Share |
يناير 2003
1
التنمية من منظور متجدد: التحيز، الهولمة، ما بعد الحداثة.
المصدر: الديمقراطية

يتسم هذا الكتاب بأنه يحاول أن يستلهم نظرة نقدية من منظور إسلامى متجدد لا يستبعد الإرث المعرفى والنظرى الغربى فى العرض والتحليل وانما يستوعبه فى رحابة ونقد معا. والكتاب يتناول قضايا هامة كمفهوم التنمية واختلاف الدلالة باختلاف النسق المعرفى، ثم التنمية والتحيز، ثم فى علاقتها بما بعد الحداثة وما بعد السلوكية والخصوصية العالمية فى نظريات التنمية، كما يتناول فى الفصل الأخير العقوبات والمعونات كدراسة فى عملية إعاقة التنمية.
يبدأ الباحث الفصل الأول بتعريف "مفهوم التنمية: اختلاف الدلالة باختلاف النسق المعرفى معتبرا أن نظريات التنمية سواء الاقتصادية أو الاجتماعية أو السياسية أو الثقافية حالة نموذجية لبيان كيف تكون النظرية علمية فى بنائها الظاهرى وأيديولوجية أو مذهبية فى جوهرها ومقاصدها، فقد قدمت هذه النظريات للعالم غير الأوروبى إلى أساس أنها نظريات علمية مستقاة من الواقع الاجتماعى.
والمتأمل فى هذه النظريات يجد أنها ليست سوى أيديولوجيات تعكس رؤية التجربة الأوروبية وتبغى تعميمها على العالم لصياغته على شاكلة أوروبا وتغيير مساره ونزع خصوصياته المختلفة وإخضاعه لعملية تاريخية قسرية. وحتى هذا التصور ليس المقصود منه تعميم نمط الحضارة الأوروبى على العالم بغية ترقية هذا العالم وتطويره ورفع مستوى حياة الإنسان فيه كغاية إنسانية وإنما كان الهدف الأساسى هو الإبقاء على المجتمعات غير الأوروبية متخلفة عن سياق التطور الأوروبى.
من هنا كان تركيز الباحث على مجموعة من الكليات الجامعة التى تمثل مفاتيح لفهم الموضوع ومداخل دراسته نذكر منها: 1- النموذج المعرفى الكلى ورؤية العالم: فالمنظور الإسلامى يقوم على رؤية للعالم جوهرها أن هذا الكون مخلوق لإله خالق مدبر قدير عليم فعال لما يريد وأن الإنسان فى هذا الكون مستخلف عن الله سبحانه مكلف بتعمير الأرض على منهج الله سبحانه وأنه عبد مطلق لله وهذه العبودية تعنى تحرير الإنسان من الخضوع لأى أمر أو منهج دون منهج الله وأوامره وأن الإنسان سيد المخلوقات فى الكون فهو على حد تعبير ابن خلدون رئيس بطبعه بمقتضى الاستخلاف الذى خلق له".
2- فلسفة التنمية والتطور وطبيعة الحركة التاريخية: حيث تنطلق نظريات التنمية الغربية اعتمادا على نموذجها المعرفى من فلسفة معينة للتطور الأجتماعى، وحركة التاريخ البشرى تقوم على أن هذا الأخير يتحرك فى خط تقدمى تطورى صاعد دائما فى اتجاه واحد ومن ثم فجميع المجتمعات تحتل مواقع متفاوتة على هذا الخط حيث بعضها يتقدم القاطرة والآخر يأتي بعده تابعا له أو فى ذيله لأن التطور والتنمية يسيران فى اتجاه واحد لا يتغير ولا يتعدد فليس هناك مسالك أخرى يعقل وجودها تختلف عن خط التطور الأوروبى.
3- التطوير من الداخل والنقل من الخارج: وبيان ذلك لدى الباحث أن نظريات التنمية الغربية تقوم على أن جوهر مفهوم التنمية يكمن فى صياغة نظم سياسية وإجتماعية على شاكلة النظم الأوروبية الغربية حيث يعنى مفهوم التنمية لديهم إيجاد نظم تعددية على شاكلة النظم الغربية وتحقيق نمو اقتصادى على نفس منهج الاقتصاد الرأسمالى التنافسى القائم على التكنولوجيا العالية وإهدار موارد البيئة والاستهلاك الوفير كذلك تحقيق علمانية البناء الثقافى للمجتمع من خلال قيم الترشيد والعقلانية بعد تحقيق تمام القضاء على النسق الثقافى التقليدى ذى الطابع الميتافيزيقى.
يناقش الباحث فى الفصل الثانى موضوع "التنمية والتحيز: الاطلاق والنسبية فى نظريات التنمية" فالثابت لديه أن أى انتاج علمى منطلق من العقل والواقع البشرى ومؤسس عليهما ومحدد بحدودهما لابد أن يلبس بخصوصيات هذا العقل وذاك الواقع بدرجة أو بأخرى وجوهر مفهوم التحيز هو التمحور أو التمركز حول "الذات" والانغلاق فيها ورؤية "الآخر" من خلالها وقياسا عليها مما يعنى نفى"الآخر" نفيا كاملا خارج إطار التاريخ أو الوجود أو العلم والسعى نحو استبدال ماهيته أو هويته وإحلالها بمحتوى يتتفق ومعطيات "الذات".
وأهدافها.
فى إطار هذا المفهوم يعرض الباحث لنظريات التنمية السياسية فيتعرض للأسس الفلسفية والمنهجية لكافة نظريات التنمية فى العلوم الاجتماعية فى أسسها الفلسفية ومنطلقاتها الفكرية ومناهجها ومفاهيمها ومسالكها.
أما التنمية وما بعد الحداثة: الاستمرارية والتغير فى نظرية التنمية هى المفردات الأساسية لمحتوى الفصل الثالث حيث يرى الباحث أن علاقة العلم بالمجتمع فى التقاليد الحضارية الغربية علاقة مغزلية ومعقدة كذلك بحيث لا يستطيع الباحث فهم العلوم الاجتماعية المعاصرة سواء فى نشأتها أو تطورها دون الإطاحة بالسياقات الاجتماعية التى برزت هذه العلوم فى ثناياها وحملت رموزها الوراثية وشفرتها وأصبحت جزءا من التكوين الثقافى لا ينفك عنه ولا ينفصل منه.
ويعالج الباحث هذا الموضوع أيضا عبر عدة محطات شفعهـا بحثا وتحليلا.
ينتقل بنا الباحث فى الفصل الرابع إلى موضوع "الخصوصية والعالمية فى نظريات التنمية" مبرزا لتجربة جنوب شرق آسيا نموذجا، فيركز على قضية محددة جوهرها طبيعة العلاقة بين الثقافة والتنمية فى الخبرة الآسيوية للتنمية التى طرحت معادلة مختلفة للمتغير الثقافى من حيث طبيعته ومكوناته ودوره وتأثيراته على المتغيرات الأخرى ومن ثم فإن المشكلة البحثية فى هذا الطرح جوهرها التساؤل التالى هل يمكن تعميم هذه الخبرة الآسيوية بتكرارها فى مناطق أخرى أم أنها قاصرة على مجتمعات جنوب شرق آسيا فحسب؟ ولفك تلك الإشكالية وتحليلها فقد أصاب الباحث فى تناولها من خلال عدة نقاط نرصد أهمها: 1- المحددات النظرية للتنمية وموقع المتغير الثقافى منها: حيث تعقدت وتنوعت العلاقة بين التنمية والثقافة بحيث تكاد تكون قد دارت دورة كاملة ابتداء من ماكس فيبر الذى أرجع عملية التنمية الأوروبية فى بواكيرها إلى الإصلاح الدينى وظهور نمط من الأخلاقيات المسيحية دفع إلى التطور الاقتصادى والتغيير الاجتماعى ارتبط بظهور الحركة البروتستاتينية، إلى جبرائيل الموند الذى أوقف عملية التنمية فى العالم غير الأوروبى على ظهور الثقافة العلمانية أو ما أطلق عليه الثقافة المدنية، مرورا بالعديد من الأطروحات مثل أطروحة "تالكوت بارسونز" الذى مثل مرجعية لأفكار الموند التى أسست لثنائية اختزالية تفرق بصورة حدية ما بين الثقافة التقليدية والثقافة الحديثة وتربط التنمية وتوقفها فقط على الثقافة الحديثة.
2- خصوصية المجتمعات الشرقية وتعقد المكون الثقافى منها: ويؤكد الباحث هنا على أن البعد الثقافى يلعب دورا تصنيفيا حتى داخل الإطار السياسى الأوروبى ذاته حيث نجد أن المفكرين أمثال سيمور مارتن ليبست من يرى أن هناك تعانقا بين الديمقراطية والبروتستانتينية وأن الدول الكاثوليكية سلطوية فى جوهرها. أما إذا تتبعنا المكون الثقافى فى العملية السياسية فى الشرق فإننا نواجه بالعديد من المفاهيم التى تكاد تخرج الشرق من التاريخ بصورة كلية ابتداء من مقولة "الاستبداد الشرقى" التى طرحها"منتسيكيو"، مرورا بمقولة "المجتمع الهيدروليكى" التى طورها "كارل وتيفوجل"، وانتهاء بأطروحة "نمط الإنتاج الآسيوى" التى قدمها "كارل ماركس"، وقد استمرت هذه الأطروحات فى الوعى العلمى والسياسى الغربى تتسرب فى تخصصات علمية متنوعة مرسخة مفاهيم معينة ترى أن آسيا هى أرض الاستبداد والتخلف وأن أوروبا هى أرض الديمقراطية والتنمية والتقدم.
3- المتغير الثقافى والتجارب التنموية الآسيوية: يجدر اعتبار هذا المتغير العامل المساعد أو المتغير الوسيط مع بقية عناصر ومتغيرات البيئة أو النظر إليه نظرة الباحث الأمريكى الصينى الأصل "ستيفن ياه" على أنه المفجر أو "الزناد" الذى أدى إلى انطلاق التنمية الاقتصادية ولكن كونه كذلك يعنى أنه لا يستطيع أن يؤتى أثره إلا فى ظل شروط معينة أهمها المشاركة فى الاقتصاد الرأسمالى العالمى، وايجاد علاقات قوية مع الشركاء التجاريين، والدور القائد للدولة، ووجود طبقة وسطى مستقرة ونامية، وأخيرا التقاليد الكونفوشيوسية الجديدة.
يطرح الباحث فى الفصل الخامس موضوع التنمية المجهضة لذاتها عندما تتصادم أيديولوجية الدولة مع ثقافة المجتمع فيؤكد أن الأيديولوجية خرجت عن طبيعة دلالاتها اللغوية وبدلا من أن تكون هى علم الأفكار أو عملية التفكير حول طبيعة الأفكار ومصادرها ودلالاتها أصبحت تعطى معان معاكسة تماما لذلك فقد أصبحت الأيديولوجية منظومة من الأفكار لا يتم التفكير فيها ولا يقوم أحد بمناقشتها وتحليلها وإنما يتم تبنيها تبنيا كاملا وكأنها دين أرضى.
أما مفهوم الثقافة فيقصد به تلك المنظومة التى تشتمل على سائر مفردات الوعى والإدراك الجمعى للمجتمع ابتداء من المطلقات الدينية، مرورا بالقيم والمعايير والمسلمات وأنماط السلوك، وانتهاء بنمط المعيشة وأسلوب الحياة. وفى هذا الإطار يطرح الباحث عددا من الإشكاليات البحثية التى يمكن اعتبارها افتراضات تحتاج إلى نظر وتحليل من أهمها: 1- حتمية انبثاق برنامج التنمية من ثقافة المجتمع حيث أن التنمية فى جوهرها عملية مجتمعية تهدف إلى إحداث تغيير شامل فى مجتمع معين من خلال إحداث نقلة معينة فى مختلف قطاعاته ومن ثم فهى عملية تهدف إلى تحريك المجتمع وتفعيله ودفعه لأن يتقبل التغيير ويقوم به ويتحمل تكاليفه وأعباءه وبذلك فهى خطاب ثقافى شامل يتم توجيهه إلى المجتمع لإقناعه وتحويل تلك القناعات إلى مفاهيم وإدراكات ثم إلى سلوكيات وأنشطة واقعية أى لابد أن يكون هذا الخطاب فى ذاته مستبطنا للشفرة أو الكود الثقافى للمجتمع.
2- من نماذج التناقض بين أيديولوجية التنمية وثقافة المجتمع. الخبرة المصرية، حيث تمثل الحالة المصرية نموذجا مثاليا لاختبار فرضية العلاقة بين أيديولوجية النخبة وثقافة المجتمع وتأثير هذه العلاقة على عملية التنمية والتغيير فمنذ حالة الإرباك التى أحدثتها الحملة الفرنسية على مصر والتاريخ المصرى يتحرك من تجربة إلى أخرى جميعها حمل فى طياته بذور وعوامل فنانه وجميعها انتهى فى مدد زمنية لا تتجاوز العقود الثلاثة ولعل الدراسة المعمقة للتاريخ المصرى الحديث من محمد على باشا حتى الآن قد تمثل مجالا خصبا لاختبار هذه الفرضية وتحديد مدى صحتها من خطئها.
ينهى الباحث هذا الكتاب بالفصل السادس والأخير وقد تناول فيه العقوبات والمعونات: دراسة فى عمليات إعاقة التنمية حيث يرى أن الواقع السياسى المعاصر يشهد ظاهرتين متعارضتين متناقضتين فى مظهرهما متوحدتين متعارضتين فى جوهرهما، تلك الظاهرتان هما المعونات الدولية والعقوبات الدولية أولاهما حديثة حداثة الحرب العالمية الثانية وثانيهما قديمة قدم حضارة الإغريق.
ويستعرض الباحث فى هذا السياق هاتين الظاهرتين: 1- الخلفيات السياسية والمتضمنات الثقافية للعقوبات: فقد عكست الفلسفة الكامنة خلف العقوبات مدى رسوخ هذه الوسيلة وأهميتها فى تحقيق مصالح الدول التى تفرضها وتنفذها. ففى الحالات التى تمت دراستها منذ الحرب العالمية الأولى إلى الآن تعددت الأهداف من وراء فرض العقوبات لتغطى مختلف أبعاد السياسة الخارجية للدول الغربية ومصالحها الدولية ويمكن إيجازها فى: * تغيير سياسات الدول المستهدفة بالعقوبات تغييرا جذريا وتحويلها من توجه سياسى/ أيديولوجى إلى آخر وإعادة تشكيل النظام السياسى برمته.
* تغيير سياسات الدول المستهدفة بالعقوبات تغييرا جزئيا يتعلق بموضوع محدد مثل منع انتشار الأسلحة النووية وايقاف برامجه فى الدولة المستهدفة وإرغامها على ذلك.
* حماية حقوق الإنسان حيث تم اعتبار العقوبات وسيلة أساسية لمعاقبة الدول التى لا تحترم حقوق الإنسان أو ترى الولايات المتحدة أنها ليست كذلك باعتبارها حارس الأخلاق العالمية! 2- الخلفيات السياسية والمتضمنات الثقافية للمعونات: وقد رصد الباحث أهم الأهداف المعلنة للمعونات فى: * أهداف إنسانية أخلاقية ركزت على مساعدة فقراء العالم وجدت تبريرها وتسويغها فى الاعتقاد بأن السلام طويل المدى والرخاء يمكن تحقيقهما من خلال نظام عالمى عادل وكريم.
* احتواء التهديد الأيديولوجى للشيوعية وقد كان المتحدث الرسمى النرويجى فى الأمم المتحدة قد أعلن أن المساعدات الخارجية هى أهم أدوات الصراع بين الشرق والغرب وأهم وسائل مقاومة المد الشيوعى فى العالم الثالث وفى أوروبا ذاتها.
* تحقيق الأمن والاستقرار ودعم الحلفاء وهو هدف النموذج الأمريكى للمساعدات حيث تمنع أية مساعدات عن الدول الحليفة للدول المعادية.
ختاما، أقول أن هذا كتاب رصين لكاتب يحمل سمت صاحبه ويتسم بالسلاسة فى العرض والنقد والتحليل، صدر فى وقت نحتاج فيه إلى إعادة النظر فى غالب سياساتنا فى كافة المجالات الإنمائية وإلى طرح كافة الرؤى التى تتفاعل فى حرية ونقد وموضوعية سعيا وراء الأفضل.