مصر مكتبة تضم خمسمائة كتاب إلى جانب دائرة معارف كاملة، وسجلات أكاديمية العلوم، وأعمال الشاعر فولتير، والقرآن الكريم، والكتابات المقدسة عند الهندوس، ومطبعتين واحدة للغة العربية وأخرى لليونانية، وبعد وصول الحملة أصدر بونابرت أمرا فى 2 أغسطس 1798 لاختيار مبنى مناسب ليضم مقر المجمع العلمى، وتم اختيار مجموعة من القصور في ضاحية الناصرية بالسيدة زينب تصلح لوضع المرصد والمعمل الكيميائى وورش الهندسة، وكانت بقصر قاسم بك قاعة اجتماعات رفيعة المستوى يجتمع فيها العلماء أعضاء المجمع لتبادل الأفكار، وفي أول اجتماع له فى 23 أغسطس 1798 تم انتخاب بونابرت نائبا للرئيس المنتخب «مونج» العالم الرياضى، وأصرّ نابليون على أن ينادى «بالمواطن بونابرت»، وبينما الجيش منهمك فى مطاردة المماليك كان العلماء والباحثون يتجمعون تحت خمائل حدائق القصر يتنسمون الهواء العليل ويستمعون إلى أوراق أبحاث مثل «الظاهرة البصرية التى تعرف بالسراب» وبعض الملحوظات عن «جناح النعامة»، وكان الكيميائى «بيرتولى» يقرأ لهم بحثه عن «الأمونيا» وعن طرق المصريين لإنتاج صبغة النيلة النباتية، واقترح عليهم العالِم «دوتيتر» خطة عامة لإنشاء مدرسة مصرية لدراسة الجاذبية الدقيقة الشعرية «الكهرباء»، وكثيرا ما كان العالِمان «فوربى» و«كورى» يأخذان جانبًا عن الجمع لمناقشة الرياضيات الرفيعة، وانصبت اهتمامات نابليون على دراسة كيفية تدبير مواد الوقود اللازمة لأفران الجيش، وما هى الوسائل الناجعة لترشيح وتبريد ماء النيل، وما هو الأنفع لمصر: طواحين الماء أم طواحين الهواء، وهل في مصر مواد أولية لصنع البارود، وما هى حالة التعليم والتشريع والقضاء المدنى والجنائى وإمكانية التدخل لإصلاحها، وكيفية الاستفادة من قمامة القاهرة وسائر مدن القُطر، والبحث فيما إذا كانت الأرض هى الكوكب الوحيد المسكون؟ وكم عمرها؟ وهل مسألة تفسير الأحلام صحيحة؟. وفيما إذا كان إصرار رجاله على عدم التختن يمنع اعتناقهم للاسلام؟ وكان بونابرت قد طلب قائمة من الضروريات لتأتيه عن طريق البحر من فرنسا من بينها فرقة من الممثلين، وفرقة من راقصات الباليه، وثلاثة أو أربعة على الأقل من ممثلى مسرح العرائس لعامة الشعب، وزوجات جميع العاملين معه فى الحملة، وعشرون جراحا، وثلاثون صيدليا، وعشرة أطباء، وعمال للمسابك، وخمسون بستانيا وعائلاتهم، وبذور لمختلف أنواع الخضر، و300 ألف ذراع من القماش الأزرق والأحمر، وصابون وزيت. ولم يصل من هذا كله شىء لنابليون، فقد غرق الأسطول الفرنسى!
وقد دعا بونابرت طلبة الأزهر وعددهم 1200 طالب لحضور مناقشات المجمع، وكان معهم المؤرخ الجبرتى الذى جاء فى وصفه للمجمع: «فى بيت حسن كاشف جملة كبيرة من كتبهم ومباشرون يحفظونها ويحضرونها للطلبة، وإذا حضر إليهم بعض المسلمين ممن يريد الفرجة لا يمنعونه الدخول إلى أعز أماكنهم ويتلقونه بالبشاشة والضحك وإظهار السرور، خصوصا إذا رأوا فيه قابلية أو معرفة أو تطلعًا للنظر فى المعارف فيحضرون له أنواع الكتب المطبوع بها أنواع التصوير وكروت البلاد والأقاليم والحيوانات والطيور وتواريخ القدماء وقصص الأنبياء بتصاويرهم ومعجزاتهم، وقد ذهبت إليهم مرارًا وأطلعونى، ومن جملة ما رأيته كتاب كبير يشتمل على سيرة النبى صلى الله عليه وسلم، وفى صفحة أخرى صورة الخلفاء الراشدين، وفي الأخرى صورة المعراج والبراق وبيت المقدس والحرم المكى والمدنى، وكذلك صورة الأئمة المجتهدين والسلاطين و«اسلامبول» وما بها من المساجد العظام كأياصوفية، وكثير من الكتب الإسلامية مترجم بلغتهم، ورأيت عندهم كتاب الشفاء للقاضى، والبردة للبوصيرى التى يحفظون أبياتها وترجموها بلغتهم، ورأيت بعضهم يحفظ سورًا من القرآن، وعندهم كتب مفردة لأنواع اللغات وتصاريفها واشتقاقاتها ـ قواميس ـ بحيث يسهل عليهم نقل ما يريدون من أية لغة إلىلغتهم فى أقرب وقت».
كتاب «وصف مصر» يا محمد المطبوع على ورق خاص أنتجته خصيصا مدينة «آرش» بمنطقة «فوسجى» ومقاس اللوحات فيه بأحجام غير مسبوقة تصل إلى 1354 × 704 ملليمتر، وبذا فقد صور «حجر رشيد» بحجمه الطبيعى، وقد أتاح الكتاب الفرصة لعدة اختراعات مطبعية منها القلم الصناعى الذى اخترعه العالِم «كونتيه» ليقوم برسم الخطوط الرفيعة والنقوش الغائرة، وقد أحدث ثورة فى عالم طباعة النسيج والورق الملون باختراعه الثانى لماكينة كبس اللوحة أوتوماتيكيًا مما أمكن خلال يومين أو ثلاثة نقش عدد من اللوحات كانت تقتضى ثمانية أشهر من العمل اليدوى.
وكانت المهمة الرئيسية لفنانى الحملة تسجيل كل مشاهداتهم في مصر حتى النقوش التى ظهرت على أوراق البردى رسموها دون أن يعرفوا معانيها. رسموا معابد الأقصر ودندرة والجوامع فى قاهرة المعز. رسموا قلعة الجبل وابن طولون والسلطان حسن. رسموا بوابات القاهرة القديمة. باب الفتوح وباب النصر وباب زويلة. دخلوا بيوت المماليك ورسموا ما بها من أثاث وروائع. رسموا الأسياد والحريم والجوارى وفى الحقول درسوا ورسموا النباتات ورسموا الصخور والأسماك والطيور والزواحف وكانت الصور التى رسموها للأهرامات وأبى الهول أول صور يراها العالم لها. واحتلت الموسيقى الشرقية جزءا من دراسات الفرنسيين فى كتاب «وصف مصر» فوضعوا النوتة الموسيقية لبعض ألحانها، كما رسموا الآلات الموسيقية من عود ومزمار وطبلة. وعندما اكتشف الضابط «بوشار» حجر رشيد قام بتسليمه للقائد «مينو» الذى احتفظ به لمدة عامين فى منزله بالإسكندرية وعندما سمع نابليون بالخبر أمر بتسليم الحجر إلى المجمع العلمى المصرى الذى وقف أمامه العلماء مكتوفى الأيدى إلى أن جاء فرانسوا شامبليون (1790 ــ 1832) فقام بفك الطلاسم ليفتح باب معرفة العالم بمصر وتاريخها القديم.
ويعد الفنان «بارون دومينيك فيفان دينون» أهم رسامى «وصف مصر» الذى التقى نابليون فى صالون «جوزفين دى بوهارنيه» فى فرنسا، ليصحبه فى حملته إلى مصر ليرسم فى الإسكندرية السيد محمد كريم، وعمود بومبى، وكنيسة القديسة كاترين، ومسلة كليوباترا، ويذهب مع الجنرال ديزى لملاحقة مراد بك فى صعيد مصر، وكثيرا ما كانت المناظر والآثار تستحوذ عليه فلا يبالى باللحاق بالجنود، ولا يحس أحد بغيابه إلا فى المساء فيرسلون بقوة تحميه من البدو، وفى هيروموبوليس في مصر الوسطى زار بهو الأعمدة الشهيرة فكتب مفتتنا: «إن الإغريق لم يبدعوا أى شىء ذى طابع أكثر جلالا من الفراعنة »، وعند دندرة تأكد دينون بأن مصر ـ وليست اليونان ـ هى التى أنجبت أسمى ما لدى البشرية من فنون، فالوحدة والتجانس يحكمان كل شيء. وكان يرسم آثار الفراعنة بجنون ليقول «ليس لدى ما يكفى من الأيادى والعيون، ورأسى أصغر جدا من أن يرى، ويرسم، ويصنف كل ما يثيرنى»، وعندما فرغ ما كان معه من أقلام أخذ يصهر طلقات الرصاص كى يرسم بها تنتارا «دندرة» التى قال عنها: «كنت دائم السقم إلى أن عالجتنى تنتارا»، ويدور منحنى نهر النيل لتظهر الأقصر والكرنك وحدوتة التاريخ ويقول دينون: «لقد مس الجميع شعاعًا من الرومانسية حتى أن الرجال يتحلقون حولى كى يحموا ظهرى من لفح الشمس وأنا أرسم». وعندما يرسم دينون نقوش حطام معبد إسنا التى تصور المنتجات الطبيعية مثل زهرة اللوتس والكروم والنخيل والبوص مما يبين أن المصريين لم يقتبسوا من أحد فى وصولهم بفنهم إلى الكمال. لقد اقتبسوا من الطبيعة. وكتب دينون: «لم يضف الإغريق سوى القصص الخرافية أو الأساطير إلى جانب أعمال اللصوصية التى ارتكبوها فى حق المصريين».
وحقيقة باهرة ظهرت فى الكتاب يا محمد أن مصر لم تكن هبة النيل كما قال هيرودوت بقدر كونها هبة السواعد المصرية التى جففت الأحراش والمستنقعات، وطهرت مجرى النيل، ونظمت دلتاه التى كان لها فى الأصل سبعة أفرع، حتى صارت صالحة للزراعة، وقد جاء المؤرخ توينبى من بعد «وصف مصر» ليؤكد نفس المعنى من أن الحضارة المصرية حققت معجزاتها دون أن تتلمس فى دربها الطويل علاقات «بنوّة» أو «تلمذة» على يد حضارات أخرى معاصرة، أو مجاورة لها، إن كان ثمة حضارة أخرى هناك.
هذا الكتاب قال لنا يا محمد إن تاريخنا دورات بعضهما قصير والآخر طويل، وفى كل دورة يبدأ الحكم قويًا رصينًا ناصعًا وعادلاً، وينتهى إلى الضعف والتعسف والنزاعات التي تؤدى إلى تحلل سياسى، وتآكل حضارى عام حتى تبدأ دورة جديدة تجرى على نفس المنوال.
«وصف مصر» كشف يا محمد أنه فى حكم الأسرة الثالثة عشرة دارت الفوضى فى البلاد لتنفجر ثورة شعبية عاتية ويتوالى الملوك الذين بلغوا 118 ملكا بمتوسط عام أو ثلاثة أعوام لزمن الملك الواحد، وقد بلغ زمان الحكم أحيانا يومين أو ثلاثة حتى استولى الهكسوس على مصر.
يا محمد هذا الكتاب روى عن حضارة مصر أنها كانت حضارة أخلاقية متجانسة رغم الحقب السياسية التاريخية عليها، فتجد فى صعيد مصر ودلتاه الربوة التى يعلوها معبد فرعونى فكنيسة قديمة يتوجهما المسجد من علٍ فى قصيدة عقائدية متناغمة.
وظهر فى الكتاب يا محمد العلاقة العميقة بين المصرى وجميع عناصر الكون بظواهره الطبيعية ومخلوقاته الحية، وقد قدس المصرى هذه المخلوقات فى أساطيره وآلهته القديمة، فآمون كبير أرباب طيبة يصوره فى صورة الكبش، وأنوبيس حارس الموتى يصور فى شكل ابن آوى، وأبيس سيد منف هو العجل المقدس، وباست ربة السرور والمرح فى شكل قطة، وحورس هو الصقر، وحتحور ربة السماء وسيدة الرقص تصور كبقرة، ورع يرمز له بالجعران، ومعات ربة الحق والعدالة تزدان رأسها بريش النعام.
عندما أحرقت المجمع العلمى يا محمد أحرقت معه كتاب «وصف مصر» الذي أظهر حرص عدالة الفراعنة علي أن ينسخ القانون في أربعين صفحة بردية ليوضع أمام منضدة القاضى وقت انعقاد الجلسة للمراجعة وزيادة الإيضاح، وكان يسمح لكل شخص أن يقرأ القانون ويستفسرعن الغامض وعندما أحرقت الكتاب، أحرقت كلمات جاءت على لسان الزعيم مصطفي كامل فى يوليو 1899: «لن ننسى أبدا الجهود الدائمة من جانب العلماء الفرنسيين، لتحريكنا من نومنا طويل الأمد، بل لكى يوقظوا فينا الإرادة والعزيمة للسير قدما، وأيضا لكى ينعشوا فى دمائنا ذاتها ـ إذا جاز تعبيرى هذا ـ حضارة أسلافنا العريقة»، ويأتى عبدالناصر مُقرًا بأن الحملة الفرنسية كان لها عدة جوانب إيجابية، ومن هنا جاء «الميثاق» عام 1962 ليحدد «إن الحملة الفرنسية قدمت دفعة جديدة للطاقة الثورية لدى شعب مصر في تلك الحقبة».
من المعلومات المحترقة يا محمد مع «وصف مصر» أن مصر زارها عدد كبير من أعلام الفكر اليونانى على يد الكهنة المصريين، و«فيثاغورث» الذى وفد من بلدته «ساموس» إلى مصر مرات ليتلقي العلم على يد كهنة عين شمس ومنف وطيبة، و«ديموقريطس» الذى قضى خمس سنوات في مصر أخرج فيها نظريته عن نشأة الكون، وقام أفلاطون أيضًا بزيارة أرض النيل ليطلع على أسرار علومها، وعندما قام هيرودوت بزيارة مصر بين عامى (448 ــ 445ق.م) اعترف بأنه لم ير على وجه الأرض شعبا متدينا كشعب مصر، وأن لسان المصريين عفيف فهم لا يسبون أحدًا، ولا يلعنون شيئًا، بل يكتفون فى لحظات الغضب بالابتهال إلى الآلهة، وشباب مصر يوقرون في إجلال وود الآباء وكبار السن ويفسحون لهم الطريق، وينصتون لحكمتهم ويهمون وقوفًا لهم فى الأماكن العامة!
فى الكتاب الذى أضعته يا محمد فى الحريق نستدل بأن المبالغة فى دور علماء الدين ورجاله أو فى محاولتهم لصبغ الدولة ونظام الحكم بالطابع الدينى كان مرتبطا ارتباطًا جليًا بالتدهور الذى ألمّ بالتكوين السياسى والحضارى لمصر فى فترات مختلفة من التاريخ القديم، وعلى سبيل المثال فإن انقراض حكم الأسرة الرابعة وراءه أن كهنة «رع» بعين شمس قد تدخلوا تدريجيا فى شئون المملكة منذ وفاة «خوفو» حتى استولوا على السدّة الملكية، وكان النمو الهائل لنفوذ كهنة «آمون» فى ظل المرحلة الثانية من الإمبراطورية ومُلك الرعامسة المتأخرين هو ما برر ثورة «اخناتون» (367 ــ 1350ق.م) على التحرر من نفوذ سلطة الكهنة من خلال تحريم عبادة الأصنام والدعوة لإله واحد ـ رمز إليه بقرص الشمس ـ واختار لنفسه عاصمة جديدة بعيدا عن دسائس الكهنة ومؤامرات القصر، لكى يحيا حياة الهدوء والبساطة وينعم برؤية طاهرة للعالم، لتكون مصر تبعا لما قاله المؤرخون والفلاسفة «فجر الضمير الإنسانى».
فى مبنى الكتاب الذى أحرقت قلوبنا عليهما معا يا محمد أكلت ألسنة النيران أيضا المجموعات النادرة للجريدتين الفرنسيتين اللتين قامت بطباعتهما مطبعة «جيش الشرق» و«المطبعة الأهلية» ومقرهما دار «عثمان بك الأشقر» بالأزبكية على مقربة من بيت الألفى الذى سكنه نابليون، وكانت اسم الجريدة الأولى courrier de l'Egypte وطابعها سياسى تصدر بالفرنسية كل أربعة أيام فى أربع صفحات من القطع الصغير وصدر منها 118 عددا، وجريدة La Decade Egyptiénne وتصدر مرة كل عشرة أيام تنشر أبحاث المجمع العلمى ومناقشات أعضائه وصدر العدد الأول منها فى أكتوبر 1798 وكان رئيس تحريرها العالِم «ديجنت». وإذا ما كان الأثر الصحفى قد ضاع يا ولدى فقد أخذ معه النسخة الوحيدة لديوان «المعلم نقولا التركى» الذى جاءت فيه القصيدة اليتيمة التى قيلت فى مديح بونابرت:
مقدامها ذو سطـوة تهدْى الملوك له الوقار
الشهــم بونـــابرته سد الوغى ذو الاقتـدار
من فاق قدرا وارتقى أوج العلا وسما الفخـار
مولي شديد البطش من عاداه حل به الدمار
ملك تولى رتبـة خضعت له القوم الكبار
قهر الممالك جمـة وقضى المراد بما أشار
وضاع أيضا يا محمد ما بين النار وبلل الإطفاء من سوء صُنعك معرفة أن بطليموس الأول (323 ــ 283 ق.م) كلف العالم «ديمترى الفاليرى» بإنشاء مجمع علمى ومكتبة في الإسكندرية ليغدو بمثابة أكاديمية للعلوم والعلماء ومحبى الفنون والآداب، وزود الملك مكتبة الأكاديمية تلك بلفائف البردى التى نقلت من عين شمس ومنف وطيبة وتحوى جميع فروع المعرفة التى تفتقت عنها عبقرية المصريين، وكانت المكتبة الفريدة تضم إلى جانب التراث المصرى اللفائف الأصلية لملحمتى «الإلياذة» و«الأوديسا» وحوارات «أفلاطون» والنسخ الأصلية بخط اليد من مسرحيات «اسخليوس» و«سوفوكليس» و»يوريبيدس». ولأننا يا محمد مصابون منكوبون بك وبأمثالك فى مكتباتنا فمن نكد الأقدار أن تحرق زمان مكتبة الإسكندرية بذخائرها. والآن يحرق المجمع العلمى محراب كتاب «وصف مصر» على يد أطفال الشوارع في مصر.