Share |
يناير 2012
27
رحلة ثقافية نلتقى فيها مع كبار كتاب الرواية حول العالم
المصدر: الأهرام اليومى


ينفرد كتاب الروائى والكاتب الصحفى القدير محمد سلماوى بعرضه جوانب جديدة على القراء المعجبين بأدب نجيب محفوظ حول شخصية أديبنا الكبير الذى لم يكن مجرد كاتب وروائى مصرى وعالمى حصل على جائزة نوبل فى الآداب. لقد غاص محفوظ بعمق فى أرض مصر وحضارتها القديمة، وإقترب من المصريين بحكم حبه ومعايشته لكل فئات وطبقات الشعب المصرى عبر العصور، ثم تابع حركة الأدب العالمى وتطوره قديما وحديثا، وتعرف على كبار أدباء العصر العالميين من خلال كتاباتهم.
- نقلنا محمد سلماوى رئيس إتحاد الكتاب المصريين والعرب من خلال ثقافته الموسوعية الرفيعة وصداقته عن قرب بكبار الأدباء والمثقفين، فى رحلة حول العالم عبر 400 صفحة فى كتاب"فى حضرة نجيب محفوظ" الذى صدر منذ أسبوعين عن" الدار المصرية اللبنانية."بمناسبة مئوية أديب نوبل العظيم. قدم لنا سلماوى فى الرحلة التى أعدها لقرائه أديبة جنوب أفريقيا "نادين جورديمر" و"باولو كويللو" أديب البرازيل الكبير الذى عندما دخل على محفوظ فى منزله قبل"يده الذهبية التى أنتجت للعالم أعظم الابداعات الروائية و"ماريو بارجاس يوسا" أديب بيرو الحائز على جائزة نوبل فى الآداب و" أورهان باموك" أديب تركيا الحائز على جائزة نوبل، وعشرات غيره من الأدباء والسياسيين حول العالم.
الكتاب الذى هو أحدث ما صدر عن الأديب نجيب محفوظ، يعد متابعة دقيقة ودءوبه على مدى 12 عاما للقاءات أديبنا العالمى فى بيته بكبار الكتاب والأدباء والسياسيين حول العالم، وقد أظهر فيه المؤلف جوانب جديدة وخافية عن أديبنا الكبير من خلال حضوره ومشاركته فى جميع هذه اللقاءات. فبعد تعرض محفوظ لمحاولة إغتيال آثمة على أيدى أحد أشرار العصر فى عام 1994 لم يعد قادرا على الحركة بسهولة والخروج للقاء الأصدقاء – الذين هم كل أبناء مصر - بمفرده، وكان يفضل أن يلتقى بضيوفه فى بيته بحضور محمد سلماوى الذى كان أقرب أصدقائه وموضع ثقته، وقد أنابه لتسلم جائزة نوبل عنه فى ستوكهولم عام 1988.
لكن الكتاب تضمن أيضا لقاءات نجيب محفوظ مع كتاب ومثقفين وعلماء مصريين وعرب من الأسماء المعروفة عالميا مثل: الدكتور أحمد زويل والأستاذ محمد حسنين هيكل وياسر عرفات والكتور أحمد كمال أبوالمجد.
تضمن الباب الأول نص الحوارات التى دارت بين نجيب محفوظ وزواره من كبار العقول فى العالم فى مختلف التخصصات، ممن سعوا جميعا ليكونوا "فى حضرة نجيب محفوظ". أما الباب الثانى فيضم مقالات كتبها المؤلف عن نجيب محفوظ فى عدد من المناسبات على مدى عقدين، ومعظمها ينشر للمرة الأولى، وهى تعرض بعض الجوانب من حياة الأديب الكبير وإنتاجه الأدبى وآرائه فى الثقافة والسياسة فتضع القارئ فى حضرة نجيب محفوظ يجالسه ويتعرف عليه. وتضمن الباب الثالث مجموعة من كلمات محفوظ، ومن بينها حكايته مع القراءة والكتابة، وكلمته فى إحتفال نوبل عام 1988. ولم ينس سلماوى – المعروف عنه دماثة الخلق النادرة – أن يتوجه بالشكر الى الزملاء فى قسم الاستماع بالأهرام الذين قاموا بتفريغ الشرائط التى سجل عليها الحوارات واللقاءات.
كان لقاء الأديب نجيب محفوظ فى مكتبه بالدور السادس بالأهرام مع "ستورى ألين" السكرتير الدائم للأكاديمية السويدية التى تختار كل عام الفائز بجائزة نوبل فى الأدب، وقد شكره على قبوله الجائزة وقال: "لأنك بذلك صححت وضعا خاطئا، فقبولك للجائزة يؤكد موضوعيتها، ونحن مدينون لك بذلك، فالأدب العربى عريق يمتد تاريخه، وجاء الوقت ليحصل على ما يستحق من تكريم".
إعتذر محفوظ عن عدم السفر الى ستوكهولم لتسلم الجائزة لأنه لم يكن يهوى السفر فى شبابه ولم يعد قادرا لظروفه الصحية بالسفر وقت حصوله على الجائزة وكان قد اقترب من الثمانين، وقال لضيفه:"إننى أنيب صديقى محمد سلماوى"فقاطعه ألين قائلا:"محمد سلماوى يتقلد منصبا رسميا، فهو وكيل وزارة الثقافة " [فى ذلك الوقت] فرد محفوظ: "فى الحقيقة إننى إخترته لصفته الأدبية، فهو أديب معروف وكاتب مسرحى مميز ينتمى لجيل تال لى، وقد يكون من المفيد أن نلفت نظر العالم الى أن الأدب العربى العريق الذى قلت أنه تم تجاهله طويلا يتواصل من جيل الى جيل، كما أن محمد سلماوى لديه المميزات المطلوبة فى مثل هذه المناسبات الدولية".
إلتقت نادين جورديمر كاتبة جنوب أفريقيا البيضاء الحائزة على جائزة نوبل عام 1991 بنجيب محفوظ يوم عيد زواجها الــ51 وكانت فى زيارة لمصر بدعوة من وزير الثقافة – فى ذلك الوقت - فاروق حسنى. كانت جورديمر ضيفة الشرف فى معرض كتاب القاهرة الـ37 عام 2005. بعد ساعتين من وصول جورديمر الى القاهرة إتجهت مع سلماوى الى منزل محفوظ، وقدم محفوظ لضيفته آخر كتبه التى صدرت مترجمة الى الانجليزية " أحلام فترة النقاهة "بمناسبة عيد ميلاده الــ93. وشرح لها أديب نوبل أنه يتضمن أقاصيص قصيرة يستوحيها من أحلامه. سألت الضيفة أديبنا الكبير: هل مازلت تكتب فى سنك هذه؟ فقال لها إنى أكتب هذه الأحلام، وماذا عندك أنت؟ قالت: إنتهيت من رواية لم تنشر بعد، وأشعر بأنها آخر رواياتى، ربما لأننى فقدت جذوة الكتابة. إننى أشعر بأننى كتبت كل ماأستطيع أن أكتبه. رد عليها محفوظ قائلا: بعد الثلاثية شعرت أننى أفرغت كل ما فى جعبتى الروائية، ولم يعد لى ما أقوله، وتصورت أن أفكارى قد نضبت وأصبت بالاكتئاب. قالت: أنا الآن فى سن الــ81 وأشعر بأننى خلفت ورائى الكثير. وقال محفوظ: أنا الآن فى سن الــ93 وما زلت أكتب، فرغبتى فى الكتابة لاتزال مستمرة، فقدراتى الجسدية لاتساعدنى كثيرا ولم أعد أتمكن من الامساك بالقلم بعد ما أصاب يدى اليمنى – على أثر جريمة الاعتداء عليه – وقد تحايلت على ذلك بالاملاء. تبادل الكاتبان ذكريات بدايات الكتابة فى أيام الطفولة، وكأنهما خرجا لتوهما من لجنة الامتحان. وفى نهاية اللقاء قدمت نادين جورديمر كتابين لمضيفهاأحدهما بعنوان الغنيمة وكتبت على صفحته الأولى هذا الاهداء:"الى نجيب محفوظ تقديرا لعظمته، وحبا وعرفانا بالنور والسعادةالتى أدخلتهما فى نفسى قراءاتى لأعماله.
كويللو والبحث عن الكنز:
إنحنى الكاتب البرازيلى العالمى باولو كويللو على يد محفوظ اليمنى المضمومة الى صدره عندما دخل عليه فى منزله، ولما لاحظ أن أديبنا أخذ قليلا، إعتذر كويللو قائلا: أرجو ألا أكون قد آلمتك. لكنه كان على أن أقبل تلك اليد التى أنتجت لنا بعض أعظم الابداعات الروائية فى العالم. إنها اليد الذهبية التى ليس كمثلها يد.
يقول سلماوى فى مقارنته بين محفوظ وبين أديب البرازيل: أن الأديبين الكبيرين بلغا القمة العالمية كل بطريقته المختلفة عن الآخر، فمحفوظ وصلها عن طريق المحلية المصرية التى حولها بعبقريته الأدبية الى مادة إنسانية عابرة للقارات والثقافات، أما كويللو فقد وصل إليها بالتحرر من المحلية والتوجه الى النزعات الانسانية، خاصة البحث عن الذات التى يرمز اليها فى روايته الشهيرة"الخيمائى" بالكنز الذى يبحث عنه البطل، وقد قاده البحث من ربوع أسبانيا الى صحراء مصر.
قال كويللو لمحفوظ: لقد غزت كتبك نفسى بلا مقاومة. فرد محفوظ المجاملة قائلا: وأنت غزوت العالم بكتبك بدون مقاومة أيضا، فأعمالك ترجمت الى 56 لغة تزيد مبيعاتها على 60 مليون نسخة.
سأل سللماوى الأديب البرازيلى عن السمة المشتركة بينه وبين أديبنا الكبير؟ فقال: إننا نسعى الى بناء الجسور بين الناس من خلال الاهتمام بالبشر قبل الأفكار أو العقائد أو الأيديولوجيات. فأنا مثلا أهم شئ عندى فى أى دولة أزورها محاولة التعرف على شعبها ومخالطتهم، واذا خيرت بين زيارة المتحف أوالمقهى، فأنا أختار المقهى بلا تردد.
رد سلماوى، بأن للمقهى مكانة مهمة فى حياة محفوظ ربما لنفس السبب، فقد عاش حياته كلها وسط الناس وهو مشاء عظيم، مشى فى جميع أحياء القاهرة جيئة وذهابا، لذلك لم يرغب أبدا فى أن يمتلك سيارة.
قال محفوظ لكويللو أنه لم يعد لديه القدرة على القراءة لكن صديقه الطيب – يقصد سلماوى – قرأ روايتك "الخيميائى" ورواها لى بكل تفاصيلها، وقد سيطرت قصة البحث عن الكنز على كل إهتمامى.
قال كويللو لمحفوظ: قرأت روايتك العظيمة"الطريق"ووجدت أنك سبقتنى فى قصة البحث هذه، فالبطل عندك يبدو أنه يبحث عن والده لكنه فى الواقع يبحث عن الحقيقة ثم يبحث منه خلالها عن نفسه، وهذا هو حال بطلى أيضا. رد محفوظ: لكل إنسان الكنز الذى يبحث عنه. فرد كويللو: وقد يكون الكنز بداخله. قال محفوظ: إن هذا هو الكنز الحقيقى لأنه اذا وجده الانسان فهو لايفقده أبدا، لأنه كنز لايفنى.
إيريك إيمانويل شميت
"محفوظ وأبوالهول"
وهكذا يقدم سلماوى – المعيد السابق بقسم الأدب الانجليزى بآداب القاهرة وأول رئيس تحرير لصحيفة"الأهرام إبدو" التى تصدر أسبوعيا عن الأهرام باللغة الفرنسية ورئيس اتحاد الكتاب المصريين والعرب من خلال ثقافته الموسوعية - دروسا للقراء فى الآداب العالمية يعرفهم فيها بأهم أدباء وكتاب العالم الذين رافقهم فى زيارة أديبنا الكبير، وأعتقد أنه كما كان سلماوى سعيد الحظ باختيار محفوظ لمرافقته، فقد كان نجيب محفوظ موفقا فى إختيار سلماوى ومنحه ثقته التى كان جديرا بها ولم يمنحها لأى أديب مصرى آخر.
قال الكاتب الفرنسى الشهير إيريك إيمانويل شميت صاحب رواية " مسيو إبراهيم وزهور القرآن " لمحمد سلماوى: لحظتان لى فى مصر لن أنساهما أبدا، اللحظة الأولى كانت وقت زيارتى للأهرامات ووقوفى بين قدمى أبوالهول الذى يجسد تاريخ مصر القديم ومجدها الغابر، والثانية عندما التقيت بالأديب العالمى نجيب محفوظ الذى يجسد ثقافة مصر المعاصرة وضميرها الحى.
قال محفوظ لضيفه عندما زاره فى منزله لقد قرأ على صديقى محمد سلماوى أجزاء مطولة من روايتك "مسيو إبراهيم وزهور القرآن" وأعجبت بها، فقد وجدت بها بعدا إنسانيا قويا هزنى من الأعماق.
يقول سلماوى أنه كان هناك الكثير الذى يجمع الأديب الفرنسى الزائر ونجيب محفوظ، فشميت كاتب شاب ولد عام 1960 بدأ كاتبا مسرحيا ثم إتجه الى الرواية فكتب روايات تميل الى القصرويعتمد على مايبدو أنه بساطة متناهية فى عرض الأحداث وفى اللغة أيضا. وظل شميت متمسكا بالقالب المسرحى حتى بعد أن كتب الرواية. وقد عرضت رواية شميت " مسيو إبراهيم وزهور القرآن " فى البداية كمسرحية نالت نجاحا كبيرا، لكنها عندما تحولت الى رواية زاد إنتشارها وباعت فى فرنسا 300 ألف نسخة قبل أن تترجم الى 20 لغة كان من بينها العربية.
يضيف سلماوى أنه عندما التقى شميت ومحفوظ، تلاقيا حول الكثير من النقاط المشتركة، فهناك البعد الانسانى العميق الذى يميز رواياتهما، وهناك البعد الصوفى أيضا، ثم هناك دراسة الفلسفة التى تشكل عن طريقها البعد المعرفى لكل منهما.
"الحكاء الأكبر"
قدم الكاتب الروائى والصحفى الفرنسى روبير سوليه بعض مؤلفاته لنجيب محفوظ خلال لقائهما مع إهداء رقيق قال فيه:"الى نجيب محفوظ شيخ الحكائين جميعاالذى تعلمنا منه فن الحكى".
يقدم سلماوى سوليه للقراء فيقول: كانت أحدث روايات سوليه - المصرى الأصل والذى ولد بالاسكندرية عام 1946 وتركها مع أسرته الى فرنسا عام 1963 – بعنوان: "المملوكة" وقد أثارت اهتماما أدبيا فى فرنسا باعتبارها تتناول فترة غير مطروقة فى التاريخ المصرى الحديث، فالروايات التى كتبها بعض الأدباء الفرنسيين من ذوى الأصول المصرية مثل ألبير قوصيرى وأندريه شديد، كانت أحداثها تدور حول مصر الحديثة، بينما عاد روائيون فرنسيون آخرون الى التاريخ المصرى القديم، وأشهر هؤلاء كريستيان جاك الذى كتب 20 رواية مستوحاة من التاريخ الفرعونى. وقد كانت "المملوكة" أول أول رواية فى الأدب الفرنسى الحديث تتخذ من هذه الفترة موضوعا لأحداثها. أما أول رواية لسوليه التى لفتت اليه الأنظار فكان عنوانها "الطربوش".
قد سوليه نفسه لمحفوظ قائلا: أنا كاتب أعتبرك أستاذى فى الفن الروائى فأنا أصولى مصرية وصديق لمحمد سلماوى. ولدت فى مصر وتعلمت فى مدارسها وأسرتى تنحدر من أصول شامية مسيحية، لكننى أعتبر أن أصولى مصرية، لأن الذى يحدد هوية الانسان هى عواطفه، ثم ان مصر تستوعب كل من يعيش على أرضها. حين بدأت أكتب وجدت أن رصيدى الحضارى والوجدانى مصرى. حوار طويل وممتع دار بين نجيب محفوظ وروبير سوليه حول الأدب الفرنسى شارك فيه سلماوى، فقد إعترف أديبنا الكبير بأنه فى شبابه تأثر بعمالقة الرواية الفرنسية، فقد قرأ أناتول فرانس بلغته الأصلية،وقال: تصورت لبساطة أسلوبه أننى ملكت ناصية اللغة الفرنسية، فذهبت الى رواية "مدام بوفارى" لفلوبير، فوجدت أننى أمضى مع القاموس وقتا أطول مما أستغرقه مع الرواية. يضيف محفوظ: لذلك قررت قراءة أعمال مارسيل بروست وبلزاك مترجمة باللغتين الانجليزية والعربية، كما قرأت راسين وكورنى، أما موليير فقرأت كتبه بالفرنسية والعربية. ويبدو أن نجيب محفوظ كان من عشاق الأدب والفلسفة الفرنسية فى شبابه فقد دار حوار مع ضيفه حول روايات أناتول فرانس:"الزنبقة الحمراء" و"تاييس" و"العلبة الصدفية" و"الآلهة عطشى" كما قرأ لكبار الفلاسفة الفرنسيين الذين تعرف عليهم خلال دراسته للفلسفة بكلية الآداب.
"أورهان باموك" ومحفوظ الذى لم يقابله:
عندما زار أديب تركيا أورهان باموك مصر ضيفا على معرض الكتاب عام 2007 كان نجيب محفوظ قد رحل فى عام 2006 نفس العام الذى فاز فيه باموك بجائزة نوبل، مما أحزن الضيف الذى قال:"كل ما أعرفه عن إنسانية محفوظ جعلنى أتمنى مقابلة ذلك الرجل العظيم".
الحوار الذى دار بين سلماوى وباموك لم يكن حول أدب محفوظ فقط بل عن طباعه وأخلاقيته ومواقفه الانسانية وقال سلماوى لباموك:اذا كان هناك نوبل فى الانسانية لكان محفوظ أول الفائزين بها.
سأل سلماوى الأديب التركى: ماذا يمثل لك نجيب محفوظ ؟ رد باموك: بعيدا عن أنه كاتب عالمي عظيم، فاننى أشعر بتقارب كبير معه، أشعر أننى أعرفه رغم أننى لم ألتق به. إنه آخر كتاب الواقعية فى القرن العشرين لذلك لم يكن غريبا النجاح الذى حققه فى الثلاثية العظيمة التى تعتبر من أهم أعمال المدرسة الواقعية فى العالم، ثم تحوله بعد ذلك الى أشكال جديدة أكثر عصرية وأكثر تجريبية.
ترجمت أعمال باموك الى 51 لغة، أما إسمه الحقيقى الذى يعتز به فهو فريد، وقد اتجه فى سن السابعة للرسم وكان يتطلع إلى أن يصبح فنانا تشكيليا، لكنه درس العمارة بناء عن رغبة أسرته. ورغم أنه لم ينس الفن إلا أنه اتجه للكتابة فى الثانية والعشرين من عمره فترك دراسة العمارة بالجامعة فى السنة الدراسية الثالثة وتفرغ للكتابة.
- سلماوى: أول كتبك كان عنوانه "الكتاب الأسود" وأشهر رواياتك بعنوان: "إسمى أحمر" ولك رواية رائعة بعنوان "القلعة البيضاء" فهل مازال الفنان التشكيلى يعيش فى داخلك؟
قال باموك: هناك مقالات سوف تظهر فى كتاب بعنوان:"ألوان أخرى" فأنا كاتب بصرى أرى الأشياء قبل كتابتها، وما أكتبه هو وصف بالكلمات قبل كتابتها. ثم يستطرد ضاحكا: ربما لهذا السبب أحول رواياتى الى لوحات ذات ألوان محددة.
وتستمر الحوارات بين أديبنا العظيم مع كبار الأدباء والعلماء والسياسيين العالميين، وهى الى جانب متعة القراءة الا أن سلماوى – دون أن يتعمد القيام بدور الأستاذ المعلم – فانه يضيف الى القارئ معلومات ومعارف جديدة عن الأدب العالمى.
"حب الموت"!
الباب الثانى من الكتاب يتضمن عددا من المقالات التى تشغل نحو مائتى صفحة كتبها سلماوى خلال لقاءاته ومعايشته لكثير من المناسبات والأحداث التى كان أديبنا الكبير طرفا فيها، وكلها تكشف جوانب جديدة من شخصيته. فتحت عنوان "حب الموت" يقول سلماوى أن كثيرا من الأدباء الذين زاروا مصر بعد وفاة محفوظ كانوا يسألونه عن مقولة الأديب الراحل عن "حب الموت". كيف يحب الانسان الموت؟ ماذا يقصد بحب الموت؟ هل كان يريد أن يموت؟ ويرد سلماوى: حب الموت عند محفوظ لم يكن رغبة انتحارية ساذجة، إنما هو تعبير عن نظرة فلسفية ثاقبة نجدها فى كثير من الأديان السماوية وغير السماوية ونجدها فى بعض الفلسفات الوضعية، فاذا عدنا على سبيل المثال الى"كتاب الموتى"فى التاريخ المصرى القديم نجد أن حياة المصرى كانت تتطلع دائما الى الموت، فالموت ليس نهاية الحياة، وإنما هو فى عقيدة المصرى القديم بداية لمرحلة الخلود التى يحرص عليها الجد المصرى القديم لنجيب محفوظ، وكان لهذا الخلود شروط تتلخص فى التقوى خلال الحياة الدنيا، والحفاظ على الجسد بعد الموت، وإحاطة المتوفى بالكتابات الجنائزية التى تضمن له الخلود. وقد جسد محفوظ هذه الفلسفة المصرية القديمة، فقد عاش حياته بالحب، فبعث للناس بالخير جميعا، وكان لديه رغبة دائمة للعطاء. واذا كانت النقوش الحجرية التى تغطى جدران مقبرة المصرى القديم تذكر بانجازاته فى الحياة كى تشفع له فى الآخرة، فان ما تركه محفوظ من كتابات سيبقى شاهدا على إنجازه الانسانى الضخم الذى تخطى تأثيره حدود وطنه حتى وصل الى رحاب الانسانية جمعاء، وتلك الكتابات باقية من بعده كصدقة جارية، فهل لمثل هذا الانسان أن يخشى الموت؟
يضرب سلماوى المثل بعد ذلك بالشاعر الانجليزى الرومانسى شيلى الذى يقول فى قصيدته بعنوان:"الموت":"فى البداية نموت لذاتنا ثم تموت الآمال، ثم تموت أخيرا المخاوف، واذا ماتت مخاوف الانسان فهل يخشى الموت أم يقبله مرحبا كما يلقى الحبيب"؟ لقد وصل نجيب محفوظ بحكمته الانسانية وبالشفافية الفياضة أن يقول: "اذا أحببت الدنيا بصدق، أحبتك الآخرة بجدارة".
عشرات المقالات التى تنير الطريق لأى باحث فى أدب وانسانية روائى نوبل العظيم الذى شرف الجائزة العالمية، والتى كتبها سلماوى بحب عميق وعاطفة لأستاذه وصديقه نجيب محفوظ لاتتسع المساحة لعرضها لكننى سوف أختم عرض الكتاب بمقال لسلماوى بعنوان:"الرواية المحفوظية" يقول فيه:"لم يقدر لأحد من أدباء العربية أن يلعب ذلك الدور التاريخى الفريدالذى قام به أديبنا الكبير نجيب محفوظ فى تشكيل الرواية وتطويرها، فقد إلتقط الرواية فى مطلع القرن العشرين من أيدى روادها هيكل والمازنى والعقاد وطه حسين وتوفيق الحكيم وصعد بها الى أعلى درجات الارتقاءالى آفاق غيرمسبوقة جعلت الناقد والباحث الأمريكى المعروف"روجر ألن" يقرر أن الرواية العربية أصبح لها الآن هويتهاالخاصة، واذا كان تاريخ الرواية فى مصر قصيرا نسبيا، حيث أنه لا يتعدى قرنا واحدا، فان هذا التاريخ مرتبط فى تطوره بمراحل الفن الروائى عند نجيب محفوظ.
لا أعتقد أن أديبا مصريا فى قامة سلماوى قدم نجيب محفوظ لمصر وللعرب وللعالم مثل مافعل محمد سلماوى، لكن من يقترب من مؤلف كتاب "فى حضرة نجيب محفوظ" يتأكد أن الاخلاص والعطاء ودماثة الخلق والانتماء للوطن هى صفات أساسية تشكل ليس فقط كتاباته ولكن علاقاته الانسانية بكل المحيطين به.