Share |
يناير 2001
1
قراءة لمؤسس تركيا المعاصرة مصطفى كمال أتاتورك ونموذجه العلمانى
المصدر: الديمقراطية

فى العاشر من نوفمبر من كل عام تكون البلاد على موعد مع إحياء ذكرى وفاة مؤسس تركيا الحديثة مصطفى كمال أتاتورك (1881-1938). تلك الذكرى التى لا تدانيها ذكرى أخرى باستثناء عيد الجمهورية فى التاسع والعشرين من أكتوبر من كل عام وهو آخر احتفال بالمؤسس. وسيكون أتاتورك هو أول رئيس للجمهورية اعتبارا من 1923 وحتى وفاته. كما أنه سيكون أول رئيس للبرلمان الذى أسسه فى مارس (1924)، والذى سيقوده حزب الشعب الجمهورى الذى أسسه أتاتورك وليكون الحزب الوحيد حتى نهاية الأربعينيات من القرن الماضى. ورغم مرور السنوات إلا أنه مازال حاضرا ليس فى موطنه فحسب بل فى الذهنين العربى والإسلامى، وربما الغربى أيضا. (1) قد يكون وجوده الآن فى الحياة التركية يعود فى جزء منه إلى الفرض الإجبارى باعتبار أن أتاتورك هو أب للأتراك جميعا اعتبارا من عام 1934 وطبقا للدستور، فالمساس بشخص أتاتورك يعتبر من الكبائر التى لا يجوز معها العفو أو المغفرة، وكم من أشخاص عوقبوا بالحبس لإهانتهم مصطفى أتاتورك. (2) إنها صورة كاريزمية يندر أن توجد الآن فى عالمنا المعاصر خاصة بعد رحيل الجنرالات، فرانكو فى أسبانيا، وديجول فى فرنسا وغيرهما، حتى هؤلاء تأتى ذكراهم وتمر دون أن يشعر بها أحد، وبعد سقوط الاتحاد السوفيتى وتصاعد الأصوات التى تنادى بإزالة جثمان "فلاديمير إليتش لينين" من الميدان الأحمر. فأسطورته كقائد للثورة البلشفية قد انتهت إلى الأبد، فى حين لا يجرؤ أحد على المطالبة بإزالة تماثيل أتاتورك من الميادين والمصالح الحكومية والمدارس ودور العلم المختلفة.
إن الوجود الطاغى لأتاتورك لا يجب ألا يفهم على أنه رضوخ للدستور والقانون فحسب أو استسلام لما تأمر به المؤسسة العسكرية حامية "الكمالية" و"العلمانية"، فالثابت أن تركيا الكمالية قد"وجدت لها مكانا فى الوجدان التركى للإنجاز الذى دشن معالمه مصطفى كمال أتاتورك، ومازالت تركيا رغم كل شىء تجنى ثماره، أو تعيش على أثاره. وكيف ينسى الأتراك أن زعيمهم لم يكن سوى مواطن "فخور بتركيته "، وكان كل اهتمامه أن يحقق حلمه ألا وهو "تخليص بلاده من استبداد السلطان وعجزه وسيطرة الأجانب. (3) وقد كانت مصادفة عظيمة الشأن، ففى قصر "ضولمة باتشا" بمدينة أسطنبول "لفظ" مصطفى كمال أتاتورك أنفاسه الأخيرة، لقد اختار "أتاتورك" أن يمضى أيامه الأخيرة يعانى من مرض عضال فى الكبد فى هذا القصر المنيف الذى شيد فى النصف الثانى من القرن الماضى فى ظل السلطنة العثمانية، التى رحل آخر سلاطينها إلى المنفى بأمر من الغازى.
ربما كانت هذه مجرد مصادفة، ولكن ها هو "أتاتورك" يموت فى أحضان الماضى وداخل أحد رموزه "ضولما باتشا" وفى موكب مهيب تنقل رفات "أتاتورك" إلى آناك كبير - ANTT KABIR بمدينة "أنقرة" التى اختارها لتكون عاصمة جديدة لجمهوريته البازغة عام 1924، وسيتم لاحقا فرض نص دستورى ينص على أن أنقرة العاصمة، وفى عبارة بدت فريدة تنص نفس المادة (أنه لا يجوز تغييرها ولا يجوز تحت أى سبب تقديم اقتراح بشأنها).
بطبيعة الحال لا يمكن أن نعتبر هذا كافيا للاستدلال على موقف الجنرال "مصطفى كمال أتاتورك " من الماضى العثمانى، ومن الإسلام، ولكن قد يساهم فى إعطاء صورة قد تكون مختلفة عما هو سائد وموجود حاليا فى الذهن العربى والتركى الأصولى على السوء، ومن ثم مييطرح تساؤلنا: هل كان "أتاتورك بالفعل معاديا للعرب والإسلام أم لا؟ إننا لا نزعم أن لدينا الإجابة الشافية، ولكن هناك قدرا من الاجتهاد نصيغه وبشكل موجز فى العبارات التالية: إن وضع تركيا فى الذهن العربى والتعامل معها بعد ذلك تأسس على إجابة نراها غير منصفة- كما سنرى بعد قليل - من قبل النخبة العربية والإسلامية، هذأ فى الإجمالى العام.
فلاشك أن كتابات عديدة قرأت أتاتورك بصورة إيجابية وقدمته بأمانة علمية، غير أنها تشكل استثناء فى قاعدة مناوئه لهذا الرجل. والغريب أن بعض الأكاديميين العرب وفى إطار مواكبة الخطاب السياسى العربى السائد سواء فى مرحلة صعود الاتجاه القومى (القومية العربية) أو فى مرحلة مغازلة صعود الإسلام السياسى. وفى كلتا المرحلتين وقعوا فى سجال من التعميمات الأخلاقية والقيمية والتى ساهمت بصورة أو بأخرى فى ترويج بعض الصور السلبية عن مصطفى كمال أتاتورك وأيضا عن تركيا. وحتى بعد أن وصلت تركيا إلى مستوى مهم فى منطقة غرب آسيا مازال هناك من يلعن أتاتورك لأنه ألغى دولة الخلافة. (4) فى بداية الصعود كان الأمر مختلفا، فقد اعتبرته الشعوب التى تعانى نير الاستعمار بطلا فى داخل تركيا الجديدة، كان كمال أتاتورك بالنسبة إلى الجندى التركى ليس مجرد بطل، بل أنه كان البطل الأوحد: فهو الذى طرد الإنجليز من "جالبيولى" وحال دون تدميرهم للجيش التركى فى سوريا. ولهذا فما أن انتهت الحرب حتى كانت سمعته فوق مستوى الشبهات، إذ أنه لم يرتبط "بلجنة الاتحاد والترقى كما لم يرتبط بالألمان، بل على العكس قاوم خططهم الهجومية خلال الحرب مصرا على ضرورة الدفاع عن الوطن والمحافظة على فاعلية الجيوش التركية. (5) وفى الخارج جابت شهرة أتاتورك الآفاق، واعتبرت كثير من البلاد الإسلامية تركيا نموذجا يحتذى، باعتبارها أول بلد شرقى يقف فى وجه الإمبريالية الغربية ويوقع بها الهزيمة، لهذا دوى اسم مصطفى كمال أتاتورك فى شتى ربوع آسيا باعتباره محررا، وتطلعت إليه شعوب الهند وأفريقيا والملايو وأتراك روسيا والأفغان والفرس والصينيون. (6) ما الذى حدث إذن؟ أو بعبارة أخرى، ما هو الشىء المروع، الذى كان وراء انقلاب العالم العربى والإسلامى على مصطفى كمال أتاتورك ونموذجه. ومازال الانقلاب سائرا حتى اليوم، بمعنى أن أدبياتنا العربية - فى جزء منها إن لم يكن معظمها - صبت حينذاك وحتى الآن هجوما وقدحا ضد أتاتورك ونموذجه دون هوادة. وخرجت بنتائج كان أبسطها أن أتاتورك كان معاديا للعرب وللإسلام معا، فضلا على أن الخيار الكمالى، كان نقمة على تركيا نفسها. بيد أن التاريخ السياسى لتركيا يثبت أنه منذ هزيمة الإمبراطورية العثمانية الإسلامية فى الحرب العالمية الأولى، وظهور أتاتورك بعلمانيته المعادية للعرب وللإسلام، لم تحقق تركيا من الأمجاد أو حتى من الأمن والاستقرار ما يستجيب لطموحات وذكريات شعب كان حتى عهد قريب على رأس إمبراطورية واسعة الأرجاء، كانت تعتبر حجر الزاوية فى كل التوازنات الأوروبية والعالمية لعدة قرون ماضية. (7) والمفارقة أن الإمبراطورية هذه ستكون فيما بعد حجر عثرة فى اندماج تركيا بالغرب.
لا خلاف حول أن الإمبراطورية العثمانية كانت واسعة الارجاء، لكن بأى معنى فالمدافعون عن الكمالية يرون "أن الإمبراطورية العثمانية ذاتها كانت قد أصبحت فى ذمة التاريخ بعد أن أزهقت أرواح الأتراك طيلة خمسة قرون فى حروب لم تعد عليهم بالفائدة". فى حين أن أتاثورك كان كل ما يسعى إليه هو أن يجعل تركيا فى نطاق حدودها الطبيعية دولة قوية تنعم بالرخاء". (8) أضف إلى ذلك أن السلاطنة ناصبوا العداء للثورة الجديدة بالتعاون مع الاستعمار. والغريب أن الذين سبق وقالوا أن تركيا لم تحقق أى شىء. هم أنفسهم الذين أثاروا لدينا الشكوك حول عودة "الهيمنة التركية من خلال عودة شبح الإمبراطورية العثمانية.
إن القوميين العرب يد خلون بدورهم الصراع الداثر حول "أتاتورك" رافعين لاءات ثلاث: لا، فى وجه الاحتلال، لا، للتسلط العثمانى الفاقد للقدرة والجانح الغربى، ولا، ثالثة فى وجه الكمالية كأسلوب حياة ونظم وقيم وجواز لدخول السياسة الدولية، هذه اللاءات الثلاث كانت واضحة، غير أن الثالثة منها وهى لا لطريق الكمالية لم تكن أقلها وضوحا وإنما كانت أوضحها جميعا. وكان موضوع الخلاف أولا وأخيرا الموقف من الإسلام ودوره التاريخى والحضارى ودرجة القرب أو البعد منه، إلى هنا نتوقف قليلا.
صحيح أن المشروع الكمالى ربما جاء ضد بعض الطموحات العربية. أو هكذا فسر على أنه ضد الطموحات العربية، كالقومية العربية. لكن السؤال: من كان ضد من؟ بعبارة أخرى من الذى فجر الخلاف أو الصراع؟ إن منظرى القومية العربية، أعلنوا صراحة (أنه من الدولة العثمانية خرج مولود واحد هو "الكمالية" برئاسة مصطفى أتاتورك "الزعيم الترك" أخر عربى، وهو المشروع القومى العربى الهادف إلى تأكيد الهوية القومية العربية ووحدة العرب والنهوض بهم فى الوقت ذاته). (9) القوميون العرب إذن ناصبوا العداء لكمال أتاتورك انطلاقا من رفض كل نهج يدعو إلى التناقض مع الإسلام على النحو الذى سلكته تركيا تحت قيادة مصطفى كمال "الذى استأصل كل أثر لرابط إسلامى بتركيا نظاما ومجتمعا. وأجرى حركة تقنين عامة ألغت القوانين المستمدة من الشريعة واستعاد القانون المدنى السويسرى وقانون أصول المحاكمات وقانون العقوبات الإيطالى وقانون التجارة الألمانى، كل ذلك بلا تعديلات تذكر إلا فيما ندر، كما أقر نظام الأحوال الشخصية بعيدا عن أحكام الشريعة الإسلامية. (10) واتجه كلية إلى الغرب، ورغم أن الدفاع كان موجها إلى الذين يتهمون القوميين بأنهم معادون للإسلام إلا أن القوميين اتخذوا من مصطفى كمال أتاتورك وسيلة لدحض مزاعم من يقول أن القوميين ضد الإسلام.
إذ كيف يمكن للدولة القومية العربية أن تكون معادية للإسلام وهى التى سارت من اليوم الأول فى الطريق المعاكس والمضاد الذى سلكه الكماليون، والعبارة واضحة تعنى أن الكماليين كانوا ضد الإسلام، المشكلة التى قد تصادفنا هنا تتمثل فى سؤال محورى لا نزعم أننا سنجد الإجابة عليه وهو أى إسلام هذا الذى كان ضده "مصطفى كمال أتاتورك"؟ إن القوميين العرب كانوا- ولازالوا- من قبل فصائل إسلامية عديدة "كفرة" وملحدين" و"علمانيين" غير مسلمين، إلى آخره من تلك التوصيفات. وبالتالى أى إسلام هذا الذى يقصده المفكر العربى "منح الصلح" الذى يقول أن القوميين مثلوا الإسلام الصحيح، فماذا يعنى الإسلام الصحيح؟ (11) بداية، التغيير لم يبدأ من كمال أتاتورك وخطوته نحو العلمانية لم تكن سوى تكملة لخطوات سابقة. فنظام السلطنة "العثمانية" كان يشكل نوعا ما من العلمنة، كذلك نرى أن الدعوة إلى تطهير النظام لم تتوقف منذ مؤلفات المستتبMustatb وقوتوتشى بيه - ku tochibey اللذين دعيا فى منتصف القرن السابع عشر إلى ضرورة تطهير النظام القائم. (12) ثم جاءت مرحلة التنظيمات (13) وفيها نجحت الدولة العثمانية بفضل فئة من المصلحين المستترين الذين وصلوا إلى السلطة فى أن تحقق قدرا من التنظيمات والإصلاحات فى مؤسستها العسكرية وإدارتها الداخلية التى كانت لها مؤثرات هائلة على نسيج الحياة فى مقر الإمبراطورية "العثمانية" "اسطنبول". كان للتنظيمات أيضا وجهها المتحرر دون أن تتخلى عن موروثها، لذلك كان المحاربون الحقيقيون لها "العثمانيين الجدد". 1860-1876 وشباب تركيا الفتاة 1908، الذين شكلت دساتير عامى 1876 و 1909 ومجالس النواب عامى 1977 و 1908 ثمار نضالهما. وقد استطاعت النخبة التركية المثقفة تحويل الدولة العثمانية من دولة على غرار إمبراطوريات العصور الوسطى إلى دولة مركزية حديثة، كما يرجع إلى تلك الفئة لا أيضا الفضل فى إصدار دستور 1876.
غير أن هذا الفريق من المفكرين والمصلحين رغم تبنيهم سبيل المؤسسات الغربية، إلا أنهم كانوا يتمتعون بالحس الوطنى الإسلامى المتأصلة جذوره فى نفوسهم كما كانوا رغم كونهم ليبراليين فإنهم كانوا أيضا مسلمين أتراكا يحبون وطنهم.
وعندما جاء أتاتورك وقام بإبعاد المؤسسة الدينية عن مجالى التربية والثقافة مجاراة لهذه الوجهة التى لا تميل إلى اعتبار الدين بغيبياته أسسا مقبولة للمعرفة، ولا للعلم، والأخيرة أيضا كانت امتدادا لما قام به محمود جودت باشا (1822-1895)، مؤلف أطروحة " تاريخ الدولة العثمانية" الشهيرة، والتى ساهمت بصورة فعالة فى إصلاح التربية، وترأس لجنة وضع مجلة الأحكام العدلية، وتحول عن الزى العلمى الدينى إلى الزى الزمنى عندما أصبح وزيراعام 1866، وكان رفاعة الطهطاوى (1801-1873) فى مصر قد سبقه إلى التحول عن لبس الجبة والعمامة إلى اللباس الأفرنجى فى سياق خدمة الدولة وبعد عودته من باريس. (14) طوال هذه الفترة السابقة لوصول أتاتورك تم فيها إنشاء مؤسسات تربوية مستقلة عن رجال الدين، وتم إقرار اصلاحات قانونية من قبل الدولة، وبرزت فئة جديدة من المثقفين العلمانيين مما غير، وعلى نحو بالغ الأهمية علاقة الدين بالدنيا فى الدولة العثمانية. (15) أما تتريك اللغة وتلتين حروفها بجانب أنها لم تكن إنجازا كماليا خالصا، فقد سبقه آخرون ووضعوا مشروعا، غير أن تراخى الدولة العثمانية حال دون استكمال المشروع "لم يكن عملية مفصولة عن مشروع متكامل لدى أتاتورك، والذى كانت لديه نظرية فى "التلتين" (أى الكتابة بالأحرف اللاتينية)، مفادها أن الأتراك أتوا من أوساط آسيا لهم لغتهم ولو أنها مبعثرة فى الأقوام والمناطق. ومن ماله الخاص أسس أتاتورك مجمعا للغة وقام شخصيا بالإشراف على جمع القواميس وترتيبها فى ثانية كتب، كما أرسل باحثين متخصصين يتجولون فى قرى الأناضول لجمع المفردات والأقوال والأمثلة، ودأب على هذا المشروع حتى حصل على لغة مركبة نقية وغنية فى الوقت نفسه موصيا بصرف ماله على متابعة المجمع اللغوى أعماله بعد وفاته. (16) أما الإسلام فقد ترجم القرآن لأمته التركية بلغتها لتأخذ الإسلام من معدنه، وتستقيه من نبعه ومكنها من إقامة شعائره، فكانت مظاهر الإسلام فى مساجده ومواسمه تثزايد فى الظهور عاما بعد عام. (17) أما الاتجاه نحو الغرب فلم يبد كما هو شائع مع أتاتورك، بيد أنه طوال القرنين السابقين لكمال أتاتورك، كانت الثقافة التركية نفسها قد أدارت ظهرها إلى الماضى العثمانى متجهة نحو الغرب: الشعر والرواية والقصة والمقالة والمسرحية المغناة، كلها كتبها أتراك خلال 250 عاما ماضية على الطراز الغربى. (18) يحدد المؤرخ الأمريكى ستانفورد ذللث التصور الواسع النطاق من جانب أتاتورك للعلمانية فقال "أن العلمانية بالنسبة له لم تعن فصل الدولة عن المؤسسات الإسلامية بقدر ما تعنى تحرير العقل الفردى من القيود التى فرضتها عليه التقاليد الإسلامية وممارسة تحديث كل جوانب الدولة والمجتمع التى تقولبت داخل التقاليد والطرق الإسلامية. (19) ومن ثم لا تعنى العلمانية رفض الدين ولا العداء للدين ولا إنكار الدين، وأن تركيا بشعبها (%99) هى دولة مسلمة، وشعب مسلم. إنما تركيا اختارت هذا المبدا لأنها رأت أن ظروفها التاريخية والسياسية تحتم عليها أن تقبل بهذا المبدأ وترى فيه ضمانة لحرية الأديان وحرية الاعتقاد للمسلمين وغير المسلمين، بالإضافة إلى أن العلمانية صارت مبدأ دستوريا، واتفقت عليه أغلب الأحزاب السياسية أو كلها، وأصبح مبدأ مقبولا من الغالبية العظمى للمجتمع والمسئولين بمن فيهم رجال الدين. (20) إذن لم يلغ أتاتورك الدين، بل فصله عن الحياة العامة، وأتاح لشعائره القيام، وضرب من رام الثوسل به للسياسة والسلطة، ولإقامة سلطات ثقافية واجتماعية تنتقص من سيادة الدولة وتعمل على كلها، فكان فى إبعاد الخلافة ومتعلقاتها - المؤسسة الدينية - عن مجال التشريع عصرنة له فى زمان لا يحتمل الغيب والمفاهيم اللاتاريخية فى القانون، خصوصا فى عصر سريع التحول، جديد الوجهة التاريخية. أن علمانية أتاتورك جاءت انخراطا تاما فى الزمانية العالية بما لا يتيح للغرب الإمبريالى الاستمرار فى المحافظة على تفوقه الثقافى بتثبيته الأطراف على تخلفها الثقافى والفكرى والعلمى، بل والأخلاقى. وجاءت الكمالية وعلمانيتها فى لحظة تاريخية نادرة، نجحت فيها فى الاختبار الوطنى والعسكرى واستطاعت الانخراط فى الكونية فى وقت سبق انتشار النظام الاستعمارى الجديد الذى تلا الحرب العالمية الأولى، والذى عانى منه الوطن العربى، الذى فاته قطار تلك اللحظة، وتأخر بالتالى عن تلبية متطلبات التفوق الشامل - الاقتصادى والسياسى والفكرى والثقافى - بغياب الاستقلال السياسى، والعلمانية فى شئون المجتمع والثقافة. (21) لقد كان قناك لغط كثيف حول خطوات أتاتورك الإصلاحية والتى فهم منها أنها ضد الإسلام، منها على سبيل المثال لا الحصر ما قيل عن "أنقرة" ولماذا اتخذها أتاتورك عاصمة لتركيا بدلا من أسطنبول؟، ربما كان اتخاذ أنقرة عاصمة جديدة للدولة الناشثة بدلا من أسطنبول التى دخلتها القوات التركية فى 6 أكتوبر 1923 بمثابة وضع حاجز بين الماضى والحاضر، لكن من الصعب القول أن الاختيار كان بهدف قطع الصلة بالإسلام الذى كانت تمثله أسطنبول باعتبارها مركزا للخلافة الإسلامية التى ألغيت. (22) فأنقرة كانت بمنأى عن قوى الاحتلال التى كانت تساندها السلطنة فى أسطنبول، فهى محاطة بالجبال، واختراقها مسألة كانت فى غاية الصعوبة.
ما هى المشكلة إذن؟ هل لأن أتاتورك أحل النظام الجمهورى محل النظام السلطانى فى 26 أكتوبر 1923؟ أم لأنه أحل العلمانية محل الخلافة التى ألغيت فى 3 مارس 1924؟ أم أن الغضب كان بسبب القانون الذى حدد نماذج الألبسة مثل خلع "الطربوش" "وإلغاء" "الحجاب" فى 25 ديسمبر 1929؟ أو لأنه ألغى الحرف العربى 1928، ثم إلغاء عطلة الجمعة الاسبوعية واستبدالها بيومى السبت والأحد؟ أو لأنه حدد بالدستور فى (1937) أن تركيا علمانية؟ أم لكل هذا جميعا كانت المشكلة مع كمال أتاتورك؟ وهنا نتساءل، أليست خطوات كمال أتاتورك خاصة فى مسألة اللغة انطلقت من أرضية الحفاظ على التراث التركى كما سبق وأشرنا.
أما بالنسبة لتغيير الأزياء وإلغاء الحجاب بقانون. بطبيعة الحال لا ندافع عن هذه الخطوة بقدر ما نوضح أن سلوك أتاتورك لم يكن هو الاستثناء الوحيد، ففى العالم العربى كان هناك حوار واسع حول القيود المفروضة على الحركة النسائية فى العالم العربى والإسلام، فى مصر اعتبر خروج المرأة فى ثورة 1919 إنجازا تاريخيا. إن ما فعله أتاتورك لا يعدو سوى ترجمة لإرهاصات كانت موجودة بالفعل سواء فى تركيا أو العالم العربى والإسلامى. الأكثر إثارة أن بلدا عربيا مثل تونس منع تعدد الزوجات بقانون وفرض قيودا مشددة على الحجاب فى الأماكن العامة وتم اعتماد يومى السبت والأحد كعطلة أسبوعية، وهو فى ذلك يقترب جدا من النموذج الكمالى.
وفى اعتقادنا أن الثورة على كمال أتاتورك لم تكن بسبب قيام الأخير كما قال البعض "بإصدار دستور يحمى جميع أنواع الإلحاد والعلمانية " أو لأنه حدد "قانونا للملابس" الذى أشرنا إليه، إنما سبب الثورة الحقيقى هو قيام أتاتورك بإلغاء الخلافة عام 1924 ". (22) والغريب أن إلغاء الخلافة وما ترتب عليه فى النهاية من قيام دولة علمانية فى تركيا مر بمراحل عديدة كان نتيجة نضال سياسى طويل ". ففى تركيا نفسها وقبل صعود نجم أتاتورك كانت الخلافة موضع جدل من قبل أهل الدين أنفسهم. ففى أنقرة و "الأناضول"، أصدر علماء الدين نصوصا فقهية ذهبت إلى أن الخلافة ليست إلا نوعا من "الوكالة الشرعية عن الأمة "، فلا تورث ولا ينخلع بموت صاحبها وكلاء الدولة، ولا تسوغ ملكية الأراضى أو هبتها، كما دللت على أن تنصيب الإمام لا يكون إلا للمصلحة العامة، وأن هذه المصلحة يمكنها التمام والاكتمال بتأسيس حكومة، سبينت أخيرا أن الخلافة بعد عهد الخلفاء الراشدين ما كانت إلا سلطنة مذمومة وحكومة مردودة شرعا، ولا مجال للتردد فى تقييد حقوقها وواجباتها، مما جعل من الممكن تفويض واجبات الخلافة وحقوقها إلى فرد واحد أو مجلس أمة، فجاز، إذن فصل السلطنة - أى السلطة الدنيوية - عن الخلافة.
إن خطرة أتاتورك "التى اعتبرت طعنة غادرة " فى جبين الإسلام والمسلمين فى شتى أنحاء الأرض، أظهرت فى نفس الوقت مدى الحيوية الفكرية التى فرضت نفسها على المجتمع المدنى العربى خاصة فى مصر، وبالتوازى أظهرت الخطوة الكمالية مدى عقم بعض المؤسسات الدينية العربية وتواطؤها مع الاحتلال البريطانى من ناحية والحكام العرب الفاسدين من ناحية إن مجمل الخطوات التى اتخذتها هذه المؤسسات كانت كفيلة بأن تؤكد للشعب التركى مدى إيجابية الصنيع الذى أسداه لهم كمال أتاتورك. لقد انعقدت الاجتماعات واستمرت أياما لتخرج بفتوى تذهب إلى بطلان الخطوة الكمالية، لم يتورع الازهر عن إصدار فتوى مغايرة تمثلت فى الدعوة لعقد مؤتمر لبحث تسمية الخليفة الجديد للمسلمين بعدما تأكد للمؤسسة الدينية المصرية أن الملك فؤاد يرغب فى أن يكون هو الخليفة المنتظر، ثم جاء كتاب الشيخ "على عبدالرازق" الإسلام وأصول الحكم) و(ثورة الأزهر) عليه بإيعاز من السراى، ليؤكدا انفصال الأتراك عن العرب.
من العرض السابق يمكن أن نصل إلى عدد من النتائج لعل أهمها: أن الدولة الكمالية جاءت تحقيقا للدولة الحديثة التى حاول العثمانيون إقامتها على امتداد القرن التاسع عشر فى مواجهة مقاومة أوروبية صلدة كما قال عزيز العظمة فى كتابه (العلمانية من منظور مختلف)، وسيكون من الخطأ اعتبار حركة كمال أتاتورك بمثابة ثورة بالمعنى الدقيق للكلمة، فالأفضل أن نسميها حركة إصلاحية استمدت أيديولوجيتها من نتائج حركة التنظيمات التى بدأت مع بنايات القرن التاسع عشر.
أما بالنسبة للسؤال المركزى الذى طرحناه: هل كان أتاتورك معاديا للإسلام؟ بداية لن نقول ما سبق وقاله أمير الشعراء أحمد شوقى فى أبيات شعرية مجيدة وضعت أتاتورك فى مصاف الإسلاميين العظام كخالد بن الوليد، ولكن سرعان ما ينقلب أمير الشعراء شوقى، فينظم أبياتا يهجوه فيها بقدحه لا لسبب سوى أنه الغى الخلافة. كذلك لن نحذوا حذو ابن باديس الذى رثاه بعبارات عظيمة وإن اتسمت بقدر من المبالغة، وبحيث يصعب ذكرها لا لسبب سوى أن المجال لا يسعها. (24) إذن بماذا نجيب؟ الإجابة ليست بنعم لأن حركة أتاتورك طورت ما كان موجودا بالفعل، وبما أن التنظيمات ونتائجها لم تتخل عن المكون الإسلامى العقيدى أيضا جاءت خطوات أتاتورك فى نفس السياق وإن قضت على بعض المظاهر الدينية دون إلغاء مضمونها. بيد أن الجمهورية الكمالية كانت ردا حاسما على تقطيع أوصال أقاليم الإمبراطورية العثمانية وعلى الاحتلال الأجنبى انطلاقا من عملية إعادة تشكيل الهوية التركية الإسلامية (25)، حتى العلمانية التى انتهجها أتاتورك هناك أيضا أثارت استفهامات بشأنها، بعبارة أخرى نقول أنها لم تكن علمانية بالمعنى الدقيق للكلمة، أو بعبارة أخرى لم تكن علمانية قائمة على فصل الدين عن الدولة، فأتاتورك لم يفصل الدولة عن الإسلام وفق النموذج الفرنسى للعلمانية بل أخضع هذا لتلك نهائيا عن طريق إنشاء إدارة الشئون الإسلامية. (26) إن الكمالية كانت لها إرهاصات عديدة داخل العالم العربى، كل ما هنالك أن أتاتورك كان أكثر جرأة ووضوحا. والقطيعة مع العالم العربى لم يبدأها أتاتورك، وإنما كان رد الفعل العربى السريع هو البادىء - من وجهة نظرنا- فى إحداث الفجوة. والأتراك بدروهم كانوا غير متحمسين للاندماج فى العالم العربى وكأنهم كانوا منتظرين أن يولوا العرب وجههم نحو بلادهم التى ستنهض لتثير إعجاب البعض، وفى نفس الوقت غيرة من ناصبوا العداء لأتاتورك. (27) إن كثيرين فى تركيا وخارجها يكنون الإعجاب والاحترام لمصطفى كمال أتاتورك الذى أسس الجمهورية التركية العلمانية قبل 72 عاما، وكثيرون أيضا الذين يعتقدون أن "الإسلام العلمانى" إذا جاز التعبير هو أفضل خيار، إذ أنه يحترم الخيار الشخصى لجهة العبادة والدين ويفصل فى الوقت نفسه بين الدين والدولة.
غير أن الحاصل فى تركيا ربما كان فيه قدر كبير من الإسراف فى الأتاتوركية (28)، فلم يعد هناك معنى للاستمرار فى هذا الإسراف، والأمثلة عديدة، منها على سبيل المثال لا الحصر، ما تمثل فى واقعة تنفيذ وصية الرئيس التركى الراحل تورجوت أوزال (1927-1993) فى أن يدفن على الطريقة الإسلامية، فكان ولابد من استصدار قرار وزارى لتنفيذ الوصية (29)، والمعروف أن الرئيس الراحل كان قد أثار مشكلة تمثلت فى إصراره على أداء مناسك الحج، الأمر الذى أثار ردود فعل غاضبة من دوائر النخبة التركية الحاكمة على اعتبار أن سلوك الرئيس التركى مناهض للعلمانية، وهذا تطرف لم يعد له مبرر!