Share |
نوفمبر 2011
1
أبعاد ظاهرة العنف فى المجتمع المصرى.
المصدر: ملف الأهرام الإستراتيجى
بقلم:   ايمان مرعى


يمثل العنف ظاهرة عالمية لا تقتصر على دولة بعينها أو إقليم أو بقعة جغرافية دون أخرى، ونتيجة ذلك تزايد الاهتمام بها وتعاظم القلق تجاهها، لما لها من انعكاسات سلبية على حقوق المواطن واستقرار المجتمع.
وقد شهد الواقع المصرى فى العقود الأخيرة أشكالاً متنوعة من العنف المجتمعى لم تكن واسعة الانتشار كما هى الآن، فلا تخلو صفحة الحوادث فى الجرائد اليومية أو الأسبوعية كافة من الحديث عنها. وهكذا تزداد الجرائم عنفـًا وتنوعـًا فى أساليبها بصورة غير مسبوقة، لا تفرق بين متعلم وأميّ، أو بين غنى وفقير.
وتجدر الإشارة إلى أن الثقافة ترتكز على التراكم الحضارى وعلى مجموعة القيم والتقاليد والأعراف الاجتماعية التى نستطيع أن نتعايش بها. غيرأن كل هذه المرتكزات حدثت لها هزة ضخمة للغاية. واختلفت قيمة الأسرة المترابطة وحل محلها صورة الأسرة المفككة وأنشأت عنفاً أسرياً، وتحولت قيمة احترام القانون إلى قيمة التحايل على القانون فأصبح العنف موجوداً على المستوى المؤسسى كما هو موجود بين الأفراد وبعضهم البعض.مما أوصلنا إلى "ثقافة العنف".
ولاشك أن هذه الظاهرة في جوهرها تمثل انتهاكا خطيرا لحقوق الإنسان قد يصل إلي حد المساس بأول هذه الحقوق، الحق فى الحياة، وتمتد إلى غيره من قبيل الحق فى السلامة الجسدية والنفسية والتى تكون موضع تعدد أشكال ودرجات متفاوتة من جراء أعمال العنف?.
وإذا اتفقنا على أن العنف قد أصبح بمثابة "ظاهرة" تجتاح المجتمع المصرى بطبقاته ومستوياته كافة، إذن فلكل ظاهرة أسبابها، ولا يمكن حلها إلا بتحليل أبعادها للوصول إلى سبل مواجهتها والحد منها.
التعريف بالظاهرة
يعتبر العنف من إحدى وسائل التعبير عن النزعات العدوانية، وبالتالى هو سلوك إيذائى يتصف بصيغة انفعالية شديدة. قد يظهر فى صورة عنف لفظى، وقد يظهر فى صورة عنف بدنى، يوجهه شخص ضد آخر، أو جماعة ضد أخرى. ومن ثم فالعنف هو "فعل يأتيه فاعل لتحقيق هدف ما باستخدام القوة المادية أو المعنوية".
جدير بالذكر أن العنف سلوك متعلم ومكتسب وبالتالى فالتنشئة ‏ ‏الاجتماعية الخاطئة مسئولة عن شيوعه. وتتعدد أشكال العنف في المجتمع المصري, ولكن من أبرزها العنف المباشر وغير المباشر. فالعنف المباشر قد يوجه نحو الضحية مباشرة حيث تقع أعمال العنف على شخص بذاته أو جماعة بذاتها, أما النوع الآخر فهو العنف غير المباشر حيث يتم الاعتداء على أحد ممتلكات الضحية أو متعلقاته الشخصية، دون التعرض لشخصه. أيضاً قد يكون العنف تلقائياً، وقد يكون منظماً. وغالباً ما يحدث العنف التلقائي في محيط العلاقات الفردية، وفي المواقف العابرة. أما العنف المنظم فغالباً ما يكون ممتداً، ويقع في محيط العلاقات بين بعض المجموعات والفئات الاجتماعية المتباينة من حيث الوضع الاقتصادى والمهنى والثقافى.
الأسباب والدوافع
على الرغم من اتفاق معظم الكتابات الاجتماعية والسياسية على تأكيد الطابع المتسامح للشخصية المصرية فإن الكتابات ذاتها تتفق أيضاً على حدوث نوع من التغير الملموس فى الملامح العامة لهذه الشخصية خلال السنوات الأخيرة.
إن اتساع دائرة العنف التى تسود المجتمع المصري، جاء نتيجة لزوال القيم الروحية الأصيلة من التسامح وقبول واحترام الآخر، وسيادة قيم العدوانية والبغضاء، مع زوال قيم الإبداع والتجديد والابتكار.
والعنف ظاهرة معقدة تشترك فى تفسيرها عوامل عديدة وتتفاعل معها متغيرات مختلفة يأتى فى مقدمتها العوامل النفسية التي تؤثر بشكل مباشر أو غير مباشر على حالة الأفراد فى المجتمع, وتدفع بعضهم للقيام بأعمال عنف. ومن هذه العوامل على سبيل المثال حالة الإحباط التى قد تصيب الأفراد فى المجتمع، خصوصا إذا كان الشخص القائم بأعمال العنف يواجه الإحباط على مستويات متعددة.
أيضاً تساهم القيم الثقافية والمعايير الاجتماعية بدور مهم فى تبرير العنف، إذ أن قيم الشرف والمكانة الاجتماعية تحددها معايير معينة تستخدم العنف أحياناً كواجب وأمر حتمي. وكذلك يتعلم الأفراد المكانات الاجتماعية وأشكال التبجيل المصاحبة لها والتى تعطى القوى الحقوق والامتيازات التعسفية أكثر من الضعيف فى الأسرة، إذ أن القوى فى الأسرة سواء كان أباً أو زوجاً أو أخاً أكبر يتمتع بكل الحقوق والامتيازات التى تضمن له أن يسمعوه ويطيعوا وإلا تعرضوا للأذى الشديد.
‏ويلعب البعد الاقتصادي دورا كبيرا فى ظهور بؤر العنف‏,‏ حيث يشعر المواطن بفوارق اجتماعية كبيرة نتيجة الافتقاد لعدالة التوزيع المادى فيكون الوضع ملائما لتحريك العنف خصوصا لدى الفئات التى تعانى الفقر المدقع‏. أيضاً تعد المناطق العشوائية بمثابة البيئة الحاضنة للعنف، بظروفها الاجتماعية والاقتصادية وطبيعتها الايكولوجية وتركيبها الديموجرافى من حرمان اقتصادى وسلبية سياسية فى ظل الغياب الأمنى للدولة مما يوفر الشروط الأولية لنمو وتوطن أيديولوجيات العنف. وتلعب المناهج الدراسية دوراً فى تعزيز ثقافة العنف إذا لم يكن السياق الذى يستخدم فيه العنف واضحاً وهو ما يتطلب تدقيق المعنى والتمييز بين العنف المشروع وغير المشروع وحدود ذلك فى برامجنا التربوية ومناهجنا التعليمية.
كما تساهم وسائل الإعلام بشكل كبير فى ترسيخ مفهوم العنف من خلال ما تبثه من برامج وأفلام وأعمال درامية تروج للعنف والعدوان بأنواعه المتعددة سواء اللفظى أو البدنى،حيث يعطى للبطل الحق في أن يكون خصماً وحكماً في الوقت نفسه يسعى للحصول على حقه بيده حتى لو قتل أو سرق في سبيل ذلك، كما أن اختيار أبطال تلك الأعمال الدرامية ممن يتسمون بخفة الظل يعطي للشباب نموذجاً محبباً للعنف يسعون فيما بعد للاقتداء به حينما تواتيهم الفرصة.
وقد أدى انسداد قنوات التغيير السلمى والشرعى إلى علاقة ملتبسة بين المواطن والسلطة, فهو يراها سلطة مستبدة يحمل تجاهها مشاعر الرفض والغضب وفى الوقت نفسه يداهنها ويخشاها, وشيئا فشيئا تحدث تشوهات في شخصية المواطن فإما أن ينفجر غضبه في أعمال عنف تجاه السلطة ورموزها, أو يزيح هذا الغضب تجاه غيره من المواطنين فيقهرهم ويحول غضبه إلى عدوان سلبي يظهر في صورة عناد وسلبية ولامبالاة وكسل وتراخ.
ومن المفترض أن القوانين والضوابط التي تحكم المجتمع تحد من عنف الأفراد، ولكن يبدو أن تلك القوانين والضوابط قد أصبحت ضعيفة بدليل أن منطق القوة أصبح هو السائد الآن، فكل فرد يريد أن يأخذ حقه بنفسه بعد أن فقد الإحساس بالعدالة خصوصا في ظل بطء إجراءات التقاضي، كما أن السياسات الحكومية الفاشلة ولجوء السلطات الرسمية نفسها أحيانا للعنف في تعاملها مع المواطن، دفعاه إلى اللجوء هو أيضا للعنف.
ثمة جديد فى العنف الاجتماعى الذى يواجهه المجتمع المصرى، ويظهر هذا الجديد فى مشاركة فئات لم تكن تشارك فى العنف الاجتماعى من قبل، وفى استخدام أدوات وأساليب لم يكن من المعهود استخدامها على نطاق واسع في ارتكاب جرائم عنف. ومن أهم مظاهر هذا التغير دخول العنصر النسائى، ووصول العنف إلى المؤسسات التعليمية، وانخراط بعض التلاميذ وبعض المعلمين فيه، إما بارتكاب أعمال عنيفة، أو بالوقوع ضحايا لهذه الأعمال. في السابق؛ كان العنف بين طلاب المدارس لا يتجاوز المشاجرات البسيطة، والاشتباك بالأيدي دون الوصول إلي إحداث إصابات جسيمة في الخصم . والآن استخدام أعمال البلطجة علي نحو يشبه ما يقع من عنف في المجال الاجتماعي بشكل عام.
- سبل المواجهة
عُرف المجتمع المصري عبر عصوره بالسماحة وتقديس الحياة الأسرية، لكنه بدا خلال السنوات القليلة الماضية وكأنه يفقد تركيبته السمحة بعد انتشار العنف في البيت والمدرسة والشارع والجامعة والعمل بل وحتى فى ميدان العمل السياسى والدينى، والدخول فى مرحلة خطيرة خرجت عن نطاق السيطرة.
وفي ضوء حقيقة أن انتشار العنف يمثل خرقا صريحا للأمن ببعديه المادى والنفسى، ويبدو للوهلة الأولى أن مسئولية التعامل المباشر مع مظاهره فى المجتمع تقع علي عاتق الأجهزة الأمنية، فى حين تتحمل السلطة القضائية عبء ردع هذا السلوك من خلال توقيع العقوبات الملائمة علي مرتكبيه، خصوصا وأن قضايا العنف أضحت ظاهرة متكررة وارتفع مستوى الوحشية فيها فضلا عن أنها مست جوهر العادات والمعتقدات المجتمعية.
ومن المؤكد أن تحميل الأجهزة الأمنية المسئولية وحدها فى هذا الخصوص، كأن العنف هاجس أمني فقط يعتبر منافيا للواقع والحقيقة. فمع التسليم بأهمية ومحورية دور المنظومة الأمنية في التعامل بحزم مع مظاهر العنف، من ملاحقة مرتكبي أعمال العنف بيد أن الأمر يتطلب تضافر جميع جهود الأجهزة والمؤسسات الحكومية وغير الحكومية في العديد من الميادين التي تتجاوز حدود واختصاصات وإمكانات الأجهزة الأمنية بشكل
يجعل منه مسئولية وطنية تقع علي عاتق الجميع.
ومن ثم تستلزم مواجهة العنف فى المجتمع المصرى إذا أريد لها أن تكون فعالة وناجحة وضع استراتيجية متعددة الأبعاد ومتشابكة الأطراف، تتخطي الجانب الظاهري للعنف والمتمثل في "الأفعال" لتتعامل مع الجذور العميقة التي تساعد على تضخيم حجم الظاهرة وزيادة نسبة مرتكبيها ومعدلات وقوعها، بشكل يجمع بين أسلوب "المواجهة" الفورية مع مرتكبي العنف، من خلال الأجهزة الأمنية، و"الأسلوب الوقائي العلاجي".
وبالتالى يبدأ العلاج من الأسرة باعتبارها أكثر المحيطات التى يتعلم منها الفرد بحكم تفاعله المستمر معها، الأمر الذى يتطلب القيام بدورها فى التنشئة الاجتماعية ومراقبة الأبناء بشكل غير مباشر وبحث مطالبهم ومصالحهم وحل مشكلاتهم بالتفاهم والحوار الايجابي.
هذا إلى جانب الالتزام الكامل بالقوانين، واستعادة ثقة المواطن فى أجهزة الأمن وتشجيعه على أن يكون عونا لتلك الأجهزة فى السيطرة على الخارجين على القانون، بالإضافة إلى ضرورة استعادة الدور التربوى لوزارة التربية والتعليم وتطوير التعليم، وإشاعة قيم التسامح والصدق والعدل والرحمة وغيرها من الأخلاقيات، وضرورة وضع التشريعات الرادعة التى من شأنها أن تحد إلى درجة كبيرة من أعمال العنف والشغب.
خلاصة القول إن حل هذه المشكلة بمثابة مشروع قومى يهدف إلى استعادة طبيعة الشخصية المصرية المعهودة، وبالتالى لابد ان تجتمع كل الأطراف لأن غياب أى منها سوف يؤدى لفشل منظومة الإصلاح وتفاقم العنف وتزايد الجريمة‏.‏