Share |
ديسمبر 2011
25
تعريف القضية
المصدر: الأهرام اليومى

عبدالمنعم سعيد

المشهد المصرى يبدو للجميع متناقضا: ديمقراطية بدأ بناؤها من خلال انتخابات لمجلس الشعب أيا كانت عيوبها الإجرائية فإن صفتها التمثيلية لا شك فيها. وحالة من الفوضى المستمرة على مدى الشهور التى مضت وتلت الإطاحة بالسلطة الحاكمة ونجم عنها مواسم للتناحر والصدام أحيانا بين جماهير مصرية وقوى أمنية مختلفة، وأحيانا أخرى بين جماعات قيل إنها ليبرالية وجماعات أخرى قيل إنها إسلامية. وبينما كانت ساحة الديمقراطية منتظمة فى طوابير حضارية يصير فيها الشعب والجيش والشرطة والقضاء يدا واحدة، فإن ساحة الفوضى انقسمت بين مليونيات دار كل منها بين مرجعيات عقائدية متناحرة.
المعضلة بين المشهدين كانت أن مصر شحب اسمها ومصيرها، بل أن الغرض الأصلى للثورة فى رفعة الدولة ومكانتها وتقدمها كما قيل لنا لم يلبث أن ذهب إلى غير رجعة. وتوالت الوزارات والمليونيات وحوارات المحطات التليفزيونية التى جاءت لكى تناقش حوارات سياسية جرى بعضها رسميا وبعضها الآخر شعبيا، ومع ذلك لم تنبت أفكارا يجرى وراءها الشعب المصرى ويلتف حولها. كانت الفكرة الوحيدة هى الانتخابات كوسيلة للانتقال من مرحلة إلى مرحلة أخرى، ومن نتائجها نعرف أن آمالا كثيرة انعقدت على التيار الإسلامى لكى يأخذ البلاد إلى حيث انطلقت بلدانا أخرى أو على الأقل يخلصنا مما نحن عليه من فوضى.
كل ذلك أقل مما كنا نصبو إليه، أو ما كان التيار الليبرالى الثورى يبشر به فوجد نفسه فى حيرة بالغة وربما ندم عميق، وبدلا من الاعتراف بالمسئولية التاريخية عن بعض ما جرى فإنه يلقى اللوم على المجلس العسكرى مرة، والفلول مرة أخرى، والقوى الخارجية مرة ثالثة، ولكنه لم يكن أبدا على استعداد لكى يتحمل مسئولية تشرذمه، وفشله التنظيمى، وعدم قدرته على إلهام الجماهير بأفكار تأخذها إلى مستقبل أكثر إشراقا.
ولكن البكاء على اللبن المسكوب لا يجدى، ومن يحاولون استغلال الفوضى باسم الثورة مرة أخرى سوف يجدون أمامهم جماهير منتظمة فى طوابير المرحلة الثالثة من الانتخابات حيث تستعيد الدولة المصرية سلطتها التشريعية المنتخبة انتخابا حرا وديمقراطيا. لقد فشل المصلحون المصريون فى اتخاذ هذه الخطوة فيما مضى، والآن فإن الفرصة قائمة لكى تجتمع الديمقراطية مع التنمية فى إطار مدنى واحد يأخذ بيد البلاد لكى تخرج من عثرتها. وبالتأكيد فإن المهمة لن تكون سهلة لأن هناك من أدمنوا الفوضى باسم الثورة، والتراجع باسم التقدم، والخسارة بعنوان المكسب، والانتصار تحت مظلة الهزيمة، ورؤية الماضى على أنه المستقبل. ولكن على قدر العزائم تتقدم الأمم.