Share |
يناير 2005
1
الجزائر: الانتقالية من الأحادية إلى ألتعديده الحزبية
المصدر: الديمقراطية
بقلم:   د. محمد هناد

"ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل" من نافلة القول إن الأحادية الحزبية لا تعنى بالضرورة الأحادية السياسية، كما أن التعددية الحزبية لا تعنى بالضرورة التعددية السياسية. فى الحالة الأولى صمهما بلغت درجة التنظيم والانضباط تؤكد التجربة الإنسانية أنه من المستحيل أن تكون الجماعة على رأى واحد دائما وفى كل المواقف، وقد تصمت نزعة سياسية ما إلى أن تحين الفرصة لبروزها. أما في الحالة الثانية، فيمكن أن تكون الأحزاب، على تعددها، مجرد تكريس للأحادية السياسية كما كان واقع الحال في زمن ليس ببعيد في بعض من أنظمة أوروبا الشرقية، بل وكما هو الحال فى بعض البلدان العربية مثل سوريا تحت سلطة البعث. كما يمكن أن تكون ذاتها "أحزابا أحادية" لا تختلف عن الحزب الواحد فى السابق إلا من حيث وجودها كمنافس له مع اتباع نفس الأساليب ونفس الغايات فى ممارستها السياسية (1).
أولا: ظهور التعددية الحزبية في الجزائر:
من المعلوم أن اعتماد التعددية السياسية فى الجزائر قد بدأ منذ ما يعرف بأحداث أكتوبر 1988. فبعد أن استهدفت الشبيبة مقرات الحزب فى أحداث أكتوبر وصبت جام غضبها عليه من حيث هو رمز الفساد، سعت جبهة التحرير الوطني إلى التكيف مع الأوضاع الطارئة التي لم تكن تتوقعها. لقد أخذت أحداث أكتوبر الحزب على حين غرة فى وقت كان يعمل فيه من أجل فرض مكانته السياسية، ربما أسوة بحزب البعث الحاكم فعلا في كل من سوريا والعراق.
وبعد أن كان جهازها يشجب كل نزعة. تسيء العشرة "داخل الحزب، صار يشجع على ظهورها من لخلال تيسير نشوء منابر حزبية" داخل الجبهة ذاتها أملا في تطويق احتمال تعدد الأحزاب. غير أن تسارع الأحداث قد جعل من بعض هذه المنابر وقد أصبحت تعبر عن نفسها بجرأة داخل التنظيم، في الواقع، نواة لأحزاب جديدة (2)، لم تلبث السلطة أن سمحت، ولو بصيغة محتشمة، بوجودها فى دستور فبراير 1989، أي فى أقل من أربعة أشهر من أحداث أكتوبر!
هناك جملة من العلامات تدل على أن السلطة، وهى المديرة لدفة الحكم، كانت تدرك، أكثر من الحزب، ألا مناص من وضع حد للأحادية الحزبية، لكن من حيث الصورة لا الجوهر، وذلك أمر مفهوم من جانب أى نظام حكم على أية حال، ولا حاجة لنا إلى طمسه بالاعتبارات الأخلاقية. لذلك نجد السلطة قد فرضت على الحزب الواحد سابقا التغيير لصالحها ولصالحه (3)، إلى درجة أنها لم تتردد في جعله يقوم، في فترة ما، بدور ما يصح تسميته بـ "المعارضة الوظيفية"، كما سنبين ذلك لاحقا.
وقد تمثل أول إجراء قام به الرئيس في هذا الاتجاه - بوصفه الأميين العام للحزب تطبيقا لقاعدة "وحدة القيادة في الحزب والدولة" هو إقالة أمين اللجنة المركزية للحزب (4)، وتغييره بشخصية أخرى لم تكن طرفا فى الصراعات الحزبية والسياسية، وكانت لها سمعة فى الحركة الوطنية وأثناء حرب التحرير، لكنها ركنت، بعد الاستقلال إلى الصمت، مكتفية بمناصب ثانوية على الرغم من نضالها السياسي الطويل، ألا وهى السيد عبدالحميد مهري.
وقد بدا آنذاك أن الثقافة السياسية للامين العام الجديد للجنة المركزية كانت متماشية مع روح الإصلاحات التي وعد بها الرئيس والإجراءات العملية التي كان يهم باتخاذها. بيد أنه من الضروري الإشارة إلى أن تعيين أمين اللجنة لم يتبع بتغيير ملحوظ فى الجهاز المركزي والأجهزة المحلية للحزب. زد على ذلك أن مؤتمر الحزب المنعقد فى شهر ديسمبر 1988، أى شهرين فقط بعد أحداث أكتوبر، لم تنصرف همومه إلى التركيز على مسالة التغيير على ضوء المستجدات، وإنما إلى ترشيح أمينه العام، أى رئيس الجمهورية المنقضية عهدته، لعهدة رئاسية ثالثة بالصيغة المعهودة. فى حين، وبالنظر إلى حدة الأزمة أنذاك، كان من المفروض أن يقع توقيف العمل بالأساليب المعهودة والتعامل مع المستجدات بالطريقة التي كانت تفرضها على الجميع، حكومة، قوى سياسية، ومجتمع.
ويبدو أن السنتين أو الثلاث التي تلت أحداث أكتوبر 1988 قد عرفت بعض التردد فى ما يتعلق بترتيب العلاقة بين جبهة التحرير الوطني ونظام الحكم. كما يبدو، كان هذا التردد من جانب السلطة والحزب معا سعيا من كل منهما لتجنب الانتقادات المتزايدة الصادرة عن مختلف القوى السياسية الناشئة ووسائل الإعلام.
ولاشك أن الانتقاد والانتقاد المضاد اللذين عرفتهما تلك الفترة بين الحزب والسلطة كانا يقعان أيضا فى سياق ما يمكن تسميته ب المسؤولية التاريخية " للإخفاق وردها إلى هذا الطرف أو ذاك. إنه أمر في غاية الأهمية، ليس فقط لأنه يسلط الضوء على المسؤولية التاريخية المذكورة، وانما أيضا لأنه قد يكون مؤشرا مهما على تقبل الفصل بين الحزب والسلطة في التجربة السياسية الجزائرية الجديدة.
لقد بقيت العلاقة بين الحزب والسلطة علي هذا الأخذ والرد قبل أن يتم اتخاذ إجراءات تتعلق بالفصل الشكلي بين الاثنين. منذ بداية 1991، أخذت الحكومة تلح على أن برنامجها ليس برنامج جبهة التحرير الوطني، وإنما هو برنامج إصلاحات أملتها المتطلبات السياسية والاقتصادية المستجدة. وبعد فترة وجيزة من ذلك، أعلن رئيس الجمهورية تخليه عن منصبه كأمين عام للحزب واضعا بذلك حدا للعمل بقاعدة وحدة القيادة في الحزب والدولة المشار إليها منذ حين، لكن ليس من دون استحداث منصب لا يخلو من نوع من الغرابة المثيرة للشكوك حول صدق الفصل إذ نجد رئيس الجمهورية، وإن تنحى عن منصب الأمين العام، إلا أنه صار "رئيسا للحزب" وربما كان ذلك للإيحاء بدوام الصلة الأصلية بين أجهزة الحزب والدولة (5). وقد استكملت العملية شهورا قليلة من بعد بانسحاب الجيش الوطنى الشعبى من الأجهزة القيادية فى الحزب كى يتسنى له الإنصراف إلى مهامه الدستورية.
ومن اللافت للانتباه حقا أن نجد جبهة التحرير الوطني قد استطاعت، في فترة وجيزة لا تتعدى الثلاث سنوات بعد أحداث أكتوبر، أن تتدارك الأمور وتبقى محتفظة بحد أدنى من الحضور في الساحة السياسية والرأي العام.
ولا) دل على ذلك من حظها من الانتخابات البلدية سنة 1990 والانتخابات التشريعية المجهضة لسنة 1991، إذا أخذنا بعين الاعتبار، طبعا، الظروف الصعبة التي كانت تمر بها.
لقد وفقت جبهة التحرير الوطني، إلى حد كبير، في تجاوز خصومها لإقناع الرأي العام بأن ما كان يهمها ليس التشبث بالسلطة، وإنما الإسهام فى عملية انتقال النظام السياسي في الجزائر من الأحادية إلى التعددية والديمقراطية بشكل سلمى ومضمون النتائج. بل كثيرا ما أوحت الجبهة وكأن التاريخ يناديها، مرة أخرى، للقيام بالواجب الوطني مثلما نادي رجالاتها ذات يوم من شهر نوفمبر 1954 لتحرير الوطن من نير الاستعمار(6). وقد نظر إلى هذا الموقف، فى ما بعد، عضو بارز فى قيادة الحزب (ووزير سابق)، السيد عبدالحق بوحاره فى مقال له بعنوان "مرافعة عن جبهة التحرير الوطني" (7). يرى صاحب هذا المقال، فى سياق تعرضه لإشكالية تجديد الحزب، أن انتقاد الحزب كجهاز وكوسيلة للحكم (التاكيد من طرفنا) من 1962 إلى 1988 ينسينا أنه هو الذى يمثل ضمير الأمة وسعيها نحو التحرر والإزدهار. لعل السيد بوحاره كان يرد على من كانوا يدعون إلى وضع جبهة التحرير الوطنى فى متحف التاريخ، أو تراثا مشتركا بين الجميع كما كان آخرون يعبرون عن ذلك.
غير أن مواصلة التركيز على الجانب المعنى للجبهة كان يعنى، في الواقع، رفضا لأمر واقع، كما صرفها عن القيام بما كانت مطالبة به كتنظيم سياسي ينشط فى سياق تعددي، أى تجديد هياكلها، قياداتها، مذهبها السياسى، وبرنامجها بما يتماشى والمعطيات الجديدة، ليس فقط على المستوى الوطنى وإنما أيضا على المستوى الدولى.
إثارة هذه المسألة هى على غاية من الأهمية بالنسبة إلى فهم تطور تنظيم حزبى ارتبط بنظام سياسى ولم يعرف لنفسه وجودا خارج السلطة. إن الصعوبة فى التخلص من عبء الماضي هي بالذات ما يتحدث عنه أحد القادة البارزين، محسوب على التيار الإصلاحي، فى حزب جبهة التحرير الوطنى (ووزير حكومة سابق: 1989- 1991)، ألا وهو السيد مولود حمروش فى مقابلة خص بها أسبوعية الحقيقه (8). فبخصوص حزبه (9)، يرى السيد مولود حمروش أنه، مثله مثل باقي الأحزاب، هو حزب عصب، بمعنى أنه عبارة عن جماعات تعودت ألا يكون نشاطها السياسي إلا مرتبطا بالسلطة مهما كان شكلها، ملاحظا فى ذات السياق أنه "مع الأسف، سريان نفس الممارسات التى تجرى اليوم فى محيط الجيش والسلطة الصورية هى نفسها التى لها مفعول داخل الحزب لأن لهذه العصب امتدادا داخل جبهة التحرير الوطنى. إذا، فموسى الحاج هو الحاج موسى كما تقول العبارة الشعبية".
لكن، وعلى الرغم من ذلك، لقد بقى حزب جبهة التحرير الوطنى بقيادة أمينه العام، السيد عبد الحميد مهرى، خلال الفترة الممتدة من 1989 إلى 1996 كلها متمسكا بمبدأ المشروعية السياسية لاسيما فى مواقفه من مختلف التدابير التى فرضتها السلطة خلال هذه الفترة. فى هذا الصدد، يقول السيد عبد الحميد مهرى: جبهة التحرير الوطنى كان من المفروض أن يجعلها التغيير حزبا مثل بقية الأحزاب، مستقلة عن نظام الحكم لا جزاء منه. لكن هذه الفكرة رفضت لأنه أريد من الجبهة أن تبقى جزءا من الحكم. (10).
لم تكتف جبهة التحرير الوطنى بمعارضة توقيف المسار الانتخابى سنة 1992، بل اجتمع أمينها العام، غداة هذه الانتخابات، بكل من السيد حسين أيت أحمد، زعيم جبهة القوى الاشتراكية، وشخصية من الجبهة الإسلامية للإنقاذ الفائزة بأغلبية ساحقة فى الدور الأول من الانتخابات التشريعية الذى جرى فى أواخر شهر ديسمبر 1991. لقد التقت الشخصيات الثلاث للاتفاق على صيغة مشتركة للتعامل مع تداعيات الدور الأول ومع بعض الأصوات المنادية بإلغاء نتائجه والاحتياط لإقدام السلطة على ذلك كما كان يشاع، ثم اتصلوا بأصحاب القرار الذين ردوا عليهم أن. المسعى قد تجاوزه الزمن. وقد تواصل هذا العمل المشترك مع ألد خصوم النظام السياسى جبهة القوى الاشتراكية والجبهة الإسلامية للإنقاذ) وقوى سياسية أخرى فيما بعد ليتوج فى لقاء روما سنة 1995. من المعلوم أن هذا اللقاء أشرفت عليه الجمعية الدينية الإيطالية، سانت إيجيديو، وضم عددا من الأحزاب السياسية الجزائرية بغرض الوصول إلى أرضية لتجاوز الأزمة التي أفضت إلى شىء أشبه ما يكون بحرب أهلية. ما هو لافت للانتباه حقا فى هذه الأرضية هو توصل المجتمعين إلى اتفاق سياسى شامل يضبط الممارسة السياسية التعددية فى الجزائر على أسس معقولة استطاعت بفضلها أن تنتزع تنازلات من أحزاب المعارضة لاسيما الجبهة الإسلامية للإنقاذ الفائزة بالدور الأول من الانتخابات المذكورة مقابل تنازلات تنتظرها من نظام الحكم. وقد تمثل جوهر العقد الوطنى فى مبدأ نبذ العنف وعدم اللجوء إليه للوصول إلى السلطة أو البقاء فيها، مع التعهد باحترام الصيغ الديمقراطية في التداول على السلطة. غير أن النظام رفض هذا العقد "جملة وتفصيلا" بدعوى أنه تم فى الخارج، علما أنه كان من المستحيل أن يقع مثل هذا اللقاء فى الجزائر بسبب الظروف الساندة أنذاك، بل لقد ذهب البعض إلى حد التنديد به بسبب إمضائه تحت إشراف جمعية مسيحية.
والواقع أن السلطة، وكما كان متوقعا بالنظر إلى طبيعتها، رفضت العقد - بعد رفض دعوة المشاركة فيه - بسبب اعتبارات ثلاثه: أولا، لأنه لم يقع بمبادرتها، وهى الرافضة لكل مبادرة تقع خارج إطارها، ثانيا، لأنه ضم طرفا أقصته من الساحة السياسية ألا وهو الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة (أى ضحيتها) ثالثا، وهذا هو الأهم على الاطلاق، لأن العقد اعتبر السلطة مجرد طرف فى العقد، أى بالمعنى الذى يعطيه روسو لهذا العقد لا هوبز.
من الملاحظ أن جبهة التحرير الوطنى، لاسيما أمينها العام، صارت منذ "العقد الوطنى محط أنظار السلطة حيث بدأت تعرف مشاكل داخلية واخذ بعض قادتها يتحدثون عما أسموه بإلقاء الجبهة إلى التهلكة. ويمكن القول إن الضربة القاضية جاعتها من موقف الرفض الذى اتخنته من إجراء الانتخابات الرئاسية المقررة لشهر نوفمبر 1995. لقد عبر جهاز (11) جبهة التحرير الوطنى منذ البداية عن رفضه لإجراء تلك الانتخابات بسبب عدم توفر الشروط الموضوعية لذلك، لاسيما الظروف الأمنية. وقد وصف الأمين العام للحزب إصرار السلطة على إجراء الانتخابات على أنه هروب إلى الأمام و"بداية من النهاية"، مؤكدا أن ما يهم، فى ظل الوضع السائد، هو تغيير موقف السلطة من الحوار الوطنى الذى تريده أن يكون على مقاسها. ولم يتوان عن الحكم على نية السلطة فى إجراء الانتخابات أنها لا تستهدف غير حل مشكلتها بسرعة لتتحول من "سلطة فعلية" إلى "سلطة شرعية".
ولو نظرنا إلى الطريقة التى تمت بها الانتخابات الرئاسية لوجدنا أن ما كان يقوله السيد عبدالحميد مهرى أنذاك لم يكن مجرد سجال سياسى، وإنما كان تعبيرا عن واقع فعلى. أول ما يلفت الانتباه هو ترشح شخصية هى فى الحكم أصلا كرئيس دولة للفترة الانتقالية، المضى بالانتخابات رغم مقاطعة أهم الأحزاب المعارضة فى تلك الفترة، أى حزب جبهة التحرير الوطنى وجبهة القوى الاشتراكية، دون ذكر الجبهة الإسلامية للإنقاذ المحظورة، وأخيرا ترشح شخصيات لم تبد أكثر من كونها مجرد "كومبارس" بالنظر إلى وزنها في الساحة السياسية، كما تأكد ذلك فى النتائج التى حصلت عليها.
لقد تحدثت الصحف (12) خلال تلك الفترة عن إمكانية انفجار الحزب بسبب احتوائه على ثلاثة مواقف رئيسية حيال الانتخابات: موقف مؤيد لها، موقف معارض لها على أساس "العقد الوطني، وموقف متربص. غير أن الكلمة الأخيرة عادت إلى الموقف المؤيد للانتخابات ولى المرشح الحر". وهذا ما يؤكد مرة أخرى فكوة "المعارضة الوظيفية".
ومع مرور الوقت، تبين أن مواقف الجبهة لم تستند إلى قاعدة عريضة، بل كانت تذهب في اتجاه معاكس تماما لموقف السواد الأعظم من قيادات الحزب وقواعده. وعليه، يمكن القول على أساس التحليل المنطقي لا بحسب معلومات متوفرة لدينا - إن مضى السلطة بالانتخابات الرئاسية في موعدها المقرر وفوز "المترشح الحر"، السيد اليمين زروال (الذي كان يشغل منصب رئيس الدولة)، يدل على أن معارضة جبهة التحرير الوطى كانت مجرد "معارضة وظيفية"، أي أن السلطة هي التي أرادتها بشكل من الأشكال كى تعطى الانطباع أن هناك فعلا تجديدا سياسيا مادام الحزب الواحد فى السابق صار معارضا لها. وما يؤكد صحة ذلك أنه فى الوقت الذى كانت للحزب مثل هذه المواقف المعارضة للسلطة كانت ما يسمى بالمنظمات الجماهيرية" (تنظيمات المجاهدين، العمال، الفلاحين، النساء، الشبيبة)، الدائرة في فلك الحزب الواحد في النظام السابق، تؤيد كل خطوة تخطوها السلطة القائمة آنذاك.
منذ مطلع 1996، بل ومنذ إجراء الانتخابات الرئاسية في شهر نوفمبر 1995، أخذت المعارضة الوظيفية تعرف أخر أيامها إذ بدأ التركيز يقع، لا على تقوية الحزب كحزب معارض، وإنما على "ضرورة العودة إلى الأصل" اعتبارا من أصحاب هذه الدعوة أن الحزب قد عرف انحرافات خطيرة وحان الوقت لوضع حد لها. وقد توج تصحيح الانحراف هذا بتدبير ما أسمته وسائل الإعلام بـ "المؤامرة العلمية". لدفع الأمين العام، السيد عبدالحميد مهري إلى الاستقالة. وهو ما حدث فعلا فى اجتماع اللجنة المركزية المنعقدة فى 17 يناير 1996 حيث تم تعيين أمين عام جديد على رأس الحزب تمثل فى شخصية السيد بوعلام بن حمودة الذي كان شخصية معروفة طالما تبوأت فى السابق مناصب وزارية (13).
الواقع أن الدعوة إلى "العودة إلى الأصل" لم تكن إلا محاولة لربط جبهة التحرير الوطني بالسلطة من جديد بعد الانتخابات الرئاسية التي اعتبرها أصحاب هذه الدعوة نجاحا. ثم إنه كانت هناك مواعيد انتخابية أخرى تنتظر، ومن المفروض على الحزب ألا يفوت الفرصة عليه فيها لحصد عدد لا بأس به من المقاعد في المجالس المحلية والبرلمان في ظل الظروف الجديدة التي أدت إليها الانتخابات الرئاسية المذكورة. وكأن السلطة تخلصت، بهذه المناسبة، من عقدة انعدام المشروعية، ولم تعد هناك فائدة من مواصلة جبهة التحرير الوطني القيام بدور "المعارضة الوظيفية" التي سبق ذكرها. فبعد أن انتهت "الحملة" لابد من العودة إلى القواعد.
من المعقول جدا أن يطرح السؤال حول سبب هذا التركيز على جبهة التحرير الوطني في مسار الانتقال إلى التعددية بعدما صارت حزبا من بين الأحزاب. الواقع أن هذا الحزب لم يعد بعد كأي حزب أخر حتى وإن كانت تلك هي الغاية المنشودة من التعددية. فإذا عدنا إلى التاريخ، لوجدنا أن الجزائر قديمة العهد نسبيا بالتعددية إذ عرفت، قبل حرب التحرير، تعددية حزبية وسياسية معتبرة، ولم تأت جبهة التحرير الوطني خلاصة. كما يشاع فى كتب تاريخ الجزائر المعاصر لهذه الحركة وإنما كقضاء مبرم عليها. بل نستطيع القول، ومن دون الدخول في تفاصيل، الأسباب لأن المقام لا يسمح بذلك، إن جبهة التحرير الوطني إنما كانت، في الواقع، عبارة عن توقيف مفاجئ وعنيف لعملية نضج الحركة الوطنية التي كانت حينئذ تمر بأزمة نمو حادة. وبالفعل، فإن المجموعة التي عرفت فى 1954 بـ"جبهة التحرير الوطني" جاعت لتفرض على الحركة الوطنية، الإمحاء والانضواء تحت رايتها وإلا حكم عليها بالخيانة العظمى. وعندما بدأ العمل المسلح والعنف وبدأت الأرواح تسقط، وجدت الأحزاب الوطنية نفسها أمام الأمر الواقع فاستسلمت له حتى وإن فعلت ذلك على مضض وخشيت على مصير البلاد المجهول من جماعة ذات نزعة إرادوية جاهلة بالقواعد التى - في سير المجتمعات البشرية بصورة عامة.
السبب الثاني الذي يدعو، في سياق تناول مسألة الانتقال إلى التعددية، إلى التعامل مع جبهة التحرير الوطني بشكل متميز أنها هي التي قررت عشية الاستقلال بوصفها قوى سياسية همها الاستيلاء على السلطة من دون منازع- التحول إلى حزب حاكم (14) على أساس المشروعية الثورية. قاضية على أية إمكانية لعودة التعددية إلى البلاد بعد الاستقلال. لقد بقيت الجبهة بعد الاستقلال تصول وتجول كذنب للسلطة إلى أن انفجرت الأحداث ذات يوم من شهر أكتوبر 1988 ونظرا إلى ثقافتها السياسية وممارساتها منذ استقلال البلاد، لم تستطع الجبهة أن تتخلص من عبء الماضي وتعمل على التحول إلى حزب عاد مثلما فعلت الأحزاب الشيوعية في أوروبا الشرقية منذ مطلع التسعينيات، بل راحت تبحث عن سبل بقائها مشوهة العملية السياسية، مدعية لنفسها رسالة تاريخية، معتبرة الجزائر أمانة الشهداء بين يديها.
يبدو أن الجبهة لن تستطيع الاستغناء عن مشروعية الماضي إلا مع قدم تجربة التعددية في الجزائر وخصوصا بفضل تمكن صعود شخصيات قيادية لا تعانى عقدة الاستعمار ولا عقدة السلطة لأنها ببساطة لم تالف ربط نشاطها بها كما كان فى السابق. أما في ما يخص وضع جبهة التحرير الوطني، بقرار، على رفوف متحف التاريخ، أظن أنها مزايدة لا تنفع العددية في شيء بل تجعلها تبدو ظالمة. إن الممارسة الديمقراطية ذاتها تجعل الساحة السياسية أشبه ما تكون بسوق. فلنترك السوق، إذا تقرر مصير جبهة التحرير الوطني، بل ومصير الأحزاب بصورة عامة.
ثانيا: المنحى الذي أخذته التعددية السياسية في الجزائر:
إن أصحاب القرار، وبعدما مر عليهم الفزع الذى انتابهم بعد أحداث أكتوبر 1988، اهتدوا إلى ضرورة ترك الأمور فى يد الشارع مقتنعين أن الشارع ما بني دولة وأن هدم أنظمة فى بعض الحالات. لذلك، لو عدنا إلى الوراء لوجدناهم قد اعتمدوا المزايدة والدفع إلى الخطأ كطريقة في تسيير أحوال مجتمع مضطرب. فعوض أن يعمد النظام إلى تهدئة الأمور واستجلاء القوى السياسية (وكانت هناك أحزاب معارضة تنشط فى السرية منذ الاستقلال) وإقامة آليات للحوار والتفاوض من أجل بناء مشترك لنظام سياسي جديد، راح يسهل كل أمر (15).
فلإنشاء حزب ما، مثلا، كان يكفى توفر 15 عضوا مؤسسا للحصول على الموافقة والدعم المالي والمادي من الدولة. الصحف الخاصة من جهتها، لاقت كل تأييد إذ أخذت الدولة على عاتقها تمكين صحفيي القطاع العام من الاستقالة والانتقال إلى العمل في القطاع الخاص مع الاحتفاظ برواتبهم لمدة ثلاث سنوات، أي فترة كافية جدا لتقوم أي صحيفة جديدة على قوائمها. أضف إلى ذلك، وعلى الرغم من أن دستور 1989 نص على منع تأسيس أحزاب على أسس دينية أو عرقية واللجوء إلى استعمال العنف أو التحريض عليه، سمحت الحكومة لأحزاب بالقيام على ذات الأسس. باختصار، لقد حرصت السلطة على أن يخطأ الجميع حتى إذا ما تدخلت بقوة غفرت لها سيئاتها وبدت هي المنقذ للبلاد. على أية حال، هذا أسلوب ليس غريبا عن الممارسة السياسية المعروفة فى البلدان التي تمر بأزمة لاسيما إذا صعب الحسم فيها لصالح قوى على حساب قوى أخرى.
سيتأكد، بقسط من الوضوح، تصرف السلطة بهذا الشكل متى استعرضنا التطورات السياسية التى شهدتها الجزائر منذ أحداث أكتوبر 1988. خمسة ايام فقط بعد هذه الأحداث، وبعد يوم مهول شهده الحى الشعبى، باب الواد بالعاصمة حيث سقطت أرواح، خاطب رئيس الجمهورية المواطنين بلهجة الحسرة معلنا أنه فهم الرسالة تماما"، وأنه سيبادر بما كانوا يتطلعون إليه من إصلاحات سياسية واقتصادية. وفعلا، وبعد شهر، طلعت رئاسة الجمهورية ببرنامج احتوى إصلاحات دستورية اكتشف فيها الجزائريون أن هناك فصلا بين السلطات وأن هناك سلطة تنفيذية وسلطة تشريعية لكل الصلاحيات بحيث يمكن لكل واحدة منها أن تقلب الأخرى، بمقتضى الدستور، فى حالة اشتداد الأزمة، وأن هناك حكومة مسئولة أمام البرلمان، وبرلمانا يراقب هذه الحكومة. فى ذلك الوقت، صار الكثير من الجزائريين، لاسيما وسائل الإعلام الناشنة، فقهاء فى المسائل الدستورية. وقد تجسدت كل هذه الإصلاحات فى دستور التعددية الصادر في شهر فبراير 1989.
على منوال الأقصوصة الممتعة، مرت كل الأمور بسلام، بما في ذلك الانتخابات المحلية سنة 1990 التي حصدت فيها الجبهة الإسلامية للإنقاذ معظم المجالس البلدية والمجالس الولائية عبر الوطن. لكن ما إن طلعت سنة 1991 حتى بدأت الأمور تتأزم تحسبا للانتخابات التشريعية المقررة لصيف ذات السنة انتخابات أرادتها الجبهة الإسلامية مطية لتنحية "مسمار جحا"، أي رئيس الجمهورية. غير أن السلطة، وإتعاظا بما وقع فى الانتخابات المحلية المذكورة، راحت تقترح تعديلا لقانون الانتخابات مما أثار حفيظة الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي استولى عليها الشعور بالقوة ولم تتردد في إعلان حالة العصيان المدني حيث احتل أتباعها شوارع المدن الكبرى، لاسيما العاصمة، مهللين مكبرين، مبتهلين إلى الله عسى أن "يزعزع الأرض من تحت أقدامهم". وحسب ما ذاع من أخبار، فإن الإصلاحي المعتدل، رئيس الحكومة أنذاك السيد مولود حمروش، كان على وشك التوصل مع قادة الجبهة إلى حل وسط، غير أن الأحداث استبقت الطرفين، وإذا بأنصار الجبهة يفاجأون ذات صباح بالهراوات وخراطيم المياه لإخلاء الأمكنة، وقادتها يلقى عليهم القبض.
لعل السلطة وجدت فائدة فى الشكل غير المقبول التى تصرفت به الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ورأت فيه ما يكشف عن نواياها الفاشية أمام الرأي العام الوطني والدولي لكن، على الرغم من كل ذلك، يمكن القول إن السلطة حرصت على ما يحفظ ماء الوجه فتعاملت مع الجبهة بمنطق القوة العمومية الحافظة للنظام العام ولم تشطط بإقدامها على حل الجبهة الإسلامية للإنقاذ مباشرة، مفضلة الدفع إلى ظهور قيادة مستعدة للحوار. وقد كان لها ذلك فى شخص السيد عبد القادر حشاني الذي استطاع، حسب ما يبدو بعد سعى حثيث ومشقة كبيرة، أن يقنع حزبه بضرورة التهدئة والقبول بخوض غمار المنافسة الانتخابية المقررة فى نهاية السنة لتجديد البرلمان.
بعد هذه التهدئة الظرفية، واصلت التطورات سيرها بسيطرة الجبهة الإسلامية للإنقاذ على الساحة السياسية ومناصريها على شوارع البلاد وأماكنها العمومية. والشيء اللافت للانتباه حقا، ولعل السلطة لم تكن مستاءة له أنذاك، هو تصرف الجبهة الإسلامية للإنقاذ تصرف المنتصر لا محالة والظافر بالسلطة بعد فترة قصيرة، معتمدة خطابا سياسيا واضحا وبسيطا كانت تعرب فيه عما تنوى فعله، وتضمن كثيرا من الوعد والوعيد مما زاد فى كسب التأييد لها من طرف عامة الشعب، لكن زاد أيضا من تخوفات الخصوم.
ومع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة لأواخر شهر ديسمبر 1991، تزايدت التكهنات، بينما بادرت السلطة بعمليات لسبر أراء سرية لمعرفة اتجاه الرأي العام والاحتياط لنتائج الانتخابات. ويشاع أن هذه العمليات كانت تشير إلى أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ لن يمكنها الحصول على نسبة تتعدى إلى 20% نظرا لاعتبارات كثيرة من بينها تشدد خطابها السياسي، تجاوزها للحدود عندما أقدمت على العصيان المدني في صيف 1991 وكذا الصرامة التى قوبلت بها من طرف القوة العمومية بعد نفاد صبر بما فى نلك اعتقال قادتها الأساسيين، إدراك باقى الأحزاب والقوى السياسية ضرورة التجند خوفا على نفسها وعلى البلاد من مصير فاشستي يهددها، وأخيرا، التدابير الجديدة المدرجة بمناسبة إعادة النظر فى قانون الانتخابات (لتقليص حظوظ الجبهة الإسلامية للإنقاذ) على ضوء التجربة الأولى للانتخابات التعددية (بلدية وولائية) التي منى فيها الحكم وحزبه بهزيمة ساحقة.
على العموم، نستطيع القول إن البلاد كلها كانت في حالة ترقب قصوى عشية الدور الأول من الانتخابات، لاسيما بعد إنتهاء الحملة الانتخابية التي لم تتردد الجبهة الإسلامية للإنقاذ أثناءها فى اعتبار الصوت أمانة يحاسب عليها المرء يوم القيامة.
لقد جرى الدور الأول بسلام رغم بعض التصرفات السلبية مثل ممارسة الضغط على الناخبين أو توجيه أصواتهم. غير أن نتائج الانتخاب جاعت معاكسة تماما لما كان يتوقعه خصوم الجبهة الإسلامية للإنقاذ إذ لم تجد الإجراءات السياسية نفعا ولم تمنع الجبهة من حصد 188 مقعدا برلمانيا من أصل 430، بالإضافة إلى أن حظها كان الأوفر بالنسبة إلى 135 مقعدا من المقاعد المتبقية التى حصلت فيها على أغلبية نسبية وكان من المقرر أن تعود إليها فى الدور الثانى (16). ومما كان له دور كبير فى هذا التفوق الذى حظيت به الجبهة الإسلامية للإنقاذ هو ارتفاع نسبة الامتناع التي قدرت بأزيد من 40%. وقد حاول المحللون تفسير مثل هذا الامتناع فرده معظمهم إلى عدم اكتراث جزء كبير من المواطنين بالانتخابات إما لأنهم لم يكونوا يصدقونها أو لأنهم اعتبروا الأمر محسوما منذ البداية نظرا إلى الزخم الإسلامي بينما ردته القوى السياسية إلى ممارسة الضغط على المواطنين البسطاء من طرف الجبهة الإسلامية للإنقاذ بالإضافة إلى إقدام البلديات، وهى تحت سيطرة هذه الأخيرة، على اعتماد شكل من التزوير بالتراخي في استكمال القوائم الانتخابية أو في تسليم بطاقات الهوية، مشيرة (أي هذه القوى) إلى أن جل الممتنعين كانوا في الصف المعارض للجبهة الإسلامية للإنقاذ.
لقد بدأت الشكوك تحوم حول مصير الانتخابات التشريعية منذ أعثن نتائج الاقتراع في الدور الأول حتى دهان استمرت الحملة الانتخابية استعدادا للدور الثاني، وان بقلة حماس بادية على الوجوه. في الواقع، وكأن الحملة الانتخابية تحولت إلى خطاب أخر: كانت الجبهة الإسلامية للإنقاذ والقوى الشديدة المعارضة للنظام (لاسيما جبهة القوى الاشتراكية وجبهة التحرير الوطني بقيادة السيد عبدالحميد مهري) تطالب بالمضي قدما بالدور الثاني محذرة النظام من مغبة ما قد تسول له نفسه به من توقيف للمسار الانتخابي. أما الطرف الثاني المتشكل من أحزاب لم تظفر بأي مقعد في الدور الأول والتي لم تر عدوها في السلطة وإنما في الجبهة الإسلامية للإنقاذ، فكانت، إلى جانب جمعيات على رأسها الاتحاد العام للعمال الجزائريين (النقابة الوحيدة منذ الاستقلال)، تعتبر أن الأمر متعلق بمسالة خلاص وطني وبـ"إنقاذ للتجربة الديمقراطية" من خطر السقوط في أحضان الاستبداد.
والملاحظ أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ ذاتها لم تحسن التعامل مع المستجدات وراحت تفخر بفوزها وكأنها فازت بكأس فى مباراة لكرة القدم عوضا أن تلتزم الحكمة السياسية، بل والحنكة السياسية، في سبيل تهدئة الوضع مع اعتماد لخطاب مطمئن. ففور إعلان النتائج، بدأت تتوعد وكأن حصولها على أغلبية الأصوات كان بمفرده كفيلا بضمان. وصولها إلى السلطة.
ولم تمض إلا أيام قلائل حتى فوجئ الجزائريون باستقالة مباشرة على شاشة التلفزيون لرئيس الجمهورية نظرا إلى "استحالة مواصلته لمهامه فى ظل الوضع المستجد" (17). ومن غريب الأمور - وهو ما يمكن من قياس درجة احتقار الحكام في الجزائر للاعتبارات الدستورية أن نجد هينة دستورية، استشارية فقط ويرأسها رئيس الجمهورية ذاته الذي يطلب منها رأيها فى المسائل الأمنية عند الاقتضاء لاتخاذ ما يراه مناسبا من قرارات، تقدم على أمر فى مثل خطورة توقيف المسار الانتخابي متذرعة بتزامن مفبرك لشعور منصب رئيس جمهورية وانتهاء العهدة البرلمانية.
لننظر الآن في ما ألت إليه الأمور بعد هذا الامتحان الديمقراطي الثاني (18). فبعد توقيف المسار الانتخابي واستقالة رئيس الجمهورية، قام المجلس الأعلى للأمن، كما ذكرنا، بتعيين "مجلس أعلي للدولة" استطاع أن يقنع، ليس من دون مشقة، شخصية تاريخية بأن تكون على رأسه، ألا وهى السيد محمد بوضياف. لقد استنجد أصحاب القرار بالسيد بوضياف نظرا إلى سمعته التاريخية وعدم تورطه فى فساد النظام السياس فى الجزائر التي غادر ساحتها السياسية، عاما أو بعض عام فقط من الاستقلال، مفضلا عليها حياة المنفى. غير أن تجربة السيد بوضياف إن صح التعبير لم تعمر طويلا حيث وقع اغتياله أثناء خطاب بشرق البلاد بعد ستة شهور فقط من عودته إلى الجزائر. لقد أدى اغتياله إلى الشعور بإحباط كبير وخوف شديد على مصير البلاد. كما نسب هذا الاغتيال إلى أوساط في السلطة وقوى تحوم حولها بسبب ما كان يبدو على الرجل من عزم على استئصال ما كان يسميه بـ "المافيا السياسية المالية". على أية حال، لقد مر حدث سقوط السيد بوضياف من المشهد السياسي وكأنه حدث عارض، ولم يأت التحقيق الرسمي في ظروف اغتياله بما يشفى الغليل، ولا تبدو في الأفق أية علامة تؤكد فكرة من يدعون أن التاريخ لابد وأن يكشف، ذات يوم، عن مدبرى هذا الاغتيال.
منذ توقيف المسار الانتخابي، حصلت انتكاسة حقيقية في الممارسة السياسية إذ أعلنت حالة الطوارئ التي لازالت سارية المفعول إلى اليوم، ومنعت الجبهة الإسلامية من النشاط وطردت من المجالس البلدية والولائية. كما ظهر العنف المسلح الذي اختلط فيه الحابل بالنابل ليحصد عشرات الالاف من الضحايا وياكى على المليارات من الدولارات بحيث لم تنج منه حتى المدارس، كما عرى الأرياف الجزائرية من آلاف المئات من السكان الذين استقر بهم الحال بتخوم المدن فى أحياء قصديرية منافية لأبسط شروط الكرامة الإنسانية.
بعد أن اهتز عرشها أيما اهتزاز، تعلمت السلطة درسا واحدا وهو عدم السماح أبدا للمواطنين باقتحام الميدان السياسى إلا بالشكل الذى تريده هى والحد الذى تسمح به. لذلك، كما يقول السيد حمروش فى المقابلة التى سبقت الإشارة إليها (19)، أصرت السلطة على التحاور مع قيادات أركان الأحزاب (عبر جولات الحوار المتتالية) حتى تتمكن من "التأثير فيها والضغط عليها بسهولة، وهو ما لا يمكن فعله مع قاعدة شعبية مناضلة.". وفى مقابل ذلك، أحيت عادة قديمة تمثلت فى التشجيع على "المسيرات العفوية الحاشدة" المؤيدة لسياستها. لذلك، لم يكن إعلان حالة الطوارئ مهما بقدر أهمية ما كانت السلطة تتوخى منها وريما كان إنشاؤها لوزارة لحقوق الإنسان ثم مرصدا لذات الحقوق علامة على نية مبيتة لاختراق هذه الحقوق، لاسيما إذا انتبهنا أن الوزارة لم تعمر طويلا والمرصد ظل وسيلة لتمويه انتهاكات حقوق الإنسان وجبهة لصد المنددين بهذه الانتهاكات المنسوبة إلى أجهزة الأمن الجزائرية من طرف الهيئات الوطنية والدولية المعنية بالمسألة.
ولتأكيد نية السلطة كما أشرت، نذكر الكيفية التي جرت بها أول انتخابات بعد 1992. لقد تقرر إجراء انتخابات رئاسية في شهر نوفمبر 1995، بحجة أنه تم التغلب على الإرهاب ولم تزل منه إلا "بقايا". أولا، لقد جاء هذا القرار انفراديا بحجة "فشل الحوار"، أي مع قادة الجبهة الإسلامية للإنقاذ المسجونين الذين كانوا، هذه المرة، من الدهاء ما سوغ لهم عدم الالتزام للسلطة بأي شيء مشترطين إطلاق سراحهم أولا إذ كيف يعقل أن يتم التفاوض مع مسجوين على أمور متعلقة بالمصير السياسي للبلاد، ثانيا، "ترشح الرئيس الدولة" ذاته لهذه الانتخابات (20). ثالثا، إكتفاء السلطة بمترشحين ثانويين (مجرد كومبارس) شكلوا الديكور أكثر من أي شيء أخر لاسيما في غياب مرشحي أحزاب العقد الوطني (أى الجبهة الإسلامية للإنقاذ، حزب جبهة التحرير الوطني، وجبهة القوى الاشتراكية). رابعا، الانفراد باغتنام حالة الطوارئ لتنظيم "لجان تأييد ومساندة" في مختلف أرجاء الوطن.
لقد جرت الانتخابات في جو من الهدوء لا لأن الأعمال الإرهابية توقفت وإنما لأن الرهان كان غانبا منذ البداية.
لم تكن المفاجأة وفاز "المترشح الحر"، السيد اليمين زروال، منذ الدور الأول بأكثر من 61% من مجموع الأصوات المعبر عنها. ومع ذلك، رأت أحزاب المعارضة - بعد جعل تسجيلها لمشاعر الارتياح لدى أوساط عريضة من الشعب، وقد كان همهم الوحيد هو عودة السلم إلى ربوع البلاد - في هذه الانتخابات نوعا من التجاوز لعقدة الاستحالة (أى استحالة إجراء انتخابات معقولة نوعا ما في ظل الظروف السائدة) وفرصة ثمينة قد تسمح بإجراء حوار وطني جاد من أجل المصالحة الوطنية وترتيب البيت الجزائري بحسب رغبة أهم أطراف الأزمة. لقد ظنت القي السياسية، على الرغم من مختلف المآخذ، أن ذلك كان ممكنا بفضل انتخاب رئيس الجمهورية الذي جعله هذا الانتخاب يحظى بقسط من المشروعية يخوله التصرف بنوع من الحرية. غير أنه لم تمر إلا أيام قلائل حتى بدأ الحديث عن "إنشاء حزب الرئيس" بحجة وضع تنظيم سياسي لعمل الرئيس. وفى الواقع، لم تكن ملك هذه المبادرة بالنسبة إلى الذين رشحوه، والذين أيدوه، والذين انتخبوه إلا سبيلا للانفراد بالساحة السياسية. ومع فشل الحوار، لاسيما مع قادة الجبهة الإسلامية المسجونين، واقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة لسنة 1997، اتضحت هذه النية عندما تم إنشاء حزب "التجمع الوطني الديمقراطي" بضعة أشهر قبل هذا الموعد.
وكانت الحجة من إنشاء مثل هذه الحزب (21) هو خلق تنظيم سياسي يدعم الرئيس بسبب الانحراف المزعوم لجبهة التحرير الوطني (22) عن "خط نوفمبر".
بعد انتخاب الرئيس، بدأ الحديث عن أمرين اثنين. أولا، انتخابات تشريعية لتعويض المجلس الوطني الانتقالي" الذي تم إنشاؤه قبل سنتين كهيئة تشريعية غير منتخبة شكلتها السلطة من أشخاص تابعين لأحزاب وجمعيات مؤيدة لها على أساس مبدأ الحصص (quotas) ثانيا، إصدار قانون سمى بـ "قانون الرحمة" يسمح بعودة "المغرر بهم" من عناصر الجماعات المسلحة.
فبالنسبة إلى الانتخابات، لم يفاجأ الرأي العام قط بالفوز الساحق لهذا الحزب لاسيما بعد أن تبين المدى الذي بلغه اللجوء إلى التزوير. حينئذ، احتجت مجموعة كبيرة من نواب البرلمان على هذا التزوير وقامت بتعيين لجنة للتحقيق فيه. وتظل نتائج هذا التحقيق فى حكم الكتمان إلى حد الآن إن وقع، من حين إلى حين، وبحسب تطور الأحداث، تهديد بالكشف عنها. أما بالنسبة إلى "قانون الرحمة" فلم يتهافت المعنيون به على الاستفادة من أحكامه، وذلك لسببين: أولا، لأنه لم يختر أصحابه الحل السياسي، أي التفاوض المباشر مع الجبهة الإسلامية للإنقاذ كحزب، ثانيا، لأنه قدم المسألة على أنها مجرد جنوح لفتية غرر بهم وينتظر منهم التوبة وكأن السلطة لم تكن السبب في هذا الجنوح وكأنها أيضا كانت من الحلم والعدل ما جعلها "تعفو عند المقدرة".
الملاحظ أنه عندما تم "استكمال بناء المؤسسات الشرعية ظهرت أعمال القتل على أوسع نطاق. فقد شهدت سنتا 1998 و1998 مجازر جماعية بلغت من الحد ما جعل الجيش الإسلامي للإنقاذ، على ما يبدو، يقرر هدنة انفرادية لتبرئة ذمته مما كان يحدث من عمليات قتل ثار حولها جدل كبير بخصوص مدبريها ومرتكبيها في شكل سؤال "من يقتل من" بل وصدرت بشأنها كتب ومقالات كثيرة شوهت سمعة السلطة فى الجزائر أيما تشويه (23)، فإن لم تتهمها بالضلوع مباشرة اتهمتها بالتقصير في نجدة الأحياء المستهدفة التي كان البعض منها على مقربة من الثكنات العسكرية.
هكذا يبدو ان استكمال البناء المؤسساتي لم يحل الأزمة بل أدى إلى تفاقمها وانتهى، فئ الأخير، بإعلان السيد اليمين زروال، رئيس الجمهورية، استقالته بسبب خلافات يقال عنها إنها نشأت في قلب السلطة وخلقت توترا حادا بشأن كيفية التعامل مع الأزمة. وقد منح الرئيس المستقيل مهلة ستة أشهر ريثما يتم إيجاد خلف له.
لم يكن هذا الخلف شخصية أخرى غير وزير سابق للشئون الخارجية فى عهد الرئيس هوارى بومدين، علما أن السيد بوتفليقة سبق له أن رفض، فى أخر الأمر، العرض سنة 1994 لاشك بسبب عدم تمكنه من فرض شروطه. اختيار هذا الرجل يدل على أن أصحاب القرار ظلوا متمسكين بالمصدر التاريخي (24) كمورد للسلطة ملائما فعلوا مع السيد محمد بوضياف سنة 1992. والواقع أن الاختيار كان فى محله بمعنى ما لأن المواطن البسيط، لاسيما بعد اشتداد الأزمة، أولا كان معتزا بالإنجازات المنسوبة في ذهنه إلى الرئيس الراحل، وثانيا لأنه كان يحن إلى تلك الفترة التي شاع فيها السلم ولو بقبضة من حديد.
حتى وإن بعثت استقالة السيد اليمين زروال، فى البداية، على كثير من التشاؤم حول إمكانية حل الأزمة إلا أنها تركت قسطا من الأمل بشأن احتمال انطلاقة جديدة فى الممارسة السياسية بالجزائر، لاسيما مع بداية الحملة الانتخابية التي صال فيها "مرشح الإجماع" وجال في مختلف أرجاء الوطن مشيرا إلى كل كبيرة وصغيرة في ما يخص الدرجة التي بلغها فساد النظام. وقد جاعت تسميته بـ"أمرشح الإجماع" اللإيحاء بقرب انفراج الأزمة بفضل كقاعة الرجل المختار. وفى ظل هذا الإجماع المزعوم، انتهت أهم الأحزاب المنافسة إلى الاقتناع بعدم جدوى المشاركة في الانتخابات الرئاسية المقررة لشهر أبريل 1999، فانسحبت عشية الاقتراع مصرحة ما الفائدة إذا كانت الأمور محسومة منذ البداية إلا أن ذلك لم يثن من عزم مرشح الإجماع صراح يخوض غمار المنافسة الانتخابية من دون منافس. وفاز بل وفاز، سنة 2004، لعهدة ثانية (25)، ويشاع أنه ينوى المبادرة بتعديل دستوري من أجل حذف البند لمتعلق بمنع عهدة رئاسية ثالثة ينص على ذلك الدستور المعدل، هو الآخر، سنة 1996. وعليه، ألا يحق لنا القول إنها عودة إلى البداية بعد استعراض أهم الأحداث التي ميزت الساحة السياسية الجزائرية منذ أحداث أكتوبر 1988 الدامية، ووشوك الدولة على القضاء على ظاهرة الإرهاب بفضل أسباب متعددة من بينها اعتماد رئيس جمهورية منذ وصوله إلى الحكم على مفهوم "الوئام المدني" ويقع الحديث الآن عن "مصالحة وطنية" ينتظر الرأي العام توضيح معالمها (26)، لابد لنا من التساؤل عن المكتسبات التي حققتها الجزائر في اتجاه إقامة نظام ديمقراطي، شأنها شأن الأمم الأخرى في ظل العولمة.
لعله من المفيد الانطلاق من تلك المجالات الخمسة التي يشير إليها ديلمن B.DILMAN فى مقال له (27) صدر فى كتاب جماعى حول الجزائر أشرف عليه واحد من المحللين الأمريكيين الذين لهم دراية بالشأن الجزائرى، ألا وهو أنتيليس J.ENTELIS
أ- التنظيم الحزبي:
لقد صارت هناك تعددية حزبية فى الجزائر منذ 1989 وهى تعددية معترف بها صور فى كل من دستور 1989 وصيغته المعدلة سنة 996 1، وكذا فى القانون العضوي المتعلق بالأحزاب الصادر سنة 1997 الذي جاء لينظم كيفية تأسيس الأحزاب ويبين شروط نشاطها. بالإضافة إلى ذلك، تعرف الظاهرة الحزبية فى الجزائر ترسبا، إذ أنه بعد أن بلغ عدد الأحزاب فى مطلع التسعينيات ما لا يقل عن ستين حزبا نجده قد تقلص اليوم إلى نحو اثني عشر حزبا تمثل الطيف السياسى من أقصاه إلى أقصاه، حوالي ستة منها ممثلة في البرلمان. وهناك، على العموم، شبه إجماع على أن هذا الطيف مشكل من ثلاثة تيارات سياسية أساسية هى: التيار الإسلامى (الذي يبدو فى تراجع)، التيار الوطنى، والتيار الديمقراطى المسمى فى بعض الأحيان بالتيار "العلمانى". بطبيعة الحال، هذا التقسيم، ككل تقسيم، يبقى جزافيا، ويبدو أن التشبث به لن يفيد كثيرا فى فهم الطيف السياسى فى الجزائر وقد يشوهه ويعرقل تبلوره لأنه يفرض تصرفات سياسية غير متماشية مع واقع الأمور فى الميدان، بالإضافة إلى ما يترتب عليه من رفض للآخر.
ومع ذلك، لا يكمن المشكل المطروح بالنسبة إلى الأحزاب السياسية فى الجزائر فقط فى رفض السلطة إلى حد الآن تحرير الساحة السياسية وإنما أيضا فى ممارسات الأحزاب ذاتها إذ نجدها لا تنقطع عن الدعوة إلى بناء نظام ديمقراطي هي ذاتها غير مطبقة له على مستواها. فمنذ ظهور التعددية، وإلى اليوم، لم يسلم أي حزب من ظهور "جناح إصلاحى" فيه حامل لمآخذ ذات صلة بدمقرطة الحزب ونبذ الزعامة.
ب- النخبة السياسية:
لقد كان من شأن التعددية السياسية أن أدت إلى ظ!ر نخبة سياسية جديدة خارج الإطار التقليدي المتمثل فى جبهة التحرير الوطنى. تتميز هذه النخبة بصغر سنها ومستوى تعليمها، وكذا تنوعها وتحررها من عقدة الاستعمار وتطلعها إلى اكتساب المشروعية السياسية من العمل فى الميدان لا على أساس تاريخي. غير أن هذه النخبة لا زالت فى حاجة إلى تأكيد تخلصها من الممارسات السياسية القديمة، كما تظل مقيدة بأعباء الماضي إذ نجد الكثير منها ير كزعلى جوانب معنوية، مثل مسالة الهوية وجفاء خطابها للغرب. كما أن الكثير من النخب الحزبية تساير السلطة الحاكمة وتريد مقايضة هذه المسايرة بمنافع سياسية ومادية، مما سيزيد فى فساد النظام السياسى الجزائرى إن لم تتغلب قوى أخرى تتصدى لذلك. كما عليها أيضا أن تقلع عن عادة مجاملة العامة والجري ورآها عوضا أن ترفعها إلى مستواها حتى وان اقتضى ذلك قول بعض الحقائق المرة.
بالإضافة إلى ما سبق، تعانى النخبة السياسية بسبب غياب نخبة مثقفة بمعنى أنتليجانسيا، وليس مجرد مثقفين أفرادا قادرة على أن تفرض عليها إعادة نظر دائمة في مسلماتها (28).
جـ - الثقافة السياسية:
لقد فرضت التعددية الحزبية ثقافة تقر، على الأقل من الناحية الصورية إلى حد الآن، بمبدأ الحوار والتفتح على الغير، وبالحق في الاختلاف (السياسي والثقافي) وفى حق كل جزائري في "حب الجزائر على طريقته". لكن يبقى على هذا الاتجاه أن يتبلور أكثر حتى يضحى ثقافة سياسية تؤثر فعلا في سلوك القوى السياسية الوطنية.
ويكن ذلك على مستوى التعامل داخل نفس القوى السياسية ومستوى تعامل هذه القوى مع غيرها من القوى السياسية والمستجدات على الساحة الدولية.
وعلى صعيد أخر، التطورات التي تحدث في الجزائر تشير إلى انفتاح ثقافي ولغوى أكثر وإلى اعتبار أكبر بالواقع على حساب الأيديولوجيا. مثلا، لم يعد الجزائري، على العموم، يجد حرجا في الاعتراف بالأصل الأمازيغى لسكان الجزائر. كما أنه صار يغترف بحق اللغة الأمازيغية والناطقين بها حتى وان كان لا يتحدث هنه اللغة. كذلك، بدأ التمييز بين "المفرنس والمعرب" يتضاءل بحيث لم تعد اللغة هى الفاصل وإنما الأفكار التى تحتويها هذه اللغة.
أما فيما يخص الثقافة السياسية على وجه التحديد، أى تلك المتعلقة بالسلطة فى النظام السياسى، ورغم مرور أكثر من خمس عشرة سنة على ظهور التعددية، تفيد التجربة فى مجال الممارسة السياسية أن الحكم فى البلاد لازال فى يد العسكر(أى قادة الجيش البارزين) (29) وإن كانت هناك دلائل تشير إلى فقدانهم له شينا فشينا.
يتجلى دور العسكر من خلال أمرين أساسيين: التدخل (أو على الأقل النظر فى بعض الأحيان) فى تعيين المسؤولين فى المناصب أو عزلهم منها والحصول على مختلف الامتيازات التي يرغب فيها أقطاب المؤسسة العسكرية.
فى الجزائر، كما هو الشأن فى معظم البلدان المتأخرة، نادرا ما كان هناك وزير دفاع، إذ يبقى رئيس الجمهورية هو الشاغل لهذا المنصب. لعل سبب هذا الرأي كامن فى الحاجة إلى الاحتياط لأية محاولة انقلابية.
الآن، تبدو الأمور متجهة نحو "تطبيع" العلاقة بين الجيش والسياسة نحو انفصال المؤسسة العسكرية عن السلطة المدنية وخضوعها لها باعتبارها سلطة منتخبة، ولا أدل على ذلك من التغييرات التى يجريها الرئيس بوتفليقة منذ مدة فى القيادة العسكرية. وتلك ضرورة يمليها الاتجاه الساند فى العالم، كما يقتضيها مطلب إحتراف الجيش. فى ما يخص الجزائر، لعل العلاقة التى تسعى لإقامتها مع الناتو، وإهتمام هذا الأخير بهذه العلاقة، سيكون من شأنها المساعدة على ابتعاد الجيش عن السياسة وانصرافه إلى مهامه العادية والعمل على تحقيق الاحتراف. بل أزعم أن الفصل بين الجيش والسياسة سيكون سابقة للفصل بين الدين والدولة اللذين أفسد الربط بينهما على الناس دينهم وسياستهم معا.
د- تنامى ظاهرة المجتمع المدنى:
ما فتنت التنظيمات الجمعوية (عشرات الآلاف من الجمعيات، وفى مناحي الحياة) تتكاثر ومطالب مختلف الفئات الاجتماعية تتزايد، مطالب يبلغ التعبير عنها، فى بعض الأحيان، إلى حد اللجوء إلى صيغ عنيفة كغلق أماكن العمل أو قطع الطرقات أو مهاجمة أجهزة الدولة المحلية، وما إلى ذلك. التجربة لا زالت فتية وهى في حاجة إلى نضج بفضل التجربة.
ولئن كانت النقابات العمالية تحتل الصدارة فى المجتمع المدني إلا أن ما يعوق عملها فى الجزائر هو إصرار السلطة على الأحادية النقابية، بالإضافة إلى الطابع السياسي الذي اتخذه العمل النقابي، منذ حرب التحرير، حيث انصرف اهتمام الاتحاد العام للعمال الجزائريين إلى الدفاع عن مطالب سياسية، ولازالت هذه الممارسة سائدة إلى اليوم إذ تميل القيادة المركزية لهذا التنظيم إلى الانشغال بالسياسة والمقايضة السياسية مع السلطة عوضا عن تصرف جهودها إلى الدفاع عن حقوق العمال لاسيما فى هذا الظرف المتميز بخوصصة المؤسسات الاقتصادية العمومية التى ساد نظامها من قبل (30).
الأمر الثانى الذى تجدر الإشارة إلية فى هذا المقام هو تطور وضع المرأة فى الجزائر وتزايد حضورها فى المجالات العمومية إذ يكاد لا يوجد أي مجال لم تقتحمه المرأة. واليوم يجرى الحديث بقوة عن تعديل قانون الأسرة (الصادر سنة 1984) المستمدة أحكامه من الشريعة الإسلامية، تعديل هو الآن محل صراع حاد بين مؤيد ورافض. بالنسبة إلى المنادين به، المراد من هذا التعديل هو الاستجابة لمتطلبات العصر من بينها حقوق الإنسان، أما بالنسبة إلى الرافضين له (ولا شك أنهم يدركون ضعف حجتهم)، فإن الأمر يتعلق ب. المساس بثوابت الامه ان المساله واختلاف المستويات الثقافيه لاسما بين والارياف ما يدعو الى قلبها من جميع جوانبها ثم ان المجتمعات البشريه ذات لاتنظر القوانين فى تطويرها.
المراجع:
1- بعد إقرار التعددية الحزبية فى الجزائر سنة 1989، لم يمر وقت حتى راجت فكرة ساخرة مفادها أن ما تعرفه الجزائر لم يكن تعددية حزبية وإنما تعددا لأحزاب واحدة (multiple single parties).
2- الكثير من قادة الأحزاب الجديدة ومناضليها جاعوا من جبهة التحرير الوطنى. ذلك أمر لا يثير أى استغراب مادامت الجبهة كانت الحزب الوحيد ومادام للناس فى السياسة مذاهب.
3- لقد كان ذلك بمثابة تأكيد أن حزب جبهة التحرير الوطنى لم يكن أبدا الحزب الحاكم دائما الحزب الذى حكم باسمه. جبهة التحرير الوطنى ذاتها ركزت على هذه المسألة نفيا للمسؤولية عنها فى ما آلت إليه الجزائر. وهكذا يجوز لنا أن نذهب إلى ما ذهب إليه المفكر السياسى الأمريكى "هـ. ك. مور" حين اعتبر الجزائر "دولة من غير حزب". انظر:
Henry Clement Moore, Political Parties in Independent North Africa in Leon CarlBrown (ed.), State and Society in independent North Africa, Washington D.C, The Middle East Institute, 1966, pp 22-40.
4- من غرائب الأمور أن يتم، بعد أكثر من عشر سنوات، تعيين ذات الشخصية، محمد شريف مساعديه، على رأس الغرفة البرلمانية العليا المتمثلة فى "مجلس الأمة"، أى "الشخصية الثانية". فى الدولة الجزائرية وهو ما يرى فيه المدعون حجة على أن النظام السياسى فى الجزائر يبقى عصيا على التغيير، على الأقل على المدى المنظور.
5- ما انفك رئيس الجمهورية آنذاك يؤكد انتماءه لجبهة التحرير الوطنى باعتبارها حزب أبناء نوفمبر.
6- وهو نفس الكلام الذى خاطبنى به أحد قيادى الجبهة فى مقابلة معه عندما كنت بصد إنجاز دكتوراه دولة حول "تجربة الحزب الواحد فى الجزائر".
7 - صدر المقال بيومية La Tribune, بتاريخ 20 ديسمبر 1995، ص 12-13.
8- أسبوعية الحقيقة، 1-7 نوفمبر 1995، ص 15- 17.
9- يبدو أن انتماءه إلى هذا الحزب لم يعد إلا تاريخيا.
10- انظر الحوار الصحفى الذى خص به أسبوعية الخبر الجزائرية الصادرة للفترة من 25 إلى (3 ديسمبر 2004).
11- المقصود بـ "الجهاز" الأمين العام للحزب ومقربيه بالدرجة الأولى لأن تلك المواقف التى كان الحزب يقفها من السلطة فى تلك الفترة كانت بفعل هؤلاء، لاسيما الأمين العام، وليس موقفا صادرا عن مداولات واسعة داخل أجهزة الحزب المختلفة خاصة وان الحزب لم يستطع إلى تلك الفترة عقد مؤتمر له منذ 1989.
12- انظر مثلا: يومية Elwatan الصادرة فى 14 نوفمبر 1995.
13- عندما تبدل المعطى السياسى فى عهد الرئيس الحالى، تم تبديل السيد بن حمودة بشخصية قريبة من الرئيس (مدير حملته الانتخابية سنة 1989). غير أن الغريب فى الأمر، ربما، هو إقدام هذه الشخصية بمناسبة الانتخابات الرئاسية التى جرت سنة 2004 على الترشح باسم حزبها ضد الرئيس بوتفليقة المتقدم لعهدة ثانية، وكانت معارضته، على الأقل من حيث، التصريحات أشد معارضات باقى المرشحين على الإطلاق.
14- بطبيعة الحال، يطرح استعمال كلمة "الحزب" هنا مشكلة لأن المفهوم لا يدل على حزب بمعنى الكلمة وإنما على قوى سياسية، معظمها عسكر، استولوا، بقوة السلاح، على السلطة بعد الاستقلال.
15- لعله يكفى، للدلالة على مثل هذا التساهل، الإشارة إلى قيام السيد على بلحاج (القائد الثانى فى الجبهة الإسلامية للإنقاذ) أثناء حرب الولايات المتحدة الأمريكية على العراق بسبب غزوها الكويت، من غير موعد بزيارة إلى وزارة الدفاع الوطنى ببذلة عسكرية طالبا مقابلة الوزير الذى خرج إليه ببذلة مدنية. وكان الغرض من الزيارة الطلب بتمكين الجزائريين من الذهاب إلى العراق من أجل "الجهاد".
16- معنى ذلك أن الجبهة الإسلامية للإنقاذ كان يكفيها أن تحصل على 28 مقعدا إضافيا فى الدور الثانى لضمان الأغلبية المطلقة فى المجلس الشعبى الوطنى (البرلمان). أما نتائج الانتخابات فى الدور الأول، فقد جاعت كالآتى:
- الجبهة الإسلامية للإنقاذ: 188 مقعدا.
- جبهة القوى الاشتراكية: 25 مقعدا.
(حزب وطنى يستمد قاعدته من منطقة القبائل بالدرجة الأولى، تأسس فى سنة 1963 وبقى نشاطه فى السرية إلى غاية 1989)
- جبهة التحرير الوطنى (الحزب الواحد منذ الاستقلال): 15 مقعدا.
17- الجدل الذى قام حول ما إذا كان رئيس الجمهورية قد استقال أو أقيل لا يبدو، فى، نظرى، ذا قيمة مادام قرار توقيف المسار الانتخابى ذاته مادام هذا القرار لم يأت من جانب الرئيس. ريما قد يذكر البعض له الفضل فى تجنيب البلاد أزمة سياسية، إلا أن السؤال يبقى، مع ذلك، واردا: هل جنب البلاد هذه الأزمة بانسحابه، أم جاء هذا الانسحاب كمجرد تخل عنها لمصير مجهول؟
18- ليس من المبالغة القول إن توقيف المسار الانتخابى ليبد و اليوم أشبه ما يكون بالخطيئة الكبرى. أولا، لأنه لم يجنب
البلاد "حمام الدم" الذى كان يخشى منه بسبب وممول الجبهة الإسلامية للإنقاذ إلى الحكم، وربما حمام الدم هذا كان سيطال المتخاصمين قبل غيرهم من بسطاء الشعب ثانيا، قطع الطريق أمام "نظام حكم فاشستى" لم ينفع المسيرة الديمقراطية إلى حد الآن أو يمنع من فساد العملية السياسية.
19- انظر أسبوعية الحقيقة، 25-31 أكتوبر 1995، ص 15- 18.
20- من المعلوم أن هذا الترشيح وقع بعد رفض السيد بوتفليقة، الرئيس الحالى، عرض المؤسسة العسكرية.
21- الغريب فى الأمر حقا أن نجد حزب الرئيس يلتهم الرئيس عندما اضطر إلى الاستقالة سنة 1998.
22- من اللافت للانتباه حقا أن الحزب الحاكم فى الجزائر فى السابق لم يغير اسمه بعد إقرار التعددية مثلما وقع فى كل من مصر وتونس، على سبيل المثال، حيث غير الحزبان فى هذين البلدين اسميهما بإدراج صفة "الديمقراطى" وظلا، مثلما فى السابق، حاكمين فى عهد التعددية باسم نظام جديد. كما أن حزب السلطة الجديد الذى ظهر فى الجزائر (التجمع الوطنى الديمقراطى) لم يكن الرئيس المنتخب من صفوفه دائما اكتفى هذا الحزب بتأييده من دون تقديم مرشح خاص به.
23- كثيرا ما كانت هذه المجازر تفسر على أنها علامة على حدة التوتر داخل النظام.
24- لقد لجأت السلطة، منذ 1992 دائما إلى فكرة الرجل المنقذ فراحت تبحث عنه فى التاريخ: سنة 1992، أتت بالسيد بوضياف المعروف بواحد من "أباء ثورة التحرير الوطنى" (ويشاع أن شخصية تاريخية مثل السيد آيت أحمد رفضت العرض)، ثم، وبعد أن رفض السيد بوتفليقة، أوتى بالسيد اليمين زروال الذى اشتهر باستقالته كقائد عسكرى فى عهد الرئيس الشادلى بن جديد، ثم السيد عبدالعزيز بوتفليقة بوصفه وزيرا فى عهد الرئيس بومدين، "عهد أمجاد الجزائر".
25- من الملاحظ فى هذه الانتخابات، أن الرئيس المترشح حقق فوزا ساحقا (85%). لقد تقدم إلى هذه الانتخابات، مثل سابقتها، كمترشح "حر" مؤيد من طرف الحركة الإسلامية حمس وحزب النظام "التجمع الوطنى الديمقراطى". أما جبهة التحرير الوطنى، وعلى عكس المرة السابقة، قدمت مرشحا لها يشاع أنه كان محل رضا المؤسسة العسكرية، أو على الأقل جزءا من قيادتها. وأما جبهة القوى الاشتراكية التى رفضت دائما ما اعتبرته "مسخرة انتخابية"، فلم تشارك.
26- هناك أصداء تفيد أن "المصالحة الوطنية" التى يريدها الرئيس بوتفليقة ستطال مسائل ممتدة إلى ما قبل الاستقلال.
27- Bradford Dillman, Transition to Democracy in Algeria, in J.P. Entelis and P.C.
Naylor, eds., State and Society in Algeria, Westview Press, Boulder, Colorado, USA, 1992.
ينهى صاحب المقال بإبداء أسفه عن توقف مسيرة (أى إلى غاية 1992) كان من الممكن أن تحقق توازنا مصلحيا بين "الإسلام، العلمانية، والديمقراطية" (ص 51).
28- بخصوض إشكالية هذه الأنتليجانسيا فى الجزائر، انظر:
- Amin Khan, Les intellectuels enter identit et moderint, in A. El-Kenz, dir., L'Algierie Et la modernit, Srie des livres du CODESRIA, Dakar, Sengal, 1989, P 265-P 287.
29 - عن دور الجيش فى العملية السياسية، انظر مثلا:
- M. T Ben Saada, Le rgime politique algrien. De la legitimit historique la lgitmit ,constitutionnelle, Enal, Alger, Algrie, 1992, P 94 – P 104.
30- فى هذا الشأن، انظر مثلا:
عبدالناصر جابى، الجزائر: من الحركة العمالية إلى الحركة الاجتماعية، المعهد الوطنى للعمل، الجزائر، 2001.