Share |
اكتوبر 2011
1
القواعد القانونية لمحاكمة رئيس الجمهورية
المصدر: الديمقراطية

عقب تخلي رئيس الجمهورية السابق محمد حسني مبارك عن منصبه بتاريخ 11 فبراير 2011 كثر الحديث عن أسلوب وأسس محاكمته عن جرائم نُسِبت اليه أو الي أعوانه في الحكم، ويقومون بتنفيذ قراراته وأوامره وتعليماته وتوجيهاته، باعتباره رئيسا للجمهورية، وقائداً أعلي لمجالس عُليا، ورئيسا للحِزب الوطني الديمقراطي (المُنحل) الحاكم.
وقد اختلفت الآراء حول مدي امكانية محاكمته عن جرائم الفساد والإفساد السياسـي خاصة حِنْثه وعدم تنفيذه للإلتزامات الواردة في صيغة اليمين الدستورية المنصوص عليها بالمادة (79 من الدستور التي يؤديها قبل مباشرة مهام منصبه، والقواعد القانونية التي سيُحاكم علي أساسها والمحكمة المختصة.
ولتوضيح العنوان ومُحتواه يجدُر بنا أن نُبين مفهوم الفساد السياسي والإفساد. فللفساد السياسي أضلاع ثلاثة:
أ- فساد عضوي، يتمثَّل في تهرُّؤ أجهزة الحُكم والإدارة وسوء سيرة القائمين بأعمالهما.
ب- فساد أخلاقي، ويعني فُقدان النزاهة والأمانة ومفاهيم الولاء للدولة، وابتغاء الصالح العام، فيتم التهافُت علي المصالح الخاصة والمنافع الشخصية بالتجاوز عن القِيَم المدنية والمسئولية الإجتماعية.
ج- فساد قانوني يتمثَّل في فِعْل ما يُعَدُّ إخلالا جسيما بواجبات المنصب السياسي الوظيفية، وهو يشمل الإخلال بأحكام الدستور الذي يُعدُّ الوثيقة الرئيسية التي تُوضِّح معالم النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي في الدولة (1). والفعل أفسد: ضد أصلح (2) والإفساد مفعول مُطلق يؤكد الفعل أفسد.
أولا: الأسس القانونية للمحاكمة عن جرائم الفساد والإفساد السياسي:
حرصت دساتير المرحلة الجمهورية وآخرها دستور 1971 الذي نص في المادة (79) علي أن يؤدي رئيس الجمهورية أمام مجلس الشعب قبل أن يُباشر مهام منصبه اليمين الآتية: (أُقسم بالله العظيم أن أُحافظ مُخلِصا علي النظام الجمهوري، وأن أحترِم الدستور والقانون، وأن أرعي مصالح الشعب رِعاية كاملة، وأن أُحافظ علي استقلال الوطن وسلامة أراضيه).
ولم تتناول تلك الدساتير تنظيم المسئولية السياسية لرئيس الجمهورية، وبالتالي لايُمكن لأي جهة ومنها مجلس الشعب، أن تسأله سياسيا أو تسحب منه الثقة (3) وقد انتقد الفقهاء هذا المسلك (بحق) وطالبوا بتقرير تلك المسئولية نظرا لأنه يُمارس سُلطات واختصاصات فعلية منصوص عليها في الدستور(4) بما يُمثِّل تناقضا كاملا مع ضمانات الدساتير الديمقراطية لمنع الاستبداد والإنحراف بالسلطة أو الجور علي حريات المجتمع( نظرية القيود والتوازنات "chick and balance" خاصة وأن التعديلات الدستورية التي أُقِرٍّت عام 2007 لم تؤثِّر فعليا علي صلاحياته الواسعة"، ولا علي عملية توزيع القوة داخل النظامين الدستوري والسياسي بالنسبة لمكانته بصفة خاصة، وعلي رئيس مجلس الوزراء والسلطة التنفيذية عامة (4). بالإضافة الي نص المادة (189) من الدستور التي تتيح له طلب تعديل مادة أو أكثر من الدستور، والتي سنبين كيف استُخدِمت في جرائم الفساد والإفساد السياسي في حينه. وسداً لهذا النقص اقترح البعض تضمين الدستور الجديد نصا يُقرٍّر مسئولية رئيس الجمهورية سياسيا أمام مجلس الشعب، وامكانية تقرير سحب الثقة منه بأغلبية خاصة).
وقد انتهينا إلي انعقاد المسئولية علي أساس المباديء فوق الدستورية وكذلك القواعد القانونية السارية وقت ارتكاب الجرائم الجنائية التي ارتكبها لتُحقِّق المسئوليتين وعلي نحو مُتكامل، وأهمها عدم الوفاء بالالتزامات المقررة دستوريا التي يُؤديها رئيس الجمهورية قبل أن يُباشر مهم منصبه المحددة صيغتها بالمادة (79) من الدستور والجرائم المرتبطة بها، المقرر لها عقوبات جنائية في القانون رقم 247 لسنة 1956 بشأن محاكمة رئيس الجمهورية والوزراء، والقانون رقم 79 لسنة 1958 بشأن محاكمة الوزراء وقانون العقوبات، وغيرها من القوانين الأخري ذات الصلة بالجرائم المُرتكبة.
والسؤال هل (محاسبة المسئولين تحتاج الي اجتهاد وتضافر كل مؤسسات الدولة) (6).
فتنص المادة (79) من دستور 1971 علي أن: (يُؤدي الرئيس أمام مجلس الشعب قبل أن يُباشر مهام منصبه اليمين الآتية، (أُقسِم بالله العظيم أن أُحافظ مُخلٍصا علي النظام الجمهوري، وأن أحترِم الدستور والقانون، وأن أرعي مصالح الشعب رعاية كاملة، وأن أُحافظ علي استقلال الوطن وسلامة أراضيه).
وباستقراء عبارات القَسَم يتبين أنها تشكل أربع التزامات أساسية، واجبة التنفيذ وهي:
1- المحافظة (بإخلاص) علي النظام الجمهوري.
2- احترام الدستور والقانون.
3- رعاية مصالح الشعب رعاية كاملة.
4- المحافظة علي استقلال الوطن وسلامة أراضيه.
ولعله من الواضح أن القَسَم بالله العظيم مُتكرِّر في الالتزامات الأربع: أُقسِم بالله العظيم أن. وأن. وأن. وأن).
وهذه الالتزامات هي حالة قانونية يلتزِم بمقتضاها بنقل حقوق معينة أو القيام بأعمال معينة أو الامتناع عن القيام بأعمال معينة.
ويري البعض أن ارتكاب الأفعال المُبيَّتة لخيانة الأمانة التي أولاها الشعب للرئيس السابق في الإنتخابات الرئاسية تتحقق بالتهاون عمدا أو تقصيرا وإهمالا في الإلتزام بما أقسم عليه، خاصة وأن قضاء المحكمة الإدارية العليا، اعتبارا من حُكمها بجلسة 27- 10- 2000 قد استقر علي أنها حمَّالة لأحكام موضوعية يقتضيها لِزاما جوهر العِبارة حتي وإن لم يتناوله ظاهرها (7). ونحن نري أن من الأعمال التي تندرج تحت خيانة الأمانة كل أفعال التحايل علي الدستور والقانون وأسس وجوهر النظام الجمهوري التي بينَّاها علي مدار هذا البحث.
ومن المعروف أن هُناك فروقا بين الوظيفة الإدارية والوظيفة الحكومية، وأن الحكومة هي محور السلطة التنفيذية، وأن الإدارة ليست إلا أداتها، وأن الوظيفة الحكومية تتعلق بأمهات الأمور والمسائل الخطيرة والقرارات السياسية الكبري المُؤثرة في المستقبل والأوضاع السياسية والاقتصادية وأن القائمين بممارستها هم، رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء والوزراء (السلطة التنفيذية) (8). ونظرا لأن جانبا من أعمالها لا يخضع لرقابة القضاء سواء العادي أو الإداري، وهي الأعمال المُسماة بأعمال السيادة مثل: علاقة الحكومة بالبرلمان ذ العلاقات الدولية - التدابير الأساسية التي تُتخذ للدفاع عن الأمن العام من اضطراب داخلي أو لتأمين سلامة الدولة من عدوان خارجي، كإعلان حالة الطواريء وإعلان الحرب والمسائل الخاصة بالأعمال الحربية، فقد استقر الفقه علي أن الرقابة القضائية، ليست الصورة الوحيدة للرقابة، حيث توجد الرقابة السياسية (9).
ولا شك أنه عند غياب الرقابة السياسية دستوريا،علي رئيس الجمهورية( أمام مجلس الشعب) حينئذ تبدو أهمية المساءلة بقواعد مُتكاملة مصدرها المباديء فوق الدستورية والدستور والقوانين الأساسية والقوانين العادية كما سنري تفصيلا، إذ لا يُتصوَّر أن يضع المشرع الدستوري الإلتزامات الأربعة في اليمين الدستورية ذ كشرط لمباشرة مهام المنصب - دون أن يقصد الإلتزام بها والمحاسبة عن الحِنْث وعدم الوفاء بها أو التراخي فيه. ولذلك لسنا مع الرأي القائل بأن المادة (73) من الدستور التي تُقرِّر اختصاصات ذات صبغة رئاسية واضحة لرئيس الجمهورية، هي اختصاصات مُقرَّرة بصيغة مرسلة وبغير تحديد واضح لماهية السلطات التي تُجيز مباشرتها، وأن إغفال تحديد سلطات معينة فيها، يجعل الاختصاصات المقررة فيها غير متميزة، وغير مستقلة عن الواردة في المواد الأخري، وأنها ذ حسب ذلك الرأي - لا تُشكِّل سلطات بالمعني الحقيقي (10). ونحن نري أن المادة (73) تُردد أحكام الدستور ذاته، وأنها عبارة عن سلطات وتوجيهات سياسية من المشرع الدستوري للرئيس ليكون مُطالَبا بأن تنعكس علي ممارسته لما ورد بالدستور من اختصاصات بسلطات إما مُنفردا أو بواسطة الوزراء أو بالتنسبق مع مجلس الشعب، مما يجعله مسئوولا عنها أو في ضوء أحكامها. وتكون المسئولية بقدر الإخلال بالموجبات التي يُقررها الدستور والقانون.
والاختصصات بالسلطات التي يباشرها لرئيس منفردا نصت عليها مواد الدستور (101- 102- 109- 112- 137- 139 ومن 142 إلي 152- 164- 179- 182- 184).
والإختصاصات التي يباشرها بالإشتراك مع مجلس الوزراء، في المواد(74- 132- 138- 141). وقد أسفرت متابعة ممارستها عن هيمنة رئيس الجمهورية عليها مما جعل البعض يقول (إن الجهاز الوزاري المصري، جهاز مساعد لرئيس الدولة، ويُؤكد ذلك أدبيات السياسة المصرية وإعلان الوزراء ورئيسهم أن كل الأمور تتم بتوجيهات الرئيس (11).
وفي ظل تلك الهيمنة، ظل الطرف الخاضع للمحاسبة في مجلس الشعب هو رئيس الوزراء وليس رئيس الجمهورية، ومن ثم يتحمل نتائج سياسات وقرارات لم يتخذها، اعتمادا علي إضعاف الرقابة البرلمانية البرلمانية، حيث تنتهي الاستجوابات الي العودة الي جدول الأعمال (أي لاتوجد مسئولية سياسية) وعلي مُساندة الرئيس (12). هذا ورغم أن التعديلات الدستورية عام 2007 في المواد (74- 138- 141) قد أشركت رئيس الوزراء ومجلس الوزراء في بعض الصلاحيات التي كان الرئيس ينفرد بها حيث قررت أخذ رأي مجلس الوزراء وموافقة مجلس الوزراء فإن موازين القوة داخل بنية السلطة التنفيذية والنظام السياسي المصري، استمرت مُتسمة بالاختلال لصالح رئيس الجمهورية، خاصة صلاحياته في إختيار رئيس مجلس الوزراء وغالبية الوزراء البارزين ممن يشغلون وزارات سيادية وأخري هامة (13). ومع ذلك فإننا نري أن تلك الهيمنة لاتعفي رئيس الوزراء والوزراء من المسئولية عنها، طالما لم يُبادر أيا منهم بالإستقالة عما لايكون موافقا عليه!. حتي في ظِل المادة (141) قبل تعديلها التي كانت تمنح الرئيس سلطة سياسية تقديرية في إعفاء رئيس الوزراء ونوابه والوزراء ونوابهم، حيث لم يُحدِّد الدستور أسبابا (14).
أما الإختصاصات بسلطات التي باشرها الرئيس السابق بالتنسيق مع مجلس الشعب، نص عليها الدستور بالمواد: (108)، الخاصة بإصدار قرارات لها قوة القانون بتفويض من المجلس و(159) التي تُعطي لكل من الرئيس والمجلس حق إحالة الوزراء للمحاكمة و(189) التي تُعطي لكل من الرئيس وثُلُث أعضاء المجلس حق طلب تعديل مادة أو أكثر من الدستور.
وكانت ممارسة هذه الاختصاصات أيضا خاضعة لهيمنته من خلال رئاسته للحزب الوطني الديمقراطي بأغلبيته الكاسحة بالمجلس، حيث يتحكَّم في اختيار وتعيين رئيس المجلس والوكيلين وهيئات مكاتب لجانه، كل ذلك باستغلال ضآلة عدد الأعضاء من المعارضة والمستقلين بقدْر لا يُوفِّر لهم النصاب المطلوب لتحريك وممارسة تلك المواد. وقد لخَّص البعض ذلك قائلا(توجد حقيقة، وهي أن البرلمان المصري بأغلبيته الساحقة يخضع لرئيس الجمهورية (15). وتلك الهيمنة علي المجلس كانت من أسباب عدم تطبيق قواعد المسئولية الوزارية بنوعيها (السياسية) و(الجنائية)، مما دعانا - علاجا لذلك الخلل - الي المطالبة بتخلي الرئيس عن رئاسة الحزب الوطني (16).
وفي رؤيتنا المُستقبلية للدستور الجديد، وبهدف سد هذه الثغرة، ومنع هيمنة رئيس الجمهورية من خلال رئاسته لِحِزب مُعيَّن، نري أن يُضاف للدستور الجديد نص إقترحه البعض مُتمشيا مع دعوتنا المشار اليها وهو: (رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة يُمارس اختصاصاته وِفقا للدستور، ويجب عليه أن يتخلي عن انتمائه الحزبي فور انتخابه.) (17).
وقد أثبتت أحكام قضائية لكل من المحكمة الإدارية العليا والمحكمة الدستورية العليا أن الأغلبية الساحقة للحزب الوطني كانت مُصطنعة من خلال تزوير الإنتخابات وعدم تنفيذ الأحكام القضائية ببطلان عضوية نوابه، والإلتجاء الي قاض غير مختص بنظر وقف تنفيذها وعدم تنفيذ المجلس لقرارات محكمة النقض بعدم صحة عضوية عدد كبير من أعضائه عن الحزب الوطني (18)، والذي لم يتم تصحيحه إلا بعد نجاح ثورة 25 يناير حيث قرر المجلس بطلان عضوية 180 عضو منهم، تنفيذا لقرار المجلس الأعلي للقوات المسلحة.
وعن الآثار السلبية لذلك التلاعُب في الانتخابات والاستفتاءات، أشارت دراسة لنتائج الإستفتاء علي التعديلات الدستورية عام 2007 إلي أن نسبة المشاركين 27.1% وأرجعت أسباب العزوف عن المشاركة إلي: 1- ثقافة عدم الثقة في النتائج 2- اعتبار الاستفتاء وقضاياه حوارا بين من لا يملك أي أوراق قوة، وبين من يملكها مدعما بجهاز الدولة مما يمكنه من تمرير ما يريده 3- إدراك الناخب أن مُشكلاته وأعباءه الاقتصادية والاجتماعية العديدة، لن تحِلَّها لإنتخابات والاستفتاءات 4- رؤية الناخب لدول أخري كانت مصر تشكل لهم موقع الريادة، وقد قطعت أشواطا علي طريق الديمقراطية مع بقاء أوضاع مصر علي حالها (19). مما يشير إلي حسرة المواطنين علي تدهوُر يُسأل عنه الرئيس السابق وأعوانه.
هذا وفي أعقاب ثورة 25 يناير، قضت المحكمة الإدارية العليا بحل الحزب الوطني علي أن تؤول مقاره وأمواله الي الدولة، جراء ما آلت اليه الدولة من مُشكلات وفساد (20).
ونتناول فيما يلي القواعد القانونية الواجبة التطبيق في الدستور والقوانين، والمباديء فوق الدستورية، وكذلك المحكمة المختصة بالمحاكمة، في المباحث الثلاثة التالية:
- الجرائم المنسوبة للرئيس السابق مبارك والعقوبات المقررة لها:
يتناول هذا الفصل الجرائم المنسوبة للرئيس السابق، التي تُمثِّل حِنثا باليمين الدستورية وعدم تنفيذها، التي تدخل في نطاق المسئولية طبقا للمباديء فوق الدستورية وكذلك ما ارتكبه من جرائم جنائية خاضعة لأحكام القانون العام، وذلك في المباحث التالية:
- التعهد الأول: المحافظة باخلاص علي النظام الجموري:
وصيغته في اليمين الدستورية (أُقسم بالله العظيم أن أُحافظ مُخلِصا علي النظام الجمهوري) يقوم الحكم الجمهوري علي انتخاب رئيس الدولة لمدة محدودة، بينما في النظام الملكي يستمد رئيس الدولة مركزه من الوراثة (21). وتكون مدة المنصب في الحُكم الملكي غير محددة علي اعتبار أن له الحق الذاتي في منصبه بالوراثة.
وفي الحكم الجمهوري يكون أساس الاختيار المساواة بين الأفراد، وأحقية من تتوافر فيه شروط المنصب في الوصول إليه بالانتخاب، دون أي حق ذاتي (22). بينما يحتفظ الملوك بمجموعة من الحقوق تُسمي (امتيازات التاج) تُبيَّن اختصاصات رؤساء الجمهوريات في الدساتير. وتهتم الدساتير الملكية بتنظيم توارث العرش، والوصاية علي الملك القاصر، والنيابة عن الملك البالغ عند تعذُّر مباشرة سلطانه بسبب المرض، أما الدساتير الجمهورية فتُنظِّم طريقة انتخاب الرئيس ومدة الرياسة ومدي تجديدها. وبينما تُقرر الدساتير الملكية أن ذات الملك مصونة لا تُمس، أي لايُسأل عن أعماله حتي لو انطوت علي جرائم جنائية، وتقع المسئولية السياسية علي الوزراء، يُسأل رئيس الجمهورية جنائيا عن الأعمال التي تتعلق بوظيفته، والتي تؤدي الي جرائم ضد الدولة مثل الخيانة العُظمي، ويُسأل عما يرتكبه من جرائم عادية لا تتعلق بوظيفته كفرد عادي (23).
والنظام الجمهوري يتفق مع منطق الديمقراطية، لأن الشعب نفسه أو بواسطة ممثليه، ينتخب الرئيس(24) وهذا الحق لا يبتعد عن ممارسة الحريات والحقوق العامة في مواد دستور1971 (من 40 إلي 63 يلزم حِمايتها بضمانات: الديمقراطية - خضوع الدولة للقانون - وجود رقابة قضائية شاملة وفعالة - ترابط الحريات وتساندها - مبدأ المساواة (25).
ولإيضاح مفهوم هذا التعهد الأول، سنبين المعني اللغوي لكلمة الإخلاص الواردة فيه:
الإخلاص والإخلاصَة: الزَبَد إذا خَلُصَ من الثُـفْـل ذ والثفل هو ما يستقِرأسفل الشيء من كَدَرة. والكدرة وجمعها كَدَر: "السحاب الرقيق" ومن الحوض طِينه أو ما علاه من طُحلُب ونحوه (26). وفي هذا الإطار وبالنظر لرِفعة منصب الرئيس، نري أن المعني العام هو: بذْل أقصي درجة من قُدرة الإنسان علي الإتقان، بما يجعل من يري حُسن نتائجه يقول ( لاإله إلا الله)، أي لايوجد بعد ذلك من إتقان سوي قُدرة الله سبحانه وتعالي.
وقد تمثَّل الحِنْث بالتعهد الأول في مجموعة أفعال اصطُلِح علي تسميتها بـ(التوريث)، أيالإعداد لتولي السيد - جمال محمد حُسني مُبارك ذ نجل رئيس الجمهورية السابق - رئاسة الجمهورية خَلَفا لوالِدِه. وقدانتقد البعض ذلك التوُّجُّه مُبينا مخاطره في رسالة منشورة الي الرئيس مبارك عام 2000(27).
وقد أُقيمَ الشروع في عملية التوريث علي مُخطَّط كانت أهم عناصره كالآتي:
1- تكوين أغلبية كاسحة مُصطنعة للحزب الوطني الديمقراطي الذي كان يرأسه الرئيس السابق مبارك، في مجلس الشعب، لتمكينه من تمرير ما يطرحه الرئيس من تعديلات دستورية وقوانين تُسهِّل تنفيذ العملية.
2- نزع زمام المُبادرة من أحزاب المعارضة والمستقلين بترك مساحة ضئيلة من العضوية لممثليهم في مجلس الشعب، لا تمكِّنهم من توفير النصاب القانوني اللازم لتحريك وتفعيل ممارسة الوسائل البرلمانية المُقرَّرة دستوريا وهي:
أ- المادة (85) الخاصة باتهام رئيس الجمهورية التي تقضي بأن يكون ذلك بناء علي اقتراح مُقدم من ثُلُث أعضاء المجلس علي الأقل.
ب- المادة (108) المُتعلقة بإصدار قرارات جمهورية لها قوة القانون، حيث تستلزم صدور تفويض من المجلس بأغلبية ثُلُثي أعضائه علي الأقل.
ج- المادة (116) المُتعلقة بسحب الثقة من أحد نواب رئيس مجلس الوزراء أو أحد الوزراء أو نوابهم، حيث يكون قرار المجلس بأغلبية الأعضاء (أي 50% +1)، وكذلك بالنسبة للمادة (127) المتعلقة بتقرير المجلس مسئولية رئيس مجلس الوزراء.
د- المادة (189) المُتعلقة بإمكانية كل من رئيس الجمهورية ومجلس الشعب طلب تعديل مادة أو أكثر من الدستور، والطلب الصادر من المجلس يُوقَّع من ثُلُث أعضائه علي الأقل.
3- تعديل المادة (76) من الدستور عام 2007 المتعلقة بالترشيح لانتخاب رئيس الجمهورية ترتب عليها حتمية حُصول المرشح المنافس لمرشح الحزب الوطني، علي تأييد من عدد كبير من أعضاء مجلسي الشعب والشوري والمجالس الشعبية المحلية بالمحافظات، بحيث أصبح هذا الشرط عقبة كئود أمام المنافس، لأن الأغلبية الكاسحة للأعضاء في المجلسين والمجالس الشعبية حزب وطني. وقد أكدت دراسة أن الانتخابات المحلية لعام 2008 أسفرت عن فوز الحزب بنسبة 96% من جُملة مقاعد جميع المجالس المحلية باستثناء نحو 500 مقعد (28).
وإذا استطاع المرشح المُنافس تجميع المؤيدين فإنه سيصطدم بموانع النجاح في الإنتخابات لغير أعضاء الحزب الوطني التي كُرِّست بأساليب احتيالية لتمرير مشروع التوريث أبرزها:
أ - تزييف إرادة الشعب بالتزوير السابق الإشارة اليه.
ب - وبالنسبة للانتخابات الرئاسية، نُشِر في أعقاب ثورة 25 يناير الكشف عن تكوين لجنة سرية يرأسها أمين عام الحزب الوطني رئيس مجلس الشوري( المُنحَل) لتمرير "التوريث" تضُم 23 مُعارضا من مُختلف الأحزاب، وأنه كلف جهاز مباحث أمن الدولة( المُنحَل) بإعداد ونهو خطة لمحاصرة خصوم جمال مُبارك المُتوقَّعين وعرضها عليه في 30 يوليو 2009. وتكليف وحدات الجهاز بالمحافظات بتنفيذها بمتابعة لجان الحزب الوطني بالمحافظات (29).
هذا وبتاريخ 28- 6- 2011 قضت محكمة القضاء الإداري بحل جميع المجالس الشعبية المحلية علي مستوي الجمهورية، لأنها وُلِدَت بطرق غير مشروعة من رحم السلطة الفاسدة وجاءت بعملية انتخابية باطلة ومُزورة بجميع مراحلها، لصالح الحزب الوطني الفاقد للشرعية والمُنحل بحكم المحكمة الإدارية العليا (30).
وتأكيداً لفساد الإنتخابات صرَّح البعض؛ أن مصر لم تشهد في تاريخها انتخابات نزيهة إلا في عامي و19501924 وفاز فيهما حِزب، وأن أسوأ انتخابات كانت عام 2010 والتي أكدت للناس بأنه لا يوجد أمل في التغيير إلا بالثورة (31).
4- فرض هيمنة السيد - جمال مُبارك "نجل الرئيس السابق" علي الحزب الوطني والحكومة ومجلسي الشعب والشوري من خلال تعيينه رئيسا للجنة السياسات بالحزب، التي أُنشئت خصيصا له، ثُم أمينا عاما مُساعدا للحزب. وتحت ضغط ثورة 25 يناير كشف الرئيس السابق أنه لم ينو الترشح في سبتمبر 2011 ولم ينف ما تردد عن عملية التوريث.
والواقع يُفيد أن جرائم الشروع في عملية التوريث كانت تحايُلا مدروسا بعناية شديدة، الهدف منها تفريغ مضمون كل مواد الدستور المتعلقة بالنظام الجمهوري من مضمونها، تجنُّبا لإجراء تعديلات دستورية صريحة لتحقيق نفس الهدف، حتي لا يقع الرئيس السابق ومعاونوه تحت طائلة المادة (6) من القانون رقم 247 لسنة 1956 التي تُقرِّر عقوبة الإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة إذا ارتكب عملا من أعمال الخيانة العُظمي أو عدم الولاء للنظام الجمهوري. كما يُشكِّل ذلك التحايُل إلتفافا علي وصف القانون رقم 79 لسنة 1958 الخيانة العُظمي بأنها (جريمة) وتعريفها بأنها كل جريمة تمس سلامة الدولة أو أمنها الخارجي أو الداخلي أو نظام الحُكم الجمهوري ويكون منصوصا عليها في القوانين. ومُحددا لها في أي منها عقوبات الأشغال الشاقة المؤبدة أو المؤقتة أو الاعتقال المؤبد أو المؤقت كما أوضحنا.
وجرائم التحايل تأتي عكس الواجب المفروض القيام به، وهو الحرص علي عدم الظهور أمام الرأي العام بمظهر من يُخالف قواعد قانونية مُعبِّرة عن الرأي العام وإرادته (32).
وقد ضرب البعض (بحق) أمثلة لانتفاء ضمانات الانتخابات والاستفتاءات، التي تُحقِّق الترجمة الصادقة لإرادة الشعب صاحب السيادة في: التصريح بالآراء المؤيدة ومصادرة المُعارضة "السماح بمعارضة هامشية" احتكار الحكومة لإحدي وسائل الاعلام - مُنتهيا بالقول بعدم وجود معني لانتخاب أو استفتاء تطوله عمليات التزوير والتزييف (33).
وقد تندر البعض بالتعديل الدستوري الذي لا يقضي بالتحول صراحة الي النظام الملكي، ويسمح بوجود رئيس جُمهورية لمدي الحياة، بأنه لا يكون نظاما جمهوريا من الناحية الموضوعية، بل حُكما فرديا (34). وقد أصبح التندُّر واقعا من كثرة التعديلات التي شوهت دستور 1971 ومنها المادة (76) التي وُصِفَت بأنها خطيئة دستورية، ونوع من المسرحية الهزلية العبثية (35) من أجل بقاء الرئيس في منصبه مدي الحياة، أو توريث الحُكم.
وعلي أي حال، إذا كان الدستور يُقرِّر امكانية تعديله بإجراءات معينة، فإننا نري أن التعديل يجب ألا يتطرق الي النظام الجمهوري، انطلاقا من توضيحنا للتعهد بـ(المحافظة بإخلاص علي النظام الجمهوري ورؤيتنا المستقبلية لإتهام ومحاكمة الرئيس). هذا ويري البعض امكانية امتداد التعديل الي ( النظام الجمهوري) استنادا الي عِبارة (رعاية مصالح الشعب) باليمين الدستورية، حيث يعتبرها مِحور ارتكاز اليمين، والجوانب الأخري نماذج لمصلحة الشعب، ثُم عاد ليشترط (ألا يُؤدي ذلك الي إحداث تغيير دستوري) (36).
ولا شك أن رئيس الجمهورية السابق مُبارك يُسأل عن كل جرائم التزوير والتحايُل علي نصوص الدستور، حيث إنه كرئيس للحزب الحاكم هو صاحب المصلحة الأساسية والمباشرة في الاستفادة منه، فضلا عن هدف تمرير عملية التوريث والهيمنة علي مجلس الشعب، بالتحريض أو عدم اتخاذ الإجراءات اللازمة لمنعه، وتصحيح الأوضاع، وعدم التحقيق في أية شكاوي أُثيرت بشأن هذا التزوير الذي وصل الي حد مفضوح لا يحتاج أدلة بعد صدور أحكام قضائية تؤكده والعديد من قرارات محكمة النقض ببطلان العضوية للعديد ممن استفادوا من التزوير وفازوا في الانتخابات في دوائر انتخابية كثيرة علي مستوي الجمهورية، فضلا عما أوردته أجهزة الإعلام من شهادات لبعض القضاة المشرفين علي لجان الانتخابات، تُفيد أنهم شاهدوا بأنفُسِهم عمليات (تسويد للبطاقات الانتخابية) والتزوير بشكل جماعي أشهرها واقعة القاضي (وليد الشافعي) بإحدي الدوائر المرشحة فيها إحدي عضوات الحزب الوطني.
التعهد الثاني: احترام الدستور والقانون
وصيغته في اليمين الدستورية (وأن أحترِم الدستور والقانون)
يقول البعض إن القَسَم علي احترام الدستور من محاولات تحقيق ثباته، ومع إجماع الشراح علي أنه عمليا ليست له قيمة حقيقية، إلا أنه عام 1803 استند أحد القضاة الأمريكيين الي القَسَم لتقرير حق القضاء في الامتناع عن تطبيق القوانين المخالفة للدستور. وتاريخيا كثيرون ممن أقسَموا اليمين كانوا أكثر العاملين علي هدم الدستور ونظام الحُكم القائم عليه، بل والثورة الصريحة عليه أحيانا (37). ولعل ذلك يؤكد ضرورة المساءلة كما بينا.
وطبقا لقاعدة أن كُل الدستور يُفسِّر بعضه بعضا يكون الالتزام باحترام الدستور والقانون أمرا مُلزما لرئيس الجمهورية وكل أجهزة الدولة، كنص المادة (73) أن (رئيس الدولة هو رئيس الجمهورية، ويسهر علي تأكيد سيادة الشعب، وعلي احترام الدستور وسيادة القانون) ووثيقة إعلان الدستور (نحن جماهير شعب مصر نُعلِن أننا نقبل ونُعلِن ونمنح لأنفُسِنا هذا الدستور مؤكدين عزمنا الأكيد علي الدفاع عنه وعلي حمايته، وعلي تأكيد احترامه).
ويري البعض ( بحق) أن الرئيس السابق مُبارك قد جار علي دستور 1971 بتعطيل مُعظم أحكام الأبواب الثلاثة الأولي أو أوقفها أو لم يأخذ بها (55). ومن بين مُخالفاته الجسيمة، التعديلات الدستورية علي المادة (179) عام 2007 التي عصفت بالحريات والواجبات والحقوق العامة اللصيقة بالمواطن كإنسان المنصوص عليها بالمواد (41 "الحرية الشخصية" "44" "حُرمة المسكن" "45" "حُرمة الحياة الخاصة") بينما المفروض أن تكون عصِية علي ذلك، باعتبار أنها تعلو علي سائر أحكام الدستور ذاته، علي نحو ما كشفت عنه المحكمة الإدارية العليا في حكمها الصادر بتاريخ 27- 4- 2000(38). ورغم أنها من المباديء فوق الدستورية التي يستحيل أن تخضع للمساس حتي من قِبَل رئيس الدولة (39).
وقد قوبلت تلك التعديلات بهجوم شديد من ممثلي أحزاب المعارضة والمستقلين في مجلس الشعب، حيث أعلن حزب الوفد رفضها جملة وتفصيلا، ورفض ممثلو حزب التجمع وجماعة الإخوان المسلمين إضافة المادة (179) لها (40) ورغم ذلك نجحت الحِيَل المُشار إليها في تحقيق موافقة من المجلس، ثم في الاستفتاء عليها بالحِيَل المُشار اليها.
وتتضح مدي جسامة عدم احترام الدستور والقانون( في هذا التعهد الثاني) من اسقراء المادة (179) قبل التعديل وبعده، ومن الانتقادات العنيفة الي وجهت اليها ما يلي:
ـ نص المادة (179) قبل التعديل:تقع هذه المادة في الفصل السادس من الدستور تحت عنوان "المدعي العام الاشتراكي" ونصها: (يكون المدعي العام الاشتراكي مسئولا عن اتخاذ الإجراءات التي تكفُل تأمين حقوق الشعب وسلامة المجتمع ونظامه السياسي، والحِفاظ علي المكاسب الاشتراكية والسلوك الاشتراكي، ويُحدِّد القانون اختصاصاته الأخري، ويكون خاضعا لرقابة مجلس الشعب، وذلك كله علي الوجه المُبيَّن في القانون)
نص المادة بعد تعديلها عام 2007: تعمل الدولة علي حماية الأمن والنظام العام في مُواجهة أخطار الإرهاب، ويُنظِّم القانون أحكاما خاصة باجراءات الاستدلال والتحقيق التي تقتضيها ضرورة مواجهة هذه الأخطار، وبحيث لا يَحُول الإجراء المنصوص عليه في كل من الفقرة الأولي من المادة (41) والمادة (44) والفقرة الثانية من المادة (45) من الدستور دون تلك المواجهة، وذلك كله تحت رقابة القضاء. ولرئيس الجمهورية أن يُحيل أية جريمة من جرائم الإرهاب الي أية جهة قضاء منصوص عليها في الدستور أو القانون.
وجُه النقد التي وُجهت الي المادة (179) المعدَّلة:
أ- نددت بها مُنظمة العفو الدولية والمنظمات الحقوقية، وطالب رئيس المجلس القومي المصري لحقوق الإنسان بعدم المساس بالحريات العامة في الدستور ومحاكمة المواطنين أمام قاضيهم الطبيعي، وأن المادة تُثير إشكاليات كثيرة بشأن مدي تقويضها لحريات عامة.
ب- كانت هناك آمال لتعديل المادة(41) لأنها تُقيِّد الحريات بأمر من النيابة العامة، ولا تقيد مدة الحبس الإحتياطي، وبهذا التعديل أُجبِرَت المعارضة علي تمني عدم المساس ببعض مواد ومنها المادة (41).
ج - التعديل قد ألغي أحد أشكال القضاء الاستثنائي ( محكمة القيم) وأعطي رئيس الجمهورية حق إحالة قضايا الإرهاب الي القضاء الاستثنائي ومنه ( القضاء العسكري)، بالمُخالفة للمادة (68) التي تؤكد علي "القاضي الطبيعي"، والمادة (67) التي تُشير الي أن المُتهم بريء حتي تثبُت إدانته، وهما كقاعدتان أساسيتان في النظم الدستورية، والعدالة الجنائية المعاصرة وإعطاء هذا الحق للرئيس بوصفه رئيسا للدولة والحَكَم بين السلطات سيُؤثِّر علي مبدأ القضاء الطبيعي، ويوجِد احتمالا كبيرا لإحالة بعض المدنيين المُتهمين في قضايا سياسية الي القضاء العسكري، وهو ما يمس المبدأ الدستوري المُتعلق بالقضاء الطبيعي وبضمانات المحاكمة الجنائية.
د - المادة تتجاوز قوة قانون الطواريء حيث كان من الممكن الطعن علي استمراره لمخالفته للتأقيت المُحدد بالمادة (148) والتعديل يمنح الرئيس إمكانية عسكرة المجتمع بالمادة (179) بالاستغلال المُحتمل للمادة (148) الخاصة بإعلان حالة الطواريء في نفس الوقت.
هـ - ان الاستفتاء علي التعديلات مُتضمِّنة المادة (179) يُعد بمثابة توقيع علي بياض علي قانون لا يُعرَف مداه. فالصياغة تُطلِق يد المشرع القانوني في وضع قانون للإرهاب خالٍ من أية ضوابط أو كوابح تُحِد من أي استبداد مُحتَمل بالسلطة مما يغِل يد السلطة القضائية إزاء الكثير من الأمور مثل صحة أُذونات التفتيش أو قرارات الضبط والاعتقال أو التنصت أو غيرها، فيصبِح القضاء مُقيدا، كأمين علي حرمة المسكن وسرية المراسلات. الخ.
و- إنها لا تمس فقط المواد (41 و44 و45) فوق الدستورية بل تُجَمِّد عمليا مواد الدستور اللصيقة بالحريات(50- 51 ومن 65 إلي 69 و71و166).
ز - أنها تتعارض مع المادة (1) من الدستور الخاصة بالمُواطنة، التي ستُنتَهك من خلال العِبَارات المرنة، كإجراءات الاستدلال والضرورة ومواجهة الخطر. الخ.
ح ـ إن التأكيد علي تنظيم القانون للأحكام الخاصة بالاستدلال والتحقيق التي تقتضيها ضرورة مواجهة خطر الإرهاب، يعني قيام المشرع الدستوري ببسط يد السلطات الأمنية وسلطة النيابة العامة في اتخاذ اجراءات تُمكِّن من استباق من يُحضِّرون أو يشْرَعون في ارتكاب جرائم الإرهاب، مما يبعث علي التخوُّف من سعْي المُشرع عند سن التشريع المطلوب الي تعطيل أحكام نصوص مواد الحريات(14 و44 و45) رغم أنها أعلي من القانون ولا تُجدي عبارة أن لا يحول ما هو منصوص عليه فيها من مواجهة خطر الإرهاب، باعتبارها "كرأي المشرع الدستوري" لا تُعطِّل نصوص، لأنها في الواقع تؤكد علي إعفاء المشرع القانوني من الالتزام بأحكامها، وإلا ما كان له أن يذكرها بداية لو قصد غير ذلك (41).
وهذا التخوُّف تسنده أُسس التوازن بين الحقوق والحريات وسائر القيم الدستورية بما في ذلك المصلحة العامة، التي لا تُجيز أن يكون التدخل الجنائي مدخلا للمساس بجوهر الحقوق والحريات، لأن التوازن يتطلب وضع الحدود دون تقييدها بما ينال من جوهرها أو مُحتواها. والحقوق والحريات التي تتمتع بحماية دستورية لا يجوز للمُشرع إلا تنظيم ممارستها مع غيرها من القيم الدستورية في حدود سلطته التقديرية، ما لم يُقيد الدستور الممارسة بضوابط تُحِد من إطلاقها، تُعتبر تُخوما لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها، وأكدت المحكمة الدستورية العليا أنه(من المُقرر أن الحقوق التي كفل الدستور أصلها، لا يجوز تقييدها بما ينال منها، كما أكدته العديد من أحكامها، ومنها مُتعلق بالمادة (42) الخاصة بالحرية الشخصية (42).
ط- إن استمرار انتهاك نصوص الدستور، حتي تحت غطاء المادة (179) يحوِّل المُجتمع والدولة الي سلوك اعتيادي لامتناع الأفراد عن ممارسة حقوقهم، فتتغوَّل السلطة في استخدام الممارسات التي تُكرِّس ثقافة الانتهاكات بوصفها ممارسة شائعة (43).
ويُلخَّص البعض مُحصِّلة ذلك: بعدم احترام أي نص في دستور 1971 منذ وضعه (44).
ولاشك أن مَن اقترح التعديلات الدستورية عام 2007 وكُل من وافق عليها تنفيذيا أو تشريعي، قد حنث باليمين التي أقسَمها باحترام الدستور ورعاية مصالح الشعب. ولا يُغيِّر ذلك مقولة إنه بالاستفتاء علي التعديل اصطبَغ بإقرار الشعب، لأنه وكما تأكد بما لا يدع مجالا للشك أن الاستفتاءات والانتخابات، كانت تُدار بطريقة تنأي بها - في المُطلَق - عن أية صلة بعمليات تهدِف الي التعرُّف علي رأي الشعب وتحقيق إرادته (45).
كما أن استقراء التعديلات وأهدافها في ضوء الإنتقادات التي لم تجد مجيبا لا بالتعديل ولا بالتصحيح، ما ينُبيء بأن الرئيس السابق قد أفقد النظام عناصر الدولة القانونية خاصة الإعتراف بالحريات والحقوق الفردية، وأن النظام المطلوب يحمي الأفراد من عَسَف السلطات العامة واعتدائها علي حقوقهم، لأن المبدأ ما وُجِدَ إلا لضمان تمتعهم بها (46).
كما قوضت التعديلات أهم عناصر النظام الجمهوري وهو (ممارسة حق الانتخاب في إطارالحرية) باعتباره من أهم حقوق المواطنة، الذي يجعل صاحبه عضوا فاعلا في البناء السياسي للمجتمع، بالمشاركة السياسية، وفي ==========عملية صُنع واتخاذ القرار السياسي (47).
والعجيب أنه في الوقت الذي يتم فيه هذا التحايل للحيلولة دون وجود معارضة حقيقية داخل وخارج البرلمان، وتكريس ضآلة حجمها ومحاصرتها ضاربين بأسس النظام الجمهوري عرض الحائط مُتناسين قول أحد الحكماء "إن الصياح في البرلمان قد ينقلب الي وحوش ضارية تنهش الآخرين إذا لم يكن ثمة برلمان حقيقي (48) بالنزول للشوارع، فإن بريطانيا الملكية تفخر بمبدأها الدستوري وهو: للحكومة المبادرة بالسياسات وللآخرين الانتقادات" (49).
وفي رؤيتنا المُستقبلية للدستور الجديد، فيما يتعلق بصيانة الحقوق والحريات العامة، نؤيد أن يُدرج في الدستورالجديد نص اقترحه البعض وهو:
(كرامة الإنسان لها حُرمتها وعلي جميع سلطات الدولة واجب احترامها. يعترف الشعب المصري بحقوق الإنسان ويعتبرها غير قابلة للانتهاك، وهي أساس كل مُجتمع إنساني وضرورية للسلام والعدل في العالم. جميع الحقوق الواردة في هذا الدستور مُلزِمة للهيئة التشريعية والسلطة التنفيذية والهيئة القضائية وتُعتَبر واجبة التطبيق مُباشرة) (50).
وفي إطار حرية الرأي تنص المادة 47 من دستور 1971 علي أن( حرية الرأي مكفولة، ولكل إنسان التعبير عن رأيه ونشره بالقول أو الكتابة أو غير ذلك من وسائل التعبير في حدود القانون. وجاء نفس النص بالمادة (12) من الإعلان الدستوري. كما جاء بوثيقة إعلان دستور 1971 ( إن سيادة القانون ليست ضمانا لحرية الفرد فحسب، لكنها الأساس الوحيد لمشروعية السلطة في نفس الوقت). وجاء بالمادة 184 من دستور 1971 أن هيئة الشرطة مدنية نظامية، رئيسها الأعلي رئيس الجمهورية. وتؤدي واجبها في خدمة الشعب، وتكفُل للمواطنين الطمأنينة والأمن، وتسهر علي حِفظ النظام والأمن العام والآداب، وتتولي تنفيذ ما تفرضه عليها القوانين واللوائح من واجبات، وذلك كله علي الوجه المُبيَّن بالقانون.
ورغم كل ذلك، ووجِهت مُظاهرات الشباب السِلمية في ثورة 25 يناير، بإطلاق الرصاص الحي عليهم، مما أدي الي فقُتِلَ المِئات وأُصيب الآلاف، حسب ما أوردته وسائل الاعلام. وعن مًصدِر الأوامر بذلك ذكر الخبير الأمني اللواء منصور عيسوي "مساعد وزير الداخلية الأسبق ووزير الداخلية حاليا"، أن قرار إطلاق النار علي المُتظاهرين ليس قرار العادلي وزير الداخلية الأسبق بمفرده، وإنما تم نتيجة لتعليمات من رئيس الجمهورية، لأن سُلطاته لا تسمح له بإطلاق النار علي الشعب إلا بعد اللجوء الي القائد الأعلي للشرطة وهو الرئيس السابق، وأضاف أن قرار انسحاب الشرطة من شوارع العاصمة والمحافظات جاء بعد محادثة تليفونية بين الرئيس السابق ووزير الداخلية الأسبق(51).
ونحن نري مسئولية الرئيس السابق طبقا للمباديء فوق الدستورية، كما يُسأل عن جريمة التحريض علي قتل المُتظاهرين وفقا لما هو مُقرَّر في قانون العقوبات.
كما أكَّد مساعد وزير الداخلية السابق أن قضايا التعذيب كانت بِعِلم كامل من كِبار المسئولين في البلاد (52).
ونحن نري وجوب المسئولية الجنائية لكل من ساهم في تلك الجرائم بالتنفيذ أو التحريض أو المساعدة، بدءا من الرئيس السابق رئيس المجلس الأعلي للشرطة.
في رؤيتنا المستقبلية لمنع تلك الظاهرة، نري إدراج نص في الدستور الجديد، يقترحه البعض لعلاج فساد ما قبل ثورة 25 يناير، وهو( يجوز لأي شخص يدَّعي أنه كان ضحية جريمة جسيمة أو جُنحة خطيرة ارتكبها عضو من أعضاء الحكومة في ممارسة واجباته، أن يُقدِّم شكوي الي النائب العام لكي يُحيلها الي محكمة العدل العليا أو يحفظ الشكوي. وتنطبق أحكام هذه المادة علي الأفعال المُرتكبة قبل بدء نفاذها) (53)
التعهد الثالث: رعاية مصالح الشعب رعاية كاملة
وصيغته في اليمين الدستورية (وأن أرعي مصالح الشعب رعاية كاملة)
إذا حاولنا تحديد التزامات هذا التعهد ذ من الناحية الإقتصادية - نجد أن الدستور حددها في المواد(4- 23- 24- 25- 30- 32- 773). وعن موقفها، قيل أنه كان لنتائج الممارسات المُشاراليها، سوء أحوال البلاد وتفشي الإهمال والتسيِّب في كل شيء (54).
وأفادت دراسة للبنك الدولي عن الفقر في مصر أن نسبة الفقراء انخفضت من 81 و24% عام 1990- 1991 إلي 4 و19% عام 95- 1996 ثُم إلي 47 و16% عام 2000- 2001 وعادت إلي الإرتفاع إلي 65 و19% عام 2004- 2005، وأن نسبة الفقر المُدقع قد ارتفعت من 2% عام 1996 إلي 9 و2% عام 2000 ثُم الي 8 و3%عام 2005 (55). مما أدي الي تنامي الاحتجاجات تعبيرا عن المطالب الحياتية المُباشرة، كأثر لتنامي خصخصة القطاع العام والخدمات ااجتماعية، وعدم عدالة توزيع الدخول، وضعف النمو الاقتصادي (56).
كما أعلن ممثل مصر ومجموعة الدول العربية في صندوق النقد الدولي، أنه فوجيء بحجم الفساد في عهد الرئيس السابق والفئة المُتهمة حوله التي مارست جميع أنواع الفساد (75).
ولا شك أن الرئيس السابق يُسأل عن ذلك، نتيجة لعدم تنفيذ متطلبات تعهده الثالث في اليمين الدستورية، رغم ما أتاحه له الدستور والقوانين من سلطات واختصاصات فعلية تُمكِّنُه من تنفيذها، بالإضافة الي ما تُجَرِّمُه القوانين من الجرائم المُرتكبة أو الواجبات التي لم يقم بأدائها. كما يُسأل عن أعمال مُعاونيه في الحكومة وأجهزة الدولة، الذين لم يقتصر الأمر علي تقصيرهم في الأداء، بل ارتكبوا جرائم مُقرَّر لها عقوبات جنائية في القانون رقم 79 لسنة 1958 بشأن مُحاكمة الوزراء وقانون العقوبات وقوانين أخري، عن جرائم: استغلال النفوذ "التدخل في الإنتخابات" مُخالفة القوانين بتخصيص الأراضي، واسناد المشروعات بالأمر المُباشر ذ مخالفة الأحكام الأساسية للدستور. وقد أشار بعضهم في التحقيقات الجارية معهم إلي تورُّط الرئيس السابق بالتحريض والمُعاونة وعدم القيام بواجباته بمواجهتها (58).
ولا يُقبَل الإحتجاج بأن الإنتهاكات تقع علي عاتق الحكومة فقط إذ إنها تعمل تحت إشرافه المُباشر أو غير المُباشر وتُنفِّذ أوامره وتوجيهاته بالتحايُل علي مواد الدستور باعتباره: المُتولي للسلطة التنفيذية (مادة 137) المُشترِك مع مجلس الوزراء في وضع السياسة العامة للدولة والإشراف علي تنفيذها(مادة 138) له حق دعوة مجلس الوزراء للانعقاد ورئاسة الجلسة، وله حق طلب تقارير من الوزراء( مادة 142) يُصدِر قرارات بإنشاء وتنظيم المرافق والمصالح العامة (مادة 146) - يُصدِرقرارات لها قوة القانون في غيبة مجلس الشعب (مادة 147) يُعلِن حالة الطواريء (مادة 148) القائد الأعلي للقوات المسلحة (مادة 150) يُصدِر قرارات لها قوة القانون (مادة 108) الرئيس الأعلي لهيئة الشرطة (مادة184).
ولم يقتصِر الأمر علي عدم تنفيذ الرئيس السابق للإلتزام الدستوري بهذا التعهد، بل تعدَّاه الي ارتكاب جرائم جنائية ضد مصالح الشعب تناولها الإعلام المصري والأجنبي ومنها:
1ـ أن منظمة إسرائيلية قدمت وثيقة الي وزارة العدل هناك عن وجود أدلة تُفيد تورُّط الرئيس السابق مُبارك وأسرته، وصديقه (حسين سالم)، ورجل أعمال اسرائيلي، ورئيس الوزراء الأسبق (شارون)، ومسئولين إسرائيليين لإتهامهم بالتربُّح ودفع وطلب رشاوي لإتمام صفقة تصدير الغاز الطبيعي المصري إلي اسرائيل، وأنهم مطلوبون للتحقيق أمام جهات التحقيق الإسرائيلية في القضية رقم 371 بمحكمة أمن الدولة العليا في اسرائيل، وأن تلك الجرائم يُعاقِب عليها القانون الإسرائيلي بالسجن لمدة (70) عاما، وأن الحكومة الإسرائيلية تلقت تقريرا يُحذِّر من قيام النائب العام المصري باستدعاء الشخصيات الإسرائيلية للتحقيق معهم في قضية الغاز الطبيعي المتهم فيها شخصيات مصرية) (59).
ونحن نري أن هذه الأفعال تُشكِّل الجريمة الجنائية المنصوص عليها في المادة(77/هـ) من قانون العقوبات: (يُعاقَب بالسجن المؤبد كل شخص كُلِّف بالمفاوضة مع حكومة أجنبية في شأن من شئون الدولة فتعمَّد اجرائها ضد مصلحتها).
2- أن نيابة الأموال العامة بدأت تحقيقات في قضية مُتهم فيها الرئيس السابق مُبارك ونجليه (علاء وجمال) بتسهيل الإستيلاء علي المال العام، وتربيح عدد من رجال الأعمال، ممن استغلوا علاقتهم بهم، في الحصول علي منافع مادية، وأنه مارس ضغوطا علي رئيس إحدي المُدُن عام 2000 لبيع قطعة أرض، وقام بتنحيته لاعتراضه علي البيع) (60).
ونحن نري أن هذه الوقائع تُشكِّل جرائم التحريض والمشاركة وفقا لنصوص قانون العقوبات، بالإضافة الي إساءة استعمال السلطة فيما يتعلق بتنحية رئيس المدينة.
3ــ كشفت دراسة عن إهدار نظام مُبارك نحو 87% من إجمالي 213 مليار دولار معونات اقتصادية حصلت عليها مصر منذ عام 1982 من دول أجنبية وعربية، وأنها وُجهت الي غير أغراضها، وأن إحدي الدول المانحة سحبت معونتها "500 مليون دولار لصالح مشروع محلي " بسبب التباطؤ في التنفيذ) (61)
ونحن نري أن هذه الجريمة تُشكِّل جريمة إهدار مال عام، إذا كانت المِنح قد خُصِّصت للمنفعة العامة، فعندئذ تخضع لقيودها وهي:
1- عدم جواز التصرف فيه علي نحو يتعارض مع المنفعة العامة التي خصِّص لها المال.
2- عدم جواز الحجز عليه.
3- عدم جواز تملكه بالتقادم (62).
ويُمكِن أن يُطبَّق نص المادة (116 مُكرَّر) من قانون العقوبات، علي أن (كل موظف عام أضرَّ عمدا بأموال أو مصالح الجهة التي يعمل بها أو يتصل بها بحُكم عمله أو بأموال الغير أو مصالحهم المعهود بها الي تلك الجهة يُعاقَب بالسجن المُشدَّد).
4ـ في 25- 6- 2011 وبناء علي بلاغات من مُنظمات مُختصة، فتحت النيابة العامة الفرنسية تحقيقين قضائيين بشأن تورُّط الرئيسين السابقين مُبارك والتونسي بن علي - في إتهامات بغسيل الأموال في إطار الجريمة المُنظمة وتهريب أموال عامة، وأن التحقيقات تشمل العديد من المُحيطين بالرئيس السابق مُبارك وأفراد نظامه) (63)
ونحن نري أن هذه الوقائع تقع ضمن الجرائم المنصوص عليها في قانون غسيل الأموال رقم 80 لسنة 2002 الصادر في 22- 5- 2002 الذي يُحدِّد العقوبات المقررة لها، وذلك مع عدم الإخلال بأية عقوبات أشد ينص عليها قانون العقوبات أو أي قانون آخر.
رؤيتنا المُستقبلية باقتراح نصين دستوريين جديدين عن المسئولية السياسية والجنائية عن قرارات رئيس الجمهورية:
حتي يوجد من يُسأل سياسيا عن قرارات رئيس الجمهورية نؤيد إدراج نص دستوري في الدستور الجديد اقترحه البعض وهو (يُمارس رئيس الجُمهورية سلطاته بواسطة الوزراء، وتتطلب قرارات الرئيس توقيعا مُقابلا من رئيس مجلس الوزراء أو الوزير المُختص، هذا الشرط لا يشمل قرار تعيين رئيس مجلس لوزراء أو اعفائه من منصبه) (64).
كما نؤيد إدراج نص دستوري في الدستور الجديد اقترحه البعض بشأن المسئولية الجنائية للوزراء وهو (يخضع أعضاء الحكومة للمسئولية الجنائية عن الأعمال التي يقومون بها في أداء واجباتهم وتُصنَّف علي أنها جرائم جسيمة أو جُنح خطيرة وقت ارتكابها، ويُحاكمون أمام محكمة العدل العليا) (65)
خاتمة:
في 13 فبراير 2011 صدر بيان المجلس الأعلي للقوات المسلحة بتعطيل العمل بدستور 1971. وقد أثبتنا في هذا البحث مسئولية الرئيس السابق مُبارك علي أساس كل من المباديء ذات القيمة الدستورية، وذات القيمة فوق الدستورية بالنسبة لتعهداته في اليمين الدستورية التي أدَّاها أمام مجلس الشعب طبقا للمادة 79 من الدستور، ومسئوليته الجنائية عن الأفعال المُرتكبة طبقا لقوانين سارية وهي: 247 لسنة 1956- 79 لسنة 1958 قانون العقوبات بعض القوانين الأخري، والمُستقر أنها لا تتأثر بقيام الثورة، ولا بتعطيل الدستور.
وإذا كان البحث قد استند الي بعض نصوص دستور 1971 (المُعطل)، فإن ذلك لا يُمَثِّل استنادا الي ما لا وجود له، بل استنادا الي قواعد موجودة وقائمة ؛ ذلك لأنه من الأمور المُستقرة ذ كما يقول أحد الثُقاة في عِلم القانون الدستوري "أن نجاح الثورة يُسقِط الدستور نعم" اعتمادا علي قبول الشعب للثورة، إلا أن القضاء الفرنسي قد ابتدع طريقة فقهية بارعة، وهي معاملة بعض نصوص الدستور معاملة القوانين العادية (من حيث استمرارها الي أن تُلغي). ومن هذه القواعد التي أبقاها، ما يتعلَّق بالقواعد الإدارية والجزائية التي لا علاقة لها بما يجب أن تتناوله الدساتير أصلا، لأنها لم توضع بالدستور إلا لِتكتسِب ما للمباديء الدستورية من ثبات وقوة، ولذا فإنها لا تسقُط بسقوط الدستور، وإنما تفقد صفتها الدستورية الشكلية.
وإذا كانت ثورة 25 يناير قد جاءت بالتغيير وبُديء في تنفيذه بتنحية رئيس الجمهورية السابق وبعض قادة ذلك النظام، فإن استمرار مسيرة الثورة لتحقيق أهدافها يكون بالإسراع في مُساءلة من اقترفوا الجرائم بمُختلف أنواعها في حق الشعب المصري، الي الدرجة التي شوهت تاريخه وحاضره وهزت أمنه وأمانه وسدَّت سُبُل صُنعه مستقبله الذي يُريد كباقي الأمم المُتحضِّرة.
وفي سبيل تطبيق قوله تعالي (إن الله لا يُغيِّر ما بقوم حتي يُغيِّروا ما بأنفُسِهٍم) كسُنة وقاعدة اجتماعية سنَّها الله تعالي ليسير عليها الكون وتنتظم بها أُسس البنيان ذ قد وضعنا رؤيتنا المستقبلية باقتراح بعض النصوص للدستور الجديد أو إقتبسنا بعضها من أساتذة غيورين علي هذا الوطن العظيم، وكذلك بعض المقترحات لقوانين جديدة - حسب مناسباتها من البحث ذ أملا في وضعها بين يدي المُشرِّعَيْن الدستوري والقانوني، لصياغة أسس أمثل وأفضل للحُكم، لشعب بهر العالم بثورته ونقاء أهدافها، فأثبت أنه يستحق أن يُتاح له العيش بأفضل ما في عصره، سبيلا لِصُنْع مُستقبله.
قائمة المراجع:
1- المستشار محمد أمين المهدي: محاكمة رئيس الجمهورية السابق والوزراء بتهم الفساد السياسيذ جريدة الشروق 22- 5- 2011.
2- مُعجم المُنجِد في اللغة والاعلام ذ قسم اللغة، دار المشرق ببيروت - ط23 ص 583
3- حديث السيد/ فريد الديب ذ المحامي-قناة دريم/ مساء 29- 6- 2011 وجريدة المصري اليوم بنفس التاريخ.
4- استاذتنا الدكتورة سعاد الشرقاوي والدكتور عبدالله ناصف: القانون الدستوري والنظام السياسي المصري - تحرير الإقتصاد ودستور 1971- دار النهضة العربية 1994 ص 633.
5- التقرير الإستراتيجي العربي عامي 2006 و2007 (مركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام) ط1 نوفمبر 2007 ص 373.
6- استاذتنا الدكتورة سعاد الشرقاوي: مشروع دستور يحمي ثورة 25 يناير - دار النهضة العربية مايو 2011 ص2.
7ـ المستشار أمين محمد المهدي - السابق.
8- استاذنا الدكتور ثروت بدوي: القانون الإداري - دار النهضة العربية - ط2- 1997 ص 23 إلي 26.
-26-
9- الدكتور محمود عاطف البنا: الوسيط في القضاء الإداري ط2-1999 ص 65 الي 72
10- الدكتور سعد عصفور: النظام الدستوري المصري دستور 1971 منشأة المعارف بالإسكندرية 1980 ص 94 و95.
11-الدكتور جابر جاد نصار: الوسيط في القانون الدستوري ذ ص 412.
12- الدكتور سيد رجب السيد: المسئولية الوزارية في النظم السياسية المعاصرة مقارنة بالنظام السياسي الإسلامي - رسالة دكتوراه - حقوق القاهرة 1987 ص 617 الي 652 و710 الي 727 و829 وكتابنا بنفس العنوان والسنة - دار النهضة العربية
13- التقرير الإستراتيجي العربي: السابق ص 376.
14- الدكتور عبدالفتاح ساير داير: القانون الدستوري - ط1 -1959 ص 602.
15- الدكتور جابر جاد نصار - السابق ص 150
16- رسالتنا وكتابنا: السابقين
17- استاذتنا الدكتورة سعاد الشرقاوي: مشروع دستور - السابق - مادة 80 ص 31
18 - المستشار محمد أمين المهدي - مقالين بنفس عنوان المقال السابق دار الشروق 22 و23- 5- 2011.
19- التقرير الإستراتيجي العربي السابق ص 393.
20- جريدة الشروق 16- 4- 2011.
21- استاذنا الدكتور ثروت بدوي: النظم السياسية ذ دار النهضة العربية 1994 ص 196
22- الدكتور محسن خليل: القانون الدستوري والنظم السياسية - الجزء الثاني - بالإشتراك مع الدكتور عبدالحميد متولي والدكتور سعد عصفور منشأة المعارف بالإسكندرية - ص 4 و5.
23- الدكتور محمد كامل ليلة:النظم السياسية الدولة والحكومة دار الفكر العربي 1971 ص 306 وما بعدها.
24- استاذنا الدكتور أحمد كمال أبو المجد: السابق ص 97 و98.
25- استاذنا الدكتور ثروت بدوي: النظم- السابق ص 226 و441 و442.
26ـ معجم المنجد: السابق ص 71 و157 و191 و676.
27- الدكتور يحي الجمل: رسالة الي الرئيس محمد حسني مبارك ذجريدة المصري اليوم 3- 9- 2008 وكان ذلك نقلا عن الموقع الألكتروني (صوت مصر).
28- التقرير الإستراتيجي العربي: السابق ص 419.
29- جريدة صوت الأمة: 4- 6- 2011.
30ـ جريدة اليوم السابع والموقع الألكتروني (ياهو مكتوب) 28- 6- 2011.
31- جريدة اليوم السابع: 11- 6- 2011.
32ـ الدكتور يحي الجمل: النظم الياسية المعاصرة 1989 ص 124.
33- الدكتور فتحي فكري: القانون الدستوري الكتاب الأول - دار النهضة العربية 1997 ص 124 و152.
34- الدكتور عبدالفتاح ساير داير: السابق ص 472.
35- الدكتور يحي الجمل: رسالة الي الرئيس السابق.
36- الدكتور فتحي فكري: السابق ص 306 و307.
37- استاذنا الدكتور أحمد كمال أبوالمجد: السابق ص 97 و98.
38- المستشار فكري خروب: السابق.
39- المستشار محمد أمين المهدي: مقال 23- 5- 2011.
40- التقرير الإستراتيجي: السابق ص 392.
41- المرجع السابق ص 390 الي 392.
42- الدكتور أحمد فتحي سرور: السابق ص 526 الي 529.
43- التقرير الإستراتيجي: السابق ص 392.
44- الدكتور ابراهيم درويش: لقاء مع برنامج (خط أحمر) بقناة دريم 15- 6- 2011.
45- المستشار محمد أمين المهدي: مقال 22- 5 السابق.
46- استاذنا الدكتور ثروت بدوي: النظم - السابق ص 178
47- الدكتور جمال سلامة علي: أصول العلوم السياسية - اقتراب واقعي من المفاهيم والمتغيرات - دار النهضة العربية 2003 ص 191.
48- رسالتنا وكتابنا: السابق ص 33 وص 2.
Harvy and Bather- The British Constitution-Third Edition 1974 P.128
49- استاذتنا الدكتورة سعاد الشرقاوي: مشروع دستور - السابق ص22
50 ـ حديثه لقناة ( أون تي في) نقلا عن الفيس بوك بتاريخ 18- 2- 2011.
51ـ جريدة اليوم السابع بتاريخ 1- 7- 2011.
52- استاذتنا الدكتورة سعاد الشرقاوي: المادة 203 ص 64. ولصيانة الحقوق الأساسية والحريات الشخصية تقترح مادة جديدة في الدستور الجديد ونصها ( كل شخص يدَّعي أن حقوقه الأساسية أو حريته الشخصية قد انتهكتها سلطة عامة أن يرفع دعوي مُباشرة بعدم دستورية الإجراء الذي انتهك حريته بعد استنفاذ كافة السبل القانونية للدفاع عن حقه أو حريته، ويُحدِّد قانون المحكمة الدستورية شروط واجراءات الدعوي المباشرة بعدم الدستورية) "مادة 75 ص 29".
53ـ الدكتور يحي الجمل: رسالته الي الرئيس السابق.
54ـ التقرير الإستراتيجي العربي،2007- 2008: مركز الأهرام ط1 2008 ص474.
55- التقرير الإستراتيجي العربي 2006- 2007: السابق ص 421 و479.
56 ـ المستشار فكري خروب: السابق.
57ـ الموقع الالكتروني لجريدة الوفد بتاريخ 12- 6- 2011
58ـ جريدة اليوم السابع بتاريخ 12- 6- 2011.
59ـ جريدة المصري اليوم بتاريخ 20- 6- 2011.
60ـ استاذتنا الدكتورة سعاد الشرقاوي: القانون الإداري 2009 دار النهضة العربية ص 476 و477 ومن 489 الي 489.
61ـ جريدة الأهرام بتاريخ 19- 6- 2011.
62ـ استاذتنا الدكتورة سعاد الشرقاوي: مشروع دستور - السابق مادة (96) ص 35.
63ـ المرجع السابق: المادة (202) ص64
64ـ الدكتور السيد صبري:مباديء القانون الدستوري ط4 مُكرَّرة 1949ص226.