Share |
فبراير 2012
23
سد النهضة الإثيوبى: المنفعة والأضرار
المصدر: الأهرام اليومى

د. ضياء الدين القوصى

تقتضى الموضوعية وصحيح التحليل العلمى أن نتدارس مزايا وعيوب الإنشاء المنفلت للسدود فى حوض النيل ـ إلا أن سد النهضة الإثيوبى بالذات يستحق منا أن نبحث تأثير هذا الإنشاء على دولتى الممر والمصب (السودان ومصر) وأيضا على دولة المنبع وهى إثيوبيا ـ وسنحاول فى هذا السرد أن نتوخى أقصى درجات الحياد فى العرض والبساطة والسهولة فى توضيح الأمور.
سنبدأ بالآثار المتوقعة على السودان ومصر والتى جاء عنوان المقال معبرا عنها لأن المنفعة للبلدين أحادية وقد تكون عددا من الآحاد المتواضعة التأثير والمحدودة المردود أما الأضرار فهى عديدة ومتنوعة ومؤثرة ومهمة، وإلى حضراتكم الأسباب:
ـ هناك شبه إجماع بين جمهور الباحثين على أن السدود الإثيوبية ستعمل على خفض معدلات الترسيب والإطماء أمام السد العالى فى مصر مما سيزيد من عمره الافتراضى الذى يقدر بـ500 سنة بعدها قد يكون وصل إلى مستوى لا يسمح بالتخزين الحى ولا بتوليد الطاقة الكهرومائية.
ـ أما عن تأثير هذه السدود الإثيوبية على السودان فهناك إختلاف واضح عليه، فمن قائل بأنه سيوفر على البلاد ما يزيد على 12 مليون جنيه سنويا هى تكاليف تطهير وإزالة ورفع الطمى وهناك من يقول إن الماء المحمل بالطمى كان يتسبب فى زيادة خصوبة التربة السودانية ومن ثم فإن حجز الطمى أمام السدود الإثيوبية سيدفع السودان (مثلما حدث من قبل فى مصر) إلى تعويض الطمى المترسب بالأسمدة الكيماوية التى ستكبد البلاد مبالغ طائلة بالإضافة لما لها من أثار سلبية على البيئة والصحة العامة للمواطنين.
ـ هناك أيضا شبه إجماع على أن السدود الإثيوبية ستعمل على تنظيم الإمداد المائى لمصر والسودان فبدلا من الإندفاع المعتاد لكامل مياه الفيضان خلال فترة الهطول المطرى التى لا تزيد على 100 ـ 110 أيام سيصير توزيع المنصرف من إثيوبيا على فترة زمنية أوسع مما يحسن من إمكانية الاستفادة بها ورفع كفاءة استخدامها.
هناك من يقول إن كمية الطاقة التى ستنتجها السدود الإثيوبية تفوق عشرات الأضعاف قدرة المجتمع الإثيوبى على استيعابها والاستفادة بها وأن نقل هذه الطاقة إلى الجنوب والداخل الإفريقى يحتاج إلى خطوط وشبكات لا قبل للبلاد بها ولا بتكاليفها، ومن ثم فإن البديل المتاح لن يكون سوى بالاتجاه شمالا وشرقا إلى مصر والسودان وسيوفر ذلك للبلدين طاقة رخيصة يمكن الاستفادة بها محليا فى حالة السودان ويمكن لمصر أن تعيد تصديرها بأسعار اعلى إلى البلاد المجاورة.
أود أن ألفت نظر القاريء الكريم إلى أن المنافع التى سبق الإشارة إليها رغم تعددها فإنها جميعا تدخل فى قبيل تحصيل الحاصل فالسد العالى أنشيء لينظم حركة وإدارة المياه فى مصر ولن تضيف للسدود الإثيوبية على ذلك إلا النزر اليسير كما أن إطالة العمر الافتراضى للسد من 500 عام إلى مايزيد على ذلك بقليل أو بكثير لا تضيف إلى مزاياه ولا تنتقص من هذه المزايا ـ أما الأثار السالبة لإنشاء السدود الإثيوبية فهى بكل المقاييس والمعايير معنوية ومؤثرة ومهمة بل ويذهب البعض إلى انها مخيفة وقد تكون مثيرة للهلع والقلق للأسباب الآتية:
ـ لعل الضرر الرئيسى الذى يتحسب له المصريون والسوادنيون يكمن فى العجز المائى الخطير الذى سيحدث خلال فترة ملء الخزانات الإثيوبية فإذا كانت هذه الفترة قصيرة (من 3 ـ 5 سنوات فإن التأثير على العجز المائى فى مصر والسودان سيكون هائلا وربما كان أيضا مدمرا، أما إذا كانت هذه الفترة متوسطة (من 15 ـ 20 سنة) فربما كان الأثر أقل قسوة وأكثر إحتمالاـ أما إذا تم ملأ هذه الخزانات خلال فترة تزيد على 40 عاما فإن التأثير سيكون محتملا على الرغم من ذلك فإنه من المتوقع ان يتكرر العجز المائى فى هذه الحالة مرة كل أربع سنوات على وجه التقريب ويمكن ان يتراوح هذا العجز بين 9 ـ 12 مليار متر مكعب فى السنة فى حصة مصر وحدها وربما يقل العجز فى حصة السودان عن هذه الأرقام بقليل، ومن الضرورى أن نوضح هنا أن السعة التخزينية للسدود الإثيوبية ستكون خصما من المخزون أمام السدود السودانية والسد العالى فى مصر، وأن رى الأراضى الزراعية المزمع إدخالها فى الخدمة فى إثيوبيا والتى تصل مساحتها إلى 1.6 مليون هكتار(أو 4 ملايين فدان) سيكون خصما من حصة مصر والسودان بشكل مباشر يضاف إليها البخر من الأسطح المائية لهذه الخزانات الإثيوبية.
ونعود إلى ما أعلنته إثيوبيا وجنوب السودان مرارا وتكرارا من أن الإمداد المائى لمصر لن يقل بحال من الأحوال لا فى المستقبل القريب ولا البعيد. هذا على الرغم من أن جميع المؤشرات تؤكد أن التأثير على حصة مصر بالنقصان أمر لاشك ولا مراء فيه وأن هذا النقص يمكن أن يصل إلى ما يزيد على 20% من الحصة الحالية وهو أمر لا تستطيع مصر أن تتعايش معه بأى حال من الأحوال حيث سيؤثر بشكل واضح على الحياة الاقتصادية والاجتماعية فى البلاد ويمس حاضرها ومستقبلها بشكل مباشر.
ولعل أهم هذه المؤثرات بل والنتائج أن توقف مصر على الفور جميع برامج استصلاح الأراضى والتوسع الأفقى وأن تعدل عن زراعة الأراضى الصحراوية التى سبق استصلاحها منذ إنشاء السد العالى وتعود إلى الاقتصار على زراعة الأراضى القديمة فى الوادى والدلتا والتى لاتزيد مساحتها على 5 ـ 6 ملايين فدان بما يعود بالبلاد إلى الحقبة التى حكم فيها الوالى محمد على منذ مايزيد على مائتى عام ـ كذلك ستضطر البلاد إلى تكبد نفقات هائلة لإقامة العديد من مشروعات إعذاب المياه لسد العجز فى الموازنة المائية وتغطية متطلبات الشرب والصناعة.
ـ هذا ولايمكن أن يتأثر الإمداد المائى بدون التأثير المباشر على توليد الطاقة الكهربائية التى تفيد معظم الدراسات على أنها على الرغم من إمكانية عدم تأثر السودان بها سلبا إلا أن التأثير على الطاقة المولدة من السد العالى فى مصر يمكن أن تنحفض بما يتراوح بين 20 ـ 40%. بعد هذا الاستعراض لتأثير السدود الإثيوبية على كل من مصر والسودان يتبقى سؤال أخير هو ماذا عن آثار هذه السدود على إثيوبيا نفسها؟.