Share |
ابريل 2012
12
اقتصاد الجيش بين التهويل ومنطق تفكيك الدولة
المصدر: الأهرام اليومى

أحمد السيد النجار

يبدو اقتصاد الجيش وكأنه مخزن أسرار يغرى الكثيرين فى الداخل والخارج على الحديث عنه، وهو حديث اختلط فيه الحق بالباطل فى الكثير من الأحيان لأنه ببساطة لا توجد معلومات دقيقة عنه.
- ففى الغرب تسود «معلومات» مفادها أن اقتصاد الجيش يشكل 40% من الاقتصاد المصرى، وهو أمر مجافى للحقيقة تماما، ومصدر الخطأ أنه يحسب الأصول المملوكة للجيش كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى، فى حين أن الأدق هو حساب تلك الأصول كنسبة من إجمالى الأصول الإنتاجية فى الاقتصاد المصرى، أو حساب ناتج اقتصاد الجيش كنسبة من الناتج المحلى الإجمالى. ووفقا لهذه الطريقة، فإن حصة اقتصاد الجيش وناتجه ستقل على الأرجح عن 5% من الاقتصاد المصرى ومن ناتجه.
لكن المذهل أن مساعد وزير الدفاع للشئون المالية والمحاسبية عندما أراد أن يطرح رؤية المؤسسة العسكرية حول هذه القضية، قدم دفاعا لا يمكن قبوله لأنه فى غاية الخطورة على وحدة اقتصاد الدولة ووحدتها هى ذاتها وقواعد العدل فيها، فقد ذكر أن «القوات المسلحة ستقاتل من أجل مشروعاتها الاقتصادية التى بذلت فيها جهوداً كبيرة، ولن تتركها لأى شخص أو جهة لأنها عرق الجيش، ولن تترك اقتصادها للدولة حتى لا يخرب» وكأن الجيش ليس جزءا من الدولة! واعتبر أن «من يقترب من مشروعات الجيش يقترب من الأمن القومى». وأشار إلى أن القوات المسلحة «لا تحصل إلا على 4.2% من الإنفاق العام، وهى أقل من وزارة التربية والتعليم ولذلك قررت الاكتفاء الذاتى من صناعات غذائية، وملابس للجنود، وغيرها من الاحتياجات» وأكد أن «الجيش ملتزم بدفع الضرائب».
والحقيقة أن حصة الجيش من الإنفاق العام منخفضة، وكانت فى الموازنة العامة 2011ـ 2012، نحو 25.5 مليار جنيه، أى نحو 5.2% من إجمالى الإنفاق العام وحوالى 1.6% من الناتج المحلى الإجمالي، ومع زيادة الإنفاق فى عهد حكومة د. الجنزورى، دون زيادة فى مخصصات الجيش تراجعت النسبة إلى المستوى الذى أشار إليه مساعد وزير الدفاع للشئون المالية. ووفقا للبنك الدولى فإن متوسط الإنفاق العسكرى فى العالم يبلغ نحو 2.6% من الناتج العالمي، وبذلك فإن الإنفاق العسكرى فى مصر يعتبر بين الأقل عالميا، ويحتاج لرفعه للضعف، لأن دولة قائدة فى إقليمها مثل مصر ينبغى أن تحقق التوازن الاستراتيجى على الأقل مع الكيان الصهيونى المعادى الذى نشأ بالاغتصاب ويستمر بالبغى والعدوان، بكل ما يتطلبه ذلك من تمويل تطوير البنية الأساسية العسكرية وصناعة أو شراء أسلحة متطورة، وتقديم رواتب كريمة وعادلة لأبناء القوات المسلحة من الجنود للقيادة، والاستغناء عن المعونة الأمريكية المشبوهة التى تهدف لاختراق الأمن القومى وتبتغى إبقاء تسليح الجيش المصرى أدنى من نظيره الصهيوني، حتى تحقق هدفها المعلن بضمان تفوق الكيان الصهيونى عسكريا على مصر والبلدان العربية.
لكن إيماننا بأن جيشنا هو درعنا التى ينبغى أن نضمن لها تسليحا متقدما وبرامج وطنية لتطوير الأسلحة ورواتب كريمة بكل ما يتطلبه ذلك من زيادة الإنفاق العسكرى، هو أمر مختلف تماما عن مسألة وجود اقتصاد خاص بالجيش، لأن وجود مشروعات تخص أى وزارة هو منطق تفكيكى للدولة وظالم للشعب، إذ بنفس هذا المنطق يمكن لوزارة الزراعة أن تقوم باستصلاح الأراضى وزراعتها أو بيعها وإنشاء شركات لتربية وتسمين الماشية والطيور، والاحتفاظ بالحصيلة لنفسها، ونفس الأمر بالنسبة لوزارة الكهرباء التى يمكن أن تنشئ شركات لإنتاج الأسلاك والمحولات والمصابيح وتحتفظ لنفسها بالعائد من تلك المشروعات، وهكذا الأمر بالنسبة لباقى الوزارات، لتتمتع قيادات الوزارات وربما بعض العاملين فيها بمستويات دخول عالية تحققت من أصول الأمة من أموال وأراض وشركات ومن استخدام مجندى الأمة فى العمل فى مشروعات اقتصادية خاصة بالوزارة، كما فى حالة شركات الجيش، وبما يخالف الهدف من تجنيدهم، بينما يظل الشعب فى وضع أدنى من زاوية الدخل ومستوى المعيشة، وهو خلل وظيفى وظلم اجتماعى فادح.
إن القواعد الراسخة لاقتصاد الدولة، هو أن يكون موحدا وتابعا للحكومة وليس إقطاعيات لكل وزارة، فوحدة القطاع العام للدولة وعودة العائد منه لوزارة المالية لتقوم هى بتوزيع المخصصات على كل الوزارات، حسب الرؤية الكلية للاقتصاد والاحتياجات المتنوعة، هو أمر بديهى فى أى دولة حديثة، وما عدا ذلك من السماح بوجود قطاع عام «خصوصى» لبعض الوزارات فهو منطق تفكيك الدولة، وهو جزء من فساد عصر مبارك.
أما القول بأن الاقتراب من اقتصاد الجيش هو اقتراب أو بمعنى آخر مساس بالأمن القومي، فإنه أمر غريب وخارج المنطق، إذ ما هى علاقة إنتاج المياه والخضر والفاكهة والمكرونة ومحطات توزيع الوقود وتأجير صالات الأفراح بالأمن القومى؟! إن الحديث عن شركات التصنيع العسكرى وبرامج إنتاج الأسلحة، هو وحده الذى يتعلق بالأمن القومى من زاوية نوع الأسلحة والبرامج، وليس من زاوية التصرفات المالية.
أما الحديث عن أن المشروعات الاقتصادية للجيش تدفع الضرائب للدولة، فإنه مجاف للحقيقة تماما، لأن قانون الضرائب يعفى مشروعات جهاز الخدمة الوطنية بوزارة الدفاع من الضرائب كلية.
والغريب أن ذلك الحديث تضمن الشكوى من أن مخصصات الجيش أقل من وزارة التربية والتعليم، رغم أن هذا أمر بديهى فى كل الدنيا، فالإنفاق العالمى على التعليم يبلغ فى المتوسط 4.5% من الناتج العالمي، ونحو 18% من إجمالى الإنفاق العام العالمي. أما الإنفاق العسكرى فإنه يبلغ نحو 2.6% من الناتج العالمي، ونحو 10% من إجمالى الإنفاق العام فى العالم.
أما القول بأنه لن يتم ترك اقتصاد الجيش للدولة حتى لا يخرب، فإنه يعنى الاستسلام لمنطق انتشار الفساد وسوء الإدارة فى الجزء المكشوف من اقتصاد الدولة وهو اقتصادها المدني، بدلا من تبنى خطة للإصلاح الشامل، وتطهير اقتصاد الدولة من القيادات الفاسدة وضعيفة الكفاءة من فلول النظام الفاسد للديكتاتور المخلوع مبارك. إن أى دستور يحترم قواعد وحدة القطاع العام للدولة ينبغى أن ينهى أى اقتصاد خاص بأى وزارة، وأن يضع القواعد لضمه فورا للقطاع العام، ونفس المنطق ينبغى أن يُطبق على الصناديق الخاصة حتى تكون هناك مالية عامة واحدة، فليس هناك أى منطق فى أن تكون هناك دولة داخل الدولة من خلال اقتصاد وصناديق الوزارات والمؤسسات الذى هو علامة من علامات فساد عصر الديكتاتور المخلوع مبارك.