Share |
يناير 2001
1
حقوق الإنسان فى أفريقيا
المصدر: الديمقراطية

يعتبر سجل أفريقيا فى مجال حقوق الإنسان واحدا من أسوأ السجلات على الصعيد العالمى. إن لم يكن الأسوأ على الإطلاق، وذلك بسبب الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان، سواء من جانب نظم الحكم، أو بين الجماعات المتصارعة بعضها البعض فى ظروف الصراعات الداخلية العنيفة. وفى الكثير من الأحيانا تكون هذه الانتهاكات سببا ونتيجة للصراعات الداخلية العنيفة فى الدول الأفريقية، حيث أن انتهاكات حقوق الإنسان تعتبر واحدة من أسباب نشوب الصراعات ذاتها، لأن الانتهاكات الواسعة التى تقوم بها الأجهزة الحكومية لحقوق الأفراد والجماعات الإثنية فى الدولة تدفعها إلى التمرد واللجوء إلى العنف المسلع ضد نظام الحكم فى الدولة. وبعدما تنفجر الصراعات الداخلية أو الحروب الأهلية، فإن انتهاكات حقوق الإنسان تزداد بكثافة عالية. وعادة ما تقع هذه الانتهاكات من جانب طرفى الصراع، أى من جانب الحكومة والمعارضة فى آن واحد معا، وتعتبر هذه الانتهاكات فى بعض الحالات أداة رئيسية من أدوات إدارة الصراع المسلح بين الجانبين. وكلما كان أحد طرفى الصراع ضعيفا، كلما ازداد لجوئه إلى انتهاك حقوق الإنسان واصبح اكثر استعدادا لممارسة الأعمال الوحشية ضد المدنيين الأبرياء الموالين للطرف الآخر، وذلك للتعويض عن ضعفه النسبى. وقد أدت هذه التطورات إلى إثارة قضية حقوق الإنسان فى أفريقيا، وثارت مجادلات ومناقشات فكرية هامة بشأن هذه القضية بين المؤيدين والمعارضين، ولكن الملاحظ على أية حال أن القارة الأفريقية بدأت تشهد منذ بداية التسعينات اهتماما متزايدا بأوضاع حقوق الإنسان، وذلك فى ظل الضغوط التى مارستها الدول الغريية فى هذا الشأن.
أولا: المناظرة حول حقوق الإنسان فى أفريقيا لم أصبحت حقوق الإنسان واحدة من أهم قضايا العلاقات الدولية خلال الريع الأخير من القرن العشرين، وأصبحت واحدة من أهم المعايير المستخدمة لتقييم مدى تقدم أو تخلف النظم السياسية فى العالم، كما باتت تحكم إلى حد كبير مواقف الكثير من دول العالم لدى صياغة سياساتها الخارجية تجاه الدول الأخرى، وبالذات دول العالم الثالث. ومع ذلك، فإن قضية حقوق الإنسان مازالت تعتبر واحدة من القضايا الشائكة فى أفريقيا خصوصا، وفى العالم الثالث عموما، وذلك بسبب الخلاف حول الأطر النظرية والأيديولوجية لهذه الحقوق، والشروط الاقتصادية والاجتماعية لتطبيق وممارسة هذه الحقوق.
فمن حيث المبدأ، نشأ فكر حقوق الإنسان فى الغربا وتعود جذوره التاريخية إلى بداية عصر النهضة فى أوروبا ويقوم هذا الفكر على أن للبشر حقوقا معينة يكتسبونها بحكم كونهم بشرا، بغض النظر عن الدين أو العرق أو الجنس، وهى حقوق لا يجوز لنظم الحكم أو مؤسسات المجتمع المختلفة أن تنزعها عن الأفراد بأية أدوات سياسية أو قانونية أو ثقافية، وهذه الحقوق تعتبر شرطا لتوفير حياة كريمة للأفراد. وقد أدت النشأة الغربية لهذا المفهوم إلى الاهتمام بمنظومة معينة من الحقوق، التى تدور حول ثلاث فئات، الفئة الأولى هى الحقوق السياسية والمدنية (وتتمثل فى حقوق الحياة والحرية والكرامة الشخصية والبدنية والمعنوية والتنظيم المهنى والسياسى وانتخاب الحكام. وغير ذلك)، والفئة الثانية هى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (وتتمثل فى حقوق العمل باجر عادل والتعليم والعلاج والدخل المناسب)، والفئة الثالثة هى الحقوق الجماعية أو حقوق الشعوب وتتمثل فى حقوق تقرير المصير والسلام والتنمية واستخدام اللغة الوطنية وصيانة الثقافة القومية) (1).
وفى هذا الإطار، نشأ نوع من الارتباط بين حقوق الإنسان ويين أنواع محددة من نظم الحكم، وبالذات نظم الحكم الديمقراطية البرلمانية التمثيلية. ويعود هذا الارتباط إلى شيوع القناعة فى الفكر الغربى بان الديمقراطية البرلمانية هى التى تكفل صيانة وحماية حقوق الإنسان، كما شاعت قناعة بان هذه الحقوق لن تكون مكفولة إلا فى ظل الالتزام بأساليب معينة لتنظيم الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية. ويقوم هذا الربط على أن الديمقراطية التعددية توفر إطارا عاما للنقاش والجدل فى المجتمع، مما يكفل حرية التعبير والرأى والفكر، علاوة على أن الديمقراطية تيسر صياغة قوانين معينة تجعل انتهاك حقوق الإنسان اكثر صعوبة من جانب السلطات الحكومية، بالإضافة إلى أن الديمقراطية تكفل فرص العمل والنشاط بحرية للمنظمات غير الحكومية، جنبا إلى جنب مع كفالة حرية وسائل الإعلام.
وقد جرى التعبير عن هذه الارتباطات فى الإعلان العالمى لحقوق الإنسان. ويشير ما سبق إلى أن الفكر العالمى لحقوق الإنسان ارتبط إلى حد كبير بتطور المجتمعات الغربية، بحيث ركزت منظومة حقوق الإنسان على أولويات مستقاة أساسا من المجتمعات الغربية، وتصورت أنها سوف تحظى بنفس الأولوية فى المجتمعات الأخرى.
وفى اتجاه مواز. طور المجتمع الدولى مجموعة من الترتيبات القانونية والمؤسسية التى تهتم بالارتقاء بحقوق الإنسان وحمايتها على الصعيد العالمى ويتعين بالتالى على جميع الدول - ومن بينها الدول الأفريقية - أن تعامل الأفراد والجماعات وفق الإجراءات والمعايير المنبثقة عن الترتيبات القانونية والمؤسسية المذكورة، وهو ما يعنى أن المجتمع الدولى قد لا يلتزم بمبادئ السيادة وعدم التدخل فى تعامله مع دول معينة فى حالة الإخلال بحقوق الإنسان. وهناك مجموعة من المؤشرات التى حولت موضوع حقوق الإنسان إلى مجال للاهتمام العالمى، أولها أن الغالبية الساحقة من دول العالم، بما فيها الدول الأفريقية، قد انضمت إلى الاتفاقيات الدولية المختلفة لحقوق الإنسان، وثانيها أن الأمم المتحدة باتت تضطلع بدور هام فى موضوع حقوق الإنسان، بما فى ذلك إنشاء آلية مؤسسية لتلقى شكاوى الأفراد بشأن انتهاكات لحقوق الإنسان وثالثها أن السياسات الخارجية للكثير من الدول الغريية باتت تربط مساعداتها الخارجية لدول العالم الثالث بمدى احترام تلك الدول لحقوق الإنسان. (2) وهناك مجموعة من الإشكاليات الرئيسية التى أحاطت بقضية حقوق الإنسان، وتتمثل فى شيوع خلافات دولية واسعة حول المفهوم ذاته، وحول معايير تطبيقه. فقد اعترضت دول العالم الثالث، ومن بينها الدول الأفريقية، على تركيز الدول الغربية على الحقوق الفردية وإهمال حقوق الشعوب، بالإضافة إلى تجاهلها لطبيعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فى الدول النامية، لأن الأسبقية الأولى فى تلك الدول تنصب على توفير مقومات الحياة الكريمة وتوفير الحاجات الأساسية للمواطنين (مثل العمل والمسكن والغذاء والتعليم)، لأن عدم توفير هذه الحاجات يجعل ممارسة المواطنين لحقوقهم السياسية مقيدا بأى ضغوط يمارسها عليهم أصحاب السلطة أو النفوذ أو الثروة. والأكثر من ذلك، إن بعض دول العالم الثالث ومن بينها بعض الدول الأفريقية ترفض الاعتراف بعالمية بعض حقوق الإنسان، و تدعو إلى التضحية بها مؤقتا، لصالح حقوق أخرى أكثر أهمية، مثل حق التنمية. وارتكز هذا الطرح على أن ممارسة الحقوق السياسية ربما تعطل عملية التنمية أو توقفها، كما تلغى فرص التضامن بين الأفراد، ولاسيما أن تجربة الدول الغربية ذاتها تثبت أن التمتع بالحقوق السياسية والمدنية جاء بعد تحقيق التنمية الاقتصادية. (3) وفى السياق الأفريقى، فإن حقوق الإنسان لم تحظ تقليديا بقدر كبير من الاهتماما وذلك بتأثير الخلافات الثقافية والفكرية وشهدت الساحة الفكرية الأفريقية جدالا حادا بين وجهتى نظر فى هذا الشأن. وتقوم وجهة النظر الأولى على أن الفكر العالمى لحقوق الإنسان هو فكر غربى بالأساس، وهو غير ملائم للبيئة الأفريقية، لأنه يقوم على منظومة من الحقوق التى لا تحظى بقدر كبير أصلا من الاهتمام فى المجتمعات الأفريقية، مثل حق التجمع السلمى وحرية الفكر والحق فى الحصول على محاكمة عادلة. وغير ذلك. أما فى غالبية الدول الأفريقية فإن التركيز ينصب أساسا على الكفاح من أجل الوجود والحياة وتوفير لقمة العيش، وتعانى تلك المجتمعات من الفقر والجوع والمرض والأمية. وتذهب بعض الدراسات إلى انه ليست هناك حرية اختيار فى ظل الجهل فى المجتمعات الأفريقية، وليس هناك حرية للجوعى أو المرضى كما أن هناك اختلافات ضخمة فى ظروف التطور التاريخى والأوضاع الثقافية والاجتماعية والاقتصادية بين المجتمعات الأفريقية. ولذلك، فإن مستوى التطور الذى وصلت إليه المجتمعات الغربية هو الذى يحمى ويكفل حقوق الإنسان فيها، وليس مجرد صدور قرارات أو مواثيق دولية، مثل الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، فى حين أن المجتمعات التى لم تصل إلى مثل هذا التطور لن تتمكن من الالتزام بحماية هذه الحقوق، بصرف النظر عن المواثيق الدولية. (4) ومن ثم، فإن أصحاب هذا الاتجاه يطرحون بدلا من ذلك مفهوما جديدا لحقوق الإنسان، يطلق عليه (المفهوم الأفريقى لحقوق الإنسان). ويختلف هذا المفهوم الأفريقى عن المفهوم الغربى، فهو يركز على "حقوق الشعوب" بدرجة اكبر. وتلعب التقاليد القبلية والإثنية والاحتياجات الأساسية وضرورات التنمية دورا هاما فى صياغة المفهوم الأفريقى لحقوق الإنسان (5)، كما يقوم على فكرة أن المجتمعات الأفريقية لديها ما يمكن اعتباره حقوق إنسان مستقاة من القيم القبلية والتقليدية الأفريقية، والتى تقوم على أن الجماعة اكثر أهمية من الفرد، وان القرارات تتخذ من خلال الإجماع، وليس من خلال المنافسة، وأن الموارد الاقتصادية يتم توزيعها وفق عملية جماعية، وليس من خلال قاعدة الريحية، بالإضافة إلى التأكيد على أن حقوق الإنسان يمكن كفالتها بدرجة افضل من خلال التنمية الاقتصادية.
وفى المقابل، برزت فى الساحة الفكرية الأفريقية وجهة نظرمضادة تقوم على أن الفكر العالمى لحقوق الإنسان تطور فى اتجاه الاتفاق على منظومة من الحقوق التى تعتبر عامة ومشتركة لجميع الشعوب والثقافات، بحيث أصبحت غالبية هذه الحقوق عالمية من حيث الطابع العام لها. ومن ناحية أخرى، ركزت وجهة النظر هذه على تفنيد مرتكزات وجهة النظر المعارضة وبالذات من حيث التأكيد على أن الحقوق الجماعية أو حقوق الشعوب التى يركز عليها المفهوم الأفريقى لحقوق الإنسان تختلف عن حقوق الإنسان، لأن أى حقوق جماعية لا يمكن اعتبارها حقوقا فالحقوق تصبح حقوقا عندما يحصل عليها الأفراد باعتبارهم أعضاء فى جماعة صغيرة، فى حين أن الحقوق الجماعية لن تكون مكفولة لجميع أفراد المجتمع بنفس القدر، أو على أساس واضح من المساواة، وربما تدخل اعتبارات الجنس أو العرق أو العمر أو الوضع الاجتماعى فى ممارسة هذه الحقوق، كما أن القليل جدا من الأفراد هم الذين يعرفون حقوقهم وامتيازاتهم فى المجتمعات التقليدية، فى حين أن الأغلبية العظمى من الأفراد لا يتمتعون بهذه الحقوق إلا عندما تمنح لهم بصورة مباشرة. وفى الوقت نفسه، فإن المبادئ القبلية الأفريقية لا تكفل حقوق الإنسان لجميع المواطنين، لأن المواطن المنتمى إلى جماعة إثنية معينة أو إقليم معين ربما ينظر إليه باعتباره غريبا أو أجنبيا من جانب الجماعات أو الأقاليم الأخرى، ويالذات فى الدول متعددة الثقافات، مما يمنع كفالة حقوق الإنسان لجميع المواطنين فى هذه المجتمعات.
وأخيرا. فإن المبادئ القبلية الأفريقية تتيح مزايا معينة ولكنها لا توفر حقوقا محددة، وهذه المزايا عبارة عن مجرد أدوات للضبط الاجتماعى، ولكنها تختلف كثيرا عن الحقوق. (6) وعلى المستوى السياسى العملى، فإن هناك تناقضات كبيرة بين الالتزام السياسى والدستورى لنظم الحكم الأفريقية بكفالة حقوق الإنسان ويين واقع الممارسة العملية. فقد أكدت الأغلبية الساحقة من الدساتير الأفريقية على الاهتمام بكفالة حقوق الإنسان، فى فترة ما بعد الاستقلال، وكان الكثير من مواد الدساتير الخاصة بهذا الشأن مشتقا من الإعلان العالمى لحقوق الإنسان، كما أن الخطاب الرسمى لمعظم القادة والنخب السياسية الأفريقية تضمن تأكيدات قوية على مبادئ الحرية والمساواة والعدل. ولكن على صعيد الممارسة العملية شهدت الساحة السياسية الأفريقية انتهاكات هائلة لحقوق الإنسان فى فترة ما بعد الاستقلال، وبالذات فيما يتعلق بعدم التزام السلطات الحكومية فى الكثير من الحالات بالضمانات القانونية لإجراءات اعتقال المعارضين السياسيين، كما أنها توسعت فى إجراءات الاعتقال بدون محاكمة (7).
وخلال عقد التسعينات، أدت الزيادة فى حدة الحروب الأهلية إلى اتساع نطاق انتهاك حقوق الإنسان بصورة هائلة فى العديد من الدول الأفريقية. فقد أدت المتغيرات الدولية، وبالذات انتهاء الحرب الباردة وانهيار الاتحاد السوفيتى وتوقف المساعدات الخارجية للعديد من الدول الأفريقية، إلى غياب الأدوات والآليات التى كان المجتمع الدولى يفرض من خلالها قيودا على الصراعات الداخلية فى الدول الأفريقية. واصبح تطور هذه الصراعات محكوما فقط بموازين القوى بين أطراف الصراع وبالأهداف السياسية التى يسعى كل طرف إلى تحقيقها، مما أدى إلى ازدياد انتهاكات حقوق الإنسان فى الحروب الأهلية الأفريقية بمعدلات عالية للغاية، ووصلت فى بعض امخالات إلى درجة الإبادة الجماعية، كما حدث فى حالة الحرب الأهلية فى رواندا.
وعلى الجانب الآخر، فإن الانتهاكات الواسعة حقوق الإنسان فى أفريقيا أدت بصورة تدريجية إلى زيادة الاهتمام الإقليمى والدولى بمتابعة أوضاع حقوق الإنسان فى الدول الأفريقية. فمن الناحية التاريخية، كان الوعى بقضايا حقوق الإنسان فى أفريقيا قد بدأ منذ السبعينات بفعل الجهود والأنشطة التى قامت بها منظمة العفو الدولية، ويالذات مساعيها الرامية إلى إقامة شبكة عالمية لرصد ومتابعة أوضاع حقوق الإنسان على الصعيد العالمى، كما سعت إلى توفير تغطية إعلامية واسعة لنتائج أعمالها، والتى تتضمن لرصد قيقا لانتهاكات حقوق الإنسان فى دول العالم. ولكن مساحة الاهتمام بحقوق الإنسان فى الدول الأفريقية بدأت فى الازدياد بصورة مستمرة منذ بداية التسعينات، لأن حماية حقوق الإنسان كانت قد باتت واحدة من أهم القضايا المطروحة على قائمة الاهتمامات العالمية فى فترة ما بعد انتهاء الحرب الباردة، كما أن الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان فى أفريقيا لقيت اهتماما واسعا من المجتمع الدولى.
وفى الوقت نفسها فإن الاهتمام بحقوق الإنسان كان يمثل جزءا محوريا من التحولات الديمقراطية فى أفريقيا، كما أن الدول الغربية ربطت معوناتها الاقتصادية بمدى التزام الدول الأفريقية بتطبيق الديمقراطية وسياسات اقتصاد السوق. ومع ذلك، فإن الخبرة الأفريقية العملية تشير إلى أن التحول الديمقراطى"لم يوقف تماما انتهاكات حقوق الإنسان، وما زالت حركة حقوق الإنسان ضعيفة فى معظم الدول الأفريقية ولا تركز الأحزاب فى عملها على مراقبة التزام الحكومات بحقوق الإنسان، والذين لا تلقى حقوقهم قدرا كافيا من الاحترام والحماية. (8) وبشكل عام، فإن حركة حقوق الإنسان الأفريقية مازالت تعانى من العديد من المشكلات والتحديات، على الأصعدة الفكرية والسياسية والمؤسسية. فمن حيث المبدأ، ما زالت حقوق الإنسان - فكرا وممارسة - ذات سمعة سيئة فى الدول الأفريقية لأنها دخلت إلى الخطاب السياسى الأفريقى من خلال الضغوط الغريية، وباعتبارها تعكس تحيزا أيديولوجيا غربيا، كما أن العديد من الحكومات الأفريقية ترفض السماح بإنشاء منظمات حقوق الإنسان وإعطائها شرعية الوجود القانونى. ومازال فكر حقوق الإنسان يواجه تحديات عنيفة فى الساحة السياسية الأفريقية، ولم يكتسب شرعية القبول الفكرى والثقافى فى العديد من المجتمعات الأفريقية باعتباره يتعارض مع المبادئ والقيم التقليدية فى تلك المجتمعات، لأنه يتضمن - من وجهة نظر قطاعات سياسية وفكرية هامة فى الدول الأفريقية - مبادئ وقيم مستوردة من الغرب، ويفرض أولويات مختلفة عن الأولويات التنموية والاقتصادية فى تلك الدول.
وفى الوقت نفسه، فإن مراقبة وحماية حقوق الإنسان ما تزال مسئولية المنظمات غير الحكومية فى العديد من الدول الأفريقية، وتنظر الحكومات الأفريقية إلى هذه المنظمات نظرة عدائية، كما أن هذه المنظمات تعانى من ضآلة ومحدودية مواردها المالية، مما يجعلها معتمدة بالكامل على المنح والمساعدات المقدمة من حكومات ومؤسسات أمريكا الشمالية وأورويا الغريية، وهو ما يمكن أن يجلب على تلك المنظمات تهم العمالة للغرب. ومن ناحية أخرى، فإن هذه المنظمات تواجه مشكلات نابعة من التركيز على الحقوق المدنية والقضايا الإجرائية، دون وجود قدركاف من التركيز على المسائل الاجتماعية والاقتصادية. (9) ويرتبط مستقبل حركة حقوق الإنسان فى أفريقيا بدرجة كبيرة بطبيعة تطور النظم السياسية فيها حيث أن حدوث تغير رئيسى فى النظم السياسية الأفريقية فى اتجاه المزيد من الديمقراطية والمأسسة فى عملية صنع القرار السياسى فإن ذلك يمكن أن يفتح المجال بسرعة أمام منظمات حقوق الإنسان لتوسيع نطاق عملها إلى المستويات القومية. وعلى العكس من ذلك، فإن عدم حدوث هذا التغير يجعل نطاق عمل منظمات حقوق الإنسان قاصرا على قضايا حقوق الأقليات والالتزام بمعاهدات حقوق الإنسان. وغير ذلك من القضايا الضيقة.
ثانيا: أشكال انتهاكات حقوق الإنسان فى أنريقيا شهدت القارة الأفريقية أشكالا متعددة من انتهاكات حقوق الإنسان، وسوف نركز على وجه التحديد على خمسة أشكال رئيسية من الانتهاكات التى تعرضت لها حقوق الإنسان فى الحروب الأهلية الأفريقية، هى: الإبادة الجماعية، وحقوق الإنسان الأساسية، والحريات المدنية والحقوق السياسية، والتمييز الإثنى والاجتماعى.
1- الإيادة الجماعية تمثل إبادة جماعة إثنية معينة ذروة الانتهاك لحقوق الإنسان. وقد اختلفت الأدبيات السياسية فى تصنيفها لعمليات الإبادة الجماعية فى أفريقيا، حيث ذهبت بعض الدراسات إلى انه من بين جميع الأعمال الوحشية التى شهدتها الحروب الأهلية الأفريقية، فإن هناك حالة واحدة فقط يمكن الإشارة إليها بوصفها تمثل نوعا من أنواع الإبادة الجماعة، وهى عملية الإبادة الجماعية التى تعرض لها التوتسى فى رواندا. وششند هذا التصنيف على تعريف الأمم المتحدة للإبادة، والذى ينص على أن الإبادة الجماعية هى "أعمال ترتكب بهدف تدمير جماعة قومية أو إثنية أو عرقية أو دينية، كليا أو جزئيا." وتذهب هذه الدراسات إلى أن هذا التعريف لا ينطبق بدقة إلا على ثلاث حالات فى القرن العشرين هى: إبادة الأرمن على أيدى الأتراك عامى 1915- 1916، وإبادة اليهود والغجر وأقليات أخرى على أيدى النازى الألما نى، وإبادة التوتسى فى رواندا عام 1994. (10) والواقع، إن الطابع الحاد والعنيف للحرب الأهلية الرواندية، وما شهدته من عمليات الإبادة الجماعية، كان عائدا فى الواقع إلى تضافر مجموعة من العوامل والمتغيرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية. وتشير بعض الدراسات بصفة خاصة إلى أن العنف الوحشى فى رواندا كان ناجما عن تضافر خمسة أنواع من العوامل اثنان منهم يعتبران سمة مشتركة مع بقية الدول الأفريقية هما: زيادة درجة عدم الاستقرار السياسى تحت تأثير ظروف التحول السياسى، وغلبة خاصية الكفاح والنضال السياسى على عملية السيطرة على الدولة. أما العوامل الثلاثة الأخرى، فهى: وجود حالة ثنائية الإثنية فى التكوين الاجتماعى للدولة، والتناقض بين قوة الدولة والصراع بين الجماعات الإثنية فى المجتمع، وازدياد العمليات المسلحة التى تقوم بها الجبهة الوطنية الرواندية. (11) أما البعض الاخر من الدراسات، فيذهب إلى أن هناك عدة حالات من الإبادة الجماعية شهدتها الحروب الأهلية الأفريقية فى كل من رواندا وبوروندى والصومال وأنجولا. وتنظر هذه الدراسات إلى أن عمليات الإبادة الجماعية فى هذه الحالات كانت مدعومة من الحكومة. وعلى الرغم من اختلاف النظريات النفسية والاجتماعية والسياسية التى تفسر ظاهرة الإبادة الجماعية التى ترعاها الدولة، إلا أن جميعها تتفق على أن هناك عوامل داخلية وخارجية تؤدى إلى إحداث تغيرات فى هيكل توزيع القوة المحلية، وتلعب هذه العوامل دورا هاما فى التحضير للإبادة الجماعية التى ترعاها الدولة، وتساعد على بدئها. وتختلف الدراسات السياسية فى تحديدها لأوزان هذه العوامل، فالبعض يرى أن درجة تركيز السلطة لدى جماعة سياسية تمثل العامل الرئيسى المحدد لبدء وكثافة أعمال الإبادة الحكومية، فى حين يرى البعض الآخر أن هناك مجموعة متكاملة من العوامل الداخلية والخارجية هى التى تؤثر على هذه الأعمال. (12) ومن ناحية أخرى، فإن بعض الدراسات تنظر إلى الإبادة الجماعية بوصفها شكلا بارزا من أشكال العنف القبلى، والذى يأتى فى الأغلب نتاجا للكراهية عميقة الجذور والعداوات القديمة التى أطلقها انهيار الهياكل التسلطية التى كانت تحتويها مسبقا. ويكون هذا العنف ناجما عن إضفاء الشرعية على الكراهية القبلية، وإحلالها محل الهوية القومية، وذلك عندما تشجع الحكومات جماعة معينة على مهاجمة جماعة أخرى أو عندما يتم تعريف الدولة أو المواطنة وفق معايير إثنية أو دينية أو عرقية من اجل الحصول- أو عدم الحصول - على الحقوق، أو عندما تحصل الجماعات المنتمية إلى دين أو لغة أو جماعة إثنية معينة على الحقوق الدينية أو المشاركة السياسية بصورة كاملة بينما يحرم منها باقى أفراد الجماعات الأخرى، أو إقامة معازل إثنية لجماعات معينة. وفى الكثير من الحالات، يكون العنف القبلى مدعوما من اغكومة من خلال الأشكال المختلفة للتمييز، والتى تؤدى إلى اندلاع الصراع بين القبائل، ويتخذ هذا التمييز أشكالا متعددة، مثل: الفشل فى توفير الحماية للجماعات المهددة، أو الفشل فى اعتقال الأفراد المسئولين عن الهجمات ضد الجماعات المستهدفة، أو التحريض الرسمى ضد أفراد جماعة مستهدفة باعتبارهم ليسوا مواطنين كاملى المواطنة أو باعتبارهم لا يستحقون الاحترام الكامل، أو إصدار قوانين تمييزية ضد أفراد الجماعات المستهدفة. وفى اغلب الأحيان، يكون العنف القبلى بمثابة المرحلة الأخيرة فى عملية الاستغلال الحكومى المتعمد للتوترات الإثنية لإحداث استقطاب وانقسام فى الرأى العام. وفى هذا الإطار، تنظر هذه الدراسات إلى حالة الإبادة الجماعية فى رواندا بوصفها ابرز نموذج أفريقى على العنف القبلى، ولاسيما أن المحرضين على الإبادة كانوا عبارة عن جماعة صغيرة من أقوى الشخصيات السياسية والفكرية فى البلاد، وقامت بالتنفيذ قوات الحرس الرئاسى والميليشيات القبلية. (13) وقد بدأت الحرب الأهلية فى رواندا عام 1990، مع قيام (الجبهة الوطنية الرواندية) المؤلفة من التوتسى الروانديين اللاجئين فى الدول المجاورة منذ الستينات، واستطاعت الجبهة دخول رواندا عام 1990، واحتلال الأنحاء الشمالية من البلاد، مما أدى إلى اندلاع نيران الحرب الأهلية منذ ذلك التاريخ. وفى المقابل، قام الرئيس هابياريمانا بتبنى سياسة قاسية ومتشددة فى مواجهة ثوار التوتسىا حيث استخدم القمع والحسم العسكرى. ورغم أن الجانبين توصلا فى عام 1993 إلى اتفاق (اروشا) للسلام. الداعى إلى وقف إطلاق النار وتقاسم السلطة بين الحكومة والمعارضة وتشكيل جيش وقوات شرطة مشتركة من الجانبين، إلا أن هذا الاتفاق لم يصمد طويلا فى الفترات التالية. وقد بدأت الأحداث الدموية فى البلاد فى 6 أبريل 1994، مع وقوع انقلاب عسكرى وا غتيال الرئيس هابياريمانا، واشتمل هذا الانقلاب على انشقاق جناح من أغلبية الهوتو الحاكمة، وانضمامها إلى المعارضة التوتسية ممثلة فى "الجبهة الوطنية الرواندية"، ثم قامت تلك الجبهة فى أعقاب ذلك بشن هجوم شامل وسريع تمكنت خلاله من احتلال شمال البلاد وشرقها. ولم تتمكن القوات الحكومية من وقف زحف عناصر الجبهة إلى أن وصلت إلى تلال العاصمة كيجالى واحتلتها.
وفى ظل هذه الظروف) قامت قوات الجبهة الوطنية الرواندية بارتكاب مجازر هائلة ضد السكان الهوتو أو ضد بعض التوتسى المتواطئين مع الحكم، وذلك فى المناطق التى سيطرت عليها، مما اضطر الجيش النظامى إلى تشكيل ميليشيا من الهوتو لمساعدته فى أعمال القتال، وقامت قوات الجيش فى هذا الإطار بتسليح حوالى 50 آلف فرد من الهوتو للتصدى لهجمات الجبهة الوطنية الرواندية، ثم باشرت تلك الميليشيات تنفيذ عملية إبادة جماعية شاملة ضد جميع الأحياء من التوتسى فى المناطق التى كانت ما تزال تحت سيطرة الهوتو. وتشير العديد من التقديرات إلى أن الإبادة الجماعية التى تعرض لها التوتسى فى رواندا أسفرت عن مقتل ما لا يقل عن
800.000 فرد، بالإضافة إلى حوالى 20 آلف من الهوتو المتعاطفين مع التوتسى.
2- حقوق الإنسان الأساسية تتعلق حقوق الإنسان الأساسية بالحقوق الخاصة بالحفاظ على كرامة وحياة الأفراد، وهى تتمثل تحديدا فى حماية حقوق الإنسان من الانتهاكات التالية: القتل السياسى والقتل غير القانونى، والاختفاء والاختطاف، والتعذيب والعقوبات غير الإنسانية، والاعتقال التعسفى والاضطهاد والنفى، والحرمان من المحاكمة العلنية العادلة، والتدخل التعسفى فى الخصوصية، واستخدام القوة القمعية وانتهان القانون الإنسانى فى الصراعات الداخلية. ويشكل عام، فان هذه الحقوق تتعلق بحماية الأمن البدنى والفيزيقى للأفراد والجماعات. وتشهد الحروب الأهلية الأفريقية انتهاكات كبيرة ومتكررة لهذه الحقوق، وتصل هذه الانتهاكات إلى درجة أن كثيرا من أن أطراف الصراع فى الحروب الأهلية الأفريقية تلجأ إلى عمليات التعذيب والاختطاف والاغتصاب. وغير ذلك، باعتبارها أداة رئيسية من أدوات إدارة الصراع المسلح فى مواجهة الجماعات المناوئة لها. وفى بعض الحالات الأخرى، يكون اللجوء إلى انتهاكات حقوق الإنسان، وبالذات المذابح، وسيلة من جانب بعض الجماعات للفت انتباه المجتمع الدولى إلى الصراع الجارى فى الدولة المعنية. وعلى أية حال، فإن الدول التى شهدت انتهاكات واسعة لحقوق الإنسان الأساسية هى الدول التى تعانى من حروب أهلية طاحنة فى الداخل، وبالذات فى أنجولا والكونغو الديمقراطية ورواندا وبوروندى وتشاد وليبيريا وسيراليون وموزمبيق.
ففى أنجولا، تورطت القوات الحكومية والميليشيات التابعة لها فى عمليات قتل غير قانونية لعناصر حركة يونيتا المعارضة. ويعترف مسئولون كبار فى الحكومة الأنجولية بان قوات الأمن لن تستطيع مواجهة عناصر حركة يونيتا بدون انتهاك لحقوقهم الأساسية. وفى المقابل، تعتبر عمليات القتل بدون محاكمة أداة أساسية من أدوات إدارة الصراع المسلح من جانب حركة يونيتا، حيث تعتبر عمليات القتل غير القانونى سلوكا اعتياديا فى المناطق التى تسيطر عليها. وتشير العديد من التقارير ذات المصداقية إلى أن زعيم حركة يونيتا جوناس سافيمبى اصدر العديد من التعليمات الواضحة بتنفيذ عمليات القتل غير القانونية، كما قام بنفسه بتنفيذ عمليات الإعدام غير القانونية فى بعض الحالات. وبالمثل، تبادلت حكومة لواندا وحركة يونيتا الاتهامات بشأن مسئوليتها عن اختفاء المدنيين، بما فى ذلك المسئولين الحكوميين وأعضاء الحزب الحاكم والقادة التقليديين، وارتبط ذلك بحالة انعدام الأمن فى البلاد.
وفيما يتعلق بالتعذيب، فان القانون والدستور فى أنجولا يحظر بصورة تامة كافة أشكال سوء المعاملة مع المشبوهين والمعتقلين والمسجونين. إلا أن قوات الأمن الأنجولية لم تلتزم بذلك فى الواقع، وهناك ممارسات حكومية متكررة وواسعة النطاق فى هذا الصدد، وتمارس اجهزة الأمن التعذيب والإذلال، بما فى ذلك الاغتصاب، مع المعتقلين. وبالمثل، فان قوات حركة يونيتا اعتادت تعذيب المشبوهين فى المناطق التى تسيطر عليها. واكثر من ذلك، إن عمليات الاعتقال ذاتها تتم بصورة تعسفية، رغم أن القانون الأنجولى ينص على ضرورة أن يحاط الاعتقال بضمانات قانونية قوية. وفى الوقت نفسه، فان حركة يونيتا بدورها تقوم باعتقال الأفراد رغم إرادتهم فى المناطق التى تسيطر عليها. ولا يحظى المعتقلون فى كلتا الحالتين بمحاكمة علنية وعادلة، حيث انهار النظام القضائى تماما فى فترة الحرب الأهلية، ولا تستطيع الحكومة توفير الضمانات القانونية التى يشير إليها الدستور، فى حين أن حركة يونيتا أنشأت نظاما قضائيا مدنيا وعسكريا فى المناطق التى تسيطر عليها، ولكنه ليس نظاما مفتوحا للجمهور. ويختارسافيمبى القضاة بنفسه، وتخضع يونيتا المناطق التى تسيطر عليها لقانون عسكرى صارم.
وفى جميع الأحوال، فإن ازدياد حدة الصراع المسلح بين القوات الحكومية وقوات يونيتا يؤدى إلى زيادة انتهاكات حقوق الإنسان، كما يؤدى إلى زيادة معاناة المدنيين، حيث تزداد فى تلك الحالات عمليات النزوح الاضطرارى للأفراد، ويتوسع الجانبان المتصارعان فى تجنيد المتطوعين بصورة إجبارية، وأيضا فى زرع الألغام الأرضية، علاوة على أن عجز الحكومة أو قيادة حركة يونيتا عن دفع رواتب الجنود العاملين فى قواتهما أدى إلى ازدياد عمليات السلب والنهب والسرقة. (14) وبالإضافة إلى ما سبق، فإن رواندا بدورها شهدت انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان، بخلاف عملية الإبادة الجماعية التى سبق ذكرها. وبالذات فيما يتعلق بالاعتداء على اللاجئين المقيمين فى المخيمات المقامة فى المنطقة الامنة، حيث شهدت تلك المخيمات أعمال عنف متبادلة بين المسلحين التابعين للطرفين المتصارعين، مما أدى إلى فرار عشرات الآلاف من اللاجئين، والذين وجدوا أنفسهم بين شقى رحى، حينما رفضت الدول المجاورة فتح حدودها أمامهم، مما عرضهم لهجمات المسلحين المجهولين. ولم تستطع قوات الأمم المتحدة أن تمنع القوات الحكومية من استخدام القوة ضد اللاجئين المقيمين فى المخيمات وربما كانت ابرز الحوادث التى جرت فى هذا الإطار تتمثل فى حادث مقتل عدة آلاف من الهوتو فى معسكر كيبيهو الواقع جنوب غرب رواندا فى عام 1995، والذى كان يضم اكثر من مائة آلف من اللاجئين. وقد وقعت هذه المذبحة عندما كانت القوات الحكومية تحاول منع اللاجئين من الهرب من المعسكر، فقامت بإطلاق النار مباشرة عليهم، وأشارت بعض التقارير إلى ان القوات الحكومية استخدمت المدفعية الثقيلة لضرب اللاجئين العزل خلال تلك الأحداث، مما أدى إلى وقوع حوالى 8 آلاف قتيل، وفرار عشرات الالاف من هذا المعسكر. (15) ومن ناحية أخرى، فان جماعات المعارضة الرواندية المكونة من فلول الجيش النظامى السابق المؤلف أساسا من الهوتو، ظلت تقوم بتنفيذ عمليات عسكرية دموية ضد معسكرات اللاجئين التوتسيين فى شرق الكونغو، وفى شمال رواندا ذاتها وقامت هذه الميليشيات بتنفيذ العديد من المذابح الدموية المروعة ضد الأطفال والنساء والشيوخ العزل فى هذه المعسكرات كما قام الجيش الوطنى الرواندى الذى يسيطر عليه التوتسى بقتل المئات من الهوتو فى أعمال عنف طائفية، وذلك فى إطار عمليات الإعدام غير القانونية التى ينفذها الجيش باعتبار ذلك نوعا من الانتقام ضد الهجمات التى تقوم بها جماعات الهوتو المتمردة، وتجرى هذه العمليات بشكل يومى خاصة فى المناطق الشمالية والغربية. ولم يقتصر الأمر على هذين الجانبين فقطا وإنما هناك أطراف خارجية أخرى تشارك فى المذابح الدموية، حيث كشف تقرير لمحققى الأمم المتحدة أن القوات التابعة للرئيس الكونغولى لوران كابيلا ارتكبت نحو 134 مذبحة ضد لاجئى رواندا فى الكونغو خلال الحملة التى قادها للإطاحة بنظام موبوتو، كما كان الأمين العام للأمم المتحدة كوفى عنان قد اتهم قوات كابيلا فى أبريل 1997 بتعمد تجويع اللاجئين الروانديين والتسبب فى قتلهما بالإضافة إلى عرقلة وصول المساعدات إلى اللاجئين واختفاء 85 آلف لاجئ فى شرق زائير، علما بان هؤلاء اللاجئين هم من الهوتو. ولذلك أعلنت منظمة العفو الدولية فى ديسمبر 1997 أن عدد القتلى فى رواندا قد خرج عن الحصر بعد أن اصبح المدنيون من الرجال والنساء والأطفال والرضع مستهدفين من جانب طرفى الصراع (الجيش/ المعارضة المسلحة من الهوتو). (16) وفى بوروندى اتعطلت عملية الإصلاع الديمقراطى التى بدأت منذ أوائل التسعينات، بسبب التمرد الذى قامت به القوات المسلحة فى اكتوبر 1993، والذى جرى على أثره اعتقال العديد من الساسة والضباط البارزين من الهوتو) بمن فيهم رئيس الجمهورية نداداى ثم جرى إعدامهم، وتم تنصيب فرانسوا نجيز (من الهوتو) رئيسا لما يسمى بـ (اللجنة الوطنية للإنقاذ العام). وقد أدت هذه الخطوة إلى إثارة استنكار دولى واسع، كما تسببت فى تجدد الاضطرابات العرقية الداخلية، والتى سعت خلالها وحدات الجيش المؤلفة اساسا من التوتسى إلى قتل واستئصال المثقفين الهوتو. وبعد ذلك، ضعف موقف العسكريين التوتسى القائمين بالانقلاب، وعرض عليهم رئيس الوزراء سيلفى كينيجى الذى كان مختبئا فى السفارة الفرنسية فى العاصمة بوجمبورا- التراجع عن موقفهم، فى مقابل العفو عنهم. ورغم أن هذا الانقلاب اعتبر بمثابة محاولة من النخبة العسكرية التوتسية لوقف التقدم السياسى للهوتو، إلا أن كثيرا من التحليلات ذهبت إلى أن الرئيس السابق باجازا كان يقف وراء هذه المحاولة، والتى ربما كانت مدفوعة بشيوع تكهنات عن أن الرئيس الراحل نداداى كان يسعى إلى تشكيل ميليشيا رئاسية من الهوتو. وقد باشر سيلفى كينيجى مساعى من اجل إنهاء هذه الأزمة، وجرى انتخاب سيبرين نتاريميرا رئيسا للبلاد من قبل الجمعية الوطنية فى 10 يناير، 1994 وقد اندلعت اشتباكات عرقية حادة بين المتطرفين التوتسى والهوتو فى شهر فبراير 1994، ثم قتل الرئيس نتاريميرا نفسه فى 6 أبريل 1994 أثناء عودته من اجتماع قمة إقليمى فى العاصمة التنزانية، وذلك عندما انفجرت به طائرة الرئيس الرواندى جوفينال هابياريمانا. إلا أن الحادث لم يثر فى بوروندى أعمال عنف داخلية حادة، حيث استجاب المواطنون لدعوة رئيس البرلمان سيلفسترى نتيبانتو نجانيا للهدوء وضبط النفس، ثم عين الأخير رئيسا مؤقتا للدولة فى 8 أبريل لمدة ثلاث شهور، ثم انتخب رئيسا دائما فى 30 سبتمبر من العام نفسه، إلا أن التوترات العرقية ازدادت بشدة فى البلاد فى النصف الثانى من عام 1994 تحت تأثير الاضطرابات الدموية فى رواندا المجاورة، وكذلك تحت تأثير وجود 200.000 لاجئ من الهوتو الروانديين فى بوروندى. وقد أدت هذه التوترات العرقية فى بوروندى إلى تطهير العاصمة بوجمبورا تماما من أى وجود مهم للهوتو، كما أصبحت الفظائع الدموية شيئا طبيعيا فى المناطق الريفية من جانب المتطرفين التوتسيين فى الجيش وميليشيا الهوتو. (17) وفى تشاد، فإنه على الرغم من انتهاء الحرب الأهلية فى تشاد، إلا أن عمليات القتل والإعدام غير القانونية استمرت فى البلاد، ولكنها أصبحت اقل مما كانت عليه فى السنوات السابقة. ويصفة خاصة، تلجأ قوات الشرطة إلى استخدام القوة بعنف ضد الأشخاص العزل الذين يقدمون الدعم إلى جماعات المتمردين فى المدن الجنوبية وحولها فى مدينة السار فى ولاية مويون- شارى ومدينة موندو فى ولاية لوجون الغربية. وقامت قوات الشرطة بإعدام الأشخاص العزل التابعين للجبهة الشعبية الديمقراطية، أثناء عمليات قمع المتمردين، وتكررت هذه الأحداث مرات عديدة، ولكن الحكومة لم تتخذ أى إجراء ضد عناصر الأمن الذين نفذوا عمليات القتل غير القانونية. وبالمثل، وقعت حوادث اختفاء غامضة لأشخاص منتمين إلى المعارضة، وذلك أثناء حملات القمع الحكومية على المناطق التى يوجد بها المتمردون، ولم تقدم الحكومة أى تقديرات بشأن أعداد المختفين خلال السنوات الماضية.
وعلى الرغم من أن الدستور التشادى يحظر التعذيب وسوء المعاملة، إلا أن الشرطة اعتادت على ممارسة عمليات التعذيب والضرب والاغتصاب، ولم يعتقل أى من أفراد الشرطة لمسئوليته عن هذه الممارسات. وفى بعض الحالات، كانت الأحكام فى القضايا الجنائية غير عادلة، فى حين يحظى المسئولون وذوو النفوذ بالحصانة وعدم الخضوع للعدالة. ورغم أن نظام إدريس ديبى كان قد أنشأ محاكم عسكرية لمحاكمة أفراد الأمن الذين يرتكبون جرائم ضد المدنيين، إلا أن هذه المحاكم توقفت عقب فترة قصيرة من بدء العمل بها (18).
وفى ليبيريا، شاعت منذ بداية الحرب الأهلية فى عام 1990، ممارسات بالغة البشاعة من جانب كل جماعة "ضد قوات الجماعة الأخرى والجماعات الإثنية التى تنتمى لها. فقد وزعت قوات تشارلز تايلور منذ البداية الأسلحة على أفراد قبائل (جيو) و (مانو) فى مقاطعة نيمبا باعتبارهم حلفاء لهم فى القتال، مما شجعهم على استخدام هذه الأسلحة بدون تمييز بعد ذلك من اجل الانتقام من نظام صمويل دو، ومن أى شخص تعاون مع ذلك النظام، مما أدى إلى انتشار العنف بسرعة، وخروجه عن نطاق السيطرة. ومن ناحية أخرى، وزع صمويل دو الأسلحة بعد ذلك على المدنيين من قبيلة الكران والماندنجو، وقام جنوده بقتل المئات من أفراد قبيلتى (جيو) و (مانو) فى العاصمة مونروفيا، كما قتلوا بعض المعارضين السياسيين البارزين. وقد وصلت قوات تايلور بسرعة إلى مقاطعة (جراند جيدى) التى تعتبر الموطن الرئيسى للكران (قبيلة الرئيس دو)، وارتكبت فظائع ضد سكان تلك المقاطعة. ولذلك، اضطر ثلثا أفراد قبيلة الكران فى ليبيريا، البالغ عددهم 125 آلفا إلى الهرب من البلاد، بينما قتل عشرات الآلاف الآخرين من أفراد الشعب، وليس فقط من الكران، فى حين نزح 700 آلف فرد عام، 1990 وقد وصل عدد القتلى خلال الفترة ما بين 1989- 1994 على الأقل إلى حوالى 150 آلف قتيل، علما أن عدد السكان كان يقدر بحوالى 2.5 مليون نسمة، مما يعنى أن واحدا من كل 17 فرد كان ضحية لهذه الحرب، بالإضافة إلى مئات الآلاف الذين أصيبوا أو اضطروا إلى النزوخ إلى الخارج. (19) وفى الكثير من الحالات، كا نت الأطراف المتصارعة تقوم بارتكاب مذابح مروعة باعتبار ذلك وسيلة غير مباشرة لتحقيق أهداف سياسية معينة، لا تتعلق بالانتقام من جماعة مناوئة أو الاستيلاء على أراضيها ومواردها، ولكن من اجل إيصال رسائل سياسية معينة إلى أطراف خارجية لا علاقة لها بالصراع. ففى 6 يونيو 1993، حدثت مذبحة مروعة لحوالى 600 شخص، معظمهم من النساء والأطفال فى معسكر فى منطقة شركة فايرستون. وقد شكل الأمين العام للأمم المتحدة لجنة للتحقيق فى هذه المذبحة، وخلصت إلى أن بقايا القوات المسلحة الحكومية هى التى دبرت ونفذت المذبحة، إلا انه كان هناك اعتقاد واسع النطاق بان قوات تايلور هى التى نفذتها بهدف جذب انتباه المجتمع الدولى من اجل ممارسة ضغط للوصول إلى اتفاق لوقف إطلاق النار فى ليبيريا، وهو ما يعتبر فى مصلحته.
وفى إطار الصراع على السلطة لم يتورع لوردات الحروب الأهلية عن تنفيذ تصفيات جسدية واسعة، حتى فى أوساط السياسيين والعسكريين الموالين لهم، خوفا من أن يتحولوا فى المستقبل إلى منافسين سياسيين. فعلى سبيل المثال، قام تشارلز تايلور باغتيال المنافسين العسكريين والسياسيين المحتملين فى جبهته. ولاسيما الساسة من أبناء قبيلتى الجيو والمانو، وبالذات جاكسون دو الذى كان الفائز الحقيقى فى انتخابات الرئاسة عام 1985، والذى كان يمكن أن يكون رئيسا محتملا لليبيريا. (20) ويعود الارتفاع الهائل فى حركات الروحية والدينية التقليدية فى المجتمعات الأفريقية. ففى ليبيريا وغرب أفريقيا والكثير من أنحاء أفريقيا، تنتشر جمعيات سرية على غرار جمعيات (البورو والسيندى) السرية وهى جمعيات اتخذت شكلا مؤسسيا على المستوى المحلى، كما توجد طوائف أو جماعات دينية سرية مماثلة موجودة فى الأماكن الأخرى من البلاد. وربما كانت الجماعة السكانية الوحيدة الرئيسية التى لم تشارك فى ثقافة ما قبل وصول المستوطنين فى ليبيريا هى جماعة الماندنجو، حيث كانت هويتها الإسلامية تبعدها عن هذه الجماعات. وتعتبر جماعة (البورو والسيندى) قديمة، وتعود إلى ما قبل القرن السابع عشر. وقد مثلت هذه الجماعة المؤسسة السياسية الاكثر أهمية فى الكثير من أنحاء ليبيريا حتى منتصف القرن العشرين، ولكنها ضعفت نسبيا مع ظهور الدولة الحديثة التى أقامها توبمان. وتنقسم جمعيات البووراللرجال) والسيندى اللنساء)، ويصل انتشار هذه الجمعيات إلى درجة أن كل شخص بالغ من ناطقى لغة الماندى يعتبرمن حيث المبدأ عضوا فى هذه الجمعية. (21) ولذلك. فإن هناك الكثير من الاعترافات التى أشار أصحابها إلى أن العنف الدامى فى ليبيريا كان عائدا إلى أن الفصائل المتصارعة كا نت بمثابة حركات روحية، جنبا إلى جنب مع الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية الأخرى. وفى بعض الهالات، كانت الفظائع التى ارتكبها بعض المقاتلين، ولاسيما ممارسات أكل لحوم البشر، تشتمل على إشارات مباشرة من اللغة الرمزية لجماعة البورو أو الجماعات الطائفية المماثلة. وحتى تشارلز تايلور نفسه، كان يشرب دماء الضحايا طبقا لاعترافات بعض الذين يعرفونه جيدا، ويذكر زميل سابق له أن تا يلور ومساعديه أسسوا جماعة خاصة جدا تعرف باسم (جماعة العشرين الكبار) لممارسة شعائر أكل لحوم البشر. وقد استخدمت وسائل الاتصال الحديثة فى توسيع نطاق تداول هذه الأعمال الوحشية وأبرز مثال على ذلك هو شريط الفيديو الذى صوره برنس جونسون لعملية تعذيب وقتل صمويل دو فى سبتمبر 1990، والذى عرضه جونسون على زواره فى مقر قيادته، معتقدا أن ذلك سوف يعزز هيبته كمقاتل، كما أن أحد قادة حركة التحرير المتحدة، وهو ستيفن دولى، كان يحتفظ بصور لنفسه وهو يرتكب فظائع، بما فى ذلك قتل وتشويه السجناء، وكان يعلقها بفخر على الحائط خلف مكتبه، لإثارة إعجاب زائريه. (22) وفى سيراليون، ارتكبت كافة لأطراف المتصارعة انتهاكات عديدة لحقوق الإنسان، بل أن الأعمال الوحشية كانت تستخدم بوصفها تكتيكا فعالا من جانب الأطراف المتصارعة، وبالذات من جانب عناصر الجبهة الثورية المتحدة. وتعتبر هذه الأعمال صفة لصيقة بالجبهة الثورية المتحدة منذ بداية الحرب الأهلية، حيث تمثل الأعمال الوحشية وسيلة لبث الرعب فى قلوب الخصوم، والإعلان عن وجود الجبهة واستعدادها للقتال، كما أن نقص الأسلحة والذخائر لدى أفراد الجبهة كان يدفعهم فى بعض الأحيان إلى قتل خصومهم بوسائل وحشية وبدائية للغاية. ومن ناحية أخرى، ارتكبت القوات الحكومية لسيراليون، وبالذات قوات الدفاع المدنى التى تضم جنودا صغار السن، العديد من الانتهاكات الخطيرة لحقوق الإنسان، كما ارتكبت قوات الايكوموج بعض الانتهاكات. وقد ارتكبت قوات الدفاع المدنى عمليات قتل غير قانونية، وقامت بتعذيب المتمردين المشتبه فيهم والمتعاونين معهم، كما ان الأوضاع فى السجون والمعتقلات ظلت قاسية للغاية، وتنطوى على مخاطر وتهديدات جسيمة لحياة المعتقلين. وخلال الفترات القصيرة التى نجحت فيها قوات الجبهة الثورية المتحدة فى السيطرة على مناطق فى العاصمة فريتاون فى أوائل عام 1999، أقدمت عناصر الجبهة على ممارسة العنف بوحشية بالغة، مثل الاغتصاب وتعذيب المدنيين بقطع آذانهم وجدع أنوفهم وأذرعهم بالسكاكين، ووصل عدد القتلى والمصابين إلى حوالى 4000 فرد خلال موجة العنف التى اندلعت فى يناير- فبراير 1999 وحدها. وقد تدخلت القوات الحكومية فى بعض الأحيان لإعاقة جهود الإغاثة، كما قامت بإلقاء القبض على العديد من الأشخاص فى ظل قانون الطوارئ الذى وافق عليه البرلمان، والذى يعطى للسلطات الحكومية حق اعتقال الأفراد لفترات غير محدودة بدون محاكمة وغالبا ما تكون فترات الاعتقال طويلة. وقد فرضت الحكومة حظرا على حرية الخطابة وحرية الصحافة، وقامت بأعمال تحرش واعتقال ضد الصحفيين بسبب تغطيتهم للمسائل المتعلقة بالأوضاع الأمنية. (23) وفى أثيوبيا، فانه على الرغم من انتهاء الحرب الأهلية منذ عام 9991، إلا أن بعض التقاريرغير الرسمية تشير إلى حدوث عمليات قتل غير قانونى ضد جماعات المعارضة الأورومية المسلحة، حيث تشهد هذه المنطقة اضطرابات واحتجاجات مسلحة من جانب الأورومو، إلا أن هذه العمليات شهدت انخفاضا ملموسا منذ عام، 1998 ومن ناحية أخرى، فان العصابات وقطاع الطرق يختلون مصدرا أساسيا للإخلال بالأمن فى المناطق البعيدة عن سيطرة الحكومة المركزية، ويالذات فى المناطق التى تشهد اشتباكات بين الحكومة والمعارضة، حيث أن هذه العصابات تتمتع بمستوى عال من التسليح، وتسقط فى عملياتها أعدادا كبيرة نسبيا من المدنيين وأفراد الأمن والجيش. وعلى الرغم من ان الدستور الأثيويى يمنع التعذيب وسوء معاملة السجناء إلا أن هناك تقارير عديدة عن أن مسئولى الأمن الأثيوبيين قاموا فى الكثير من الأحيان بضرب المعتقلين والإساءة إليهم، بالإضافة إلى أن أوضاع السجون تعتبر سيئة من حيث تكدس السجناء والمعتقلين، كما أن قوات الجيش تحتجز عناصر ومقاتلى جبهة تحرير الأورومو فى المعسكرات التابعة للجيش كاعتقال مؤقت، وبالذات فى منطقة جوبا بإقليم الأورومو. وفى الوقت نفسه، فانه على الرغم من أن القانون الأثيوبى يحظر أيضا الاعتقال التعسفى والنفى والحرمان من الجنسية الأثيوبية، إلا أن الحكومة لا تحترم هذا الحق دائما، حيث طردت آلاف الأشخاص ذوى الأصول الإريترية أو الذين يرتبطون بعلاقات مع إريتريا، وذلك لأسباب أمنية، عقب اندلاع الصراع المسلح بين الجانبين. وقد زعمت الحكومة الأثيوبية أن المطرود ين ليسوا أثيوييين، وأنهم كانوا يخططون للقيام بأعمال تضر بالأمن الأثيويى، رغم أن الكثير من هؤلاء المطرودين كانوا يحملون هويات وأوراق رسمية أثيوبية. أضف إلى ذلك، إن المسئولين قاموا فى الكثير من الحالات بمصادرة الأراضى الزراعية أو إعادة توزيعها من اجل إجبار سكان تلك المناطق على تأييد ومساندة الحكومة. (24) وفى الكونغو الديمقراطية، اتسعت خلال الحرب الأهلية عمليات الإعدام والقتل غير القانونى من جانب القوات الحكومية وقوات المعارضة، كما تعددت حالات الاختفاء الغامض للأفراد، بالإضافة إلى أن قوات الأمن ومسئولى السجون قاموا بعمليات تعذيب واسعة ضد المعتقلين، رغم أن القانون يمنع ذلك، وتوسعوا أيضا فى عمليات الاعتقال التعسفى بدون أذن قانونى، وكان الكثير من المعتقلين من الهوتو. (25) وفى أوغندا ارتكبت الجماعات المناوئة للحكومة، ولالذات جماعة الرب، انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان فى المناطق التى تسيطر عليها، واعتمدت سيطرتها على المدنيين فى تلك المناطق على فكرة بسيطة مؤداها": إذا لم يدعم هؤلاء الأفراد جيش الرب، فانهم إذن أعداء، ويجب قتلهم أو تصفيتهم. (26) والحقيقة. إن هذه الممارسات لا تعنى أن العنف كان يرتكب لذاته فى الحروب الأهلية الأفريقية، وإنما كان الدافع الرئيسى له هو الحصول على الثروة والنفوذ من خلال العنف وهذه الأعمال الوحشية تعتبر وسيلة لنشر الرعب لدى الخصوم، كما يعتبر أيضا وسيلة لتقوية المقاتلين من الناحية النفسية عبر استخدام منظومة معينة من الرموز الدينية. ولذلك، تجرى عمليات العنف يوميا فى ظل لغة قريبة من طقوس الجماعات السرية، وتصبح خارج نطاق السيطرة. ويتضاعف هذا التوجه لدى المقاتلين الصغار الفوضويين تحت تأثير الكراهية الشديدة والحماس الزائد والاندفاع، وأيضا تحت تأثير المخدرات التى يشيع تعاطيها من جانب المقاتلين التابعين للفصائل المتصارعة فى الكثير من الحروب الأهلية الأفريقية.
3- الحريات المدنية تتصل الحريات المدنية بمنظومة الحقوق المتعلقة بحرية الفرد فى التعبير والاعتقاد الدينى، وهى تشتمل تحديدا على: حرية الخطابة والتعبير والنشر، وحرية التجمع السلمى، والحرية الدينية، وحرية التحرك داخل الدولة والسفر إلى الخارج والهجرة والتوطن. وبشكل عام، فان هذه الحريات تتعرض لمخاطر كبيرة فى ظروف الحروب الأهلية بصفة خاصة. وعلى الرغم من أن الأغلبية الساحقة من الدساتير والقوانين الأفريقية تؤكد على الاحترام الكامل لحرية التعبير وحرية الاعتقاد الدينى، إلا أن التنفيذ الفعلى لهذه الحقوق عادة ما لا يكون متاحا فى الواقع. ويعود ذلك بالدرجة الأولى إلى أن بعض الحروب الأهلية، وبالذات الحروب الأهلية الإثنية تشهد استقطابا وانقساما اثنيا بين جماعات المجتمع على أسس إثنية (عرقية أو دينية أو قبلية)، وتعتمد عملية الحشد والتجنيد والتعبئة التى تقوم بها كل جماعة لاتباعها إلى حد كبير على حشد وتكثيف كراهية أفراد هذه الجماعة للجماعات الإثنية الأخرى.
ففى أنجولا، يؤكد الدستور الأنجولى على احترام حرية التعبير وحرية الصحافة، إلا أن الحكومة لا تلتزم بذلك الحق تماما. ورغم أن سجل الحكومة شهد تحسنا تدريجيا فى هذا الصدد، إلا أن الانتهاكات مازالت مستمرة، حيث يتم تهديد وتخويف الصحفيين والضغط عليهم، وهناك خوف شديد لدى الصحفيين من توجيه النقد إلى الحكومة، كما يمارس الصحفيون رقابة ذاتية على أنفسهم فيما يتعلق بالأوضاع العسكرية وحالة الأمن الداخلى والمسائل الأمنية الحساسة. ورغم أن حكومة لواندا تسمح للصحفيين الأجانب بالعمل فى أراضيها، إلا أنها ترفض السماح لهم بحرية التنقل والعمل. ومن ناحية أخرى، أدت الحرب الأهلية إلى شل التعليم الجامعى والحياة الاكاديمية، إلا أن ذلك لا ينفى أن هناك حرية أكاديمية. ورغم أن الدستور الأنجولى يبيح حق التجمع وتشكيل الجمعيات، إلا أن الحكومة تفرض قيودا صارما على ممارسة هذه الحقوق، فى حين أن هذه الحريات ممنوعة تماما فى المناطق التى تسيطر عليها حركة يونيتا. وبالمثل، فان حق الأفراد فى التنقل يعتبر مقيدا بشدة فى ظل وجود نقاط تفتيش أمنية فى المناطق التى تسيطر عليها الحكومة، كما أن يونيتا تمنع الأفراد من الرحيل من المناطق التى تسيطر عليها إلى المناطق التى تسيطر عليها الحكومة. (27) وفى تشاد، فإن الدستور يشدد أيضا على حرية التعبير وحرية الصحافة، إلا أن الحكومة قيدت هذه الحريات بصورة متزايدة، حيث تم إلقاء القبض على الصحفيين، كما فرضست رقابة رسمية وغير رسمية على الإذاعة. ورغم أن بعض الصحف الصادرة فى العاصمة نجامينا تمارس النقد ضد الحكومة ومسئوليها، إلا أن الحكومة توسعت فى القبض على الصحفيين فى إطار قانون الصحافة الصادر عام 1994، ورغم أن الدستور يوفر الحق فى التجمع وتكوين الجمعيات، إلا أن الحكومة لا تحترم هذه الحقوق، ومنعت وزارة الداخلية العديد من المظاهرات الرامية إلى الاحتجاج على انتهاكات قامت بها أجهزة الأمن. وهناك حوالى 60 حزبا سياسيا مسجلا فى تشاد، بالإضافة إلى عدة مئات من الجمعيات غير الحكومية، ولكن الحكومة حلت الجمعيات ومنظمات حقوق الإنسان التى دعت إلى الاحتجاج ضد انتهاكات أجهزة الأمن. وفيما يتعلق بحق التنقل داخل الدولة، فإن هناك بعض القيود المفروضة على هذا الحق، حيث تنتشر مراكز التفتيش على الطرق التى أقامتها قوات الأمن والميليشيات، والتى تبتز الأموال من المسافرين، ولم تقم الحكومة بأى إجراء لمنعها. (28) وفى سيراليون، قيدت القوات الحكومية حركة الأفراد داخل الدولة بسبب الحرب الأهلية. وقد فرض العمل الإجبارى وتشغيل الأطفال فى بعض المناطق. وحتى وحدات الايكوموج زاتها، قامت فى بعض الحالات بضرب واعتقال مدنيين لا صلة لهم بالقتال الدائر. وفى الفترة التى أعقبت إزاحة المجلس العسكرى من السلطة عام 1998، كان هناك عدد كبير من حالات القتل غير القانونى من جانب المواطنين، ثم حاولت السلطات الحكومية بالتعاون مع قوات الايكوموج وقف هذه الممارسات.
وفى أثيوييا، تتمتع وسائل الإعلام فى أثيوبيا بدرجة عالية من الحرية بموجب قانون الصحافة الصادر عام 1992، إلا أن الحكومة تستخدم العديد من الآليات القانونية وغير القانونية من اجل تقييد حقوق الصحفيين، بما فى ذلك اعتقال الصحفيين لنشرهم مقالات مخالفة لقانون الصحافة، مما اضطر بعض الصحفيين إلى فرض رقابة ذاتية على أنفسهم. (29) 4- الحقوق السياسية تتعلق الحقوق السياسية أساسا بالقضايا المتعلقة بحق المواطنين فى تغيير حكوماتهم سلميا، كما تتعلق بحقهم فى المشاركة السياسية الكاملة. ورغم أن الأغلبية العظمى من الدساتير الأفريقية تكفل الحقوق السياسية للمواطنين، إلا أن الكثير من الهكومات لا تلتزم بهذه الحقوق من الناحية العملية.
وفى هذا الصدد، من الملاحظ أن الحروب الأهلية تعتبر سببا ونتيجة لانتهاك الحقوق السياسية فى الكثير من الحالات الأفريقية حيث أن قيام نظم الحكم الأفريقية بتضييق نطاق المشاركة السياسية أو منعها بصورة كاملة، يؤدى فى الكثير من الحالات إلى استفحال المعارضة الداخلية ولجوء الجماعات المعارضة إلى ممارسة العنف المسلح ضد النظام الحاكم. ومن ناحية أخرى، فان كثيرا من نظم الحكم الأفريقية تستغل ظروف الحرب الأهلية من اجل تعطيل عملية الإصلاح الديمقراطى، بحجة إعطاء الأولوية لمواجهة التمرد المسلح من جانب جماعات المعارضة. وفى حالة نجاح جماعات المعارضة فى الوصول إلى الحكم، فإنها تمتنع فى الكثير من الحالات عن الالتزام بصيانة الحقوق السياسية للمواطنين، بحجة أنها فى حاجة إلى فترة انتقالية لمعالجة آثار الحرب الأهلية.
ففى أنجولا، يؤكد الدستور على حق المواطنين فى الانتخاب لاختيار رئيس الجمهورية وأعضاء الجمعية الوطنية البالغ عددهم 220 نائبا، إلا أن هذه الحقوق مقيدة بسبب عدم وجود آليات فعالة للتغيير الحكومى، كما أن فشل بروتوكول لوساكا أدى إلى تعطيل هذه العملية. وكانت انتخابات عام 1992هى أول انتخابات ديمقراطية فى تاريخ أنجولا، وفاز فيها الرئيس خوزيه إدوارد دوس سانتوس بالأغلبية النسبية بحوالى 49%، فى مقابل 40% لجوناس سافيمبى. ورغم أن هذه الانتخابات كانت حرة ونزيهة بشهادة المراقبين الدوليين والمحليين إلا أن حركة يونيتا رفضت هذه النتائج، وعادت إلى الحرب الأهلية مما حال دون إجراء انتخابات إعادة بين سانتوس وسافيمبى. وقد جرت محاولة لتشكيل حكومة وحدة وطنية بين حركتى يونيتا ومبلا الحاكمة فى أبريل 1997، إلا أن هذه المحاولة فشلت فى نهاية المطاف. (30) وفى حالة تشاد، فان قدرة المواطنين على تغيير الحمكومة سلميا مازالت محدودة. وكانت الانتخابات الرئاسية فى عام 1996 التى فاز فيها إدريس ديبى وانتخابات الجمعية الوطنية فى عام 1997 التى فاز فيها حزب الرئيس ديبى بـ 65 مقعدا من مقاعد الجمعية الوطنية البالغة 125 مقعدا، هى الانتخابات التعدد ية الأولى منذ سنوات عديدة، ولكن شابتها عمليات تزوير واسعة قام بها مسئولو الانتخابات والمسئولون الحكوميون وأعضاء الحزب الحاكم والأحزاب الأخرى، مما أدى إلى التلاعب بالنتائج. (31) وفى الكونغو الديمقراطية، فإن الإطاحة بنظام موبوتو لم تؤد إلى تحسين الأوضاع السياسية فى الكونغو الديمقراطية، حيث مازال المواطنون غير قادرين على تغيير الحكومة سلميا من خلال الانتخابات. وقد وعد الرئيس لوران كابيلا بالانتهاء من عملية صياغة دستور للبلاد وإجراء انتخابات عامة فى عام 1999، إلا أن تنفيذ هذه الوعود تم تأجيلها عدة مرات. (32) وحتى فى ليبيريا، فقد أجريت الانتخابات التشريعية والرئاسية فى عام 1997، وفق قانون انتخابات تمت صياغته فى إطار مقررات ابوجا للسلام. وعلى الرغم من أن هذه الانتخابات تمت بحرية وشفافية، بشهادة المراقبين الأجانب، إلا أنها جرت فى ظل أجواء من التهديد والتخويف لأن الناخبين كانوا مقتنعين تماما بان الحرب سوف تستأنف من جديد إذا لم يفز تشارلز تايلور فى تلك الانتخابات.
(33) وفى أثيوبيا، فانه على الرغم من أن الجبهة الثورية لتحرير شعوب أثيوييا بزعامة ميليس زيناوى التزمت عقب الإطاحة بنظام منجستو بإجراء إصلاحات سياسية، وأجرت انتخابات حرة عام 1995، إلا أن معظم جماعات المعارضة قاطعتها بسبب اتهامها للسلطات الحكومية بأنها قيدت قدرتها على المشاركة فى العملية السياسية، كما منعت الحكومة منظمات معينة من لمشاركة السياسية، وبالذات المنظمات التى لم تقم بإدانة العنف صراحة، والتى لا تعترف بالحكومة القائمة كحكومة شرعية. (34) 5- التمييز الإثنى والاجتماعى تتعرض الحقوق الإثنية لانتهاكات تقليدية فى العديد من الدول الأفريقية. وهناك تناقض أصيل فى تعامل الحكومات الأفريقية مع الحقوق الإثنية. ففى جميع الدساتير والقوانين الأفريقية، هناك نصوص واضحة وصريحة تؤكد على أن جميع المواطنين متساوون أمام القانون كما تحظر كافة أشكال التمييز على أساس العرق أو اللون أو النوع أو اللغة أو الدين أو الاعتقاد السياسى أو الأصل الاجتماعى. أو غير ذلك، إلا أن العديد من الحكومات الأفريقية تنتهك عمليا هذه الحقوق أو على الأقل لم تضع آليات محددة لتطبيق هذه المبادئ بفاعلية. ففى أثيوبيا، على سبيل المثال، مازالت جماعة الأورومو تعانى من الاضطهاد رغم كونها اكبر جماعة سكانية فى البلاد، فى حين أن جماعة التيجراى التى ينتمى إليها رئيس الحكومة ميليس زيناوى واغلب أفراد النخبة الحاكمة - تتمتع بنفوذ كبير على باقى الجماعات. واكثر من ذلك، إن التيجرينيين سيطروا على نظام الحكم فى أثيوبيا، ولم يعد هذا النظام ممثلا لكافة قوميات أثيوبيا. وفى الكونغو الديمقراطية، يتعرض التوتسى الكونغوليون بصورة تقليدية للاضطهاد فى كافة العهود، ثم ازدادت الاعتداءات التى يتعرضون لها بعد تجدد الحرب الأهلية فى منتصف عام 1998. (xxxv) وفى بوروندى، أدت سياسات التمييز الإثنى إلى مقتل 200آلف شخص فى أعمال العنف الطائفى التى جرت منذ أكتوبر 1993 . (36) ثالثا: نتائج انتهاكات حقوق الإنسان فى أفريقيا تسبب انتهاكات حقوق الإنسان نتائج سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية بالغة الخطورة فى الدول الأفريقية المتضررة من هذه الانتهاكات عموما، وفى الدول التى تعانى من الحروب الأهلية خصوصا. وتتمثل الآثار اكثر خطورة لهذه الانتهاكات فى أنها تؤدى لإطالة أمد الحرب الأهلية لأنها تخلق رغبة قوية فى الثأر من الخسائر بالطرف الآخر، بالإضافة إلى ما تسببه من خسائر بشرية مروعة، وما تؤدى إليه من استشراء ثقافة العنف المسلح وتضاؤل قيمة الإنسان- الفرد، بالإضافة إلى أن هذه الانتهاكات تؤثر سلبا على عمليات التنمية الاقتصادية، كما تخلق رواسب نفسية يصعب تجاوزها بسهولة فى فترة ما بعد انتهاء الحرب الأهلية فى الدولة المعنية.
وقد أثارت انتهاكات حقوق الإنسان إشكاليات عديدة بشأن كيفية منع حدوث مثل هذه الانتهاكات مستقبلا. وعلى الرغم من أن الديمقراطية توفر ضمانا افضل لحماية حقوق الإنسان، فان تقرير منظمة (Human Watch) المعنية بمتابعة أوضاع حقوق الإنسان فى العالم، يشير إلى أن معظم الدول الأفريقية ليست مستعدة للديمقراطية القائمة على التعددية الحزبية ولن يتوفر هذا الاستعداد إلا بعد إقامة اقتصاد قوى ونشوء طبقة وسطى. أما بالنسبة للوضع القائم فى الدول الأفريقية، فيتسم بوجود هياكل قانونية تقييدية. ورغم أن الأحزاب السياسية والمجتمع المدنى ووسائل الإعلام موجودة ومسموح لها بالعمل فى الدول الأفريقية، إلا أن عملها يظل مقيدا بحدود توافقها مع سياسة النظام الحاكم، (37) مما يختل قيودا شديدة على حقوق الإنسان فى تلك الدول.
وقد كانت الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان الحاد ثة فى الحروب الأهلية الأفريقية سببا للتدخلات الدولية والإقليمية فى تلك الحروب، لوقف وإنهاء هذه الانتهاكات. وتذهب بعض الدراسات، على سبيل المثال، إلى أن الحرب الأهلية فى ليبيريا تعتبر نقطة تحول رئيسية فى ردود الأفعال الأفريقية تجاه الحروب الأهلية والصراعات الداخلية، حيث كانت هذه الحرب هى المرة الأولى التى تتدخل فيها جماعة من الدول الأفريقية (جماعة الايكواس) عسكريا فى صراع داخلى فى دولة أخرى، نظرا لأن هذه الحرب انطوت على خسائر فادحة فى الأرواح، كما أدت إلى تدفق جحافل اللاجئين الليبيريين إلى الدول المجاورة. وبالتالى، فإن هذه الحرب مثلت تحديا كبيرا على المستويات الدولية والإقليمية، مما دفع جماعة الايكواس إلى التدخل لوقف هذه الحرب، (38) إلا أن هناك العديد من الأخطاء التى شابت هذا التدخل، وهو ما تسبب فى تحويل قوات الايكواس إلى طرف فى الحرب الأهلية الليبيرية.
وعلى وجه العموم، فان الانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان فى إطار الحروب الأهلية الأفريقية، أدت إلى إثارة قضية التدخل الدولى فى تلك الحروب، وبالذات التدخل الإنسانى، باعتباره آلية دولية هامة لوقف هذه الانتهاكات، كما أدت إلى بروز العديد من الإشكاليات القانونية والسياسية المرتبطة بمبدأ التدخل الإنسانى، حيث ينطوى مبدأ التدخل على تناقض جوهرى مع بعض مبادىء القانون الدولى، وبالذات التناقض بين مبدأ حماية حقوق الإنسان والأقليات ومبدأ سيادة الدولة وتكاملها الإقليمى وسلامة أراضيها، بالإضافة إلى غياب معايير موضوعية تحكم تطبيق هذا المبدأ. وقد برز التناقض بين مبدأ حماية حقوق الإنسان ومبدأ سيادة الدولة منذ أواخر الأربعينات، ولكنه اتخذ أبعادا جديدة فى عقد التسعينات عقب انتهاء الحرب الباردة. فجذور هذا التناقض تعود إلى أواخر الأربعينات، حيت دخل مفهوم (الجرائم ضد الإنسانية) إلى القانون الدولى العام مع محاكم نورمبرج التى حاكمت قادة النازية فى ألمانيا عقب الحرب العيية الثانية. وبموجب هذا المفهوم، أصبحت مسألة حماية حقوق الإنسان والأقليات جزءا من القانون الدولى، وتم إدراجها فعليا من خلال) ميثاق مناهضة جرائم الإبادة الجماعية العام 1948، و(ميثاق جينيف الخاص بقوانين الحرب) لعام 1949، وبالتالى، فان هذه التطورات كانت تعنى إعلاء مبدأ حماية حقوق الإنسان على مبدأ سيادة الدولة، ولكن المتغيرات الدولية فى فترة الحرب الباردة حالت دون تنفيذ وتطبيق هذه التطورات على الصعيد الواقعى. فقد أدى الصراع الأيديولوجى والتنافس حول الهيمنة فى العالم وتناقضات المصالح، إلى الحيلولة دون بناء إجماع بين الشرق والغرب حيال القضائى التى يمكن أن تنطبق عليها تلك المبادئ، بالإضافة إلى عدم الاتفاق على آليات محددة للتعامل مع الحالات التى تقع فيها جرائم ضد الإنسانية، والأكثر من ذلك أن كثيرا من تلك الحالات والقضايا كانت تشهد استقطابا بين الكتلتين، وكانت تتحول إلى مجال للصراع بينهما. (39) ومع انتهاء الحرب الباردة، أصبحت الساحة الدولية مهيأة لنشوء توافق سياسى عام بين القوى الدولية الكبرى حيال مبدأ التدخل الإنسانى) بسبب انهيار الاتحاد السوفيتى واهتمام روسيا الاتحادية - وريثة الاتحاد السوفيتى السابق - بتحقيق اكبر قدر ممكن من التجانس مع المواقف الأمريكية من اجل الحصول على المساعدات الاقتصادية الغربية. ومن ناحية أخرى، أكدت تطورات ما بعد الحرب الباردة على أهمية وضرورة مبدأ التدخل الإنسانى، حيث تواصلت انتهاكات حقوق الإنسان والأقليات فى أنحاء متفرقة من العالم، وكانت بعض النظم الحاكمة أقسى على شعوبها من أى احتلال أجنبى، كما أن بعض الصراعات تفاقمت إلى مستويات بالغة الوحشية، وهو ما أكد على أهمية حدوث تدخل خارجى لوقف القمع أو الصراعات الداخلية، ولكن التطبيق العملى لهذا المبدأ شابته العديد من الاختلالات، أبرزها استمرار غياب التحديد الموضوعى الدقيق للمعايير القانونية التى يمكن أن تحكم التدخل الدولى والانتقائية الشديدة فى تنفيذ مبدأ التدخل الإنسانى، بحيث كان هذا التدخل فى جميع الحالات الماضية مرتبطا بالمصالح المباشرة للقوى الدولية المعنية، كما أن نطاق هذا التدخل لم يكن واضحا، وتحولت قوات التدخل الدولية إلى طرف فى الصراع فى العديد من الحالات، كما حدث فى حالة الصومال مما أدى إلى تحويل هذا المبدأ إلى تكئة للتدخل فى الشئون الداخلية للدول. ومن ناحية أخرى، تجاهلت القوى الدولية حالات أخرى شهدت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والأقليات والشعوب، حيث كان التجاهل الدولى عائدا إما إلى وجود مصالح قوية بين حكومات الدول التى تشهد هذه الانتهاكات وبين حكومات الدول الكبرى، وبالذات الولايات المتحدة، أو إلى خشية الولايات المتحدة من التعرض لخسائر كبيرة فى حالة التدخل.
ولذلك، فإن التطبيق العملى لمبدأ التدخل الإنسانى لحماية حقوق الإنسان فى الدول الأفريقية من جانب القوى الدولية الكبرى عموما، والولايات المتحدة خصوصا، يشير إلى وجود درجة عالية من الانتقائية فى تطبيق هذا المبدأ، كما ارتبط هذا التدخل بمصالح القوى الدولية. ومن ناحية أخرى، فان الحروب الأهلية الأفريقية كشفت عن عجز الأمم المتحدة عن حشد المواقف الدولية أو إعطاء الاهتمام الكافى لحقوق الإنسان، فى بعض القضايا المتعلقة بهذه الحروب، وهو ما يؤكد على أهمية تنشيط دور الأمم المتحدة على صعيد حفظ السلام والأنشطة الإنسانية، مع ضرورة أن يكون تدخلها فى الصراعات الداخلية والدولية سريعا ومتوازنا.