Share |
يناير 2012
1
أزمة كاشفة: منطقة "اليورو" في مواجهة الوحدة الأوروبية
المصدر: السياسة الدولية


مثلت أزمة الديون السيادية الأوروبية، وتداعياتها علي الصعيدين الأوروبي والعالمي، منعطفا مهما في مسار "منطقة اليورو"، مما اقتضي تغيير أسلوب الأداء واستراتيجية التعامل في إطار الوحدة النقدية خاصة، والاتحاد الأوروبي عامة. وتجلي ذلك بوضوح في القمة الثلاثية التي جمعت المستشارة الألمانية، إنجيلا ميركل، والرئيس الفرنسي نيكولاي ساركوزي، ورئيس الوزراء الإيطالي الجديد ماريو مونتي مطلع الشهر الماضي (ديسمبر 2011) حيث طالبت بإعادة النظر في المعاهدات التي تحكم أداء الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو، وتحقيق المزيد من الحكومة والتكامل للسياسات الاقتصادية والمالية، وهو ما تحقق لها في القمة الأوروبية التي عقدت في التاسع من الشهر ذاته، والتي شهدت رفض بريطانيا لهذه الخطوة، مما عمق أزمة الثقة بين "لندن" و"بروكسل".
أولا- تطورات أزمة الديون:
عندما تفجرت أزمة الديون الأوروبية في اليونان قبل عامين (2009) كانت نتيجتها تلاعبا في الإحصاءات الرسمية لتسجيل إنجازات اقتصادية وسياسية وهمية. وهو ما تكشف مع فوز الحكومة الاشتراكية (برئاسة جورج بابا ندريو) في الانتخابات، ثم سرعان ما سقطت هي الأخري مع تفاقم الأزمة والغضب الشعبي. وذهبت آراء أخري إلي إلقاء اللوم علي الأزمة المالية العالمية التي فجرها انهيار بنك ليمان براذر وتبعاته علي قطاع التمويل العقاري الأمريكي والعالمي.
لكن في نوفمبر 2011، أي بعد عامين، تشابكت الرؤي علي ساحة "منطقة اليورو" لتلقي بظلالها علي أسواق المال والعملات، والقطاع المصرفي، وتداخلت العديد من الأبعاد والتراكمات، التي جعلت "نظرية الدومينو" تنطبق بشقيها، الاقتصادي والسياسي، فتوالي سقوط حكومات، سواء بالاستقالة أو بالانتخابات، نتيجة تعثر اقتصاداتها وتعاظم الحركات الشعبية الرافضة لأسلوب معالجة الأزمة. ووقعت الحكومات الجديدة بين "مطرقة" سياسات التقشف الاقتصادي وخطط العلاج الصادرة عن الاتحاد الأوروبي والبنك المركزي الموحد وصندوق النقد الدولي، و"سندان" الانكماش في معدلات النمو، نتيجة هذه السياسات، مما يعني حلقة مفرغة من الإجراءات وردود الأفعال المناوئة لها. وقد تم تغيير الحكومة اليونانية ونظيرتها الإيطالية من خلال الاستقالات. أما بالنسبة لأيرلندا والبرتغال وإسبانيا، فقد تمت من خلال صناديق الاقتراع الانتخابية.
أما الحكومات التي لم تسقط، فلم تنج تماما من وطأة الأزمة، إذ تعاني باريس وهنا اقتصاديا وسياسيا، بينما الرئيس ساركوزي علي أبواب انتخابات رئاسية. وبلجيكا في مأزق شديد علي الصعيد الاقتصادي، في ظل الافتقار إلي حكومة لمدة 578 يوما (منذ انتخابات يونيو 2010). أما ألمانيا، فدخلت دائرة مجابهة الأزمة، نتيجة وصول نيران الأزمة إليها، فتراجع إقبال المستثمرين علي سنداتها الأخيرة، فلم يتم شراء سوي40% من قيمة الطرح الذي بلغ ستة مليارات يورو، مما يعطي دلالات بأن التخوف من عنصر المخاطرة في السندات الأوروبية انتقل من الدول المتعثرة ماليا (سواء كانت دول الإطار الخارجي كاليونان، وأيرلندا، والبرتغال، وإسبانيا، أو دول المركز في الوحدة النقدية كإيطاليا) لتصل إلي ألمانيا، التي يفترض أنها "العمود الفقري" وطوق النجاه المالي لمنطقة "اليورو" والاتحاد الأوروبي. وفرض هذا الوضع مزيدا من الأعباء والضغوط السياسية والاقتصادية علي برلين، فخاضت المستشارة ميركل معركة سياسية داخلية (1).
وعكست التحذيرات المتتالية الصادرة أخيرا عن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد والبنك الدوليين، تطورا جديدا في أزمة الديون السيادية الأوروبية، حيث لفتت إلي تداعياتها الدولية، ابتداء من آسيا إلي أمريكا اللاتينية، وذلك في ظل عولمة القطاعات المصرفية وأسواق المال، إضافة إلي التجارة العالمية.
وقوبلت تلك المخاوف بمواقف حذرة من جانب اليابان والصين ومجموعة الدول الصناعية الصاعدة التي تعرف باسم مجموعة "بريكس" (الصين، وروسيا، والهند، والبرازيل، وجنوب إفريقيا). حيث أعلنت عن استعدادها للإسهام من خلال صندوق النقد الدولي، وليس بصفة ثنائية متبادلة، وقد تأكد ذلك في قمة مجموعة العشرين الأخيرة في كان بفرنسا، مما يعكس التغيرات في مراكز القوة الاقتصادية العالمية.
بالتوازي مع ذلك، استمر تخفيض التصنيفات الائتمانية من جانب مؤسسات ووكالات تقييم الجدارة الائتمانية، وانتقالها من الدول المتعثرة، إلي آخري والعديد من البنوك الأوروبية مما يعيد إلي الأذهان الأزمة المالية التي تفجرت في عام 2008. ومن هنا، بادر كل من المصرف المركزي الأوروبي وكذلك الفيدرالي الأمريكي، ونظراؤهما الياباني، والبريطاني، والكندي، والسويسري، إلي تخفيف أزمة نقص السيولة لدي البنوك الأوروبية، ترتيبا علي أزمة الديون السيادية، بما يصل إلي 106 مليارات يورو (2).
ثانيا- أسباب تفاقم الأزمة:
قد يبدو للوهلة الأولي أن أزمة الديون السيادية الأوروبية منفصلة عن الأزمة المالية العالمية (2008). إلا أن الدراسة الموضوعية لمسببات "العالمية" سوف تجد أن "الأوروبية" امتداد لها، وإن كانت أكثر حدة لتركزها في عملة واحدة هي "اليورو"، وعدم قدرة أية دولة علي خفضها لزيادة صادراتها، بينما كانت الأولي موزعة علي العديد من العملات، ابتداء بالدولار. بالإضافة إلي أن مأزق البنوك الأوروبية انقسم في جزء منه إلي أزمة "التمويل العقاري"، بينما ارتبط الجزء الآخر بالتوسع في الاستثمار وإقراض الحكومات الأوروبية لتمويل عجز موازينها المالية. وقد كان للعملة الأوروبية الموحدة، وسهولة التعامل بها في الدول السبع عشرة الأعضاء في الوحدة، النقدية، أثره في التوسع في مجالي الإقراض والاقتراض بالنسبة للبنوك الأوروبية، وامتد ذلك الانكشاف إلي دول شرق ووسط أوروبا، وبالتالي أصبحت هذه البنوك في حاجة لدعم حكومي مكثف وليس العكس. وكان ذلك سببا في أزمة كل من أيرلندا وإسبانيا، بينما كانت مديونية الحكومات، وتفاقم العجز المالي، والاقتراض لتمويل الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية، سببا في تفجر أزمة الديون السيادية بالنسبة للدول الثلاث الأخري، وهي اليونان والبرتغال وإيطاليا. وتوالت تقارير المؤسسات العالمية بتخفيض التصنيفات الائتمانية للدول المتعثرة، فارتفعت تكلفة الاقتراض والفائدة علي السندات الحكومية الأوروبية، كما لجأ العديد من البنوك إلي التخلص من هذه السندات بأسعار منخفضة في الأسواق الثانوية، بغية الحصول علي أموال سائلة لدفع أعمالها المصرفية، مما خلق أزمة ثقة في هذه السندات الحكومية.
إضافة إلي ما سبق، هناك مسببات أخري أدت إلي تفاقم أزمة "اليورو" والديون السيادية الأوروبية، يمكن تلخيصها في الآتي:
1- تسببت القوانين والاتفاقيات المنظمة لأداء دول منطقة "اليورو"، وكذلك الاتحاد الأوروبي، في بطء التحرك لمواجهة الأزمة الأوروبية وقبلها الأزمة العالمية. فقد تفجرت الأزمة في اليونان في نوفمبر 2009، إلا أن موافقة رؤساء الاتحاد الأوروبي علي خطة الإنقاذ لم تتم إلا في شهر مايو 2010. وخلال هذه الفترة، تعرضت أثينا لضغوط أوروبية لتحقيق الانضباط المالي، قوبلت بمعارضة واحتجاجات شعبية، وتوافقت معها التخفيضات المتتالية في تقييم الجدارة الائتمانية لسنداتها الحكومية، مما انعكس في زيادة عبء الاقتراض المالي لليونان ولمجموعة أخري من دول الإطار للاتحاد النقدي الأوروبي. وترتيبا علي ذلك، لم تحدث خطط الإنقاذ المتتالية (تضمنت تقديم110 مليارات يورو لليونان- 85 مليار يورو لأيرلندا- 87 مليار يورو للبرتغال) أثرها في امتصاص الصدمات والضغوط متعددة الأطراف، فكان برنامج الإنقاذ الثاني لأثينا بتكلفة 109 مليارات يورو، وذلك قبل أن تدخل إيطاليا- الدولة المؤسسة للاتحاد الأوروبي والوحدة النقدية- في دائرة الأزمة.
2- تحولت المعاهدات والاتفاقيات الأوروبية، ابتداء من ماستريخت إلي لشبونة، مرورا بالتثبيت والاستقرار المالي، من أدوات لضبط الأداء إلي قيود معوقة للأداء، بالنظر إلي أن أية تعديلات في بنودها تقتضي موافقة جميع الدول الأعضاء، بل قد تقتضي موافقة الحكومة الدستورية- مثال ألمانيا- أو المجالس التشريعية، مثال بريطانيا، ناهيك عن البرلمان الأوروبي والمؤسسات التابعة للاتحاد ككل، مع عدم وجود آلية محددة للتدخل في أوقات الأزمات، علي غرار صندوق النقد والبنك الدوليين. وقد اتضح ذلك في خطة الإنقاذ الأولي، التي تضمنت إيجاد آلية لدعم الحكومات في وقت الأزمات برأسمال 440 مليار يورو، حيث أشير إلي استمرار عمل هذا الصندوق إلي عام 2013 فقط، وأن يسهم صندوق النقد الدولي بـ250مليار يورو، والاتحاد الأوروبي - ممثلا في المفوضية- بمبلغ 60 مليار يورو (علي الرغم من محدودية المبلغ الأخير، إلا أنه اقتضي موافقة الدول الـ 27 الأعضاء في الاتحاد، إضافة إلي البرلمان والمجلس الأوروبي). ومن هنا، تتضح الفجوة بين الوحدة النقدية وتباين السياسات المالية التي تركت للحكومات المعنية.
3- جاءت خطة الإنقاذ الثانية في نهاية أكتوبر 2011، أي بعد سبعة عشر شهرا من خطة الإنقاذ الأولي. وعلي الرغم من طول الفترة، فإنها تعرضت للانتقاد من حيث المطالبة للبنوك الأوروبية بزيادة رءوس أموالها بـ106 مليارات يورو، بحيث تكون نسبة الاحتياطي النقدي 9%. مع زيادة رأسمال صندوق آلية الاستقرار المالي إلي ألف مليار يورو، وتخفيض المديونية المستحقة علي اليونان للقطاع الخاص بنسبة50% بصورة اختيارية(3). حيث فجرت احتمالات انكماش حجم الائتمان المقدم لدفع العجلة الاقتصادية، بالإضافة إلي أن زيادة رؤوس الأموال في الآلية مرتبطة بأطراف أخري، تدخل فيها اليابان والصين وصناديق الاستثمار السيادية، مما جعل الرؤية ضبابية، علي الرغم من الجولة التي قام بها أحد كبار المسئولين الأوروبيين لكل من طوكيو وبكين، وانعقاد قمة مجموعة العشرين في فرنسا.
4- وإذا تركنا المعاهدات والاتفاقيات الأوروبية جانبا، فسوف نجد التباين فيما بين القوي السياسية داخل الاتحاد الأوروبي، وكذلك داخل منطقة اليورو. فبينما توالت تحذيرات المفوض العام الأوروبي، وكذلك رئيس المجلس، من مخاطر امتداد أزمة الديون السيادية من دول الإطار إلي دول أخري داخل الاتحاد النقدي، نجد أن ألمانيا وفرنسا قد انفردتا باتخاذ القرارات علي صعيد إدارة هذه الأزمة، من حيث رفض إصدار سندات أوروبية موحدة بضمان جماعي، وكذلك قيام البنك المركزي الأوروبي بشراء السندات الحكومية للدول المتعثرة، مع التركيز علي ضرورة تحمل المستثمرين جزءا من الخسائر المالية التي نجمت عن تدهور القيمة السوقية لهذه السندات. ومع التسليم بأن هناك مبررات وعوامل داخلية وخارجية فرضت هذا الموقف من جانب ألمانيا، وإلي حد ما فرنسا، فإن الحصاد النهائي تمثل في تفاقم الأزمة وامتدادها من اليونان إلي دول أخري.
5- أدي وجود روشتات مالية واقتصادية من جانب صندوق النقد الدولي وزعماء منطقة اليورو (تحديدا المانيا وفرنسا) بالإضافة إلي البنك المركزي الأوروبي، إلي خلق حالة من الاستياء الشعبي، وتعاظم المطالبة بالانفصال عن العملة الموحدة، والعودة إلي العملات القومية السابقة. وقد كان الإحساس بالوصاية الخارجية سببا في إعلان رئيس الوزراء اليوناني الأسبق عن عزمه إجراء استفتاء شعبي علي السياسات وبرامج التقشف المطلوبة، ثم تخليه عن ذلك تحت الضغوط الألمانية الفرنسية، واستقالتة من منصبه. كما كان لهذا العامل دوره في تداعي العديد من الحكومات الأوروبية، تطبيقا لنظرية الدومينو(4).
6- الدور المتنامي والتأثير الضخم الذي أصبحت تقارير الجدارة والتصنيفات الائتمانية تمثله بالنسبة للدول الأوروبية المتعثرة وغير المتعثرة (مثال فرنسا والتلويح بخفض تصنيفها من فئة"A" نظرا لانكشاف بنوكها بديون مستحقة علي إيطاليا بـ25 مليار يورو تقريبا- بالإضافة إلي ارتفاع الدين العام إلي نسبة 87% من إجمالي الناتج المحلي). وقد كان لهذه التقارير أثرها في إجهاض الأثر الإيجابي للقرارات المتخذه لإنقاذ اليورو والدول المتعثرة. وبالنسبة للعديد من البنوك الأوروبية، مما يحد من قدراتها في أسواق المال العالمية، وكذلك الاقتراض من البنك المركزي الموحد، مما أدي إلي استفزاز الدوائر الأوروبية عامة، والألمانية والفرنسية خاصة(5).
ثالثا- موقف ألمانيا وأهميته:
تعد ألمانيا ومواقف المستشارة إنجيلا ميركل القاسم المشترك في كافة التطورات التي شهدتها منطقة اليورو والاتحاد الاوروبي أخيرا. وقد يبدو الموقف الألماني متشددا، في ظل إصراره علي رفض عديد من المقترحات قد تسهم في كسر الحلقة المفرغة لأزمة "الديون السيادية" و"اليورو". إلا أن الموقف الألماني يبدو مبررا من جانب برلين، انطلاقا من الحاضر، واسترجاعا للتاريخ، وذلك لعدة أسباب (6):
1- التجربة السيئة للألمان مع التضخم، الذي أدي في الماضي إلي وصول هتلر إلي الحكم. لذا، تعارض برلين أية خطوات يمكن أن تؤدي إلي زيادة التضخم. حدث ذلك خلال الأزمة المالية العالمية في عام 2008. والموقف ذاته بالنسبة لإصدار سندات أوروبية بضمان جماعي، وليس علي مستوي الحكومات المعنية، وأيضا بالنسبة لتوسع البنك المركزي الموحد في عملية إقراض الدول المتعثرة، أو في شراء السندات الحكومية مباشرة.
2- تعد ألمانيا خط الدفاع الأول والأخير عن الوحدة الأوروبية واليورو، وهي المصدر الرئيسي للتمويل. فقد أسهمت بما يقرب من 50% من رأسمال صندوق آلية الاستقرار المالي (120 مليارات يورو من 440 مليار يورو) واضطرت إلي الحصول علي موافقة المحكمة الدستورية من أجل هذه الإسهامات دون التوسع فيها، فضلا عن عدم تحمل الدول الأخري في الوحدة والاتحاد، القدر ذاته من المسئولية.
3- ترجع مطالبة ألمانيا للدول المتعثرة ماليا بضرورة الانضباط المالي إلي الحرص علي تجنيب دافعي الضرائب في ألمانيا نتائج تراخي الرقابة والإسراف المالي في هذه الدول. ومن هنا، كانت الدعوة إلي ضرورة تحمل حاملي السندات المالية للدول المتعثرة لجزء من المخاطر المالية الناجمة عن استثماراتهم، والتي يشوبها قدر من المضاربة. وقد ترجم ذلك بالفعل - وإن كان بصورة اختيارية- في برنامج الإنقاذ الأخير لليونان وأخواتها.
4- تري أنجيلا ميركل أن كافة المقترحات المقدمة تدخل في إطار الحلول قصيرة الأجل، دون مخاطبة، والتصدي لجذور المشكلة، وتقديم حلول طويلة الأمد. وتحقيق الأخيرة لن يتأتي إلا بالسياسة المالية الموحدة لتكون علي النسق ذاته مع السياسة النقدية الخاصة "باليورو". وهذا يعني ضرورة اتخاذ خطوات سياسية في مجال تعديل المعاهدات والاتفاقيات الأوروبية. ولكن التساؤل حول مدي تقبل شعوب وأحزاب الدول الأعضاء لمثل هذه الخطوات السياسية في المجال المالي، إضافة إلي ما هو قائم في "الاتحاد النقدي"، وما يثيره من حساسيات شعبية إزاء الوصاية الأوروبية عامة، والألمانية خاصة. كما أن القضايا الاقتصادية والسياسية العاجلة لا يمكن أن تنتظر الخطط والسياسات الآجلة، فالأخيرة تقتضي موافقة البرلمانات في الدول المعنية، ناهيك عن الفترة الزمنية التي سيستغرقها ذلك في حالة إجراء استفتاءات عامة.
5- علي الرغم من اتفاق وجهتي النظر الألمانية والفرنسية بالنسبة للحلول طويلة الأمد، ممثلة في تعديل المعاهدات والاتفاقيات الأوروبية، فإن موقف الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي تخلخل فيما يتعلق بدور البنك المركزي الأوروبي في ظل رئاسته الجديدة (ماريو دراجي) باعتبار أن إسهاماته في مجال الإقراض والسندات، ستخفف من وطأة الأزمة الأوروبية، وكذلك من الضغوط التي يتعرض لها في الداخل، نتيجة سياسات التقشف لخفض العجز المالي، بينما الانتخابات الرئاسية علي الأبواب (أبريل 2012) واستطلاعات الرأي العام ترجح كفة منافسه الاشتراكي. ومن ثم، أصبحت ألمانيا صاحبة الصوت الأعلي في الحديث عن الحلول السياسية، إضافة إلي أن قوة الأداء والفائض التجاري الذي تتمتع به "برلين"، في ظل هذه الأزمات، جعل حرصها علي "اليورو" أقوي، وحملة الهجوم عليها من جانب الدول المتعثرة أعنف (بلغ فائض ميزان المعاملات الجارية 193.7 مليار دولار، وبما يعادل 5 % من إجمالي الناتج المحلي في سبتمبر 2011، ولم يتعد العجز المالي 1% من الناتج ذاته) (7).
رابعا- المواقف خارج منطقة اليورو:
بالانتقال من دائرة الوحدة النقدية التي تضم 17دولة إلي الدائرة الأوسع، ممثلة في الاتحاد الأوروبي من جانب ومجموعة العشرين من جانب آخر، سوف نجد أنها تطرح عدة نقاط رئيسية، في مقدمتها:
1- الموقف البريطاني من الأزمة. فعلي الرغم من عدم عضويتها في منطقة "اليورو"، وتصاعد الأصوات داخل حزب المحافظين، والمطالبة بفض العلاقة مع بروكسل، من خلال استفتاء عام، ووجهة نظر دافيد كاميرون، رئيس الوزراء البريطاني، الذي يري أن حل المشكلة الأوروبية يكمن في إتاحة مزيد من السلطات وحرية الحركة للدول الأعضاء، فإن "لندن" تخشي من التهميش خارج المجموعة المركزية في الاتحاد الأوروبي، والاقتصار علي التقارب مع كل من بولندا والسويد، كما تخشي في الوقت ذاته من التورط في مزيد من القرارات الأوروبية التي تخضع لقاعدة "الإجماع". ومن هنا، كان الانقسام الذي شهدته القمة الأوروبية الأخيرة حول الاتجاه لفرض ضريبة علي "الصفقات المالية"، حيث تري برلين أن هذه الحصيلة كفيلة بإصلاح الخلل المالي في أوروبا، بينما تري لندن في هذا إضرارا بدورها كمركز مالي للقارة، وبالتالي لإجمالي ناتجها المحلي. الجدل ذاته تطرحه مقترحات"الوحده السياسية" باعتبارها مخرجا للأزمات المالية لمنطقة اليورو. فإقرار هذه الخطوة يقتضي موافقة الدول الـ27الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك بريطانيا(8).
وبالنسبة للولايات المتحدة، الشريك الأطلنطي، فسوف نجد أن الإدارة الأمريكية والكونجرس، إلي جانب الرئيس باراك أوباما، والبنك الفيدرالي، ركزوا علي أهمية وسرعة حل أزمة اليورو والديون السيادية الأوروبية، بالنظر إلي العلاقات المالية المتشابكة بين القطاعين المصرفيين عبر الأطلنطي، مما قد يعرض البنوك الأمريكية للانكشاف (يبلغ حجم القروض المقدمة للبنوك الألمانية والفرنسية 1.2 ألف مليار دولار) بالإضافة إلي 641 مليار دولار (موزعة بين كل من البرتغال وإيطاليا، إضافة إلي إسبانيا واليونان وأيرلندا) مستحقة للبنوك الأمريكية مباشرة. بل يتجاوز التشابك القطاع المصرفي إلي مجالات الاستثمار الأجنبي المباشر، والمشروعات المتبادلة بين الجانبين، طبقا للتقرير الصادر عن مركز أبحاث الكونجرس. فمنطقة "اليورو" تستوعب 26% من إجمالي الاستثمارات الأمريكية المباشرة، والولايات المتحدة تستوعب نسبة 44% من إجمالي الاستثمار المباشر فيها من جانب دول المنطقة، كما تبلغ العمالة المتبادلة في المشروعات المشتركة 15مليون عامل علي جانب الأطلنطي. يضاف إلي ذلك استيعاب أوروبا 20% من إجمالي الصادرات الأمريكية. ولذا، كان من الطبيعي حث الولايات المتحدة لبروكسل علي سرعة التحرك للحيلولة دون اتساع الأزمة، بالإضافة إلي دعم صندوق النقد الدولي وبنك الاحتياطي الفيدرالي، من خلال توفير سيولة نقدية للبنك المركزي الأوروبي لتهدئة الأسواق العالمية، وتحسين المراكز المالية للبنوك الأوروبية (9).
وبالانتقال إلي دول شرق ووسط أوروبا، سوف نجد أنها ضحية هذه الأزمة من عدة جوانب. فمن المعروف أن هذه الدول تعد الساحة الخلفية للاستثمارات المباشرة والمشروعات الخاصة بدول منطقة اليورو، كما أن الأخيرة تعد السوق الرئيسي لاستيعاب صادراتها، وتوفير خطوط التمويل من خلال بنوكها. وإذا أضفنا إلي ذلك أن دول "شرق ووسط أوروبا" قد عانت من تبعات الأزمة المالية العالمية، ولجأت إلي صندوق النقد الدولي، بالإضافة إلي علاقاتها مع غرب أوروبا، للخروج منها، فسوف نجد أن الصورة تبدو قاتمة بالنسبة لتوقعات النمو في عام 2012، وذلك طبقا لما أعلنه البنك الأوروبي لإعادة البناء والتنمية، حيث انخفضت التوقعات من 3.4 % إلي 1.7 %(10).
وتمثل الصين أبرز اللاعبين في أزمة الديون السيادية، خارج النطاق الأوروبي والأطلنطي، وبما يعكس التغيرات التي شهدها النظام الاقتصادي العالمي، وتغير مراكز الثقل، والتي ترجمت في إرسال مبعوث أوروبي خاص إلي بكين وطوكيو، وقمة "العشرين" الأخيرة. فنظرا لضخامة الاحتياطي النقدي لدي بكين، والذي يقدر بـ3.2 ألف مليار دولار، كان من الطبيعي أن يتطلع زعماء أوروبا إلي إسهام الصين بمبلغ يتراوح من 50 إلي 100 مليار دولار في التسهيلات المالية لإنقاذ منطقة اليورو. إلا أن الصين، وعلي الرغم من تسليمها بأهمية أوروبا لها، أكدت ضرورة وجود ضمانات كافية، وأن تحظي بموافقة الهيئات المعنية في بكين، مما يشير إلي عدم رغبتها في تكرار أزمة أذون الخزانة الأمريكية، ورغبتها في التركيز علي أوضاعها الداخلية (11).
خامسا- مستقبل "اليورو":
مع التسليم بحساسية وضع "اليورو" بالنظر الي الأزمة المالية التي تعيشها العديد من دول الاتحاد النقدي، إلا أن القراءة الموضوعية والآراء تشير الي أن "اليورو" لن يفقد أهميته في أسواق العملات الدولية. والدليل علي ذلك أن قيمته الحالية تعادل القيمة ذاتها بالنسبة للدولار منذ عام2010(الدولار يعادل 0.75 من اليورو). والعامل الأساسي في هذا الاستقرار النسبي يتمثل في الأصول والاحتياطي النقدي لدي البنك المركزي الأوروبي. يضاف إلي ذلك احتفاظ الصين بنسبة 25% من احتياطيها في صورة عملة "اليورو". وأخذا في الحسبان اتساع نطاق التعاملات باليورو، سواء داخل منطقته أو خارجها، مع ارتفاع أسعار الفائدة علي ودائعه، والنسبة التي يشكلها من احتياطيات صناديق الثروات السيادية (إجمالي رءوس أموالها يقدر بعشرة تريليونات دولار) سوف نجد أن الدور الدولي لليورو لن ينهار، وإن تخلخلت اقتصادات المنطقة. وثمة إحصاءات مالية ومؤشرات اقتصادية يستند إليها في هذا الصدد. فالعجز في ميزان المعاملات الجارية لا يتجاوز 82.6 مليار دولار، وبما يعادل نسبة 0.6% من إجمالي الناتج المحلي لمنطقة اليورو، وكذلك بالنسبة للعجز المالي، فهو لا يتجاوز نسبة 4%. بينما يبلغ العجز في ميزان المعاملات الجارية الأمريكي 469.9 مليار دولار، تعادل 3.2% من إجمالي الناتج المحلي. أما العجز المالي، فيقفز إلي 9%، يضاف إلي ذلك الاستثمارات والودائع الخاصة بالبنوك الأوروبية في الولايات المتحدة(21).
الهوامش:
1- Financial times, November, 42, 1102.
2- Financial times, November, 61, 1102.
3- Financial times, October, 82, 1102& Economist, November, 62, 1102.
4- Financial times, November, 51, 1102 & Economist, November, 21, 1102.
5- المرجع سابق.
6- Financial, November, 52, 1102 & Economist, Oct., 92, 1102& November, 21, 91, 62, 1102.
7- المرجع سابق.
8- المرجع سابق.
9- The Future, of Eurozone and U.S. Interests, CRS, Sept., 1102.
10- Financial times, November, 7, 1102/ 2, 1102.
11- The economist, November, 62, 1102.
12- المرجع السابق.