Share |
اكتوبر 2009
24
أجهزة التصنت فضحت الخصوصيه. والقانون غائب
المصدر: الأهرام اليومى
بقلم:   أيمن فاروق

سعيد عبدالحفيظ

القاهرة:
الحياة الخاصة والأسرار الشخصية والتصرفات التلقائية. فقدت خصوصيتها بسبب التطور التكنولوجي المذهل, الذي أنتج أجهزة دقيقة للغاية, فضحت السرية وكشفت المستور.
قد تصحو يوما لتجد أن مكالمة خاصة جدا مع زوجتك, أو علاقة حميمة مع شريكة حياتك, أو أسرارا بينك وبين أقرب الناس إليك, تحولت إلي حواديت بين الناس, صوتا وصورة. والأخطر أن هذه الصورة أو الصوت يمكنهما عبور الحواجز والحدود عبر الإنترنت, بعد أن تم تصويرك وتسجيل كلامك العفوي أو أحاديثك التليفونية في غفلة منك, ودون أن تشعر, من خلال كاميرا صغيرة ودقيقة جدا في حجم "حبة العدس" مثبتة في غطاء قلم جاف أو حبر, أو في ولاعة سجائر.
وزيادة في التمويه, جري حديثا تثبيت هذه الكاميرا "التجسسية" في النظارة الشمسية وحزام البنطلون أو رابطة العنق.
كما انتشرت هذه الأجهزة الخطيرة في الكثير من محال وسائل الاتصال الإلكترونية وتسربت لأيدي الشباب, بينما هناك فراغ تشريعي لتجريم هذه الأجهزة وحبس حائزيها ومستخدميها بدلا من الاكتفاء بإعادة تصديرها, خاصة أن بينها سماعة "بلوتوث" تنقل محادثات تليفونية من علي بعد 30 مترا.
- عشرات الحملات الأمنية علي محال بيع الأجهزة الالكترونية والاتصالات, والهدف واحد. ضبط أجهزة من شأنها انتهاك حياة المواطنين الخاصة وتهديد الأمن العام. أجهزة تنصت. تباع للمواطنين بوصفها أجهزة تصوير صغيرة الحجم. مختلفة الأشكال والأحجام. وجميعها لغرض واحد. وهو التنصت.
وتباع بأسعار زهيدة وفي أماكن عامة, السيد حبيب العادلي وزير الداخلية أمر بتكثيف الرقابة علي أسواق تلك المنتجات, واستهداف حائزيها من بائعين ومشترين من خلال حملات أمنية متخصصة. لمتابعة حركة الجلب والبيع به, وأنواع الأجهزة الحديثة واستخداماتها, وانفردت "الأهرام" في الكشف عن أنواع جديدة لم تصل السوق المصرية حتي الان, ولكنها في الطريق.
في إحدي المناطق الشعبية بمصر المحروسة, التقيت مع أحد مستوردي الأجهزة الالكترونية ومنها أجهزة التنصت الحديثة, وسألته عن أماكن استيرادها وما الدول المصنعة لها كيف يتم التعاقد عليها ودخولها الي السوق المصرية, ومدي خطورتها وإيجابياتها من وجهة نظره؟
أجاب المستورد أن أجهزة التنصت الحديثة المثيرة للقلق تباع بجميع محلات وشوارع الصين, وهي مصنعة في الأصل بدولة الهند, ويمكن الاطلاع علي جميع الأنواع والأحجام والتعاقد عليها واستلامها بعد عدة أيام قليلة مهما اختلفت الكميات, أما عن الأنواع, فما وصل الي السوق المصرية هو أقلام وساعات التصوير الرقمي, وهي مزودة بكاميرات وميكروفونات صغيرة الحجم, كما وصل أيضا جهاز الاتصال عن بعد والذي يتم تزويده بشريحة موبايل ويمكنك من سماع جميع الأصوات من حوله, وهذا النوع تحديدا دخل إلي البلاد بهدف وضعه في السيارات الخاصة والملاكي لمنع سرقتها أو تتبعها.
أما عن الأنواع التي لم تصل إلينا فهي حزام للبنطال ونظارة شمس, ورابطة عنق (كرافت), وجميعها مزودة بكاميرات رقمية دقيقة لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة تقوم بالتسجيل صوت وصورة بوضوح شديد ولمدة 5 ساعات متواصلة تقريبا, كما توجد أيضا أنواع من أجهزة التنصت المتخصصة مثل طائرة الذباب وهي عبارة عن طائرة هيلكوبتر صغيرة الحجم طولها نحو 7 سنتيمترات مزودة بكاميرا ومايك ذي كفاءة عالية, ويمكن تحريكها عن بعد بجهاز "الريموت كنترول", كل هذه الأنواع لم تصل إلينا بعد.
- "وسائل التهريب"
أما عن طريقة دخولها البلاد, فقرر المستورد أن بعض التجار يقومون بجلبها وسط حقائب وعبوات "الكونتينر" والذي يصعب تفتيشه إلا في حالات البلاغات نظرا لضخامته, كما يقوم البعض بجلبها معه داخل حقيبة صغيرة يحملها بيده أثناء دخوله الميناء سواء الجوي أو البحري, وفي حالة اكتشافها يتم استجوابه وطلب تركها بطريقة "المصادرة" أو إعادة شحنها إلي أي دولة أخري, وفي هذه الحالة يتجه بعض التجار إلي بعض المهربين بالدول الحدودية مع مصر وجلبها بطريقة التهريب المكلفة ماديا نوعا ما.
أكد المستورد أن كل الأجهزة يمكن استخدامها بالطريقة الضارة أو الطريقة النافعة, فالأقلام المزودة بكاميرات تستخدم في تصوير الحفلات وأعياد الميلاد, كما يستخدمها الطلبة لتسجيل المحاضرات ووضعها علي الحاسب الالي, وكذلك أجهزة الاستماع عن بعد والتي يتم تزويدها بشريحة موبايل وشحنها ويمكن استخدامها لمدة أكثر من 30ساعة لسماع الأصوات المحيطة بالجهاز, ويمكن استخدام ذلك في السيارات الملاكي ومعارض السيارات التي تقوم بأعمال التأجير وغيرها من الأغراض الإيجابية.
أما ما يحدث من تصوير وتسجيل لمشاهد اباحية أو اقتحام حياة الخصوصية فهذه الأسباب تحول دون بيع هذه الأجهزة بطريقة شرعية, فلابد من تقنين اجراءات البيع والحيازة, وذلك لأن الغموض الذي يكتنف بيع تلك الأجهزة يزيد من الطلب عليها.
- "حملات أمنية"
كل هذه الكلمات استشعرت معها القلق وخطورة الأيام القادمة, فتوجهت الي المصادر الأمنية المسئولة عن تلك المعلومات وهذه الأنواع من أجهزة التنصت الحديثة ومدي العلم بها لدي أجهزة الأمن المصرية, أكد المصدر في البداية ان تلك المعلومات جميعها صحيحة, فالأنواع التي عددها موجودة ومطروحة بالأسواق الأجنبية, وتم اطلاع جميع الضباط المتخصصين في شرطة الموانئ والجمارك والتهرف الضريبي علي اشكالها وأنواعها وأصحابها, فمنظومة الأمن في مصر يتم تحديثها بشكل دائم علي جميع المستحدثات سواء التكنولوجية أو في مجال الجريمة بشكل عام.
وعن أجهزة الاستماع عن بعد, قال بالفعل ضبطت الأجهزة الأمنية هذا النوع من الأجهزة والذي يتم توجيه تهمة التجسس علي الآخرين لحائزيه, نظرا لمحاربته والقضاء عليه لوجود مخاطر أمنية تهدد أمن الوطن في استخدامه ليس لسماع الأصوات حوله بل بطرق يمكن استخدامها في حالات أخري له غير شرعية بالمرة.
وأضاف المصدر انه يوجد أجهزة أخري تجرم في بيعها وتداولها مثل أنواع من التليفونات المحمولة يمكنها استخدام ارقام التليفونات الموجودة حولها والاطلاع عليها, وكذلك نوع من سماعات البلوتوث يمكنها سماع مكالمة لتليفون اخر مجاور لها بمسافة 30 مترا تقريبا, وكل هذه الأنواع الأجهزة الأمنية علي دراية كافية بها والكشف عنها, ويتم ضبط بعضها بالفعل, وأهاب المصدر الأمني بالمواطنين التنسيق مع الأجهزة الأمنية في الإبلاغ عن بائعي تلك المنتجات وحائزيها قبل تورطهم في أعمال قد تضر بهم وبالمواطنين وتهدد أمن وسلامة الوطن.
أما عن تهريب البضائع داخل "كونترات" شحن عملاق, لذلك سوف يتم كاشفات الكونترات الالكترونية, بأجهزة جديدة وحديثة للكشف عن الحاويات المخزنة بها, وفي ذلك الوقت سوف يتم مصادرة الشاحنة بأكملها ولحين صدور تعديل تشريعي سوف يواجه بتهمة الجلب غير الشرعي والذي يعاقب عليه القانون بعقوبة الحبس.
كما أن قانون الجمارك, لابد أيضا أن يتناول تعديلا تشريعيا لإتاحة الفرصة لمصادرة البضاعة وتغريم حائزها ومعاقبته بالحبس.
ونبه المصدر الأمني أنه خلال الأيام القادمة سوف يتم فحص أجهزة الحاسب الآلي الموجودة بمحلات بيع وصيانة التليفونات المحمولة للكشف عن برامج التجسس وتسجيل المكالمات التي يتم تزويد التليفونات بها لانتهاكها لخصوصية المواطنين وحياتهم.
فمن جانبه, أكد أيمن عقيل مدير مركز ماعت للدراسات الحقوقية والدستورية ان الصكوك الدولية لحرمة الحياة الخاصة قد أبرزت في عدة نصوص لمنع التدخل في الخصوصية, ولعل أهم تلك النصوص المادة 17 من العهد الدولي والتي تنص في فقرتها الأولي علي أنه "لايجوز تعريض أي شخص علي نحو تعسفي أو غير قانوني لتدخل في خصوصياته أو شئون أسرته أو بيته أو مراسلاته, ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته", كما تنص في فقرتها "ب" علي أنه من حق كل شخص أن يحميه القانون من مثل هذا التدخل أو المساس, كما تنص المادة (45) من الدستور المصري علي أن "لحياة المواطنين الخاصة حرمة يحميها القانون.
وأضاف أنه برغم ما تحمله تلك النصوص من مميزات وما توفره من حماية لحرمة الحياة الخاصة من المنظور الحقوقي فإنها تسمح في نفس الوقت بإفلات مجرمين كثر من العقاب ليس بسبب براءتهم الموضوعية ولكن بسبب فساد الإجراءات المتبعة في هذا الشأن, وهو ما يدعونا للمطالبة بإعادة النظر في بعض بنود قانون الاجراءات الجنائية خاصة بالنسية للجرائم الكبري التي تمثل خطرا علي أمن المجتمع في ظل ما حدث من تقدم كبير في الوسائل التكنولوجية.
وأشاد سعيد عبدالحافظ ـ الناشط الحقوقي ـ رئيس مؤسسة ملتقي الحوار للتنمية وحقوق الانسان أن اللجنة المعنية بالحقوق المدنية والسياسية للأمم المتحدة فسرت تلك الأوضاع القانونية بأنها تكفل حماية الشرف والسمعة الشخصية.
ومن واجب الدول ان توفر التشريعات الكافية لتحقيق هذا الغرض, كما يجب اتخاذ التدابير لتمكين أي إنسان من أن يحمي نفسه بصورة فعالة ضد أي اعتداءات غير قانونية.
هذا فضلا عن الآثار السلبية المدمرة لمثل هذه الأجهزة علي استقرار الأسر والعلاقات الاجتماعية وفقدان الثقة فيما بين الناس بعضهم البعض واعتقد ان تعديل عقوبات انتهاك الخصوصية في القانون المصري اصبح لازما.