Share |
فبراير 2010
8
الاستثمار في البحث العلمي الاستثمار الغائب للقطاع الخاص
المصدر: الأهرام الإقتصادى

نعمان الزياتى

غاب الاستثمار في البحث والتطوير من أجندة الاستثمارات لفترة طويلة رغم أنها العامل الأول في تقدم الدول، وفي صعود دول جنوب شرق آسيا. فوجود قاعدة تكنولوجية قوية يعتبر عنصرا أساسيا للنجاح التنافسي في الاقتصاد العالمي اليوم، وأن هذه القاعدة يستبعد أن تنجم عن جهود معزولة يبذلها فرادي منتجي القطاع الخاص أو من جانب وزارة ما أو حكومة مركزية. لكن نظم الابتكار الوطنية الناجحة قد تشمل نسيجا معقدا من المؤسسات والشركات الخاصة والعامة التي تعمل من خلال علاقات سوقية وغير سوقية وبدرجات متباينة من المنافسة والتعاون.
وفي الفترة من منتصف الستينات إلي أواخرها، وفي فترات أسبق في بعض الحالات، أنشئت معاهد عديدة للبحث والتطوير بتمويل عام بهدف بناء وتدعيم القدرات التكنولوجية، غير أن الواقع أوضح أن نواتج البحث والتطوير التي خرجت من هذه المعاهد ليس لها تطبيق تجاري كاف، وأن إسهامها في قطاع مؤسسات الأعمال كان متواضعا.وهناك أمثلة كثيرة لمعاهد البحث والتطوير أسهمت إسهاما ملموسا في التنمية الصناعية لفترة قليلة ثم تقوقعت في مكانها لعدم وجود الحوافز الكافية.
إن الاستثمار في مجال البحث والتطوير شديد الحساسية للبيئة الاقتصادية والسياسية، ويتعين تلبية شروط معينة لتقليل الأخطار والشكوك الكامنة التي ترتبط بالاستثمار في مجال البحث والتطوير، وتشمل هذه الشروط: - الاستقرار السياسي والاقتصادي - وجود حوافز للمنافسة وحوافز سوقية - توافر كتلة حرجة من العلماء والمهندسين والتقنيين - وجود هياكل أساسية مادية كافية - توافر إطار قانوني وتنظيمي ممكن. وكان لغياب الاستقرار الاقتصادي في فترة من الفترات عقبة رئيسية أمام التطور التكنولوجي، مما حدا إلي تأجيل أو إلغاء الاستثمارات الجديدة في البحث والتطوير. وأحدثت المديونية والنمو الاقتصادي المتخبط أثرا مماثلا بتقليل معدل العائد علي رأس المال المستثمر. فعدم الاستقرار الذي يجيء في شكل تضخم وتغير عشوائي في أسعار الصرف يجعل من الصعب علي المستثمرين تبين الصورة علي المدي الطويل، والنتيجة أن الإنفاق علي منتجات وعمليات جديدة يصبح أكثر تعرضا للمخاطر، في حين تتفشي المضاربة وعمليات تحقيق الأرباح علي المدي القصير. كما أن نقص التعرض للمنافسة السعرية أو المنافسة علي النوعية نتيجة احتكارات الدولة أو عدم اهتمام القطاع الخاص أو وجود حواجز تجارية لفترات طويلة من شأنة أن يقلل الضغط من أجل تحسين الإنتاجية وأداء المنتجات أو استكشاف أسواق جديدة مما يقلل الحاجة إلي البحث والتطوير أو الإسهام في تنمية صناعية حقيقية. إن انخفاض مستويات تعلم القراءة والكتابة وندرة الموظفين العلميين والتقنيين والإداريين والاتجاه إلي المجالات الجديدة التي تدر عائدا كبيرا ولا تشترط تعلم القراءة والكتابة أصبح حلم كثير من الشباب، لكن التحول الخطير هو تحول حلم الملايين من الشباب والآباء إلي لعب الكرة متناسين أن الرياضة أصبحت علما كبيرا له مناهجه ومدارسه. فلو خصصنا 10% من المساحة المخصصة للبرامج الرياضية لمناقشة مشاكل البحث العلمي لما وصل بنا الحال إلي هذه الدرجة المتدنية، مع أننا في اللعب أيضا غير جادين باستثناء فترات قصيرة ترجع إلي ظروف الزمان والمكان ونوعية الأشخاص الذين يديرون تلك اللعبة، - كل ذلك قيد من قدرتنا علي استيعاب تكنولوجيات جديدة وأدي هذا عمليا إلي تقليص إمكانية المشاركة في البحث والتطوير الصناعيين. إضافة إلي عدم الالتزام بالتطوير التكنولوجي اللازم لجعل الاستثمار في التكنولوجيا والبحث والتطوير مغريا لمؤسسات الأعمال.
ويمكن تحديد جوانب ضعف معاهد البحث والتطوير في عوامل كثيرة حيث مال البحث في هذه المعاهد إلي أن يكون منعزلا تماما عن احتياجات القطاع الإنتاجي وافتقاره إلي التوجه التجاري الكافي ، مال علماء معاهد البحث والتطوير إلي أن يكونوا أكثر اهتماما بإسهاماتهم في أداء قطاع مؤسسات الأعمال، كما أن هناك افتقارا إلي نظام مناسب للحوافز يشجع علي البحوث عالية النوعية، بالإضافة إلي أن الهياكل الإدارية القديمة ذات التسلسل الهرمي أعاقت حدوث تدفق حر في المعلومات وفي نشر المعارف، وأسهمت هياكل التمويل المعوجة في توجه قصير النظر لأنشطة معاهد البحث والتطوير.
إن أفضل طريقة لزيادة كفاءة معاهد البحث والتطوير هي جعل هذه المعاهد أكثر إعتمادا علي نفسها، أي تحويلها إلي مؤسسات شبه حكومية، نصف مستقلة أو حتي مستقلة ذاتيا. وهذا ينطوي علي تغيير في طريقة تمويل ميزانيات معاهد البحث والتطوير بعيدا عن الاعتماد علي تمويل الدولة، وذلك من خلال التصريف التجاري لنواتج البحث والتطوير. ويمكن تعديل طبيعة ونطاق أنشطة معاهد البحث والتطوير لتحسين إسهامها في الصناعة. بجعلها تتمتع بالتمويل الذاتي جزئيا . إن أنواع الخدمات التي يمكن أن تؤديها معاهد البحث والتطوير من حيث المبدأ - اعتمادا علي قدراتها ومواردها فضلا عن احتياجات الصناعة - تندرج في العناوين التالية: الإرشاد الصناعي ، الخدمات الداعمة، التدريب، البحث والتطوير بالمعني التقليدي، الترويج الصناعي. فإجراء التحول في مهام معاهد البحث والتطوير قد لا يكون عملية سهلة، إذ أن الجمود المؤسسي ودرجة البيروقراطية العالية اللذين يميزان الكثير من معاهد البحث والتطوير يشكلان عقبة رئيسية أمام إعادة هيكلتها. وقد لوحظ أن معاهد البحث والتطوير كثيرا ما يديرها علماء طبيعيون لا يمتلكون الاختصاص الكافي في التسويق والإدارة. ومن ثم يجب أن يدير معاهد البحث والتطوير مديرون مدربون مهنيا لا يكونون في وضع الخاضع للعلماء بل علي قدم المساواة معهم. ومن أجل البقاء في بيئة سريعة التغير، يتعين علي معاهد البحث والتطوير أن تعدل بعض خصائصها الأساسية وهياكلها التنظيمية لكي تتمكن من الاستجابة لاحتياجات الصناعة وبالتالي الحاجة إلي هياكل تنظيمية متمايزة لتلبية الاحتياجات علي مختلف أنواع الخدمات المقبلة الواجب تقديمها إلي قطاع مؤسسات الأعمال. وفي بعض الحالات قد يكون الهيكل المؤسسي المركزي أنسب للتعامل مع الاحتياجات العامة لقطاع صناعي بعينه، ومع ذلك، ففي حالة الاضطلاع بأنشطة عالية اللامركزية وأكثر تنوعا، قد يكون من الأمثل عندئذ الأخذ بهيكل أكثر لامركزية. وثمة حاجة إلي أن تكون أنشطة معاهد البحث والتطوير وهياكلها التنظيمية مرنة قدر الإمكان لكي تستطيع أن تؤدي وظائفها بسرعة وكفاءة. واتفق علي أن المنطق وراء حفز القطاع الخاص علي الاستثمار في البحث والتطوير هو أن العوائد التي تعود علي البلد من هذا الاستثمار - الناجم علي الزيادة الناتجة في الكفاءة الإنتاجية أو في منتجات جديدة أو محسنة - تفوق ما تستطيع المؤسسات أن تحققه لنفسها في شكل أرباح.
وتتألف التدابير العامة والانتقائية للسياسة العامة لتشجيع البحث والتطوير من شتي أنواع الأدوات الضريبية التي تشمل: الحوافز الضريبية والرسوم والإعفاءات، وشطب استثمارات البحث والتطوير من التزامات ضريبة الدخل، والإعفاءات من الرسوم الجمركية للأجهزة والمعدات المستوردة وخاصة معدات المختبرات. ويشكل تطبيق الإعانات لتنشيط البحث والتطوير نوعا آخر من أدوات السياسة العامة. إن تدابير مثل القروض المعانة وضمانات القروض ومنح المشاريع يمكن أن تكون لها فاعلية خاصة في هذا الصدد. وتشمل التدابير الأخري الخدمات أو المدخلات المعانة، كما يمكن للحكومة أن تنشئ صناديق تكنولوجية تقوم علي منح قروض منخفضة الفائدة لتمول البحث والتطوير والنفقات التكنولوجية المتصلة بذلك، ويمكن منح معاملة تفضيلية للعطاءات التي تسهم في الطلب علي التحسين التكنولوجي المحلي أو علي البحث والتطوير. كما يمكن منح درجات زمالة بحث للموظفين العلميين والمهندسين في الصناعة. ويمكن أن تتاح لهؤلاء الموظفين فرصة الدراسة أو العمل في الخارج، أو في شركات عبر وطنيه. إن التدابير الأخري المماثلة التي تشجع علي مرونة الحركة يمكن أن تخدم كقناة لإتاحة مزيد من المرونة في حركة المهندسين والعلماء، ففي ماليزيا مثلا اتخذت الحكومة خطوات في هذا الاتجاه بتشجيع الموظفين من معاهد البحث والتطوير علي الحصول علي عمل في القطاع الخاص سواء في ماليزيا أو في الخارج أو إنشاء شركات خاصة بهم. وتشمل التدابير الانتقائية لتنشيط استثمار المؤسسات في البحث والتطوير توجيه الأهداف إلي صناعات بعينها أو حتي إلي شركات داخل الصناعات.إن الدعم التفضيلي للبحث والتطوير في قطاعات معينة مثل الإلكترونيات والتكنولوجيا الحيوية قد طبق بشكل واسع في عدد من البلدان المتقدمة والنامية.
إن ميزة التدابير الانتقائية في أنها تسمح للحكومة بتركيز الموارد علي تلك الصناعات أو فئات المنتجات أو الشركات التي تبشر بأكبر الآمال من حيث توقعات النمو طويلة الأجل والاستمرارية المالية والقدرة علي المنافسة. وكوريا تعد أكبر مثال في هذا الشأن. فتوجيه الهدف إلي صناعات معينة أو مجموعات معينة في الصناعة من شأنه أن يعجل كثيرا من خطي التطور التكنولوجي. وقد وفرت كوريا برنامجا شاملا من التدابير التشجيعية للشركات الأكثر ابتكارا بغية تنمية قدراتها التصديرية. وفي ألمانيا لوحظ أن نسبة معقولة من البحث والتطوير الممولين بأموال عامة قد استخدم في حفز البحث والتطوير في القطاع الخاص. كما لوحظ أن نظام الابتكار الألماني يتألف من مزيج من التدابير العامة والانتقائية، حيث تدعم الحكومة البحث والتطوير الموجهين إلي غرض محدد ومهمة محددة. وفي هذا الصدد مارست الحكومة الألمانية الانتقائية وذلك أولا بتحديد قطاعات إستراتيجية معينة (مثل تكنولوجيا المواد الإلكترونية الدقيقة) ثم تنشيط البحث والتطوير فيها عن طريق الائتمانات التفضيلية وأدوات أخري. كذلك الولايات المتحدة تقدم إعانات كبيرة للبحث والتطوير (سواء بشكل مباشر أو غير مباشر) وخاصة في القطاع العسكري، لكن الإعانة للبحث والتطوير تزداد في صناعات تسيطر عليها تكنولوجيات جديدة كتلك الموجودة في (وادي السليكون) في كاليفورنيا ومن أجل تشجيع التقدم التكنولوجي يجب علي البلدان النامية أن تنتهج نهجا انتقائيا وخاصة في الصناعات التي أصبح فيها السباق الدولي علي جوانب التقدم التكنولوجي أكثر وخاصة في التكنولوجية الحيوية وتكنولوجيات المعلومات والإلكترونيات.
ولقد تغيرت جذريا العلاقات بين الشركات في العقود الأخيرة. فقد وجدت الشركات الصناعية أنه من اللازم التعاون رأسيا مع الموردين والمستهلكين، وأفقيا مع المنافسين السابقين. وكانت هناك بوجه خاص ثلاثة عوامل وراء ظهور هذه الظاهرة:
1 - أن إدخال منتجات وعمليات جديدة شمل تفاعل أنواع عديدة مختلفة من التكنولوجيا وأن كل شركة كانت أكثر معرفة من غيرها في بعض المجالات.
2 - إن التكلفة العالية المطلقة للبحث والتطوير كثيرا ما جعلت من الحكمة مشاركة شركات عديدة في التكاليف.
3 - أن التنسيق بين المستهلكين والموردين أصبح جزءا من عملية تطوير المنتجات والتسويق والأنشطة الأخري التي تضم عنصرا مكونا للبحث والتطوير، بالنظر إلي أن تكاليف البحث والتطوير المتزايدة الارتفاع يمكن تقاسمها من خلال تعاون تكنولوجي أوثق بين الشركات.
ويمكن للحكومات تشجيع التعاون المشترك بين الشركات في مجال البحث والتطوير بتسيير نقل التكنولوجيا بين الشركات والمساعدة علي تكوين تحالفات إستراتيجية وطنية ودولية واتفاقات تعاون أو مشاركات تكنولوجية.ويمكن للحكومات المساعدة علي إنشاء مشاريع واتحادات للشركات (كونسورتيوم) وأنواع أخري من الروابط التعاونية وغيرها وذلك بمشاركة الجامعات والهيئات المحلية.
وهناك وسائل أخري لدعم التعاون في مجال البحث والتطوير بين الشركات: منها تخفيف القيود التنظيمية واستحداث وسائل مبتكرة للتمويل، ففي كوريا مثلا، أنشئ صندوق للبحث والتطوير لكي يدعم فقط المشاريع التعاونية للبحث والتطوير ولا يؤهل للاستفادة منه سوي تلك الشركات التي تجري مشاريع مشتركة في مجال البحث والتطوير. وهناك آلية أخري لتشجيع البحث والتطوير في قطاع مؤسسات الأعمال تتألف من فرض رسوم لصالح البحث والتطوير. وهذا ينطوي علي إنشاء صندوق للبحث والتطوير بفرض ضرائب علي فرادي الشركات الخاصة بالتراضي بغرض دعم مشروع محدد للبحث والتطوير له أهمية خاصة لصناعة بعينها أو مجموعة محددة من الصناعات.