Share |
يوليو 2006
1
الثابت والمتغير فى سمات الشخصية
المصدر: الديمقراطية
بقلم:   احمد زايد

يزدهر الخطاب الثقافي والعلمي حول تكوين الشخصية القومية لشعب من الشعوب في أوقات الأزمة. فالأزمة تستدعى دائما التأمل الذاتي حول الهوية والمصير والمستقبل. ولذلك فإنه على الرغم من أن الحديث عن الشخصية القومية قد انزوى كثيرا من التراث العلمي العالمي فإنه يظل دائما مزدهرا في ثقافتنا العربية. ولقد ظهر الاهتمام العالمي بدراسات الشخصية أبناء الحرب العالمية الثنية عندما اهتم الأمريكيون بن لتعرف على خصائص الشعوب المعادية خاصة الشعب الياباني. حيث ظهر فرع متخصص في مجال العلوم الاجتماعية لدراسة الشخصية القومية إلا أن هذا النوع لم يزدهر كثيرا. وتطورت الدراسات فيه إلى دراسات ثقافية واجتماعية لمناطق من العالم أو لمجتمعات معينة. ورغم ذلك فقد ظل الاهتمام بالشخصية القومية كبيرا فى الخطاب الثقافي والعلمي فى الوطن العربي. ولقد ظهر هذا الاهتمام إثر هزيمة 1967 التى أفرزت ضريا من النقد الذاتي، تجسد فى عدد من الدراسات التى اتجهت إلى نقد السلوك العربي والعقلية العربية (كتابات صادق العظم وعلى زيعور وبرهان غليون والسيد ياسين) ونحو البحث عن الجذور التقليدية والتراثية لتكوين العقل العربي (كتابات محمد عابد الجابرى ومحمد جابر الأنصاري وحسن حنفي). وما يزال هذا الاهتمام بالنظر فى طبيعة العقل العربي وفى طبيعة تكوين الشخصية العربية يلازمنا كلما طلت علينا الأزمة برأسها، بل إنه يلازم تفكيرنا بشكل دائم طالما أن الأزمة تلازمنا.
وقد انعكس هذا الاهتمام بالنظر فى طبيعة تكوين العقل وبنية الشخصية القومية فى الخطاب العلمي والثقافي فى مصر. فقد أصدرت مجلة الفكر المعاصر عام 1969 عددا خاصا عن الشخصية المصرية كمن أجرى المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية بحثا نشر في منتصف الثمانينيات عن الشخصية المصرية (أعد تقريره كاتب هذه السطور). هذا فضلا عن الدراسات المتفرقة في رسائل الماجستير والدكتوراه في الجامعات. ورغم أن دراسات الشخصية القومية لم يحدث فيها زخم كبير في الآونة المعاصرة فإن النقد الذاتي لم يختف من الخطاب الثقافي العربي بعامة والمصري بخاصة بل أن هذا النقد انتقل إلى عالم الحين ة اليومية وأصبح زادا يوميا لأحاديث الناس ورأسمالا ثقافيا.
وأجد نفسي في هذه الورقة مختلفا أشد الاختلاف مع كل الأطروحات التي تؤكد على وجود سمات ثابتة للشخصية القومية المصرية كما أجد نفسي مختلفا مع كل صور النقد الذاتي التي تلقى جزافا والتي تتهم الشخصية المصرية باتهامات لا توجد براهين عليها سواء ظهرت هذه الاتهامات في الخطاب الثقافي أم كانت مبثوثة في أحاديث الناس وقصصهم اليومية. وفى مقابل ذلك فإنني أميل إلى النظر لسمات الشخصية المصرية على أنهن سمات متغيرة تتغير وفقا للظروف التي تطرأ على تركيب المجتمع وتكوينه الاجتماعي فالشخصية القومية التي تشير إلى مجموعة السمن ت العامة التي تسم عموم الشعب هي نتن ج للبناء الاجتماعي الأوسع.
وفى ضوء ذلك فإنه إذا كان لنا أن نبقى على دراسات الشخصية القومية التي أكدنا أنفا أنها بدأت تنزوى على مستوى العن لم فإنه يجب أن تتجه هذه الورقة ليس نحو الكشف عن سمات عامة ثابتة وأصيلة فى بنية الشخصية إنما نحو البحث عن السمات المتغيرة عبر الزمن ومعنى ذلك أن الدراسة تتجه نحو الكشف عن الطريقة التي تتفاعل بها شخصية الإنسان المصري تاريخين مع المتغيرات المحيطة وبطبيعة الحال التعرف على العوامل التي تؤدى إلى هذا التغير. وسوف نحاول أن ندلل هنا على هذه الفكرة بأن نتعرف على الخصائص التي دار حولها النقاش فيمن يتصل بتكوين الشخصية المصرية عبر الزمن فثمة خصائص ارتبطت بالمجتمع المصري التقليدي عبر تاريخه وثمة خصائص أخرى دخلت إلى هذا المجتمع بناء على الطريقة التي تعامل بها مع الثقافة الحديثة. ونفس هذه الخصائص- أقصد الخصائص الجديدة التي دخلت مع الثقافة الحديثة- تتغير بشكل دائم.
1- الجذر الأصلي للشخصية المصرية:
تكون المجتمع المصري تاريخيا من القبائل التى استقرت على ضفاف النيل واتخذت من الزراعة وسيلة لكسب المعاش. ولقد استمر هذا الاستقرار- الذي تم فى شريط ضيق من الأرض الفيضية فى وادي النيل والدلتا- لفترة طويلة من الزمن عملت على أن يتخذ المجتمع نمطا بن بتن ومتجانسا إلى حد كبير. ولقد ساعد على ذلك عدة عوامل:
- وجود الدولة المركزية: التى كن ن عليها أن تضبط النهر وأن تدافع عن حدود البلاد معيدة إنتاج نفسها من خلال صور الخراج المختلفة التي كانت تفرض على الفلاحين من سكن ن القرى أو أصحن ب الحرف من سكن ن البلدان الأوسع نطاقا من القرى.
- الدين: الذي بدأت صياغته فى مصر القديمة ومننا فترة طويلة من الزمن حيث ازدهرت الحضارة الفرعونية على جذر دينى وقدمت جل إسهاماتهن مرتبطة بعن لم الآخرة (ربما يكون ذلك هو سر عدم استمرارها).
واستقبلت مصر بعد اندثار الحضارة الفرعونية الثقافات والديانات الأخرى. فاستقبلت ثقافة اليونان بعد غزو الإسكندر الأكبر لمصر التي أحبهن ودفن فى أرضها بعد أن كانت الثقافة المصرية قد تزاوجت مع الثقافة اليونانية . واستقبلت أباطرة الرومان واحتضنت الديانة المسيحية ثم الإسلام من بعد ذلك. ومن ثم يصح فى ضوء ذلك أن نقول أن تاريخ مصر هو تاريخ الأديان. ولقد أدى هذا الظرف إلى أن تصبح صبغة الدين هي صبغة الحياة فى مصر وان يصبح التدين أحد السمات المميزة لحين ة المصريين. بل أن المصريين ابتدعوا أسلوبهم الخاص فى التدين فانتشر بينهم ما يطلق عليه "الدين الشعبي" أو "التدين الشعبي" ويقصد به التدين الشائع الذي تظهر فيه صور من التداخل بين عادات المصريين القدماء وحتى معتقداتهم وبين ما أخذه المصريون من الديانات الأخرى.
- التجانس العمراني والبشرى: اتسمت مصر عبر تاريخها بقدر من التجانس العمراني والبشرى.
فن لمجتمع المصري التقليدي يتكون عمرانيا من عدد كبير من القرى ذات النمط العمراني المتجانس وعدد أقل من المدن الصغيرة. وتتناثر المدن والقرى على شواطىء النيل أو قنواته الفرعية أو على بعد فراسخ من هذه القنوات.
وشمكن القرى والمدن سكان من أصل مصري أو آخرون متمصرون من الشعوب المختلفة التي جاعت إلى مصر عبر تاربخها الطويل. ولقد استوعبت مصر هؤلاء الغرباء وصبغتهم بالصبغة المصرية فصار السكان متشابهين الى حد كبير في عاداتهم وتقاليدهم حتى وإن اختلفوا في دينهم.
- الارتباط بالأرض والعائلة: من الطبيعي أن تؤدى كل الظروف السابقة إلى أن يرتبط الإنسان المصري بأرضه ارتبن طن كبيرا وأن يكشف عن ميل ظاهر نحو الارتباط بالعائلة. وبأتي الارتباط بالأرض نتيجة العمل في الزراعة الذي يجعل الفلاح ينتظر دائما ما تمنحه له الأرض والطبيعة. ورغم أنهما قد يقسوان عليه أحيانا فإنهما يعطيانه في النهاية. ومن ثم تنشأ هذه العلاقة الوجدانية بين الفلاح وأرضه حتى وإن لم يكن يمتلكها. أما العائلة فهي الملاذ الآمن الذي بجد فيه الفرد الطمأنينة والحماية.
وفى ضوء هذه الملامح العامة التي حكمت البنية الاجتماعية التقليدية في المجتمع المصري وعدم ظهور دراسات تدلنا على ملامح الشخصية المصرية في هذه المرحلة التقليدية فلا نجد أمن منا إلا الأوصاف التي ذكرها بعض المستشرقين والهواة ممن عرضوا في كتبهم لعادات المصريين ومعتقداتهم. فقد أطلق هؤلاء أوصافا ما تزال عالقة في أذهان الناس حتى يومنا هذا. ويتضح من هذه الأوصاف المقابلة بين المجتمع الشرقي والمجتمع الغربي فالمصريون متدينون يتمسكون بالتراث خاملون ذوو ملامح جامدة يتسمون بالبلادة والكسل والتحمل والصبر واحترام كبار السن ويقدسون الأولياء والموتى والقدرية واللامبالاة وعدم القدرة على تحمل المسئولية والاعتقاد فى الخرافات. وبمكن للقارعة أن يرجع إلى دراسة الأب هنرى عيروط عن الفلاحين" (ترجمة: محمد غلاب منشوره بدون تاريخ في مطبعة شركة الإعلانات الشرقية) لكى يقرأ بعض هذه الأوصاف كما يمكن له أن يقرأ كتاب شابرول (ترجمة: زهير الشايب ونشرت طبعته الثن نية مكتبة الخانجى عن م 1979) ومن الكتب الأخرى التي اكتفت بالحديث عن العادات والتقاليد بشكل وصفى أو رومانسى كتاب إدوارد وليم لين عن شمائل وعادات المصريين المحدثين (ترجمة: عدلي نور ونشرت طبعته الثالثة دار النشر للجامعات 1975). وكتاب بلاكمان عن فلاحى الصعيد (ترجمة: أحمد محمود ونشرته دار عين للدراسات الطبعة الثانية عام 2000).
ولقد تأثر عدد من الباحثين والمثقفين العرب بهذه الأفكار خاصة فيما يتصل بموضوع التدين والعلاقة بعالم الآخرة، بل إن بعضهم عمم هذه الخصائص على المجتمع الحديث. فقد أكد السيد عويس في كتابه عن "ملامح المجتمع المصري المعاصر (الصادر عن المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عام 1963) على علاقة المصريين بالعالم غير المنظور للموتى وما يرتبط به من حزن مفرط وخلط بين الدين الرسمي والدين الشعبي وبين عبادة الإله وتقديس الأولياء. كما أكدت بعض الآراء التي ظهرت في العدد الصادر من مجلة الفكر المعاصر عام 1969 على أن شخصية المصريين بتأرجح بين القدرية والتواكلية والازدواجية وسيطرة التفكير الخرافي.
ولم تعتمد أي من هذه الآراء (فيما عدا رأى السيد عويس) على دراسات واقعية. فثمة ندرة ملحوظة فيء البحوث الإمبيريقية حول الموضوع. ولعل هذا هو الذي دفع إلى إجراء دراسة لاختيار بعض الخصال التي شاعت في حديث المستشرقين حول الشخصية المصرية. (نشرت هذه الدراسة بعنوان المصري المعاصر عن المركز القومي ومن بعده عن مكتبة الأسرة عام 2005). ولقد أكدت هذه الدراسة أن الصفات التي نعت بها المصريون ليست صفات مطلقة وأنها ترتبط بعلاقة الإنسان بالبينة المحيطة به وبالظروف الإنتاجية التي يوجد فيها وبالسياق الاجتماعي والثقافي الذي يحياه. ويمكن أن نمثل لذلك بسمتين هما:
أ- الصبر: وهو سمة غير مطلقة لدى الإنسان المصري حيث كشفت الدراسة أن له مفاهيم مختلفة فى أذهان الناس كما أنه يظهر لدى الفئات الأكثر اتصالا بالطبيعة كالفلاحين والبدو والصيادين ولدى الفئات الأشد فقرا.
حيث يأخذ لدى هذه الفئات مفهوما دينيا يشير إلى بحمل ما يأتي به الله خيرا كان أم شرا وتحمل شدائد الأمور والمكروه وغيرهن من المفاهيم المشتقة من الدين.
ب ـ التواكل: الذي لا يعد سمة عامة ولا شائعة وهى إن وجدت فإنها ترتبط بالمعتقد الديني حول التوكل على الله " فالمصري أميل إلى التوكل وليس التواكل وهى سمة أكثر ظهورا لدى الفئات التي تعمل في أعمال غير مستقرة وغير دائمة أو تعتمد اعتمادا كبيرا على الطبيعة.
ونستنتج من ذلك أن بعض السمات التي أشارت إليها الكتابات التي كتبها أجانب أو مصريون ليست سمات عامة بقدر ما هي سمات موقفية ترتبط بظروف حياتية معينة إلا أن دراستنا قد كشفت عن سمات ريما تكون أكثر عمومية ومن أهمها سمة الشك والتوجس والتي بتجلى في مستويين من الشك: الأول يرتبط بالتوجس الذي يظهره المصري كلما تعامل مع الدوائر الأبعد من دائرة ـ حياته الخاصة والثاني يرتبط بالتعامل مع أجهزة الدولة من خلال موظفيها. ويكشف هذين المستويين من السك عن طبيعة العلاقة بين الإنسان والعالم الذي يتفاعل معه أو الدوائر التي يتفاعل فيها سواء أكانت دوائر مرتبطة بعالمه الأقرب أم دوائر مرتبطة بالعالم الأبعد للسلطة.
وتوضح هذه السمة أن علاقة المصري بالسلطة من تزال علاقة معقدة يحكمها التباعد وليس التقارب كما يحكمهن الاستسلام والخضوع دون التعاقد.
ويمكن بناء على ذلك أن نستنتج أن الشخصية المصرية التقليدية قد تمحورت حول سمات ثلاثة هي: العلاقة المتوترة القائمة على الشك بين الفرد والسلطة والتى اتسعت لتشمل الدوائر الاجتماعية الأخرى غير دائرة السلطة والتدين الذي يعكس علاقة الإنسان بالسماء من ناحية والأرض من ناحية أخرى والذي يتجسد بصور مختلفة وفقن لمقتضيات الظرف الذي يعيش فيه الإنسان. وقد يأتي الصبر كسمة مستقلة ولكنه ـ كما المحنا من قبل- أكثر التصاقا بالرؤية الدينية والمعتقد الديني. وبناء عليه فإن الظروف المحيطة بالإنسان المصري في سياق المجتمع التقليدي قد دفعته إلى الشك والتوجس والحذر ولكنها فى ذات الوقت قد أدت إلى تقوية علاقته بالعالم ما بعد الطبيعى، وكأنه هو العالم الذى يمنحه الملاذ والأمن إزاء قوة الطبيعة من نن حية وظلم الحكام من ناحية أخرى.
2- بين التكاثر البيولوجي والتكاثر الثقافي:
والسؤال الذي يطرح الآن هو: ماذا عسى أن يكون قد حدث من تغير في الشخصية المصرية بعد دخول الأنماط الحداثية الجديدة يؤرخ لهذا الدخول ببداية الاتصال بأوربا منذ الحملة الفرنسية مرورا بتجربة محمد على وأسرته حتى قين م ثورة يوليو وتعدد أنظمتها السياسية. والمتماثل لهذه التجربة الحداثية يجدها تجربة مثيرة للتأمل ومعملا هائلا للتنظير السوسيولوجي. وأجدني أؤكد دائما وأنا أتأمل هذه التجربة أنه بالرغم من أن الحداثة (أعنى أساليب الحياة الحداثية وأساليب الإنتاج الحديثة ونظم الدولة الحديثة والأطر الثقافية والقيمية الحديثة) قد انبعثت من اتصالنا بالمنجزات الحديثة فى الغرب فإننا صنعنا حداثتنا الخاصة التي أطلق عليها دائما اسم حداثة برانية والتي لم تتأسس على جذر حداثى داخلي وخضعت لظروف خاصة ومن ثم فقد ظلت حداثة قشرية تتفصل مع الأطر التقليدية وتعيد إنتاجهن وتسمح لهذه الأطر بأن تعيد صياغة مضامينها عبر أدوات الثقافة الحديثة.
ولسنا هنا في معرض الخوض في الآليات التاريخية أو التناقضات المصاحبة لهذا النمط من الحداثة (يمكن للقارئ أن يراجع كتاب تناقضات الحداثة في مصر المنشور في دار عين للدراسات عام 2005). ولكن تكفى الإشارة إلى عدد من الاعتبارات: - أن هذه الحداثة لم يصنعها الشعب وإنما صنعتها النخبة أو النخب السياسية والاجتماعية وانتقلت منها إلى دوائر أوسع.
- ويعنى ذلك أنها كانت حداثة فوقية. أقول بشكل أفضل حداثة قشرية تصنع من عل وتهبط على المجتمع لتلبسه ثوبا قد لا يرغب في لبسه أحيانا.
- أنهن تقوم على الانتقائية العشوائية التي ترتبط أحيانا بأيديولوجيات سياسية وأحيانا أخرى بأهواء القادة السياسية أو النخب السياسية والاجتماعية.
- أن جل ما يتم التركيز عليه في عمليات الانتقاء العشوائي يرتبط بجوانب شكلية أو أنماط استهلاكية.
وبناء عليه، تغير وجه المجتمع التقليدي فقد تف! نظام الإنتاج القديم الذى كان يقوم على الزراعة واتسع النطاق العمراني وتعددت أوجه السلوك وتنوعت الأطر الثقافية وتزايد تعداد السكان تزايدا طفريا. ولقد تحولت البنية التقليدية المتجانسة إلى بنية أكثر تعددا واختلافا ولم يكن التعدد فيها منسجما وعضويا بقدر ما كان تعددا يكشف بجلاء عن صور من اللاتجانس والتناقض. لقد تحولت البنية من الوحدة إلى الكثرة. وإذا ما استخدمنا مجازا مفهوم التكاثر فإنه يمكن القول أن البنية هنا قد تكاثرت على غير نظام فجاء التكاثر فيها عشوائيا وعفويا . ويمكن مشاهدة ذلك النمط من التكابر لا في التكاثر البيولوجي فحسب، بل فى التكاثر الاجتماعي والثقافي والذي تجلى في:
أ- تزايد السكان تزايدا عشوائيا دون ضابط وكانت زيادتهم أكثر بكثير من الموارد المتاحة حولهم ولم تستطع الدولة أن تسيطر على هذا التكاثر العشوائي للسكان رغم أنها حاولت جاهدة أن تقدم خدمات الصحة والتعليم والتأمين لهؤلاء السكان ولكن بسبب ندرة الموارد وقصور السياسيات الاجتماعية وعدم الالتقاء بين أهداف الدولة فى الحد من الزيادة السكانية وأهداف البشر فى إنتاج مزيد من الأطفال لاستغلال طاقتهم فى العمل أو لسد حاجة اجتماعية وثقافية في إنجاب الأطفال (خاصة الذكور) أدى ذلك كله إلى أن يصبح التكاثر السكاني عبئن على البنية وأن يتحول السكان إلى: - كل من الطاقة المتحركة التى لا يجمعها أطر معرفية ثقافية متجانسة.
- وأن يتبن ين السكان تباينا شديدا فى خصائصهم النوعية خاصة التعليم (ارتفاع نسبة الأمية) والدخل (ارتفاع نسبة الفقراء بين السكان).
ب ـ تفكك نمط الإنتاج الزراعي التقليدي الذي يسود فى الريف والنظام الحرفي الطائفي التقليدي الذي يسود فى المدن. لقد أدى اندماج البنية الإنتاجية التقليدية فى النظام الرأسمالي إلى أن تتعدد صور الإنتاج. فتطورت الزراعة نحو الإنتاج الرأسمالي ولكنها لم بتخلص كلية من صور الإنتاج القديمة قيل الرأسمالية. وتزحف التجارة إلى الاقتصاد الحديث ولكنها لا تدار فى كل الأحوال بأساليب رأسمالية حديثة ورشيدة ويدخل الإنتاج الصناعي ولكنه يتخذ صورا عديدة لا تلغى النظام الحرفي التقليدي بل يتعايش معه ويعيد إنتاجه على نحو مختلف.
ج- كثرة المدن ويشهد المجتمع عمليات تحضر واسعة ولكنهن لا ترتبط بن لضرورة بنمو السلوك الحضري أو ما يطلق علية "الحضرية فلا يعبر سكان الحضر عن روح حضرية ولا تشهد المدينة تجانسا حضريا فى سكانها وفى أساليب حياتهم فهي خليط من مهاجرين ريفيين- على اختلاف تاريخ هجرتهم وأسبابها وهى أيضا خليط من أحياء راقية وأخرى عشوائية مكتظة بن لسكان ومن أنماط عمرانية بعكس الأهواء الشخصية والأغراض التجارية وتغيب فيها الخطة الحضرية التي تراعى ظروف الإنسان وراحته النفسية والجسدية.
د- وتتكاثر النظم السياسية المتعاقبة وتتبارى النخب السياسية فى استخدام نماذج سياسة مختلفة وتوجهات أيديولوجية مختلفة. وإذ يختفي النظام لا يختفي فلوله وإذ تختفي الأيديولوجية لا تختفي بعض من أثارها.
هـ- وتتكاثر من ثم التوجهات الثقافية. فكلما ولد مولود جديد تولد جمهورية جديدة أعنى بهذه المبالغة غياب الاتفاق العام على مبادئ وقواعد عامة وينشب الخلاف حول القواعد العامة وحول" الأصول والقيم التى يجب أن تبنى عليها الحياة الاجتماعية والسياسية. ومن ثم عدم القدرة على تطوير أساليب حديثة لإدارة الخلافات السياسية والاجتماعية.
وـ وبتباين الحياة الاجتماعية وأساليبها بين فئات المجتمع فيتحول السكان إلى طبقات اجتماعية ولكن لا توجد طبقة واحدة تحقق تجانسا داخليا أو رؤية موحدة تمكنها من قيادة المجتمع أو إدارة التنمية إدارة رشيدة أو تطوير أساليب شفافة للحكم الصالح. وتفقد الطبقة الوسطى بوصفها الطبقة الرائدة القادرة على أداء دور تاريخي بناء قدرتها على أن تطوير رأس مال اجتماعي يحقق لها تضامنها الاجتماعي وبمكنها من أن تنتقل من بؤرة التركيز على المصلحة الفردية إلى التركيز على المصلحة العامة فتن!ئ على ذاتها وعلى نضالا بها اليومية قاطعة الصلات بالميدان العام والصالح العام والأهداف الجمعية إلا في النذر اليسير.
زـ ويتمكن الاستقطاب من المجتمع فتظهر فيه ميول واضحة نحو الرجوع إلى الماضي وإلى تأكيد التقاليد فى مقابل ميول حداثية تبالغ في المظاهر الاستهلاكية للثقافة الحديثة. وينعكس ذلك في استقطابات فكرية وأيديولوجية تعمق الخلاف اليومي في النظرة إلى العالم وفى مضمون الاتفاق على "الأصول والقيم".
ماذا عسى أن تكون الشخصية فى هذا الظرف الذي يتكاثر فيه البشر عشوائيا وتتكاثر فيه صور الحياة وأساليبهن وأنماطهن الثقافية عشوائيا أيضا قد يرد حامد عمار على هذا السؤال بأن الشخصية التى ينتجها هذا الظرف سوف تكون شخصية فهلوية. حيث استخدم حامد عمار هذا المفهوم ليسير إلى ست سمات عامة تسم شخصية الفهلوي ومن ثم فإنها تسم شخصية المصرى وهى: القدرة على التكيف السريع لمختلف المواقف والنكتة المواتية والمبالغة فى تأكيد الذات والنظرة الرومانسية إلى المساواة وإيثار العمل الفردي على العمل الجماعي والرغبة في الوصول إلى الهدف بأقصر الطرق. ولقد طور حامد عمار هذه السمات لتعبر عن الإنسان المصري الحديث الذي لا شك أنه يحاط بكل الظروف التي حددناها أنفا. ورغم القبول العام الذى لقيته فكرة حامد عمار إلا أن البعض قد يطالب بمزيد من السمات لتضاف إلى السمات الست التي أوردها عمار كما أن كلمة "فهلوي" تستخدم فى الحياة اليومية للناس بمعنى سلبى الأمر الذي قد يوحى بأن كل السمات التى تسم الإنسان المصري الحديث هى سمات سلبية.
ولقد حاولنا أن نطور فى دراستنا الإمبيريقية حول المصري المعاصر (السابق الإشارة إليها) عددا أخر من السمات التي قد تسم الإنسان المصري الحديث في ضوء الظروف التى أشرنا إليها وهذه السمات هى:
- التناقض والازدواجية: كما تتبدى في التناقض بين الأحكام المثالية والسلوك العملي الذي يرتبط بتحقيق أهداف معينة وكذلك التناقض بين العالم الخاص والعالم العام (عالم الأصدقاء والأهل والأسرة وعالم الآخرين الذي يبدو عالما مجهولا فى الكثير من الأحيان) وكذلك التناقض بين النظرة النقدية للمواقف والانخراط في نفس المواقف التي يتجه إليها الفرد بالنقد دون الالتفات للنقد الذي كان قد وجهه لهذه للموقف أنفا وأخيرا التناقض بين القول والفعل خاصة فيما يتصل بالاتجاهات السياسية أو التصورات الخاصة بعن لم الحداثة أو الدولة.
السلبية: وهي تظهر في علاقة المصري بن لسياسة خاصة في مستوى مشاركته السياسية واندماجه المدني وهذه السمة تزداد في حالة عجز النظم السياسية عن دمج السكان وجمعهم على هدف واحد مشترك. كمن تلعب ظروف أخرى مثل الأمية وعدم الوعي السياسي والإفراط بالانشغال بالهموم الحياتية والفردية دورا في تدعيم هذه السلبية والانكفاء على العالم الخاص والابتعاد عن العالم العام.
الفكاهة والمرح وروح السخرية: وهي سمة بجب ألا تؤخذ هي أيضا على إطلاقها، حيث أظهرت الدراسة أن هذه السمة أكثر ظهورا لدى فئات الطبقة الوسطى من المتعلمين الذين يسكنون الحضر على وجه الخصوص.
وغالبا ما تعكس هذه السمة ميل هذه الجماعات المتعلمة في الحضر إلى السخرية والنقد، كما تعتبر شكلا من أشكال المقاومة الذي يظهر عند هذه الفئة خاصة في أوقات الأزمة.
- التعلق بالأشخاص: وبلك سمة جديدة إضافتها هذه الدراسة وهي ترتبط بن لسلوك السياسي للإنسان المصري الذي يبدو في ممارسته السياسية وأحيانا الاجتماعية أكثر تعلقن بن لأشخاص وليس بالمؤسسات الأمر الذي يجعل العلاقات القائمة على المعرفة الشخصية أو العلاقات الاستزلامية (الزبائنية) أكثر بروزا من العلاقات المنظمة التي ترتبط بن لمؤسسات أو العلاقات الاندماجية والتي تجعل الفرد يرتفع عن دوائر الإقليم وعن العلاقات الشخصية أو الروابط القرابية... الخ.
- الميل التبريري: وهذه سمة أخرى أضن فتهن الدراسة وبقصد بها عدم إدراك الأسباب الواقعية للخطأ؟ و أسباب السلوك بشكل عام وتبرير وقوع الأحداث والأفعال سواء من خلال عوامل ذاتية أو من خلال أسباب لا علاقة لها بالواقع. ويظهر هذا الميل التبريري بشكل واضح عندما يبرر الشخص بعض أشكال السلوك التي يقوم بها والتي يكون قد انتقدها في موقف سابق وغالبا ما يرتبط التبرير بسرد الكثير من القصص والحكايات والأمثال الشعبية.
وهذه السمات ليست سمات مطلقة وإنما هي سمات نسبية قد تختلف باختلاف الوضع الطبقي ولقد أشرنا في كتابات أخرى (انظر كتابنا تناقضن ت الحداثة في مصر) إلى سمات مختلفة ربما يكون أهمهن من أطلقنا عليه "ثقافة الامتعاض" وقد باتت تنتشر مرتبطة بسمات مثل السلبية والتقوقع حول الذات وحول المصالح الفردية الضيقة وعدم القدرة على تطوير رأس مال اجتماعي فعن ل أو تطوير صورة من الاتفاق العام أو التعاقد الاجتماعي. وهي في مجملها تعكس حالة من التحصن حول الذات في مقابل العالم بما فيه عالم السياسة وعن لم العمل والعالم المؤسسي بشكل عام. كما أنهن تعكس حالة من عدم الرضا وعدم الرغبة في الاقتناع والميل إلى الوقوف هناك في عالم النقد والسخرية وعدم تقدير أية إنجازات للآخرين وتضخيم الانجازات الفردية في المقابل وينتشر ذلك بشكل أكثر لدى الشرائح المتعلمة من الطبقة الوسطى. ولعلنا نحتاج إلى مزبد من البحث والتقصي حول هذا النمط الجديد في ثقافة المصريين المعاصرة.
ولعل الدرس المستفاد والذي يمكن أن نستخلصه هو أننا لا يجب مطلقا أن نتحدث عن سمات ثابتة وعامة في بنية الشخصية المصرية. وربما يكون مفيدا أن ندرس سمات بعينهن لنكتشف مدى انتشارها في دوائر بعينها مع محاولة تفسير السياق الاجتماعي العام الذي تظهر فيه. وربما يكون أفيد ألا نتحدث عن سمن ت بقدر ما نسجل مواقف واقعية من حياتنا ونماذج من سيرنا الذاتية وأنماط من تفاعلاتنا في الحياة اليومية عبر قطن عات مختلفة من السكان وربما تمكننا هذه الدراسات الكيفية المفصلة من أن نرى أنفسنا في المرأة بشكل أفضل وهذا هو الهدف الأسمى لأي دراسة علمية.