Share |
اكتوبر 2005
1
إيران:التداعيات السياسية للأزمة النووية
المصدر: الديمقراطية
بقلم:   حسام سويلم

تصاعدت فى الآونة الأخيرة الأزمة الناشئة بين الولايات المتحدة والوكالة الدولية للطاقة من جهة وبين إيران من جهة أخرى بسبب إعادة تشغيل طهران لمنشأة (عيالى) قرب أصفهان والمخصصة لتحويل اليورانيوم إلى غاز هيكسوفلوريد اليورانيوم (UF6)، وهى المرحلة التى تسبق تخصيب اليورانيوم فى منشأة (ناتانز) حيث يتحول فيها إلى (يورانيوم 235) الذى يمكن استخدامه بعد ذلك فى تصنيع الأسلحة النووية.
ومن المؤكد أن الضغوط السياسية التى مارستها كل من الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران والدول الكبرى التى تساعدها فى برنامجها النووى والصاروخى قد فشلت فى إجبار إيران على إيقاف هذا البرنامج. حيث استمرت إيران بقوة دفع عالية من أجل استكمال هذا البرنامج،، وهما فى سباق مع الزمن من أجل استكماله. وما تقوم به طهران من مناورات سياسية ومفاوضات مع كل من الوكالة الدولية للطاقة مجموعة الترويكا الأوروبية، إنما هو من أجل كسب الوقت اللازم الاستكمال هذا البرنامج فى بعديه النووى والصاروخى، وتحصينه تحسبا واستعدادا للمواجهة وصد الضربات المتوقعة ضد المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل.
وكان مرشد الثورة الإيرانية آية الله على خامينئى قد أصدر العام الماضى فتوى تحرم استخدام السلاح النووى باعتباره عملا منافيا للإسلام، وتعهد بألا يسعى أى مواطن إيرانى لامتلاك هذه القنبلة المدمرة، وذلك فى خطوة تهدف إلى طمأنة الدول الأوروبية التى تتفاوض مع بلاده، مؤكدا أن البرنامج النووى الإيرانى مخصص فقط لتوليد الطاقة الكهربائية والاستخدامات السلمية الأخرى للطاقة، والتى تبلغ 24 استخداما فى المجالات المدنية الطبية والزراعية والصناعية وغيرها.
ومما لاشك فيه أن الولايات المتحدة وضعت عدة خيارات لتوجيه ضربة عسكرية جوية وصاروخية ضد المنشآت النووية والصاروخية الإيرانية، سواء بمفردها أو بالاشتراك مع إسرائيل، إلا أن هذه الضربة تواجهها عدة مصاعب على النحو التالى: أ- اختلافها عن الضربة الجوية الإسرائيلية التى وجهت ضد مفاعل أوزيراك العراقى فى عام 1981 لانتفاء عنصر المفاجأة من جهة، وتعدد الأهداف الإيرانية المطلوب قصفها، هذا بالإضافة لتحسب إيران المسبق بنشر أهدافها النووية والصاروخية والعسكرية وتحصينها تحت الأرض، مع تغيير أماكنها باستمرار - خاصة الأجزاء الحساسة من مكونات البرنامج النووى والصاروخى - مع وضع أهداف هيكلية لتشتيت الهجمات الجوية الأمريكية أو الإسرائيلية أو المشتركة بينهما، هذا إلى جانب تكثيف الدفاعات الجوية الأرضية عن هذه الأهداف، وفرض درجة عالية من الأمن والسرية على المنشآت النووية والصاروخية ومكونات برامجها. ناهيك بالطبع عن طول المسافة بين إسرائيل وإيران فى حالة مشاركة الأولى فى الضربة المتوقعة ضد إيران.
ب- وبنجاح هذه الضربة فى تحقيق أهدافها فإن الولايات المتحدة مطالبة بتخصيص حوالى 250- 300 طائرة قتال للاشتراك فيها، بالنظر لكثرة الأهداف الإيرانية التى سيتم التعامل معها حيث يكون إجمالى الأهداف الإيرانية المطلوب قصفها - تدميرا أو اسكاتا - حوالى 40-45 هدف، يحتاج إسكات كل منهم إلى حوالى 4-5 طائرة قتال، أما احتياجات التدمير فإنها تتطلب تخصيص 6 طائرات قتال لكل هدف، بإجمالى حوالى 225 مقاتلة F-16. ولتأمين عمل هذه الطائرات فى مواجهة المقاتلات الاعتراضية الإيرانية، فإن الأمر يتطلب تخصيص ما لا يقل عن 20 مقاتلة اعتراضية 15-F لتحقيق السيطرة الجوية فوق أرض المعركة. وبذلك يصل عدد المقاتلات القاذفة الاعتراضية المطلوب تخصيصها لهذه العملية حوالى 250 مقاتلة. أضف إلى هذا حوالى 2-3 طائرة إنذار مبكر وقيادة وسيطرة E2C، وحوالى 3-4 طائرة إمداد بالوقود فى الجو، وحوالى 10 مروحيات إنقاذ طيارين فى حالة سقوطهم، و20 مروحية هجومية (أباتشى) للتعامل مع الأهداف الإيرانية المتحركة، خاصة عناصر الحرس الثورى الإيرانى وزوارقهم البحرية، الأمر الذى يرفع إجمالى طائرات القتال التى ينبغى أن تشترك فى هذه العملية إلى حوالى 300 طائرة قتال متنوعة الاستخدام، وهو عدد خارج قدرات إسرائيل الجوية التى لا تمتلك أكثر من 250 مقاتلة F-16، الوضع الذى يحتم إشراك القوات الجوية الأمريكية فى هذه العملية، لأنها تملك إمكانات ضخمة تمكنها من ذلك. وأن كان من الممكن تخفيض عدد المقاتلات القاذفة (F-16) إذا ما تم التعامل مع المنشآت الإيرانية الثابتة بصواريخ باليستية أو كروز مثل (توماهوك) كما حدث من قبل فى حربى الخليج الثانية والثالثة ضد العراق. كما ستستخدم نوعيات من الذخائر الجوية التى تم تطويرها فى العامين الأخيرين لتلبى متطلبات تدمير المنشآت المحصنة على أعماق تحت الأرض تصل إلى 30 مترا، من المؤكد أن إيران تخفى فيها وتحصن الأجزاء الحيوية والمهمة من منشآتها النووية، قبل أجهزة الطرد المركزى (5000 جهاز) المخصصة لعمليات تخصيب اليورانيوم.
د- التحسب المسبق لردود الفعل الانتقامية الإيرانية، والتى عبر عنها أكثر من مسئول إيرانى ووصفها بأنها ستكون "ساحقة" وتخرج عن تصور المخططين الأمريكيين وستكبد الأمريكيين خسائر بشرية جسيمة، حيث تتوقع أن يمضى السيناريو بعد القصف الجوى والصاروخى الأمريكى أو المشترك مع إسرائيل على النحو التالى: 1- قيام وسائل الدفاع الجوى الإيرانية (كتائب الصواريخ أرض/جو والمقاتلات الاعتراضية) باعتراض طائرات وصواريخ الضربة الأمريكية، وذلك اعتمادا على أنظمة الرادارات السلبية التى حصلت عليها من روسيا وأوكرانيا، والتى لا يمكن التداخل عليها، كذلك بواسطة (السدود النارية) التى أقامتها وسائل الدفاع الجوى الأرضية على طرق الاقتراب المتوقعة للمقاتلات الأمريكية نحو أهدافها، وإحداث أكبر خسائر ممكنة فى الطائرات والطيارين الأمريكيين.
2- بعد استيعاب إيران للضربة الجوية والصاروخية الأمريكية والإسرائيلية، وبناء على المعلومات التى توفرت عن القواعد الجوية والمطارات المتواجدة بالمنطقة والتى أقلعت منها هذه الطائرات، والتى تقع فى مدى الصواريخ شهاب -3 (2000 كم) ستقوم إيران بشن ضربات صاروخية ضد هذه القواعد والمناطق، بالإضافة للقواعد الأمريكية المتواجدة على الساحل الغربى، للخليج وفى العراق بهدف إحداث أكبر خسائر بشرية ومادية فى الجانب الأمريكى. ولكى تحقق هذه الضربة الصاروخية الإيرانية الخسائر التى تستهدفها إيران ينبغى ألا يقل عدد الصواريخ التى يقصف بها أى هدف عن 6-8 صاروخ. ومع افتراض أن إيران ستخصص 100 صاروخ شهاب لهذه الضربة الانتقامية - وهو الحجم المتوقع أن يكون قد تم تصنيعه فى إيران مع إبقاء احتياطى عمليات لا يقل عن 50 صاروخا - فمعنى ذلك أن إيران ستقصف بهذه الصواريخ حوالى 13- 15 هدفا أمريكيا فى الدائرة المتواجد بها قواعد وأهداف أمريكية، وتمتد من باكستان وأفغانستان شرقا، وبلدان آسيا الوسطى وتركيا التى بها قواعد أمريكية شمالا، وفى العراق ودول الخليج العربية ومياه الخليج غربا وجنوبا. هذا بالإضافة لاحتمال اشتراك المقاتلات القاذفة الإيرانية (سوخوى-24) فى توجيه ضربات جوية ضد الأهداف الأمريكية الغربية فى العراق ومنطقة الخليج، وسيزداد الأمر سوءا إذا ما سلحت إيران صواريخها وطائراتها برؤوس وقنابل كيماوية، حيث يستطيع كل صاروخ أن يلوث خمسين هيكتارا بإجمالى 5000 هكتار إذا ما استخدمت إيران مائة صاروخ. وهذه هى الضربة الثانية فى هذه العملية.
3- ومن المتوقع أن تقوم الولايات المتحدة أو إسرائيل أو كلاهما بالرد على الضربة الانتقامية الإيرانية بشن ضربة ثالثة غالبا ما ستكون بواسطة صواريخ كروز نووية تكتيكية ضد الأهداف العسكرية الإيرانية، خاصة مواقع الحرس الثورى والقواعد البحرية الإيرانية والخليج والجزر المتحكمة فى مضيق هرمز - وهو ما هددت به الولايات المتحدة وإسرائيل، حيث توعدت الأخيرة بأنه إذا تعرضت أراضيها لهجمات صاروخية إيرانية، فإن الرد الإسرائيلى سيكون نوويا بواسطة صواريخ كروز المسلح بها الغواصات الإسرائيلية (دولفين) ألمانية الصنع. وقد تشمل هذه الضربة الأمريكية قصف أهداف إيرانية ذات قيمة اقتصادية واستراتيجية حيوية، مثل حقول ومنشآت النفط.
4- ولان إيران تتوقع أن تتعرض لضربات نووية أثناء هذه العملية - سواء من جانب الولايات المتحدة أو إسرائيل أو كليهما، فقد هددت بأن يكون ردها كاسحا بشن هجمات بشرية بما لا يقل عن 10 ملايين فرد من الحرب الثورى (البازدران) والمتطوعين (الباسيج) ينطلقون فى موجات بشرية عبر الحدود مع العراق لشن هجمات ضد أماكن تواجد القوات الأمريكية فى العراق، وبشن هجمات بحرية انتحارية بواسطة زوارق الصواريخ التابعة للبازدران ضد القواعد البحرية الأمريكية فى الساحل الغربى للخليج من بحر عمان فى الجنوب وحتى الكويت فى شمال الخليج، بالإضافة لهجمات أخرى ضد ناقلات النفط الغربية فى الخليج ومضيق هرمز بهدف إغلاقه فى وجه الملاحة الدولية. كما يتوقع إذا ما بلغ السيناريو هذا المستوى من التداعى أن يشمل الرد الانتقامى الإيرانى قصف كل الأهداف الأمريكية والإسرائيلية التى تطولها ما تبقى لديها من صواريخ شهاب ومقاتلات قاذفة.
5- وقد تتضمن العملية الأمريكية ضد إيران دفع عناصر المعارضة العراقية المقيمين فى الخارج - خاصة أعضاء منظمة مجاهدى خلق المقيمين فى العراق تحت سيطرة القوات الأمريكية لتنفيذ عمليات تخريبية واغتيالات ضد الأهداف والقيادات السياسية والعسكرية والنووية والصاروخية والاقتصادية على كل الساحة الإيرانية بهدف الإطاحة بنظام الحكم الدينى فى إيران، وفى هذا الإطار من المؤكد أن وكالات المخابرات الأمريكية والبريطانية والإسرائيلية ستعمل على تأليب وإثارة الأقليات الكبيرة المطالبة بالانفصال عن إيران، وأبرزها الأغلبية العربية فى إقليم الأهواز (عربستان) فى الجنوب والتى تعددت انتفاضاتها فى الآونة الأخيرة، بالإضافة لأكراد إيران الذين يسعون للحكم الذاتى والانفصال أسوة بإخوانهم فى كردستان العراق. لاسيما وأن مناطق الأكراد فى الجانبين العراقى والإيرانى تعتبر مناطق عمل ونفوذ واسعة للمخابرات الإسرائيلية (موساد).
هذا بالإضافة لإقليم بالوشيستان المضطرب فى الشرق على الحدود مع أفغانستان وباكستان.
6- وكنتيجة طبيعية لما يمكن أن يصيب النظام الإيرانى من ضعف نتيجة كل هذه الضربات الموجهة ضده، فإنه فى حالة عدم انهياره وتمسكه بالسلطة، لاسيما فى مناطق طهران وما يحيط بها، أن تقوم المخابرات الأمريكية بتجهيز حكومة إيرانية مضادة فى المناطق التى خرجت عن سيطرة حكومة طهران لاسيما فى أقاليم عربستان وكردستان وبلوشستان، تكون مناهضة لحكم الملالى الذى تم إضعافه فى طهران، وبما يشكل قواعد ومراكز تصدير انتفاضات واضطرابات ضد حكومة طهران.
ومما لاشك فيه أن للبرنامج النووى والصاروخى الإيرانى أهدافا سياسية وإستراتيجية رئيسية تدرك الولايات المتحدة وإسرائيل خطورتها على مصالحهما وأهدافهما فى المنطقة، ومن هنا جاءت شراسة الرفض والإصرار الأمريكى على منع إيران من استكمال برنامجها النووى بجميع الوسائل الممكنة، حتى وإن أدى الأمر إلى وقوع السيناريو الكارثى السابق إيضاحه. وتتمحور الأهداف الإيرانية فى ثلاثة أهداف هى: أ- تشكيل رادع نووى إيرانى فى مواجهة التهديدات التى تواجهها إيران من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل، لاسيما بعد أن حوصرت إيران بتواجد عسكرى أمريكى قوى فى العراق من الغرب، وفى أفغانستان من الشرق، وبقواعد عسكرية وأسطول أمريكى فى مياه الخليج ودول الخليج العربية، وأيضا بقواعد عسكرية أمريكية جديدة فى بلدان آسيا الوسطى فى شمال إيران وتركيا. وفى ظل اعتقاد إيرانى متزايد أن الولايات المتحدة وإسرائيل تريدان وتسعيان للإطاحة بنظام الحكم الدينى فى إيران، وهو ما يفسر استمرار الحصار والعقوبات والعزلة المفروضة على إيران، ب- كسر الاحتكار النووى الإسرائيلى فى منطقة الشرق الأوسط، وبما يصلح الميزان الاستراتيجى المختل حاليا فى المنطقة لصالح إسرائيل بسبب احتكارها النووى، وهو ما تستغله إسرائيل حاليا فى تنفيذ خططها التوسعية فى المنطقة على حساب الشعوب العربية وصولا إلى إسرائيل الكبرى التى يحلم بها حاخامات إسرائيل وزعماؤها.
ج- دعم النفوذ الإيرانى فى منطقة الشرق الأوسط والخليج على وجه الخصوص، وعلى الساحة العالمية بشكل عام، بعد أن تقتحم إيران النادى النووى عنوة، وهو ما يعنى استئناف سياسة تصدير الثورة الإيرانية إلى الدول العربية والإسلامية الأخرى، والتى توقفت فى السابق بسبب حرب الثمانى سنوات التى دارت بين العراق وإيران فى الثمانينيات.
تدرك الولايات المتحدة وإسرائيل أيضا خطورة ما يحققه التسلح النووى الإيرانى من دعم سياسى ومادى ومعنوى لكل من حليفتها سوريا وحزب الله - فى لبنان، وتشجيعهما على تحرى النفوذ الإسرائيلى فى المنطقة، وخطورة ذلك على المخططات الإسرائيلية بعيدة المدى فى المنطقة، وأيضا المخططات قصيرة المدى فيما يتعلق بتهديد حدود إسرائيل الشمالية فى منطقة الجليل، والمهددة فعلا بواسطة 12 ألف صاروخ ينشرها حزب الله فى جنوب لبنان يهدد بهم المستعمرات الإسرائيلية فى الجليل - طبقا لتصريح الشيخ حسن نصرالله أمين عام الحزب فى 25 مايو الماضى فى ذكرى الاحتفال بتحرير جنوب لبنان، مؤكدا على دور سوريا وإيران فى هذا التحرير، رافضا فكرة نزع سلاح المقاومة حيث اعتبر ذلك "ضربا من الجنون". لذلك ليس من المستبعد أن تشمل العمليات العسكرية الأمريكية والإسرائيلية شن ضربات صاروخية وجوية إسرائيلية وأمريكية أيضا ضد أهداف إستراتيجية منتقاة فى سوريا ومنطقة حزب الله فى جنوب لبنان.


أما فيما يتعلق بالجانب السياسى، فليس من المتوقع أن تعطى إيران الفرصة لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل أن يمضيا فى تنفيذ مخططاتهما لاستفزاز إيران حتى يتم ضربها على النحو السابق إيضاحه، وبما يؤدى فى النهاية إلى الإطاحة بنظام حكم الملالى فى إيران، وهو الهدف النهائى للولايات المتحدة وإسرائيل. لذلك ستدير إيران المعركة السياسية فى المرحلة المقبلة على نحو يؤدى إلى تبريد الأزمة وليس تسخينها، وذلك بالاكتفاء لما حققته من هدف بتحويل اليورانيوم إلى غاز UF-6 فى منشأة (عيالى) بأصفهان، دون استئناف عمليات التخصيب فى منشأة ناتانز، وإبقاء تعليق تخصيب اليورانيوم قائما تحت مراقبة ممثلى الوكالة الدولية للطاقة وكاميراتها التى تم تثبيتها فى هذه المنشأة. هذا إلى جانب الحرص على استئناف المفاوضات مع مجموعة الترويكا الأوروبية استنادا إلى المقترحات التى قدمتها إيران للأوروبيين فى مارس الماضى للخروج من الأزمة، والذى يؤكد على التزام كلا الطرفين بتعهدات متبادلة، تحتفظ فيها إيران بحقها القانونى فى امتلاك التكنولوجيا النووية، وهو ما تتيحه لها اتفاقية الحد من الانتشار النووى NPT فى مقابل تعهدات إيرانية بعدم امتلاك مواد نووية يمكن أن تؤدى إلى الحصول على أسلحة نووية.
كذلك من المتوقع أن يطرح الرئيس الإيرانى الجديد محمود نجاد مقترحات جديدة تشكل إطارا أوسع لحل الأزمة بشكل نهائى مع الولايات المتحدة، يدخل فى هذا الإطار الحصول على تعهدات أمريكية وأوروبية بعدم تهديد أمن إيران، والامتناع عن القيام بأعمال تجسسيه وتخريبية تستهدف الإطاحة بالنظام الحاكم، مع الاعتراف به والتعامل معه بندية، وذلك مقابل إشراف دولى كامل على الأنشطة النووية الإيرانية، بما فيها إيقاف نهائى لتخصيب اليورانيوم.
وأن كان كل ذلك لن يمنع إيران من الاستمرار فى أنشطتها النووية فى أماكن سرية داخل وخارج إيران - خاصة فى كوريا الشمالية ـ وخارج إمكانيات المراقبة التى تقوم بها الوكالة الدولية. وذلك فى إطار إستراتيجية نووية إيرانية مطابقة لتلك التى طبقتها إسرائيل من قبل، وتعرف بـ (الردع النووى بالشك).
أما إذا أصرت الولايات المتحدة على تحويل الملف النووى الإيرانى إلى مجلس الأمن بهدف استصدار قرار من المجلس بفرض عقوبات دولية (سياسية واقتصادية) على إيران، فإنه ليس من المتوقع أن ينجح مجلس الأمن فى استصدار قرار بذلك، حيث من المرجح أن تستخدم الصين حق الفيتو لمنع صدوره، ويحتمل روسيا أيضا. كما يتوقع أن تعارض دول أوروبية ـ مقدمتها ألمانيا - استصدار مثل هذا القرار، لما يسببه ذلك من استفزاز لإيران، والتى ترتبط معها الدول الأوروبية بمصالح اقتصادية واسعة، كما أنه يعد خطوة فى تصعيد وتسخين الأزمة وبما يؤدى فى النهاية إلى فرض الحل العسكرى، ناهيك عن أن النظام الإيرانى أصبح لا يعبأ كثيرا بعمليات الحصار والاحتواء والعزل السياسية والاقتصادية، بل والبحرية أيضا لأنه واقع بالفعل منذ قيام الثورة الإيرانية تحت وطأة هذه العمليات التى تأقلم معها ولم تحقق أهدافها، حيث تستغل إيران قدراتها الاقتصادية جيدا لإبطال مفعول عمليات الحصار والعزل التى تحاول الولايات المتحدة أن تفرضها عليها.