Share |
يناير 2012
21
الثورة. والجيش. و«الأهرام العربى»
المصدر: الأهرام العربى

محمد عبدالهادى علام

عام مر على ثورة 25 يناير، ولاتزال المسيرة مستمرة لتحقيق أهدافها الكاملة وسط أشواك وحقول ألغام داخلية وخارجية. إنجازاتها أيضا مستمرة وسط اختلاف حول معدلات سرعة تحقيقها، لكن الثابت هو ترسيخ حق الشعب فى الاختيار واحترام إرادته - دون تزوير أو توريث - وتعميد الحريات خصوصا حرية الرأى والتعبير على طريق الانتقال إلى إعادة بناء الدولة على أسس سليمة بعد ثورة عظيمة، وها هى السلطة التشريعية يتسلمها نواب الشعب المنتخبون بعد أيام، والسلطة التنفيذية يتسلمها الرئيس المنتخب بعد أسابيع، وتبدأ مرحلة وضع دستور جديد للبلاد فى إطار عملية أطلقها الشعب من ميدان التحرير، وتستمر تحت رقابته بعدما وضع لها إعلانه الدستورى بشعارى «الشعب يريد إسقاط النظام»»، و«الجيش والشعب إيد واحدة».
فقد انحاز جيش مصر للشعب فى ثورته على عهد مبارك ووضع قائده الأعلى السابق فى قفص الاتهام فى سابقة تاريخية، فهذه تكاد تكون المرة الأولى فى التاريخ التى تتم فيها محاسبة «الفرعون» وهو على قيد الحياة ليكون عبرة، فوطنية الجيش هى التى جعلت العصابة التى كانت تحكم البلاد حريصة على إبعاده، وجعلت زوجة الرئيس السابق تمارس ضغوطها لمنع تعيين نائب له، وتجلت هذه الضغوط حتى إجهاض أى محاولة لإنتاج فيلم سينمائى حول حرب أكتوبر 1973 المجيدة وأبطالها العظام.
فقد جاء موقف الجيش متسقا مع تاريخه الوطنى، فعلى مدى أكثر من ألفى عام - منذ نهاية حكم الأسرة الثلاثين فى العصر الفرعونى لم يحكم مصر مصرى إلا عبر بوابة الجيش وضباطه الأحرار بقيادة جمال عبدالناصر فى 23 يوليو 1952.
قبل ذلك بسبعين عاما خرج من الجيش المصرى الأميرلاى (عميد) الفلاح أحمد عرابى قائلا للخديوى توفيق: «لسنا عبيد إحساناتكم. لقد خلقنا الله أحراراً ولم يخلقنا تراثا أو عقارا، فو الله الذى لا إله إلا هو فإننا لن نورث ولن نستعبد بعد اليوم»، فى أول تعبير عن الهوية الوطنية، التى أطلقتها ثورة الجيش «العرابية» من القمقم الذى حُبست فيه لأكثر من ألفى عام.
لذا كان أول مرسوم يصدره توفيق فى 19 ديسمبر 1882 - مثلما فعل كل غاز تمهيدا للاحتلال وللقضاء على الروح الوطنية والمقاومة - هو إلغاء الجيش المصرى! وثانى مرسوم فى 24 أكتوبر 1882 بتجريد الضباط المصريين من رتبهم، وحرمانهم من الحق فى المعاش ومحاكمتهم! فهرع الشعب يجمع ما يمتلكه من أجل دعم رجال جيش عرابى. وثالث مرسوم فى 16 يناير 1883 بتعيين السير إفلين وود الإنجليزى قائداً عاماً للجيش المصرى ورئيساً لأركانه!
لم يكن هدف القرارات السابقة والمحاولات اللاحقة حتى اليوم هو ضرب مؤسسة الجيش، وإنما القضاء على هذه المؤسسة التى تجسد الوطنية فى أبلغ صورها، ويحسب للزعيم الوطنى مصطفى النحاس، أنه أعاد فتح أبواب الجيش والكلية الحربية - بمقتضى معاهدة 1936 - أمام أبناء الشعب من العمال والفلاحين، فقد فتح الباب عمليا أمام عودة الروح الوطنية ولكى يحكم مصرى بلده عبر مؤسسة الجيش، التى أعادت بدورها الانتماء الوطنى بالعدالة الاجتماعية وبالتمصير وبتأميم قناة السويس وبملحمة بناء السد العالى وبمشروع الألف مصنع وبالثقافة ومشروع الألف كتاب، وبتمليك الفلاح الأرض التى يزرعها والعامل أسهما فى مصنعه.
فقد أطلق الجيش وخريجو دفعات 37 و1938 من الكلية الحربية بثورة يوليو 1952، المشروع الوطنى وعمادة الطبقة الوسطى التى أسهم فى بنائها لقيادة عملية التنمية والتقدم، تلك الطبقة التى خرج أبناؤها ليطلقوا ثورة 25 يناير التى كادت أن تتلاشى فى عهد مبارك ونجله بعدما عملت سياستهما على تحويل الشعب من مالك لبلاده إلى مستأجر.
فالجيش المصرى أحد أقدم وأعرق مؤسسات الدولة المصرية فىالتاريخ الحديث والمعاصر إلى جانب مجلس شورى القوانين (المجلس النيابى) ووزارة الخارجية ومؤسسة «الأهرام». والأهرام الصحيفة - ثم المؤسسة بجميع إصداراتها - جسدت كذلك عبر تاريخها تلك الروح الوطنية كمنبر يتسع لكل الآراء والاتجاهات السياسية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، والاتجاهات الدينية، ومن ثم فليس غريبا أن تواجه «الأهرام» عبر تاريخها (136 عاما) محاولات لحرفها عن مسارها تارة لتكون بوقا لعهد أو لنظام، وتارة للنيل منها كمؤسسة وطنية ظنا بأنها ممر سهل لهدم باقى مؤسسات الدولة.
لذلك كان قرار العاملين بمجلة «الأهرام العربى» هو الاحتفال بثورة الشعب، ثورة 25 يناير، وبأن يكون احتفالنا على مستويين، الأول: إقامة حفل فنى تطوع الفنان على الحجار مشكورا بإحيائه - دون مقابل - بأغنياته عن الثورة (أقيم يوم الخميس قبل الماضى)، والثانى: ترسيخ «الأهرام الفكرة» - عبر إحدى مطبوعاتها كمنبر يتسع لجميع الآراء والاتجاهات، خصوصا فى مناخ سياسى وإعلامى لم يتخلص فيه البعض من رواسب الماضى بممارسات التحريض ومحاولات الإقصاء للرأى الآخر نفاقا لسلطة قائمة أو قادمة أو طمعا فى جوائزها! فى وقت باتت السلطة فيه للشعب، وأصبحت القضية فيه هى الديمقراطية، وما إذا كنا نؤمن بحق الجميع فى التعبير عن الرأى أم لا؟ وبأشكال يبدو مقابلها الجيش المصرى - الذى سمح بعد الثورة بإنشاء أحزاب وإصدار صحف وإطلاق فضائيات - أكثر ديمقراطية من بعض تلك النخب «المدنية» والشخصيات السياسية والإعلامية.
المشهد السياسى فى مصر هذه الأيام يجعل من الخطأ الاعتقاد بأن وطننا يخصنا وحدنا أو أن هناك من سيترك الفرصة لكى تكون السيادة للشعب بشكل كامل، والقرار الوطنى مستقل أيضا بشكل كامل، أو أن الحكام لا تمارس عليهم الضغوط من هنا أو هناك، ومن حين إلى آخر تحت شعارات مختلفة باسم مصالحنا أو باسم المجتمع الدولى.
فما يسمى بالمجتمع الدولى (أو العالم الحر) هو نظام دولى تسيطر عليه قوى دولية، وله مؤسساته السياسية والاقتصادية الرسمية تحت عناوين براقة مثل السلم والأمن الدولى والعدالة الدولية والديمقراطية وحقوق الإنسان والتعاون والتنمية والمساعدات والمعونات والتمويل وله أيضا قواعده العسكرية وأحلافه، وحتى بما فى ذلك شعار «تصفية الاستعمار»! كما أن له كذلك مؤسساته «غير الحكومية ومجتمعه المدنى».
ذلك «المجتمع الدولى» لا يشعر بالحرج سواء أمام الأنظمة الحاكمة أو أمام الشعوب، وهو يمارس ازدواجيته، وفى أجواء الثورات العربية لا تجد هذه القوى أى غضاضة فى التدخل «العسكرى» فى ليبيا تحت شعار حقوق الشعب والإنسان ومبادئ المساواة والديمقراطية، وفى آن واحد التدخل العسكرى فى البحرين لإخماد ثورة الشعب تحت نفس العناوين! كما لا يشعر حلفاؤها بالحرج من دعم ثورات الشعوب وهم يستضيفون قواعد عسكرية أمريكية أو دعم ثورة الشعب السورى ضد الاستبداد، فى وقت يعتبر هؤلاء الحلفاء فيه الأحزاب وحقوق المرأة رجسا من عمل الشيطان، فبدم بارد تأتى التدخلات لسرقة ثورات الشعوب وتضحيات الشهداء، وادعاءات دعمها، وتسقط الأقنعة عندما تضغط على الحكام الجدد فى دول نجحت فيها الثورات فى خلع أنظمتها القديمة من أجل خفض سقف توقعات شعوبها فى مرحلة ما بعد الثورة! والضغط على قوى «الثورة» فى دول أخرى من أجل «أمن إسرائيل» بممارسة الضغوط تارة والابتزاز تارة أخرى، ضمن محاولات لاختطاف الثورات ورسم مساراتها فى الاتجاه المطلوب بمساعدة بعض منظمات المجتمع المدنى العاملة خارج القانون وسيادة الدولة. الأمر الذى يتطلب ليس فقط مساءلة هذه المنظمات بل مساءلة من سمح لها بالعمل خارج إطار القانون والاعتداء على سيادة الدولة. وهنا تبدو الحاجة للم الشمل الوطنى والشفافية للرد على هذه المساعى وإجهاضها، فالثورة بشبابها وحُماتها فى قارب واحد.
فتلك القوى وحلفاؤها يدركون أن ثورة الشعوب ضد الاستبداد هى تعبير عن وعى الشعوب بأن بلدانها لم تكن مستقلة فى قرارها الوطنى تحت حكم أنظمتها البائدة التى كرست التبعية، وأن تلك الأنظمة لم تكن سوى وكلاء إقليميين وحلفاء لتلك القوى الدولية التى حكمتنا، والتى تريد العودة عبر اختطاف الثورة، وتزييف الوعى مرة أخرى تحت شعارات براقة جديدة مثل «حاجة الشعوب إلى مساعدات اقتصادية لتنفيذ برامج الإصلاح؟!
الحرية لا تكتمل من دون تحرير الوعى، والثورة من أجل استرداد الكرامة هى ثورة ضد الاستبداد سواء كان محليا أم أجنبيا، وضد التدخلات سواء دولية أو من جانب شقيق عربى.