Share |
ابريل 2001
1
الشركات متعددة الجنسيات والديمقراطية فى الدول النامية
المصدر: الديمقراطية

مقدمة:
شقت ظاهرة جديدة طريقها بقوة فى جسد النظام الأقتصادى والسياسى العالمى، وهى الظاهرة التى أصطلح على تسميتها بالشركات متعددة الجنسيات، وذلك بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبالتحديد منذ بداية الستينات.
وأيا كان حظ هذا المصطلح من الغموض والتعقيد، وأيا ما كان الجدل الذي يثور حوله، فقد استقر فى الكتابات الاقتصادية والسياسية، وأصبح يشير الى هذه المؤسسات العملاقة أو المشروعات التى تتركز سلطة اتخاذ القرار فيها والإشراف عليها فى مجال قومى معين، فى حين أن نشاطها الصناعى والتجارى والخدمى يغطى عدة بلاد.
وعلى الرغم من أن التعريفات التى وضعت للشركات متعددة الجنسيات قد تعددت وتباينت، إلا أن هذا لم يمنع علماء الاقتصاد والسياسة والإدارة من أن يمضوا في تعمق هذه الظاهرة، وشرعوا يتتبعون نشأتها وتحليل هياكلها التنظيمية، وحاولوا أن يتعرفوا على أوجه أنشطتها المتشعبة والمتزايدة الاتساع ، وأن يرصدوا الآثار الظاهرة والمستترة لعملها فى الحياة الاقتصادية والسياسية للدول النامية، خاصة فى ظل امتداد ظاهرة العولمة إلى الدول النامية، وتزايد طموحات هذه الدول فى تحسين وضعها الاقتصادى والديمقراطى.
هدف الدراسة، وتحديد المتغيرات:
تهدف الدراسة الى تحديد أثر دور الشركات متعددة الجنسيات فى تدعيم القيم الديمقراطية فى الدول الناهية، ويثير ذلك عددا من القضايا، منها:
- قضية العلاقة بين الشركات متعددة الجنسيات وطبيعة النظام السياسى والاقتصادى التى تمارس فيه أنشطتها، وقضية العلاقة بين دور الشركات متعددة الجنسيات ودور الدولة فى تعزيز القيم الديمقراطية، وهل هى علاقة احتواء الآخر فى غرس وتمتين هذه القيم، أم هى علاقة تكامل؟
- قضية المجالات أو القيم التى تعمل الشركات على تعزيزها، وماهية هذه المجالات أو القيم؟
- قضية مسار تأثير الشركات متعددة الجنسيات فى إرساء وترسيخ القيم الديمقراطية، وهل لهذا التأثير خط سلبى كما افترض أنصار منظور التبعية، أى أنه غير قابل للتحول إلى تأثير إيجابى تحت أى ظرف؟ أم أنه يتبع خطوطا متعرجة كما يفترض أنصار منظور العولمة بمعنى أن يكون للشركات تأثير إيجابى فى مرحلة معينة من نشاطها فى الدول النامية ثم سرعان ما يتحول هذا التأثير الى السلبية فى مراحل لاحقة والعكس.
لذا فإن مناقشة دور الشركات متعدد الجنسيات فى غرس وتدعيم القيم الديمقراطية فى الدول النامية، تفترض أن هناك متغيرا مستقلا ومتغيرا تابعا ومتغيرات وسيطة، فالمتغير المستقل هو الشركات متعددة الجنسيات، والمتغير التابع (أى المتغير المراد تفسيره أو تحليله) فى دراستنا هو القيم الديمقراطية فى الدول النامية.
وتتمثل المتغيرات الوسيطة فى:
أولأ: متغيرات تتعلق بالنظام الدولى، وتضم القوى الدولية الفاعلة والمهيمنة على هذا النظام، والقيم التى تحاول فرضها فى التعاملات الدولية، بالإضافة إلى المنظمات الدولية المتخصصة والاتفاقيات الدولية التى تنظم حركة وممارسات الشركات متعدد- الجنسيات فى الدول النامية.
ثانيا: متغيرات تتعلق بالدول النامية، وتشمل ثلاثة أشكال من المتغيرات هى: مرحلة التطور الاجتماعى والسياسى والاقتصادى للدول النامية.
ثالثا: متغيرات تتعلق بالشركات متعددة الجنسيات، وتشمل: طبيعة أنشطة الشركات، وجنسية الشركة الأم، والمدى الزمنى لنشاط الشركات متعددة الجنسيات.
رابعا: متغيرات تتعلق بالسلع التى تنتجها الشركات فى الدول النامية. وبناء على ما سبق تتناول الدراسة العناصر التالية:
أولا: تعريف مفهوم الدراسة:
أثار تعريف مفهوم الشركات متعددة الجنسيات كثيرا من الجدل والخلافات والاجتهادات بين الباحثين والمتخصصين فى حقل السياسة المقارنة والاقتصاد السياسى. وفيما يلى بعض الإسهامات في تعريف هذا المصطلح: لم تستقر الكتابات المتخصصة فى الاقتصاد السياسى على تعريف موحد للشركات متعددة الجنسيات ، فثمة تعريفات بقدر عدد الكتاب الذي أسهموا فى هذه الكتابات. بالإضافة إلى عدم استقرار الباحثين فى هذه الظاهرة على استخدام مصطلح واحد موحد لها، فهناك عد- مصطلحات للتعبير عن فحوى وعمل هذه الشركات، وتعد هذه المصطلحات بمثابة مترادفات لتعري هذه الظاهرة. ومن أبرز المصطلحات المتداولة على الساحة الاقتصادية والسياسية، مصطلحات: الشركات عابرة القومية، والشركات عابرة الحدود، والشركات دولية النشاط، والشركات متعددة الجنسية، والشركات متعددة الجنسيات، والشركات العولمية. ولذا لا يعد و من المستغرب أن نشهد فى عدة كتابات هذه الظاهرة (1)، ومن الملاحظ أن هذا الاستخدام لعدة مصطلحات للتعبير عن هذه الظاهر" فى الكتابات العربية، هو انعكاس للاستخدام نفسه الكتابات الأجنبية التى تستخدم ذات المصطلحات والتى تضم Transnational Corporation , Multinational Corporations , global Corporations ...etc ومن خلال الاطلاع على. عدة تعريفات للشركات متعددة الجنسيات يمكن الاستقرار على تعريفين لهذه الشركات: أولهما: تعريف واسع يصف المؤسسة متعددة الجنسيات بأنها أى مؤسسة ذات فرع أو شركة منتسبة أو شركات أجنبية تابعة واحدة أو أكثر، وتنخرط فى الاستثمار فى أصول إنتاجية أو مبيعات أو إنتاج أو تشغيل الفروع والتسهيلات الأجنبية. ثانيهما: تعريف ضيق اتجه الى استيفاء شروط معينة لأحكام التعريف مثل نمط النشاط ، فهى شركات إنتاجية، وحد أدنى من الشركات المنتسبة وليكن 6 شركات، وحد أدنى من المساهمة الأجنبية فى النشاط وليكن 25% من إجمالي الأصول أو المبيعات أو العمالة (2) ويتفق هذا التعريف مع التعريف الذى تسير عليه الأمم المتحدة فى دراستها للشركات متعددة الجنسيات (3).
ونظرا للتطورات الاقتصادية الجديدة التى حدثت للنظام الاقتصادى العالمى بدعا من العمل باتفاقيات الجات الجديدة التى تعد ثمرة مفاوضات جولة أورجواى والتى تضم: اتفاقيات خاصة بتجارة الخدمات Gats وحماية حقوق الملكية الفكرية، وتنظيم وحماية القوى البشرية العاملة، مرورا بإنشاء منظمة التجارة العالمية فى عام 1995 وتخويلها حق واختصاص الفصل فى المنازعات التجارية بين الدول، والتفاوض حول قضايا التجارة الدولية للخروج باتفاقيات جديدة لها، انتهاء باستخدام شبكات المعلومات والانترنت في إبرام الصفقات التجارية فيما يعرف بعصر التجار الالكترونية وظهرت على الساحة عمليات اندماج كبرى بين الشركات متعددة الجنسيات التى تعمل فى نفس النشاط، مما فرض على الباحثين والمتخصصين فى حقل الاقتصاد السياسى ضرورة وضع مصطلح جديد لهذه الشركات بعد تضخم رأسمالها ونشاطها بحيث أصبح يتجه الى العالم شماله وجنوبه، واعتمد البعض مصطلح الشركات العولمية أو الكونية Global Corporations (4) ويمكن تعريفه بأنها أى مؤسسة ذات فروع أو شركات، منتسبة أو شركات تابعة أجنبية وتنخرط في الاستثمار فى أصول إنتاجية أو مبيعات أو إنتاج أو تشغيل الفروع والتسهيلات الأجنبية. وهناك عدة شروط لاستيفاء أحكام التعريف مثل نمط النشاط فهى شركات إنتاجية، وحد أدنى من الشركات المنتسبة وليكن 12 شركة، وحد أدنى لرأسمال الشركة لا يقل عن 15 مليار دولار، وقوى عاملة تضم مديرين وفنيين وعمالا لا يقل عددهم عن ثلاثة عشر ألف عامل وفنى وادارى.
ثانيا: رؤية مدرسة التبعية والعولمة لدور الشركات فى تدعيم القيم الديمقراطية: تباينت رؤى المدارس الفكرية فى حقل الاقتصاد السياسى والنظم السياسية المقارنة والعلاقات الدولية فى النظر إلى دور الشركات متعددة الجنسيات فى تدعيم وتعزيز القيم الديمقراطية. وأبرز هذه المدارس مدرسة التبعية، ومدرسة أو الأصوب تيارات العولمة، فعلي حين ركزت مدرسة التبعية على الدور السلبى كشركات، احتدم الخلاف داخل مدرسة أو تيارات العولمة، وفيما يلي بعض التفاصيل حول رؤيتهم لهذه الدور وحدود: 1- مدرسة التبعية:
ظهرت أولى إسهامات هذه المدرسة الفكرية فى مجال تحليلها لقضية التنمية في أواخر الخمسينات، وظلت على الساحة حتى أوائل الثمانينات وقد ظهر خلال هذه الفترة عدد من الدراسات الميدانية التى قللت من شأن مقولات هذه المدرسة فى تحقيق التنمية. مما دعا أنصارها إلى البحث فى كيفية تجديد وتطوير المقالات الأساسية لهذه المدرسة، وتأسيس مدرسة التبعية الجديدة (5).
وقد اعترفت المدرسة - التبعية والتبعية الجديدة أن للشركات متعددة الجنسيات دورا سلبيا فى تدعيم وتعزيز القيم الديمقراطية فى الدول المتقدمة والدول النامية على حد سواء، وذلك اعتمادا على الآثار الاجتماعية والاقتصادية والسياسية السلبية التى تطرأ على الدول الأم - المتقدمة والمضيفة النامية، وسنركز فى مجال دراستنا على الدول النامية، حيث يقصد بالآثار الاجتماعية التغيرات التى تطرأ على التركيب الاجتماعى ومستويات وأساليب الصراع الاجتماعي، فصارت أهم خصائص التركيب الاجتماعى فى الدول النامية هو هيمنة رأس المال الزراعى والتجارى وتكون الرأسمالية الوطنية فى ركاب رأس المال الأجنبى المسيطر، ونقل المهارات والعقول الى مركز الشركات متعددة الجنسيات فى الدول الأم فيما عرف بهجرة العقول "، مما يدعم من هيمنة الاحتكار الأجنبى الذى تمثله هذه الشركات. ونظرا لاستخدام هذه الشركات معدات وأساليب تكنولوجية جديدة فى الدول النامية هناك زيادة جديدة الى نسبة العاطلين عن العمل. ونتيجة لافتقار الدول المتخلفة لحركة نقابية منظمة وقوية فان العمال يعملون دون رعاية، مما يسهم فى قمع المجتمع المحلى واستخدام القوى المحلية ضد بعضها بعض لضمان استمرار هيمنة الشركات متعددة الجنسيات على ساحة الحراك الاجتماعى فى الدول النامية (6).
أما الآثار السياسية لهذه الشركات فى الدولة النامية، فمنها: فرض الدولة الأم التى تمارس الشركات متعددة الجنسيات نشاطها انطلاقا من تشريعاتها القومية علي الشركات التابعة لمؤسساتها فى الدول النامية، ومشاركة هذه الشركات فى الصراع السياسى الدائر داخل الدول النامية حول تأييد أو رفض عمل هذه الشركات فى الدول المضيفة، وتقدمها بمطالب ذات طابع سياسى من خلال استغلال حجم أعمالها وأهميتها الاقتصادية فى المساومة مع حكومات الدول النامية، وإنشاء هذه الشركات علاقات وثيقة مع عديد من الفئات المحلية ذات النفوذ وخاصة كبار الملاك ودوائر رجال الأعمال والسلك السياسى وكوادر الجيش والحكومة في الدول النامية واستخدام الرشوة لإقناع هذه الفئات بتأييد مصالح هذه الشركات فى الدول النامية، وقيام هذه الشركات باللجوء إلى تدبير الانقلابات فى الدول النامية بالتعاون مع حكوماتها فى الدول الأم، وقد شاع استخدام هذه الأساليب كثيرا في أمريكا اللاتينية طوال حقبة الستينات والسبعينات والثمانينات وخاصة بعد فشل أساليب الضغط السياسي والاقتصادي واستمالة الرأي العام فى تحقيق أهدافها (7).
وركزت مدرسة التبعية فى إطار بيانها للآثار الاقتصادية المترتبة على عمل الشركات متعددة الجنسيات ، على أن هذه الشركات استغلت فارق أجور القوى العاملة المتخصصة فى الدول النامية عن مثيلتها فى الدول المتقدمة، بالإضافة إلى توافر مصادر التمويل المحلية، واتساع حجم السوق، وضخامة المواد الخام والأولية اللازمة للصناعة، كل ذلك لمصلحتها الخاصة دون أن تقوم بأى جهد يذكر فى عمليات نقل التكنولوجيا والمهارات الإدارية الحديثة والسائدة فى الشركات الأم بالدول المتقدمة (8).
2- تيارات العولمة:
يرى بعض الباحثين صعوبة إطلاق واستخدام مصطلح " المدرسة أو الاقتراب، إزاء دراسة فكر العولمة، وذلك لافتقاد العولمة للخطوات المنهجية المعتمدة فى اقترابى دراسة النظم السياسية المقارنة والاقتصاد السياسى خاصة خطوتى القياس والتنبؤ (9). لذا فإن العولمة ليست إحدى نظريات العلاقات الدولية أو النظم السياسية، ولكنها إحدى ظواهر العلاقات الدولية، واعتبر البعض أن العولمة لا تقدم نظرية امبريقية ولكنها تقدم نظرية فى التحليل القيمى فى العلاقات الدولية والنظم السياسية المقارنة (10).
ويمكن تصنيف الآراء والأفكار الرئيسية للعولمة فى تيارين اثنين:
الأول: وهو التيار الرافض لفكر وظاهرة العولمة، حيث يرى انصار هذا التيار أن العولمة من خلال السياسات الليبرالية الحديثة التى تعتمد عليها إنما ترسم لنا صورة المستقبل بالعودة للماضي السحيق الرأسمالية، ويعتقد البعض أن العصر الحالى هو عصر تزايد سطوة الشركات متعددة الجنسيات على سيادة الدولة وسلطاتها فهى تهدد بهروب رؤوس أموالها ما لم تستجب الحكومات لمطالبها العديدة مثل: منحها تنازلات ضريبية سخية، وتقديم مشروعات البنية التحتية لهما مجانا، وإلغاء وتعديل التشريعات التى كانت تحقق بعض المكاسب للعمال والطبقة الوسطى، وخصخصة المشروعات والشركات العامة المملوكة للدول والكثير من الخدمات العامة التى كانت الحكومات تقوم بها (11). هذا بالإضافة الى قيام هذه الشركات بالاعتداء على القيم الديمقراطية السامية مثل: الحرية والمشاركة، وتشويه صورة المؤسسات السياسية القائمة مثل الأحزاب والبرلمان ومؤسسة صنع القرار من خلال استخدام سلاح الرشاوى وإفساد النخبة الحاكمة للانحراف بمؤسسات الحكم وتحويلها الى أداة طيعة لخدمة مصالح الشركات متعددة الجنسيات، لذا فان هذه الشركات لا تسعى- من وجهه نظر جون راى وجيمس بتراس احد دعاة هذا التيار- الى القضاء على جهاز الدولة أو سلطاتها وإنما تعمل كل ما فى وسعها للحفاظ الشكلي على هذا الجهاز لتحقيق مآربها، ولأن القضاء أو التخلص من جهاز الدولة يسهم فى كشف القناع المزيف الذى ترتديه هذه الشركات كوسيلة وحيدة للتنمية السياسية - بإقامة دولة ديمقراطية تسودها القيم الديمقراطية من حرية ومساواة ومشاركة، والتنمية الاقتصادية بتأسيس وترسيخ دولة الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية (12)، ولكن هذه الشركات قد حلت محلت الدولة فى قيادة وتطوير النظام العالمى وذلك لضمان إنفاذ سياستها الاقتصادية والاجتماعية على الساحة العالمية، وقد تحقق هذا الأمر للشركات بعد خروج الطور الحالى للعولمة وانشاء الدول الامبريالية الكبرى لمنظمات التجارة العالمية، والشفافية، وحماية الملكية الفكرية وذلك بهدف فتح اقتصاديات الدول النامية والمتخلفة أمام الشركات متعددة الجنسيات (13)، الثاني: وهذا التيار المؤيد لفكر وظاهرة العولمة، وما تحققه من أهداف سياسية تتضمن تدعيم القيم الديمقراطية، والاقتصادية والاجتماعية تشمل: نقلى التكنولوجيا والمهارات الإدارية ، ويقصد بها نقل الأساليب والمهارات التى يمكن بموجبها استخدام الموارد الاقتصادية وعوامل الإنتاج المتاحة بالاستفادة من نتاش: التقدم العلمى فى الدول المتقدمة اقتصاديا، وذلك من خلال إنشاء فروع محلية وشركات مشتركة مع الشركات متعددة الجنسيات تستخدم أنظمة إدارية وتكنولوجية متطورة نسبيا عما هو معروف فى الدول النامية وبالذات فى ميدان إدارة الأفراد وإدارة الإنتاج وإدارة شئون الدعاية والتسويق وغيرها، وتوفير فرص العمالة حيث تقوم الشركات بخلق فرص للعمالة والتوظف لم تكن متاحة من قبل مما يسهم فى تسريع عمليات الحراك الاجتماعي بين الطبقات فى المجتمعات النامية وخلق طبقة وسطى قوية يعتمد عليها فى عمليات تدعيم القيم الديمقراطية، وتحسين ميزان المدفوعات فنشاط الشركات متعددة الجنسيات فى الدول النامية يؤدى إلى تحسين إنتاج سلع وخدمات بما يؤدى بالتالي الى إحلال سلع وخدمات محلية محل الواردات كما أنها فى مرحلة أعلى من نشاطها تقوم بتوجيه إنتاجها للتصدير مما يقود بدوره الى تحسين ميزان المدفوعات للدول النامية وبالتالي تحسين أداء النظام الاقتصادي عموما وترسيخ القيم الديمقراطية والدفع بها قدما لتساير التقدم الاقتصادى، وهو ما يعبر عنه البعض بالتوافق والتناسق الصحي بين التقدم الاقتصادي والسير على الدرب الديمقراطي (14).
ويركز مناصرو العولمة على انه لم تعد هناك بدائل متاحة أمام العالم النامي لتحقيق التنمية السياسية والاقتصادية والاجتماعية إلا من خلال الاستعانة بمساهمات الشركات متعددة الجنسيات وفتح الاقتصاد المحلى إمام كافة أنشطتها فى حدود أقل القيود الممكنة سواء السياسية أو القانونية، خاصة بعد انتهاء الحرب الباردة وزوال الاتحاد السوفيتي السابق وفشل الأيديولوجية الاشتراكية فى ترسيخ نموذج اشتراكي قابل للنقل والتطبيق فى كافة الأنظمة السياسية بالدول النامية على غرار ما فعله النموذج الرأسمالي الغربى بقيادة الولايات المتحدة وأوربا الغربية (15)، والذى نجح فى نشر نمط الديمقراطية الغربية وقيمه من حرية ومساواة ومشاركة، بالإضافة إلى نشره للنمط الاقتصادي المفتوح أو اقتصاد السوق وذلك من خلال استخدام عدة آليات وأدوات لتحقيق ذلك منها: استخدام منظمات التمويل الدولية للترويج لفكره، وانفراده بصيغة نظم وقواعد التجارة الدولية فى عصر العولمة كما وضع فى مفاوضات جولة أورجواي والاتفاقيات العالمية المنفذة لها.
وفى إطار رد أنصار العولمة المؤيدين لدور الشركات متعددة الجنسيات فى إحداث التنمية الاقتصادية والسياسية، على بعض الاتهامات التى وجهها أنصار مدرسة التبعية، ذكروا بأن النظم السياسية في الدول النامية التى وظفت فيها الشركات استثماراتها فى أوائل الخمسينات والستينات كانت نظما استبدادية متخلفة اقتصاديا تحكمت فيها مورثات الاستعمار القديم وقامت بحركة تأميم شاملة ومصادرة وشراء اجبارى لمشروعات الشركات متعددة الجنسيات، وقد بلغت هذه الإجراءات (التأميم والمصادر والشراء الاجبارى فى الفترة 63-1969 عددا هائلا وكان أضخمها 20 إجراء بالمصادرة والتأميم تم ثمانية منها فى الأرجنتين عام 1963 قبل الانقلاب الذى أطاح بالرئيس بيرون. وفى البرازيل تمت عمليات شراء لشركات أمريكية ضخمة فى 1959، 1962 قبل التدخل العسكري الأمريكي غير المباشر. وفى شيلى ثلاثة تأميمات فى 1969 قبل الانقلاب الذى أطاح بالرئيس الليندى، وفى هايتى فى أعوام 64، 64، 1969 ، وفى المكسيك تمت عمليات تأميم الشركات الأمريكية الضخمة فى 1960، 1965، 1967 حيث تم تأميم اثنتين من أكبر الشركات الأمريكية (38) كما تم فى عامى 1969، 1971 عمليات كثيرة للمصادرة وتأميم وشراء نسبة 49% من أسهم الشركات الأمريكية المملوكة بصفة مشتركة مع شركات وطنية أخرى. ففى بوليفيا عامى 69 ، 1971 تم تأميم ومصادرة لثلاث شركات أمريكية مملوكة بالأغلبية. وفى شيلى عام 1971 لخمس شركات، وفى بيرو أعوام 68، 1969، 1970 لثلاث شركات، وكذلك تم فى شيلى وجوانا التأميم الكامل لثلاث شركات مملوكة بالأقلية فى 1971 وثمانى شركات فى شيلى عام 1971 بشراء الأصول.
وفى الفترة من أغسطس 1973 حتى يناير 1975 تمت 144 حالة تأميم ومصادرة للشركات الامريكية فى البلاد النامية كان 53% منها فى أمريكا اللاتينية وأغلبها من قبل حكومات محافظة، 67% منها فى افريقيا، و10% فى آسيا، و2% فى الشرق الادنى، ومنها 71% تعمل فى الصناعات الاستخراجية والمواد الخام و12% فروعه للبنوك وشركات التأمين الأمريكية، 14% فى القطاعات الأخرى (16).
وقد استطاعت الولايات المتحد- من خلال صندوق النقد الدولي ترتيب مركز دولى للشركات الأجنبية من خلال معاهدة تسوية منازعات الاستثمار بين الدول والشركات الوطنية للبلاد الأخرى فى عام 1965 على أن تكون نوعا من المحكمة الدولية لحل المنازعات على أساس شركة - دولة، غير أن هذه المعاهد. قامت على أسس تطوعية بحيث يتم استدعاء المحكمة بناء على طلب مكتوب من أحد أطراف النزاع. وفى منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية ولجنة الأمم المتحدة للمؤسسات عابرة القوميات ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية، ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية، ومفاوضات الاستثمار متعددة الأطراف، تم التوصل إلى عدة نقاط منها:
- ضرورة صياغة مبادئ عامة للسلوك يمكن تطبيقه على كل الشركات الوطنية متعددة الجنسيات، - الالتزام الحكومي إزاء هذه المبادئ العامة ينبغى أن يكون تطوعيا مع ضرورة توسيع دائرة الإطراف المشتركة.
- رفض التمييز ضد الاستثمار الأجنبى والمشروعات متعددة الجنسيات وضرورة المعاملة المتساوية بين الشركات الوطنية وتلك متعددة الجنسيات.
- أن تحكم أوضاع هذه الشركات مبادئ القانون الدولى، وتجنب وضع أى قيود على الاستثمار الأجنبى يشوه التدفق الحر للاستثمار الدولي.
- وضع القانون الدولي معايير دنيا لمعاملة المستثمرين الأجانب تجعل انتزاع الملكية محدودا، ويصاحب بدفع تعويض مفر وكاف (17).
ثالثا: متطلبات زيادة دور الشركات فى تدعيم القيم الديمقراطية:
ربط العديد من الدراسات بين زيادة دور الشركات فى تدعيم القيم ا لديمقراطية وانجاز عدد من المتطلبات والشروط الضرورية والتى تتنوع ما بين السياسى والقانونى والاجتماعى والثقافى والخارجى والاقليمى. ورأى البعض أنه بتحقيق هذه المتطلبات يمكن الحديث عن مراحل للتحول الديمقراطي تشهدها هذه الدول والتى يتم من خلالها غرس القيم الديمقراطية، على أن يكون دور الشركات متعددة الجنسيات هو المحرك في البداية لعمليات التحول الديمقراطى، والراعى في مراحل تالية لصمود وبقاء هذه القيم..
ومن أهم هذه المتطلبات:
ا- تحقيق الاستقرار القانوني والسياسي: يعتبر الاستقرار القانونى والسياسى من أهم شروط ومقومات نجاح الشركات متعددة الجنسيات فى تدعيم القيم الديمقراطية، ويشير البعض من المتخصصين إلى أن الاتجاه الحديث فى الاقتصاد يتجه الى ما يعرف بالاقتصاد المؤسسي الذي يربط التقدم الاقتصادي الذي تسهم الشركات فى إحداثه بمدى توافر المؤسسات والنظم القانونية السليمة، فينبغي أن تكون هناك فكرة واضحة عن المراكز القانونية للإفراد والشركات متعددة الجنسيات، وحماية هذه المراكز واحترام حقوق الأفراد وضمانها في الحاضر والمستقبل. بالإضافة إلى التطوير المستمر للقوانين بما يتلاءم مع الاحتياجات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للإفراد والمؤسسات، فاستمرار قوانين " بالية " لا تتفق مع العصر واحتياجاته يصعب احترامها، يعتبر مظهرا من مظاهر عدم الاستقرار القانوني بما يخلقه من أوضاع شاذة بين قانون غير مطبق وواقع جديد لا يعرف تنظيما قانونيا سليما. (18).
فاستمرار العمل بقوانين صممت للنظام الاشتراكي مثلا بعد الأخذ بنظام السوق هو من قبيل الجمود وليس الاستقرار. ومن هنا فان التغيير والتعديل فى القوانين بما يتفق مع الاحتياجات الجديدة لجذب الإفراد والاستثمار الاجنبى المباشر لا يعتبر خروجا على معنى الاستقرار بل قد يكون مراعاة له.
وعند ما يتم الحديث عن تطوير القوانين، فان عملية أخرى يجب أن تتم على نفس المسار وهى احترام السلطة السياسية فى الدول النامية لهذه القوانين، فإذا كان التعامل فيما بين الإفراد يمثل الكثرة الغالبة للعلاقات القانونية فإن علاقات الأفراد بالسلطة تحتل أهمية بالغة فى توفير معنى استقرار واحترام القوانين فالسلطة السياسية ليست طرفا عاديا فى العلاقات القانونية، بل إنها الطرف الأقوى والذى يفرض النموذج والمثال.
فإذا كانت الدولة وأجهزتها تخل باحترام القوانين، وتميز فى المعاملات بين الأفراد، وتخرج عن الإحكام، فانه يصعب أن يسود جو من احترامه القانون واحترام أبسط قيم الحرية (19) والقانون يجد سنده الاساسى فى قيام السلطة بفرض احترامه جبرا علي الأفراد، ولا تنجح الدولة فى ذلك ما لم تكن الدولة هى النموذج احترام القانون. والسلطة تنفيذية ناجحة تستطيع أن تفرض احترام - القانون اذا لم تتقيد هى باحترام القانون. ومن أهم أجهزة الدولة المسئولة عن حماية معنى القانون، تلك الأجهزة التى تثبت حقوق الأفراد، وتقتص لهم هذه الديمقراطية الحقوق عند النزاع حولها، ومن أبرزها: جهاز الشرطة والقضاء، والمؤسسة التنفيذية. وفى حديث لرئيس جمهورية قبرص فى مصر مع عدد من القيادات الفكرية ورجال الأعمال منذ عدة سنوات فى القاهرة، أفاد أن التجربة قد أثبتت أن أهم حوافز المستثمرين الأجانب هى توافر نظام قانونى وقضائى سليم، واستقرار المؤسسات السياسية فى الدول النامية (20). وقد أكد على هذا التوجه أيضا السيد/ كينو شنا - المدير التنفيذي لبنك الصادرات والواردات اليابانى وهو البنك الرئيسى الممول لمشروعات الشركات اليابانية فى الخارج فى ندرة له في القاهرة فى نوفمبر 1995، حيث ذكر أنه من أسباب توجيه الشركات اليابانية لمشروعاتها فى الدول النامية وجود حالة من الاستقرار السياسى والمؤسسى والقانونى فى هذه الدول، وهو ما تفتقدة مصر الى حد كبير (21)، وتضاؤل نسبة المخاطر التى يمكن أن تحيط بأعمال هذه الشركات.
2- اختفاء الزعامة الكارزمية (22)
هناك من يرى فى إختفاء الزعامة الكارزمية سببا من أسباب زيادة دور الشركات فى التحول صوب الديمقراطية وتدعيم القيم الديمقراطية، وعادة ما يكون شكل النظام السياسى الذى يتفق مع طبيعة الحاكم " الكاريزمى، الذى عادة ما يكون ديكتاتورا هو نظام الحكم الفرد، وهو نظام ينهض على مقولة أولوية شخص الحاكم، وعلى هذا الأساس يعتبر الحاكم روح النظام وعماده الأساسي حيث إن بقاء النظام أو فناءه يظل مرهونا ببقاء الحاكم الكاريزمى أو زواله (23). وطبقا لهذه المفاهيم فهناك زعماء أصحاب زعامة كاريزمية، وتمثل مجتمعات الدول النامية البيئة الملائة لإفراز الأنماط السلطوية من القادة عامة والكارزمية بوجه خاص، وعادة ما يتحدد السياق الموضوعى الملائم لظهور القيادة الكارزمية بوجود مجتمع يمر بحالة أزمة وتعد المجتمعات النامية نموذجا فريدا لتلك الحالة (24).
وقد انتشرت ظاهرة الزعامة الكارزمية أكثر ما انتشرت فى أفريقيا فى مرحلة ما بعد الاستقلال وذلك كمطلب للتخلص من قيود الاستعمار، وتحقيق الوحدة السياسية والاندماج القومى والتنمية الاقتصادية ومواجهة أعباء مرحلة ما بعد الاستقلال، وعلى سبيل المثال كانت هناك من بين الدول الأفريقية المستقلة خلال فترة الستينات من القرن العشرين نحو 14 دولة يتزعمها زعيم له صفة كاريزمية من بينهم جوليوس نيريرى (تنزانيا)، كينيث كاوندا (زامبيا)، ليوبولد سنجور (السنغال) أحمد سيكوتورى (غينيا)، جومو كينياتا (كينيا) أحمد واهيدجو (الكاميرون) (25).
أيضا كان هناك دور مؤثر لكل من كمال أتاتورك فى تركيا ود. أنطونيو دى سالازار فى البرتغال فكليهما برهن على قوته فى احتواء الأزمات كما كانت لديهما القوة التى تضمن للجماعة التماسك والتكامل والدفاع عنها ضد التهديدات التى يمكن أن تتعرض لها لجدهما من الداخل والخارج (26).
فالزعيم مصطفى كمال الذى حكم تركيا (1924 - 1938) ولقب بأتاتورك أى أب الأتراك، كان زعيما بلا منازع لسلطاته، وقد ادخل تعديلاته وتغيرات جذرية فى بلاده، كذلك كان الدكتور سالازار يتمتع بشخصية قوية ومسيطرة وحاسمة أهلته لأن يصبح رئيسا للوزراء فى البرتغال فى سنة 1932 بعد أربع سنوات من تعيينه وزيرا للمالية، واستمر فى منصبة زهاء 36 عاما إلى أن أصيب بشلل أقعده عن ممارسة سلطاته سنة 1968، ولقب سالازار بديكتاتور البرتغال، وقد كانت له سلطات أوسع من رئيس الجمهورية، وقد استمد النظام السياسى فى البرتغال شرعيته من شخص الدكتور " سالزار " الذى توفى 1970.
وكان من الطبيعى أن يؤدى غياب كل من الزعيمين " أتاتورك، و" سالازار، عن الحكم إلي فراغ داخل النظام السياسى الذى لم يكن من السهل ملؤه بل إن هذين الزعيمين وإنجازاتهما كانا يشكلان المصدر الأساسى لشرعية النظام فى بلديهما.
3- تبلور التكوين الطبقي:
يرى البعض فى تبلور التكوين الطبقي الناجم من التغيرات الاجتماعية والاقتصادية سببا مهما لعملية التحول الى التعددية السياسية مثل ما حدث فى تركيا إبان حكم أتاتورك الذى اتبع سياسة تعرف بـ " statism " أى سيطرة الدولة على جميع القطاعات الإنتاجية حتى لا يسمح بوجود نشاطات فردية يمكن أن تهدد النظام الحاكم (27).
غير أنه من الناحية العملية فشلت سياسة أتاتورك في تحقيق المساواة والتجانس بين أفراد الشعب نتيجة لنمو طبقتين اجتماعيتين كان لهما الأثر الكبير فى إحداث تغير فى شكل النظام وهما طبقة العمال والفلاحين والطبقة الوسطى، وكذلك الحال فى البرتغال فى عهد سالازار الذى وضع نظاما اقتصاديا صارما للدولة الجديدة التى تولى رئاستها، وعرف هذا النظام ب " Corporation" أى وضع جميع الأنشطة الاقتصادية فى هيئة واحدة تحت سيطرة الدولة وكان الهدف من هذه السياسة هو تحقيق مبدأ العدالة الاجتماعية، وعدالة توزيع الموارد الأقتصادية (28). وقد أحدث هذا النظام تطورات وتغيرات اقتصادية واجتماعية لم يقابلها أى تطوير سياسي فقد ظهرت طبقات اجتماعية جديدة اصطدمت مصالحها مع جمود النظام الحاكم والحزب الواحد الذي فشل فى احتواء هذه الطبقات والتعبير عن مصالحها، كما حدثت تناقضات كثيرة فى داخل النظام نفسه فازدادت حالة العمال والفلاحين سوءا بينما زاد حجم الاستثمارات ورأس مال طبقة ملاك الأراضى ورجال الأعمال، ولذلك فقد خلق النظام هوة كبير- بين هاتين الطبقتين وبقيت الطبقة ا لوسطى التى تتمثل فى طلاب الجامعة والمهنيين ورجال الجيش والدين فى حالة كبت سياسى واقتصادى فساعدت هذه التناقضات على ظهور تيارات سياسية معارضة للنظام السالزارى منها التيار الشيوعى والاشتراكى والديمقراطى، وقد طالبت تلك التيارات بتغيير الحزب الواحد وتكون أحزاب متعددة تعبر عن أرائهم وإتجاهاتهم (29) لكن وجود شخص سالازار حافظ على استمرار النظام الى أن إنهيار ذلك النظام تماما، وكان حتمية التغيير السياسى والإنفتاح الاقتصادى بعد ثورة ابريل سنة 1974 حيث تم إعلان التحول إلى الديمقراطية وتعدد الأحزاب وتم ذلك فى إنتخابات 1975 (30).
ويشير " صامويل هانتنجتون " فى كتابه " النظام السياسى لمجتمعات متغيرة " (31). إلى أن فئات الطبقة المتوسطة وتوجهاتها الفكرية قد تكون مصدرا للمعارضة بالنسبة للأنظمة الديكتاتورية، كما أن أشكال الحكم المطلق بوجه عام لا تتناسب والتوجه الجديد لأوساط الطبقة الوسطى التى بدورها تعارض القيود التى يفرضها النظام الديكتاتوري على حرية وسائل الإعلم والانتخابات والمجالس البرلمانية (32)
يستشف من ذلك أن تبلور الطبقة الوسطى هى عامل مساعد نحو التجديد فى الأنظمة السياسية بما يشملة ذلك من التحول إلى التعددية السياسية وغرس القيم الديمقراطية.
4- تأسيس المؤسسات والجماعات الوسيطة المستقلة بعض الدارسين يرى فى المؤسسات والجماعات الوسيطة المستقلة، أو ما يمكن تسميته بالمجتمع المدنى، سببا من أسباب عملية التحول والتطور الديمقراطى، بل إن " صامويل هانتنجتون " يرى أن تلك المؤسسات والجماعات الوسيطة من أكثر العوامل فائدة فى تفسير أزمة الديمقراطية فعلى حد تعبيره هى التى توفر الظروف الملائمة لتقليص هيمنة الدولة على المجتمع ومن ثم المساعدة على التطور الديمقراطي (33). وهذا ما أكده " توكفيل " من قبل عندما توصل إلى أن تلك المؤسسات أهم مصدر للحيوية الديمقراطية والخبرة والتدريب على التنافس والمسا علة والمشاركة (34).
وقد توصل بحث تجريبى مهم عن الديمقراطية فى 26 دولة من الدول النامية إلى أن توافر مؤسسات من هذا النوع فى بعض الدول أدى إلى سقوط أنظمة سلطوية، وكان المثال البارز لذلك الفليبين حيث كانت الكنيسة الكاثوليكية هى المؤسسة الوحيدة التى لم يستطع نظام ماركوس احتواءها خلال العقدين اللذين مارس فيهما حكمه السلطوى، إذ كانت مصدر مهما للاحتجاج ضد القمع الحكومى وإساءة استخدام السلطة، مما شجع جمعيات مهنية وثقافية وطلابية على المقاومة، وانضم إليها تجمع رجال الأعمال مما خلق حركة شعبية واسعة أدت فى النهاية لإسقاط ذلك النظام (35).
5- المحاكاة:
عامل المحاكاة أو ما يسميه " صامويل هانتنجتون " بالعدوى، أو " الانتشار" أو " كرات الثلج، (36). وببساطة تعنى أن نجاح الشركات فى تدعيم القيم الديمقراطية والتحول الديمقراطى فى دول يشجع على النحو الديمقراطى فى دول أخرى، سواء فى محاكاة الزعماء، والجماعات فى المجتمع الذي حدث فيه التحول إلى التعددية السياسية، أو فى تعلم الشعب فى المجتمع الذى ينشد التحول أساليب وتقنيات التحول الديمقراطى.
وبالرغم من صعوبة تحليل ظاهرة المحاكاة أو الانتشار هذه فهناك أمثلة تؤيد ذلك، منها قيام الجماعات الكورية بمحاكاة واعية لمبدأ " سلطة الشعب " الذى وضع حدا لدكتاتورية ماركوس فى الفلبين ، كما كانت الاضطرابات والصراع الاجتماعى الذى شهدته البرتغال فى عامى 1974، 1975 عاملا مشجعا لزعماء التحول الديمقراطى فى كل من أسبانيا والبرازيل للقيام بمحاولة لإجراء بعض التغيرات السياسية، على طريق التحول (37).
6- أولوية المشروعات الصناعية والخدمية على المشروعات الاستخراجية: يربط الكثير من الباحثين والمتخصصين بين مجالات المشروعات التى تقوم الشركات متعددة الجنسيات بتنفيذها فى الدول النامية ومدى قدرتها على تدعيم القيم الديمقراطية ودفع التحول الديمقراطى فى هذه الدول للأمام، فقدرة الشركات فى المشروعات الصناعية والخدمية أعظم منها فى المشروعات التى تقوم على استخراج المواد الخام من باطن الأرض كالبترول والمعادن. ومرد ذلك أن المشروعات الصناعية والخدمية تسمح للشركات متعددة الجنسيات بنقل تكنولوجيات جديدة إلى الدول النامية، وصقل المهارات الإدارية لأفراد الجهاز الادارى فى فروع هذه الشركات فى الدول النامية. ولن تتم هذه العمليات. نقل التكنولوجيا وصقل المهارات الادارية- إلا من خلال منظومة قيمية سياسية واقتصادية تعبر عن القيم الديمقراطية السائدة فى الدول الأم للشركة متعددة الجنسيات (38).
يضاف إلى ما سبق، أن عدد المستفيدين أو المرتبطين بفرص عمل دائمة بالمشروعات الصناعية أكبر عدة مرات من العاملين فى مجال الأنشطة الاستخراجية، وينبع ذلك من ارتباط المشروعات الصناعية بسلسلة وشبكة من الصناعات المغذية، فعلى سبيل المثال، فاق افتتاح مصنع ما للسيارات بالاضافة إلى توفيره فرص عمل مباشرة تتراوح بين 800 - 1000 وظيفة فانه يوفر حوالى 14 الف وظيفة فى صناعات مغذية مثل: صناعة الإطارات، زجاج السيارات، قطع غيار السيارات، وخدمات الصيانة.. وغيرها.
مما يشير إلى إمكان زيادة قاعدة الجمهور المتلقى للخبرات الفنية والإدارية لهذه الشركات والتى تحمل مضامين سياسية. وهناك عدد من الأساليب والأدوات التى تستخدمها الشركات فى هذا الصدد، ومنها مشاركة فروع الشركات فى الدول النامية للشركات متعددة الجنسيات فى الدول الأم فى مجال البحوث والتطوير R&D، وتدريب أفراد الدول النامية فى الدولة الأم للشركات متعددة الجنسيات من خلال إرسالهم فى بعثات تدريب واكتساب المهارات فى الدول المتقدمة، ونقل الشركات متعددة الجنسيات- من خلال المشاركة فى البحث والتطوير وبعثات التدريب- الفلسفة والقيم السياسية والثقافية التى تحكم عمل الشركات فى الدولة الأم إلى الفروع فى الدول الناهية (39).
رابعأ: أدوات واليات تنفيذ دور الشركات:
تستخدم الشركات متعددة الجنسيات عدة أدوات وآليات لتدعيم القيم الديمقراطية فى الدول النامية، ويمكن تصنيف هذه الأدوات والآليات إلى:
ا- أدوات وآليات داخلية:
تضع الشركات عدة أدوات وآليات للعمل داخل فروع شركاتها فى الدول النامية، لتعزيز وتدعيم القيم الديمقراطية، من خلال تمرين وتدريب الأفراد على تبنى القيم الديمقراطية خاصة قيمتى الحرية والمشاركة. ونشير فى هذا الصدد إلى تجربة الشركات اليابانية والأمريكية متعددة الجنسيات فى الدول النامية، والتى تتبع عدة مبادئ أساسية فى هذا الشأن، منها:
- تشجيع العاملين على المشاركة: أن أهم أساسيات الإدارة فى فروع الشركات اليابانية هى تجميع معارف العاملين بالشركة، وباستخدام هذه المعارف يتم بناء القوة الدافعة للشركة. وعلى سبيل المثال فانه يقال أن العاملين بفروع شركة تويوتا موتورز فى الدول النامية يقدمون 1.65 مليون اقتراحا جديدا كل عام، وأن 95% من هذه الاقتراحات يتم تنفيذه. ويتوجب هنا التنويه إلى أن استخدام المعرفة والمشاركة الجماعية ليس مقصورا على عملية الإنتاج بل يتعدى ذلك إلى مجالات التسويق والبحث والتطوير وعلاقات الشركات بمحيطها الاجتماعى والسياسى الذى تتواجد فيه. وتعتبر عملية المعرفة والمشاركة من المجموع هى إحدى الدعائم الأساسية لطريقة اتخاذ ا لقرار والإدارة بالمشاركة، وذلك للاعتقاد بأنها تودي إلى قرارات أفضل مع قدرة أكبر على تنفيذها بطريقة أكثر فعالية. ويتواكب مع ما سبق، زيادة الثقة بين العمال والإدارة فأحد المفاتيح الأساسية لتنمية العقلية الصناعية والسياسية للعمال هى بناء علاقة وطيدة مدعمة بالثقة بين العمال والإدارة، وإذا وحدث أن أهملت الإدارة فى مجهوداتها ومسئولياتها فإن العمالة ذات العقلية الصناعية والسياسية تتحول إلى عمالة ذات مقاومة حربية (40).
ويرتكز استعداد العمال للمساهمة بمهمة فى بناء الشركة على اعتقادهم بأن " الشركة تخص العاملين فيها، واعتبار الإدارة أن مصلحة العاملين مسبقة على مصالح مساهمي الشركات.
- تحفيز العاملين على احترام قيم التسامح والحرية: من أبرز مبادئ الإدارة والديمقراطية التى أرستها وغرستها شركة ماتسو شينا الكتريك اليابانية فى فروعها بجنوب شرق أسيا، قيمتى الحرية والتسامح، حيث تشير الأهداف التى وضعتها الشركة إلى هدفها لن يقتصر على كسب الثروة أو استعراض القوة الصناعية، بل هو المشاركة فى تقديم ورفاهية المجتمع والدولة والأمة التى تتواجد بها فروع الشركة. وتطبيق العدالة والأمانة فى جميع تعاملاتها التجارية والشخصية وبدون هذه الروح فان لا يمكن لأى انسان التمتع باحترام الأخرين أو احترام نفسه وذلك مهما كان مستوى حكمته أو مهاراته.
وتحقيق الانسجام والتعاون بين أفراد فروع الشركة، لأنه بدون هذه الروح يتحول أى تجمع لرجال موهوبين إلى مجموعة جامحة من " الغوغاء " واحترام حقوق الآخرين وعقائدهم الدينية وأفكارهم السياسية، لأنه بدون هذه المبادئ لن يكون هناك سلام مجتمعى وسياسى داخل فروع الشركة فى الدول النامية والمساواة فى الأجور والمرتبات وتولى الوظائف الإدارية بين الرجال والنساء وبين الأفراد المتبنين لأفكار ومعتقدات سياسية ودينية مخالفة (41).
2- أدوات وآليات خارجية:
ويقصد بها الأدوات والآليات التى تتبعها الشركات متعددة الجنسيات فى محيطى المجتمعى والسياسى الذي تتواجد فيه بالدول النامية، فمن المط بادئ ذى بدء أن الشركات الأجنبية فى البلاد النامية المضيفة تستطيع المشاركة فى الصراع السياسى الدائر داخل الدولة، ومثل هذه الواقعة تمت ملاحظتها منذ أمد بعيد، وأسلوب التدخل فى الحياة السياسية المحلية بسيط. إذ ينقسم المجتمع الى قوى اجتماعية وسياسية بعضها يؤيد ويدعم تلك الشركات وترتبط مصالحه بمصالحها، والبعض الآخر يعارضها بحزم، ومن الطبيعى أن تقوم الشركات متعددة الجنسيات بتدعيم ذلك القسم من المجتمع والقوى السياسية الذى يؤيدها ويتم ذلك عبر أساليب وأدوات عديدة:
- استخدام رؤوس الأموال والاحتياطيات النقدية الهائلة لهذه الشركات فى التأثير على قيمة عملة الدول النامية، وبالتالى على المراكز السياسية للحكومات فى هذه الدول، ولذلك فأحد الأساليب الهامة للشركات متعددة الجنسيات هو توظيف حجمها وأهميتها الاقتصادية الكبيرة فى المساومة مع الحكومات للتوصل إلى أفضل الظروف المناسبة لعملها، وفى حالات كثيرة تتقدم بمطالب ذات طابع سياسى من قبيل الإخراج عن أحد المعتقلين السياسيين أو رفع الخطر على توزيع صحف معارضة للنظام السياسى، أو تعيين أحد المواطنين في الغرف التجارية والنقابات للدفاع عن مصالحها.
وتستخدم الشركات هذا الأسلوب فى المفاوضات بفعالية مع الحكومات فى الدول النامية، فنتيجة لافتقار هذه الأخيرة للمؤسسات الكفاءة والأهمية الأعظم للمشروعات الأجنبية فى الاقتصاد المحلى يجعل استخدام هذا الأسلوب ناجزا للمطالب (42)
- إنشاء علاقات وثيقة مع عديد من الفئات المحلية التى يمكن تثقيفها سياسيا واقتصاديا بنقل القيم السياسية الديمقراطية والقيم الاقتصادية التى تحكم عمل هذه الشركات فى الدول الناهية. وتستخدم الشركات عدة أدوات لتحقيق ذلك منها: تأسيس منتديات وجمعيات ذات طابع ثقافى خدمى تقوم هذه الشركات بتمويل بعض أنشطتها، وتمويل إصدار صحف تتبنى أراء وتوجهات هذه الفئات نحو الشركات متعددة الجنسيات والأنظمة السياسية فى الدول النامية، مما يسهم فى تحريك وتنشيط حرية الرأى السياسى فى هذه الدول (43).
- تقديم المساعدات المالية للأحزاب والمؤسسات السياسية فى الدول النامية: تستخدم الشركات أداة تقديم المنح والهبات والتبرعات للأحزاب والمؤسسات السياسية فى الدول النامية، انطلاقا من تجربة هذه الأدوات فى الدول الديمقراطية ونجاحها فى ذلك. وبالتالى فان الشركات متعددة الجنسيات لا تجد غضاضه أو حرجا في استخدام هذه الوسيلة لتغيير معتقدات وتوجهات الأنظمة السياسية فى الدول النامية صوب القيم الديمقراطية بما تحتويه من تعدد الآراء، والأفكار السياسية، وتشجيع المشاركة السياسية لهذه المؤسسات فى الساحة السياسية. فاحد معوقات تنشيط دور الأحزاب والمؤسسات السياسية فى إرساء وغرس القيم الديمقراطية - فضلا عن القيود والمعوقات التى يفرضها النظام السياسى على حركة ومشاركة هذه المؤسسات - هو الافتقار الى مصادر تمويل جيدة ومستديمة لأنشطة الحزب ومدها خارج حدود العاصمة أو المدينة الرئيسية التى يتخذها مركز ا لنشاطه (44).
- تطوير مناهـج ومقررات التعليم فى الدول النامية: يؤدى محتوى المناهج والمقررات التعليمية دورا هاما فى التنشئة السياسية للتلاميذ والطلاب نظرا لما تحتويه من قيم ومبادئ مؤيدة أو معوقة للتحول الديمقراطي. لذلك تقوم الشركات بتمويل عقد ندوات ومؤتمرات مشتركة - من خلال استضافة أساتذة وخبراء أجانب لإلقاء مجموعة من المحاضرات أو إعداد برامج التوعية السياسية المحفزة لتبنى القيم الديمقراطية للطلاب والمدرسين والقائمين على العملية التعليمية فى الدول النامية. هذا بالإضافة إلى قيام بعض الشركات متعددة الجنسيات فى الدول النامية بالمساهمة فى إنشاء مجموعات من المدارس والجامعات الخاصة يدرس فيها مناهج ومقررات دراسية تغرس القيم الديمقراطية مما يسهم في غرس ثقافة سياسية مؤيدة ومعززة للقيم الديمقراطية فى الدول النامية (45).