Share |
ابريل 2012
23
الدستوروالنهضة الاقتصاديـة
المصدر: الأهرام الإقتصادى

المستشار عبدالعزيز الجندي

أجمع المتناقشون في "سيمنار" ـ حلقة نقاشية ـ بمعهد التخطيط القومي بفشل الجمعية التأسيسية الموكل إليها وضع الدستور، لأن الإنقاذ والتغيير والنهضة لا تأتي إلا من علماء وخبراء ومتخصصين قادرين علي القيام بهذه المهمة الدقيقة. وأن تشكيل الجمعية التأسيسية قد لابسته السياسة والانحياز الحزبي الضيق. ومن ثم كان هذا أول ثمار استمرار الثورة وأول درس حقيقي علي ضرورة تكاتف جميع أفراد الشعب وخاصة النخبة منه في العمل المتواصل لبناء مصر الحديثة.
وقد خلص السيمنار بالعديد من النقاط الهامة التي يجب الأخذ بها عند صياغة الدستور الجديد وهي حقا نقاط تواكب المتغيرات المحلية والإقليمية والدولية وتلبي مطالب المصريين الذين ضحوا بدمائهم من أجلها. ولقد تبني كل من المستشار عبدالعزيز الجندي وزير العدل الأسبق ورجائي عطية المحامي بالنقض كل هذه المطالب وبلوراها في نقاط وبنود في غاية الدقة لإدراجها في الدستور المزمع صياغته لتدخل به مصر إلي مصاف الدول الكبري من ناحية تحقيق الديمقراطية الكاملة وتلبية حاجات المصريين في تحقيق الحرية والكرامة والأمن بجوانبه الاقتصادي والاجتماعي والثقافي.
واقتتح اللقاء د. مصطفي أحمد مصطفي المشرف علي السيمنار بالإشارة إلي أن الدستور معني بالعلاقات التي تحكم نظام حياة الشعب ككل متجانس كما يعني بمجموعة الغايات المشتركة التي يستهدفها الشعب ويعبر عن كافة الوسائل التي يتخذها للوصول إلي تلك الغايات. وتأصيل النظام الديمقراطي الحقيقي للحكم الجيد وليت الدستور المصري القادم أن يراعي تطوير مجتمع مدني حر وحيوي يؤثر علي قيام واستمرار الدولة الحديثة، ونظام سياسي قوي ومستقل يقوم علي التعددية الحزبية، وسيادة حكم القانون واستقلال القضاء لتأمين حريات كافة المواطنين، ديمقراطية حكومية كفؤة تتمتع بمسئولياتها، ومجتمع مؤسسات يقع الاقتصاد وهويته وسياسات في قلبه. وإعلاء عبارات التعددية. وتحديد وتقليص سلطات رئيس الجمهورية واعطاء الوزراء والمحافظين سلطات حقيقية، وإقرار مبدأ تداول السلطة من خلال انتخابات حرة، وتنقية المواد الدستورية وتنقيحها في أقل عدد من المواد. والتطلع إلي تجارب الدول الأخري والاستفادة منها .
واشارت د. فادية عبدالسلام مديرة المعهد إلي أهم القضايا المثارة حاليا، حيث إن تواضع معدلات التنمية تتطلب في المرحلة القادمة أن يتضمن الدستور الجديد حقوق الإنسان كما وردت في المواثيق الدولية مثل حق العمل والحصول علي أجر عادل والحق في الملكية الخاصة وحمايتها والحق في العيش الكريم والحق في الانضمام إلي النقابات والحق في السفر والهجرة وعدم التمييز ضد المرأة ومنع اعمال السخرة، وكذلك مراعاة المقومات الاقتصادية للمجتمع مثل وضع حد أعلي لتخفيض الفروق بين الدخول في المجتمع والحديث عن التنمية المستدامة مثل زيادة معدلات التنمية البشرية وتحقيق درجة من التوازن في التنمية بين الأقاليم والاهتمام بالتنمية الانسانية المرتبطة بحماية الصحة والثقافة والبيئة وكذلك عدم تجاهل حصول المواطن علي فرص الدعم والإعانات. والإشارة إلي المشروعات المشتركة وخضوع الملكية لرقابة الشعب. والتأكيد علي الإسكان الشعبي والمتوسط ولابد أن يشير الدستور إلي بعض الاشكاليات مثل خصخصة الملكية العامة وشروطها.
ونوه المستشار عبدالعزيز الجندي بأنه يرأس "شعبة العدالة والتشريع" في المجالس القومية المتخصصة وتضم قمم القانون في مصر في جميع التخصصات، وهذه الشعبة ناقشت الدستور واعترضت علي بعض مواد دستور 1971 منذ فترة طويلة وكانت اقتراحاتها تجابه باحجام شديد باعتبار هذا خطا أحمر لا يجوز الحديث فيه. فجميع التقارير التي كتبتها الشعبة عن تعديل الدستور قبل الثورة حجبت عن العرض علي المجلس.
وكلنا يشهد علي أن ثورة 25 يناير أحدثت تغييرا جذريا في مصر، وكنا نتمني هذه الثورة ولم نتوقعها. وقبل وقوع الثورة بثلاثة أشهر نظمنا مؤتمرا في إحدي الجامعات عن مشاركة المرأة والشباب في الحياة السياسية والحياة العامة في مصر وكنا نحث المرأة والشباب علي المشاركة في الحياة السياسية، وكان هناك خوف علي مصر من أن شبابها لا يعطي أي اهتمام بمسألة المشاركة السياسية ومن ثم سنتخلف عن الركب، وناشدتهم بترك الفيس بوك والكرة واهتموا بشئون مصر. واطلعتهم علي تقرير التنمية البشرية الذي أشار الي تهميش الشباب وأن الحكومة تعمل علي تهميشه لكي تبعده عن الحياة السياسية. وكان حديثنا كما لو كان الشباب في غيبوبة. فالثورة مفاجأة مذهلة لنا وادركنا أننا نحن الذين كنا في غيبوبة. وقبلت المنصب بعد اعتراض للسن فناشدني الدكتور عصام شرف بأن مصر في حاجة اليك، وعلي الفور قبلت الوزارة. والجلوس مع شباب الثورة اضفي علينا نشاطا وحيوية لم نحس بها من قبل. ومن ثم لابد أن يكون هناك تغيير في كل شيء لتلبية مطالب هذه الثورة. وما حدث في اعقاب الثورة من احداث وتداعيات أمر طبيعي حدث في كل الثورات بل استغرق الأمر سنوات طويلة في بعض الدول، ونحن أحسن كثيرا من دول أخري سبقتنا في هذا المجال . نحن في حاجة إلي أن نفكر بفكر الشباب وليس بفكرنا التقليدي القديم ولا بالدستور القديم .وكان أول حديث مع المسئولين أي مع المجلس العسكري حيث طرح تعديل بعض المواد علي الدستور، وكان ردي في أن الثورة اسقطت الدستور ولا يجوز عمل تعديلات علي دستور سقط واسناد المسئولية للمجلس العسكري جاء من ميدان التحرير.
وفي الإعلان الدستوري تم تعطيل الدستور، اليوم اجتزنا مراحل عدة، ويحسب للوزارة التي استقالت انها مهدت لانتخابات نيابية سليمة واشركت لأول مرة في تاريخ مصر المصريين في الخارج للادلاء بأصواتهم في العملية الانتخابية. وقد رفع بعضهم قضية وحكم باحقيتهم في هذا وتشبثت وانا وزير للعدل أن أنفذ الأحكام القضائية وأن احترم سيادة القانون فإذا صدر حكم قضائي فأنا ملزم بتنفيذه وملزم الحكومة بتنفيذه. وحاولوا الوقوف ضد تنفيذ القانون بالتعلل بالقصور في بعض السفارات وفي آلية المشاركة ومن خلال المناقشات مع المختصين استطعنا الوصول إلي آلية التصويت الالكتروني بأن السفراء والقناصل يحلون محل القضاة في الإشراف علي الصناديق علي أن ترسل الأوراق إلي اللجنة القضائية. وكانت أولي مهامي في وزارة العدل أن أعلن أن مصر دولة القانون. ولن يتم أي إجراء بدون موافقة القانون وكل اجراء استثنائي مرفوض بما فيه اعمال قانون الطوارئ في اعتقال أفراد وفي تقييد حرية الأشخاص وبدأت أولي مهامي بقانون البلطجة ثم قانون التحرش الجنسي وقانون منع الوقفات الاحتجاجية التي تؤدي إلي تعطيل الأعمال وتخريب المنشآت. ومن ثم لا أحد فوق سيادة القانون وأن الجميع يخضع للقانون. وكان الاتجاه في الوزارة أن يكون الدستور أولا، وهذا الاتجاه اعلنه د. عصام شرف وكانت عليه ثورة عارمة بسبب جعل الدستور أولا ثم الانتخابات ثانيا ثم ظهر خطأ هذا الاتجاه. وعندما طرحت فكرة الجمعية التأسيسية فكرت الوزارة في بعض الضوابط التي سيتم علي أساسها اختيار أعضاء الجمعية التأسيسية وظهرت وثيقة السلمي التي كانت تهدف إلي ضوابط في اختيار اعضاء الجمعية التأسيسية. من خلال اختيار أناس قادرين علي صنع دستور لمصر. لكن الجمعية التأسيسية شكلت من المجلس الذي حصل علي الاغلبية إلي انتهت بحكم مجلس الدولة في شأن الطعن علي تشكيل تلك الجمعية وطعون أخري علي تشكيل مجلس الشعب نفسه من حيث القوائم والفردي، حيث كنا واضعين نصا في قانون ممارسة الحقوق السياسية 50% للقوائم و50% للفردي بشرط أن يكون الفردي للمستقلين فقط ولا يشارك فيه الأحزاب، وبعد حوارات مع المسئولين استطاعوا أن يقنعوهم بأن يتم تعديل المادة بجعلها ثلثين وثلثا أي أن الثلث المخصص للفردي يشارك فيه الحزبيون الذين لم يحظوا بتأييد القوائم، وهذا سبب الطعن علي عدم دستورية المجلس.
لعل الانتخابات التي جرت اعطت انطباعا للناس بأنه طالما أن الأغلبية هي التي ستشكل الدستور فإنه سيحوي هذا الاتجاه، وكان هناك احتجاج كبير علي مدنية الثورة في وثيقة السلمي. لكن ما يجب أن يتضمنه الدستور الجديد، وكرئيس لشعبة العدالة والتشريع استعنت بالتقرير الذي وضعته الشعبة فالتقرير أشار إلي أن نظام الحكم في مصر بأنها مدنية جمهورية ولابد من النص علي أنها دولة مدنية، نظام جمهوري وديمقراطية وشبه رئاسي، خليط من النظامين البرلماني والرئاسي، يتولي رئيس الدولة رئيس الحكومة إدارة شئون الدولة، ويتولي التشريع ورقابة السلط القضائية والسلطة التنفيذية مجلس نيابي يقوم علي انتخابات حرة ونزيهة تجري دوريا علي اساس الاقتراع السري العام والمباشر تحت اشراف قضائي كامل وفقا لنظام انتخابي يضمن حق الترشيح والانتخاب وعدالة التمثيل لجميع المواطنين .أيضا لابد أن ينص في القانون علي أن النظام السياسي علي أساس مبدأ المواطنة وتعدد الأحزاب السياسية وحرية انشاء الاحزاب السياسية بشرط عدم تعرضها للحقوق والحريات الأساسية ويحظر أن تفرق في عضويتها بين المواطنين علي أساس الدين، وحق تكوين الجمعيات الأهلية وعدم تقييدها بالتراخيص وما شابه ذلك. المبدأ الثالث الذي وضعته اللجنة، سيادة القانون واستقلال القضاء ضمانة اساسية لخضوع الدولة للقانون وكفالة العدالة للكافة. ومن ثم من حق أي إنسان أن يلجأ إلي قاضيه الطبيعي. والفصل بين السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية وتحقيق التوازن بينها مع تحقيق قدر من التعاون والتداخل دون الوصول إلي حد الاندماج بين السلطات أو هيمنة سلطة معينة علي غيرها من السلطات. كما ينص علي انتماء الشعب المصري للأمة العربية. ولغة الدولة هي العربية. والإسلام دين الدولة، ومبادئ الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع بما يضمن لاتباع الديانات السماوية الأخري الاحتكام لشريعتهم.
يقوم الاقتصاد الوطني علي التنمية الشاملة وتشجيع الاستثمار الوطني والعربي والأجنبي وحماية المنافسة الحرة ومنع الاحتكار وحماية المستهلك وضمان توزيع عدالة التنمية علي جميع المواطنين. يجب النص علي أن كرامة الإنسان حق أصيل والثورة قامت من أجل كرامة الانسان المصري. وعلي الدولة احترام وحماية حقوق الإنسان السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي التزمت بها طبقا للمواثيق الدولية. ضمان الممارسة الحرة لجميع الشعائر الدينية دون أي معوقات والحماية الكاملة لدور العبادة
بالنسبة للحريات والحقوق العامة بات أن يأتي الدستور الجديد متضمنا بابا مستقلا عن الحقوق والحريات العامة وتلبية المطالب التي التفت حولها مطالب الشعب في ثورة 52 يناير محققا للطموحات والآمال المنشودة للشعب المصري منهيا المخاوف التي خلفتها التجارب الماضية المريرة التي عاني منها الشعب المصري في ظل النظام السابق.
واقترح المستشار عبد العزيز الجندي إدراج جميع الحقوق والحريات المنصوص عليها في المواثيق الدولية والإقليمية لحقوق الإنسان وبصفة خاصة الحقوق التي أغفلها دستور 1971.
والنوع الثاني من الحقوق وهي الخاصة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية يشمل الحق في حياة آمنة وفي بيئة نظيفة والحق في الغذاء الصحي والسكن الملائم والحق في الصحة والعلاج والرعاية الصحية وممارسة الرياضة والتأمين ضد البطالة والمرض والعجز والشيخوخة والحق في المشاركة في الحياة الثقافية بمختلف اشكالها.
والنوع الثالث، تشمل الواجبات العامة، مشكلة الأمية حيث مازالت الأمية متفشية وهي في تصاعد لعدم وجود أماكن لاستيعاب الأطفال في السن المدرسي بالإضافة إلي التسرب في التعليم حيث تصل نسبة التسرب في التعليم في بعض المحافظات إلي 25-30% أي خلق جيل جديد من الأميين. واحصائيات الأمية المتداولة هي عن تعليم الكبار وليس الصغار المتسربين من التعليم ومن ثم لابد أن ينص في الدستور علي التزام الدولة بمحو الأمية وفي فترة زمنية محددة.
الحفاظ علي الوحدة الوطنية، وسلامة البيئة حيث هناك تدهور بيئي كبير مما ساعد علي انتشار الأوبئة والأمراض الخطيرة. وهناك أيضا الحق في المياه، وهناك بعض الدساتير تنبهت اليه ونصت علي حق الانسان في المياه وخاصة أن هناك فقرا مائيا مع زيادة السكان. وحماية الآثار، أداء التكاليف والضرائب العامة، مكافحة الفساد والجرائم ضد الإنسانية. تحريم جميع صور الانتهاكات والاعتداءات الحاصلة علي الحقوق والحريات العامة وكفالة الدولة لتعويض الضحايا. إنشاء مجلس قومي لحقوق الانسان يحدد اختصاصاته وطريقة تشكيله. وتضمين المادة الخاصة بلائحة الطوارئ بمدة محددة ومقترح أن تكون ثلاثة أشهر ولا يجوز مدها لأكثر من ثلاثة أشهر أخري بموافقة مجلس الشعب علي هذا الامتداد.
والنظام الاقتصادي يقوم علي العدالة الاجتماعية ولها مفاهيم كثير منها ألا نترك الفقير يزداد فقرا والغني يزداد غني ونصل إلي البروج المشيدة وبجوارها العشوائيات. ويجب أن ينص علي تأكيد دور الدولة علي تحقيق العدالة الاجتماعية مما ينعكس علي توزيع الدخل القومي بشكل عادل يؤدي إلي تضييق الفجوة بين الأغنياء والفقراء ومن شروطها القضاء علي البطالة.الإسكان مشكلة أساسية ولابد أن تجاهد الدولة في توفير السكن المناسب للمواطن العادي وأن تقدمها للمحتاجين بأسعار التكلفة. وحق المواطن في العلاج ورعايته الصحية، وهي من الحقوق الأساسية. وكان هناك مشروع قانون التأمين الجديد ليشمل جميع المواطنين. وأن يكون التشغيل قائما علي قواعد موضوعية. والاقتصاد الحر لا يعني غياب الدولة وأن يكون لها دور رقابي وفعال ومهم وتتخذ من الاجراءات والقوانين ما يكفل حماية المستهلكين والفقراء. وكفالة التعليم العام لجميع المواطنين والارتقاء بالتعليم العالي والبحث العلمي. وتكون الدولة مسئولة أمام المواطن عن تحقيق هذه الغايات المشروعة والأساسية لحياة المواطن .وبالنسبة للسلطات تقليص سلطات رئيس الجمهورية، ولا يجوز إعادة انتخابه أكثر من مرة أخري. ويجب أن ينص علي ترشيح رئيس الجمهورية ونائبه في نفس الانتخابات. ولا يجوز لرئيس الجمهورية ونائبة مزاولة مهنة حرة أو عمل تجاري أو لأي من أفراد اسرته حتي الدرجة الرابعة أن يشتري شيئا من أموال الدولة أو بيعها أو يستأجر منها شيئا سواء بطريق مباشر أو غير مباشر. وأن يقدم إقرار ذمة مالية قبل التعيين وبعد انتهاء مدة ولايته، ولا يقبل هدايا تزيد قيمتها علي 500 جنيه، وإذا زادت عن ذلك يقدمها لإدارة أملاك الدولة. وأن ينص في الدستور علي أن يجمد رئيس الجمهورية نشاطه الحزبي بمجرد توليه السلطة.
يجب أن ينص علي خضوع رئيس الجمهورية للمساءلة. كما يجب الفصل بين عضوية المجلس النيابي وعضوية السلطة التنفيذية.مجلس الشوري ليس له اختصاص تشريعي ومجلس واحد يكفينا في حالتنا الراهنة.وبالنسبة لحصة الـ50% (عمال وفلاحين) لا يوجد دستور في العالم ينص علي هذه النسبة، ومن ثم لابد من حذف هذا النص والانتخاب ببطاقة الرقم القومي أثبت نجاحه وأكثر عدالة. وسلطة مراقبة البرلمان علي الحكومة تظل موجودة. وأن اصلاح الحياة السياسية والاجتماعية لا يتحقق بمجرد وضع نصوص دستورية وقانونية وانما يكتمل بالممارسة الصادقة لجميع سلطات الدولة.
ثم شهد السيمنار لقاء ثريا آخر أنصت له الحاضرون - رجائي عطية - فموقفه السياسي معروف فهو مع الثورة، لكن مع الضوابط واستمرار القيم الاخلاقية التي درجنا عليها ومع المساءلات في اطار القانون والاحترام وعدم المصادرة علي أي مرشح طالما نحتكم في النهاية إلي الناخبين وكل المشاكل التي ظهرت يمكن معالجتها طالما هناك تناغم بين إدارة القائمين عليها وبين الشعب. والشعب صامت يراقب ما يجري.
ونبه رجائي عطية المتناقشين وافراد المجتمع المصري من ظاهرة اطلاق لفط المستشار وأكد أنه لم يكن مستشارا مع أن الدولة حرمت المستشارين في تعديل القانون في السلطة القضائية من لقب المستشار حرصا علي عدم اختلاط الأوراق والتمسح بمن لا يجوز تمسحهم بهذا اللقب الرفيع فنصت علي تعديل علي أن الكل قاض ومن ثم حرم المستشارون من لقبهم الرفيع، وغير المستشارين هم المستشارون وهذه قمة المأساة.
الدستور المصري القادم أو المنشود تاريخ الانقاذ والتغيير والنهضة، وهذا يستدعي أن نحلق في الدساتير السابقة، وهل نحن مستعدون لوضع دستور يستوعب القيام بوضع هذه الأماني الوطنية أم لا ؟ ولا يمكن أن نعرض لهذه المسألة دون أن نتعرض للموقف الذي نحن فيه.
في 3 إبريل 1922، شكل عبد الخالق ثروت باشا رئيس الوزراء لجنة لوضع دستور 1923وضمت اللجنة أسماء رفيعة: حسين باشا رشدي المحامي وتقلد الوزارة عدة مرات وأحد أعلام مصر. وأحمد حشمت باشا نائبا لرئيس اللجنة والقانوني الكبير وأحد الرموز المصرية. محمد توفيق رفعت باشا من كبار رجال القانون . وعبد الفتاح يحيي رئيس الوزراء . واسماعيل باشا أباظة. وعبد العزيز باشا فهمي. والدكتور علي ماهر باشا الذي ترأس الوزارة عدة مرات وتولي رئاسة الديوان الملكي عدة مرات، وتخرج علي يديه فطاحل رجال القانون. ومحمود بك أبو النصر الذي كان نائبا عاما. وإلي جوارهم عبدالحميد بك بدوي. وإبراهيم هلباوي أول نقيب للمحامين وحسن باشا عبدالرازق واليهودي قطاوي. والشيخ عبدالحميد البكري والشيخ محمد بخيت ومن الأقباط قلليني فهمي باشا وإلياس عوض باشا.
نحن مقدمون علي ما لا يمكن أن يفرز دستورا يتسع لهذه الآمال التي ترجو الندوة أن يتم تحقيقها في الإنقاذ والتغيير والنهضة.
ولو نظرنا إلي ما سمي بالجمعية التأسيسية لإعداد الدستور طبقا للمادة 60 فسنجد خلوها من قامات كبيرة في الفقه الدستوري مثل ثروت بدوي، يحي الجمل، أحمد كمال أبو المجد، إبراهيم درويش، مصطفي أبوزيد فهمي، وآخرين. لكن اللجنة ضمت تلميذا في سنة أولي كلية طب الأسنان وقيل انه تمثيل نوعي، التمثيل لابد أن يسبقه شرط أساسي الكفاءة والعلم والمقدرة. هل نحن مقدمون علي تأسيس دستور حقيقي أم نحن في عبث؟ شباب الثورة فجروا الثورة واطلقوا الشرارة، انضم إليها الشعب المصري، وهذا هو سبب نجاح الثورة.
إن اختيار أو تشكيل الجمعية التأسيسية المنوط بها إعداد الدستور لابسته السياسة والانحياز الحزبي الضيق، حاله كون مجلسي الشعب والشوري، بأغلبيتهما الإسلامية والسياسية، قد استحوذت استحواذا ضخما وموثرا علي تشكيل الجمعية، ومن عناصر معظمها يتفق مع ميولهما السياسية والحزبية. وتهميش باقي الأطياف الوطنية.
أولا: خلت الجمعية من قامات كبيرة في الفقه الدستوري.
ثانيا: نتيجة الاستقواء بالأغلبية، وفرض منظورها وتحكمها، احتكم المحتكمون إلي ظاهر تمثيل طوائف الشعب متناسين أن هذا التمثيل يجب أن يسبقه الأهلية والصلاحية من علم وخبرة وكفاءة وقدرة علي المشاركة في هذه المهمة الدقيقة الكبري، باعتباره شرطا أساسيا يسبق ويجب أن يسترشد به التمثيل النسبي وإلا فقد الاختيار شرعية الصلاحية لهذه المهمة.
ثالثا: ما تم فرضه في تشكيل الجمعية التأسيسية لاعداد الدستور عائق خطير لا ينبغي تجاوزه أو تسطيحه. يحول دون تحقيق هدف الشعب في دستور للانقاذ والتغيير والنهضة. ولعل المقدمات التي صاحبت الأداء في مجلس الشعب الذي ينهض بالسلطة التشريعية، تؤكد جدية هذه المخاوف:
1- الإصرار علي تغيير صيغة اليمين القانونية، رغم مرجعيتها الدستورية وأثرها علي بطلان اليمين.
2- رفع الأذان تحت القبة اثناء انعقاد المجلس.
3- الخلط والتخليط في مبدأ دستوري مستقر منذ مئات السنين، بعدم احترام مبدأ الفصل بين السلطات والتدخل في السلطة القضائية علي حد طرح عزل النائب العام. وامتد التخليط إلي الخلط بين حق المجلس التشريعي في رقابة اعمال السلطة التنفيذية وبين احلال السلطة التشريعية نفسها محل السلطة التنفيذية في ادارة عملها.
4 - استغلال الصفة البرلمانية في طرح خطاب بعيد عن التقاليد البرلمانية والوطنية.
5 - تراخي الأغلبية المتحكمة في مجلس الشعب في اتخاذ الموقف السريع الواجب والواضحة اسبابه إزاء نائب استحل أن يكذب علي الأمة المصرية ويختلق حادثة تعد عليه.
إن أداء المجلس صدم الشارع حتي البسطاء منه وقد انعكس ذلك علي اختيار الجمعية التأسيسية لاعداد الدستور.
رابعا: لعل سلطات رئيس الجمهورية، إحدي التحديات الكبري المطلوب تصدي الدستور القادم لها.
وتناول رجائي عطية المأمول في الدستور القادم بأن ما كان وأدي إلي ثورة يناير، وما تتطلع إليه الأمة من علاج وتغيير ونهضة، يضع في المقدمة النظام الدستوري الأصلح للوطن والأنسب والأوفق لتحقيق طموحات الأمة وفي مقدمتها تلافي الاستبداد الذي شاع في الحقبة السابقة اعتمادا علي السلطات والصلاحيات الواسعة المعطاة لرئيس الجمهورية في دستور 1971.
أولا: النظام الدستوري القادم : حمل دستور 1971، حزمة كبيرة من سلطات واسعة أعطاها لرئيس الجمهورية، فهو رئيس الدولة ( م / 73 ) 0 وهو الذي يتولي السلطة التنفيذية التي يقف علي رأسها ( م / 137 )، ومدة رئاسته 6 سنوات قابلة للإعادة لمدد أخري بلا حد ( م / 77 ) وهو الذي إليه بالاشتراك مع مجلس الوزراء الذي يتبعه وضع السياسية العامة للدولة، ويشرف علي تنفيذها، وله إن أراد فمطلق الأمر إليه تبعا للمادة / 139 أن يعين نائبا أو نوابا له، وهو الذي يحدد اختصاصاتهم وله أن يعفيهم من مناصبهم ،وله بمقتضي التخيير الذي جاء بالنص ألا يعين أحدا في هذا الموقع، وهو ما جري علي مدي ثلاثين عاما، وهو الذي يعين رئيس مجلس الوزراء ويعفيه من منصبه وكذا نوابه والوزراء ونوابهم
(م/ 141)، بالاضافة إلي صلاحيات كثيرة جدا. وهذه السلطات الواسعة تجاوزت في كثير من المواضع سلطات الرئيس في الولايات المتحدة الامريكية التي يمثل نظامها النموذج الأول والأوسع للنظام الرئاسي، وترتب علي تراكماتها اختلال التوازن بين السلطات في مصر لصالح السلطة التنفيذية بعامة ورئيس الجمهورية بخاصة، فصارت كل السلطات مردودة إليه، وبرغم هذا الاتساع الهائل في السلطات المقررة له، لم يجد الدستور بأسا من أن يسرب بين نصوصه أن رئيس الجمهورية هو بمثابة الحكم بين السلطات ( م/ 73 ).
وعلي إثر نجاح ثورة 25 يناير 2011، وتخلي الرئيس السابق مكرها عن موقعه، وتولي المجلس الأعلي للقوات المسلحة إدارة البلاد فيما أعتقد أنه كان تعبيرا عن الشرعية الثورية أكثر من أن يكون مستمدا من قرار للرئيس السابق لا يملكه بحكم الدستور، فضلا عن أن إعلانه جاء مع تخليه الإجباري عن منصبه، فإن المجلس الأعلي للقوات المسلحة أعلن تعطيل هذا الدستور الذي كانت عيوبه والرتوق العديدة التي جرت عليه والعبث بمواده عبثا مخلا سببا رئيسيا في اختلال الأمور وانفلات الأوضاع انفلاتا عم كل شيء، ووصل إلي مداه في مشروع التوريث الذي طفق يجري إلي غايته غير عابئ بالاعتراضات المبداة والمكتومة، وفي التزوير لانتخابات مجلس الشعب الأخيرة التي خرج تزويرها عن كل الحدود التي كانت تستر عورات التزوير في الانتخابات السابقة. ومن ثم فقد قرر المجلس الأعلي للقوات المسلحة قراره بتشكيل لجنة لتعديل المواد الأكثر إلحاحا في وجوب تغييرها حتي لا تتعقد الأمور تعقيدا يوقف المسيرة ويصادر علي أي مساع للإصلاح، وانتهت اللجنة من عملها بوضع مشروع بتعديل ثماني مواد.
وعرضت هذه المواد المعدلة علي الاستفتاء الشعبي في 19مارس 2011، فأقرها الشعب بأغلبية ناهزت 80% من عدد الأصوات الصحيحة. ثم ارتأي المجلس الأعلي للقوات المسلحة لدي التحفظات التي أثيرت وفحواها أن إصدار هذا التعديل يعني ضمنا عودة دستور 1971 المعطل إلي الحياة مع ما فيه من مطاعن شديدة لا تزال علي حالها في السلطات الواسعة جدا المقررة لرئيس الجمهورية بصورة جاوزت أصرخ نظم الجمهوريات الرئاسية، ومن ثم أصدر المجلس الأعلي للقوات المسلحة في 30 مارس 2012 الإعلان الدستوري كحل موقت إلي أن يتم وضع الدستور الذي سوف تعده الهيئة التأسيسية في استفتاء شعبي هو وحده الذي يضفي عليه مشروعية الوجود.
ما صلاحيات رئيس الحمهورية الآن؟
لم يتضمن الإعلان الدستوري الصادر 30 مارس 2011 فيما عدا شروط الرئيس واجراءات الترشيح ومدة الرئاسة وعدم جواز تجددها إلا لمرة واحدة أخري ووجوب تعيين نائب أو نواب للرئيس لم يتضمن أي مواد تحدد صلاحيات وسلطات رئيس الجمهورية الذي يبدو أن الإعلان الدستوري لم يجد حاجة إلي تقريرها لعدم وجود رئيس في الفترة الانتقالية تاركا تحديد هذه الصلاحيات للدستور الجديد المزمع وضع مشروعه والاستفتاء عليه ومؤدي هذا أن انتخابات الرئيس القادم تجري غير مقترنة بصلاحياته وسلطاته، وأنها سوف تبقي شاغرة بلا تحديد فيما يشبه الصك علي بياض لحين وضع مشروع الدستور الجديد وإقراره في الاستفتاء الشعي فهل هذا الصك علي بياض ممنوح للرئيس ليفعل ما يشاء إن سبقت ولايته ولو بأيام إقرار الدستور الجديد، أم أن هذا الصك علي بياض هو للشعب فيما سوف يقره في الدستور المزمع من مبادئ وصلاحيات وسلطات سوف تحكم وتلزم الرئيس القادم.
في اعتقادي أن الصك علي بياض . مقرر للشعب وما يراه في دستوره الجديد، وفي اعتقادي أيضا أن التقدم للترشح لمنصب الرئيس إيجاب صريح هو بمثابة إقرار علي بياض يقر فيه كل مرشح بأنه يرتضي ويقبل مقدما ويلتزم بما سوف يقره الشعب في الدستور الجديد القادم، سواء بشأن صلاحيات وسلطات رئيس الجمهورية، أم ما سوف يتضمنه من مبادئ وأحكام، بل إن القسم الذي أقسمه أعضاء مجلس الشعب الجديد باحترام الدستور إنما ينصرف أيضا إلي الدستور القادم، ويظل هذا الالتزام قائما في حق من يقسم اليمين رئيسا للجمهورية كان أم عضوا بالبرلمان، ليشمل ما عساه يطرأ من دساتير جديدة أو تعديلات علي الدستور القادم، باعتبار أن القسم ينصرف إلي الدستور الساري في أي وقت تمتد إليه عضوية البرلمان أو شغل منصب رئيس الجمهورية.
وحول نظام رئاسي أم برلماني أم خليط قال رجائي عطية إن الحديث يطول حول القضايا المثارة حول قوام الدستور الجديد. ولكني أريد أن اتناول ما يخص صلاحيات وسلطات رئيس الجمهورية، باعتبار أن هذا الباب هو الذي جاءت منه كل الرياح المعاكسة. ومن المعروف أن الجدل قديم بين فقهاء الدساتير وعلماء القانون ورجال الفكر والسياسة حول أنسب النظم الجمهورية. هل الرئاسية، أم البرلمانية، أم مزيج بقدر أو بآخر من النظامين لتلافي عيوب كل منهما والأخذ بأحسن ما فيه بما يوافق ويناسب الدولة والشعب.
وقد استمر الجدل حول أفضلية النظامين، فرأيناه في مقدمات وضع أي دستور من الدساتير التي تعاقبت علي مصر بعد إلغاء دستور 1923، ورأي البعض أن النظام الرئاسي يكفل ميزة جوهرية هي استقرار السلطة التنفيذية وثباتها مدة كافية من الزمن. ونعي عليه البعض أنه يؤدي إلي الديكتاتورية والاستبداد، وفي المقابل أخذ علي النظام البرلماني ما يلابسه من تطاحن حزبي وإدارة مناورات قد تكون غير رشيدة مع السلطة التنفيذية وربما لتحقيق أغراض حزبية. وقيل لرأب مثالب النظام البرلماني إنه لا بد له من ضمانات ليستقر أمره، أولاها كفالة استقرار السلطة التنفيذية، وثانيها كفالة استقرار السلطة التشريعية، وثالثها كفالة مبدأ سيادة الدستور وسيادة القانون.
علي أنه منذ يوليو 1952، مال النظام الدستوري المصري نحو النظام الرئاسي، ورأينا صورته الصارخة ومثالبه التي شابت دستور 1971، الأمر الذي لعله يوجب الجمع في الدستور الجديد القادم بين ملامح النظامين الرئاسي والبرلماني، بما يتفق ويناسب ظروف الوطن، ويتلافي عيوب كل من النظامين، ويستفيد بإيجابياته، لنضمن لمصر دستورا يقيم توازنا حقيقيا ومكفولا بين السلطات، لا تتغول فيه سلطة علي السلطات الأخري، ولا يمنح رئيس الجمهورية نفسه سلطات وصلاحيات تمكنه من الانفراد بالحكم والاستبداد به من خلال هيمنته الكاملة علي السلطة التنفيذية. وإضعاف باقي السلطات والتسلل إليها بواسطة الصلاحيات والسلطات العديدة الواسعة المقررة له علي نحو ما رأينا بدستور 1971 ودلت عليه التجربة التي انتهت بانفجار ثورة يناير 2011. ثم تناول رجائي عطية بعض غايات الدستور وما قد يعترضها من عقبات، فهناك قضايا عديدة حاضرة بشدة من المتوقع أن يدور حولها النقاش ويطول الجدال سواء في مبدأ المواطنة وحدوده وأسسه وضوابطه، وفيما يثار من أفكار عديدة حول المادة الثانية من دستور 1971، ولا مراء في أن البت في هذه المسائل المحورية، سوف يكون له مردود إيجابي أو سلبي علي مطالب الإنقاذ والتغيير والنهضة في الدستور المنشود.
ومن المسائل التي يمكن أن تكون مطروحة بشدة في هذا الإطار وما حوله من المبادئ الدستورية العامة التي سوف تعتنقها الجمعية التأسيسية لاعداد الدستور وما يتعلق بالمفاهيم المتحكمة في اتاحة السياحة كمصدر مهم جدا للدخل القومي أم مصادرتها أو تقليصها.
واختتم حديثه بالقول بأن الحديث عن مطالب الإنقاذ والتغيير والنهضة، يشير إلي أن هذه الغايات المشروعة الواجبة التي تعتنقها الأمة، قد بات مهددا بكثير من العوائق بل وحوائط الصد وأرجو أن يخيب ظني. وأن نستطيع تجاوز ما يعترضنا ويعترض هذه المهمة الكبري من عوارض تمثل تحديا حقيقيا لما ينبغي توفيره في دستور يعبر عن مجمل الأمة، ويكفل مسيرة الوطن في أمان وسلامة وازدهار إلي ما نصبو إليه في السنوات القادمة.
د. سلطان أبوعلي: كثير مما يجري علي أرض مصر حاليا عبثي، ونحن نعاني حتي الآن من سوء إدارة الدولة اقتصاديا وسياسيا. والدستور يجب أن ينص علي ثوابت للمجتمع ولا يتعرض للمسائل القابلة للتغيير فالسياسة الاقتصادية تغيرت ولا يصح أن نضع في الدستور تفصيلا لهذه السياسات ومن ثم نري أن ينص في الدستور علي اتباع السياسات الاقتصادية الملائمة. أو أن ننص في الدستور علي الحدين الأدني والأقصي للأجور، بل علي عدالة توزيع الدخل وتقليل الفوارق. ولا يجب أن ننص علي مسائل قد تدفعنا إلي كسرها مثل النص الموجود في الدستور الحالي علي أن الذي يقود عملية التنمية الاقتصادية هو القطاع العام ثم نقوم ببيعه، وهذه مخالفة دستورية. أي لابد أن ينص الدستور علي مسائل عامة ولا يجب أن يدخل في التفاصيل. ويجب أن ينص علي الثوابت الأساسية بالنسبة للمجتمع وعلي الحقوق الأساسية للإنسان (الحق في التعبير، الحق في الاجتماع، الحق في المواطنة ،أي كل المواطنين سواء بغض النظر عن الدين والجنس.
نحن في مصر نطالب بحقوقنا ولا نذكر واجباتنا ومن ثم يجب النص علي الواجبات العامة الأساسية حتي يعلم الإنسان أن الحق يقابله واجب، وهذ هو السبيل إلي التقدم وبالنسبة إلي النظام السياسي، لابد أن نكون واضحين ولا نريد أن نخلق دكتاتورا جديدا، ولابد أن ننص علي أن النظام السياسي هو النظام الديمقراطي البرلماني، ومن ثم تكون سلطات رئيس الجمهورية محدودة ومدة رئاسته محددة. والنقطة الأخري هي المتعلقة بالنظام الاقتصادي، وفي ضوء التجارب المختلفة أود أن ينص الدستور علي أن النظام الاقتصادي هو نظام السوق الاجتماعي.
د. إبراهيم بدران :أنا لست ضد الشباب ولكن الشباب الذي قام بالثورة عليه أن يؤمن بأن هناك سكانا آخرين في مصر في سن أكبر منه، فهم ينقصهم الرؤية والتجربة والكفاءة. والشعب المصري بحجمه الحالي 90 مليونا ثم سيصل إلي 150 مليونا ليس في استطاعته تحمل تجارب جديدة، فالتجربة ستكون خرابا وضياعا . إننا لم نتطرق إلي الحق في مستوي الحياة، هو حق اجتماعي، تناولنا كثيرا حقوق الفرد ولم نتناول حقوق المجتمع. هيبة الدولة، في أول اجتماع لمجلس الشعب لعنوا رئيس الوزراء والاحترام مرتبط بالسلطة وهنا ضياع للهيبة وليس المطالبة بالحرية. هل الأمية تسمح بحرية الانتخاب. حق التصويت لابد أن يرتبط بالقراءة والكتابة. السوق الاجتماعي، توني بلير عندما رشح نفسه أمام مارجريت تاتشر كانت تقف خلفه جمعية تضم العديد من حملة الدكتوراه وهذه الجمعية وضعت له منظومة جديدة بين الرأسمالية والاشتراكية تحت اسم الطريق الثالث. يستفيد الفرد والشعب والحكم من مزايا الاشتراكية في المجتمع ومزايا الرأسمالية في الإنتاج والثروة.
محمود عبدالحي: كنت اتمني أن يأتي السيمنار في اتجاه البناء بحيث يكون لنا تصور في ما يجب أن يشمله الدستور بالتحديد وليس علي سبيل التفصيل.
الدستور يقر مبادئ عامة ثم تفصل بالقوانين، وكان يجب أن توضع كافة الملاحظات حول اللجنة التأسيسية أمام متخذي القرار وأن يكون هناك اصرار عليها بحيث يأتي تشكيل اللجنة سليما. ولابد أن يتكاتف كل المثقفين والنخبة علي تحديد الطريق الذي يجب أن نسير عليه ويقع العبء عليهم في شرح بنود الدستور ولا يجب أن نزيف العقل المصري بشعارات لا تساعد علي التقدم. ورجائي عطية من افضل المصريين في اجراء حوار جاد مع الاسلاميين لتصويب بعض من افكارهم.
د.ابراهيم العيسوي :الثورة مستمرة، ضرورة التأني في وضع الدستور، انطلق من ثلاث دراسات أعددتها ومن دراسة مقارنة ببعض الدول، حيث إن الأبواب الأربعة الأولي تحتاج إلي إعادة نظر ليس للحذف ولكن هناك حقوقا لم يرد ذكرها، أو وردت علي سبيل الإجمال أو احيلت إلي القانون لينظمها. ليس من المعقول في المادة 6 أن الجنسية المصرية ينظمها القانون وكان لابد من وضع مبادئ لتنظيمها. والاتجاه الحديث في وضع الدساتير التي اهتمت بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية ومن ابرزها دستور البرازيل تعطي مساحة كبيرة للحقوق الاقتصادية وبه باب كامل عن النظام الاجتماعي وبالتالي لا يجب أن نتخلف عما حدث في دول أخري. وهناك عدد من القضايا ليس من السهل حسمها بالسرعة المطلوبة، وإذا تسرعنا في اصداره فسنلجأ إلي تعديلات أخري وهذا يناقض فكرة الثبات النسبي للدستور. وأن يكون هناك فرصة للحوار المجتمعي حول الدستور.
النظام الاقتصادي يجب أن نتفادي النص علي نظام اقتصادي بعينه في الدستور. وأنا أقترح بأن النظام الاقتصادي يجب أن يقوم علي التنمية الشاملة العادلة والمستدامة المرتكزة علي تطوير القدرات العلمية والتكنولوجية والتي تستهدف اشباع الحاجات الأساسية الإنسانية للمصريين وضمان مستوي معيشي كريم لهم من خلال زيادة الإنتاج وكفاءة التشغيل وتشجيع المنافسة ومنع الاحتكار وتحقيق العدالة الاجتماعية وكفالة الأشكال المختلفة للملكية العامة والخاصة والتعاونية وضمان المحافظة علي حقوق العمال والمستهلكين وحماية البيئة وتعزيز السيادة الوطنية.
أنا مع نظام الجمهورية البرلمانية ويجب أن نقوم بتوعية الناس بهذا خاصة أن هناك حنينا في الشارع المصري إلي الرئيس المنقذ. ولا يجب تقسيم السلطة بين فرد وهيئات. فالنظام الرئاسي والمختلط لا يعد له مكان عندنا . وأنا مع برلمان منتخب بالكامل وليس هناك حاجة لمجلس الشوري حيث نسبة المصوتين لم تتجاوز 7%. وترشيد الإنفاق. وأن نعمل نظام يضم كافة الفئات المختلفة. وأن يكون هناك نصاب قانوني للانتخاب فلا يصح تشكيل مجلس الشوري بـ7%.
د. خضر أبوقورة: نحن نعيش فقرا في الفكر والثقافة والاجتماع والسياسة .الخليفة الراشد الذي لا يزايد عليه أحد قال الفكر حيث صالح الناس هو الشرع وهو الفقه . نحن في حاجة إلي التوافق بعيدا عن التراشق بصرف النظر عن الاغلبيات الحالية. أغلبيات اليوم أقليات الغ. وفي النصف قرن الأخير هناك 17 دولة أنشأت دساتير جديدة رجعوا لأمهات الأصول في هذا الإطار لكننا ندور في الجزئيات. هناك مقالة أجنبية تقول من أصحاب إعاقة تحويل الثورة إلي نهضة؟ الولايات المتحدة، ثم اسرائيل فالمنتفعون والمستفيدون من النظام السابق.
نحن في حاجة ماسة إلي الاستفادة من تراكم اخطائنا خلال الخمسة عشر شهرا الماضية، ويمكن القول إن مصر ليست ملكا لأحد لا للحزب الوطني ولا لأي حزب من بعده. مصر ملك لشعب عمره سبعة آلاف سنة علم العالم الحرية والعدالة والديمقراطية والكرامة. والسقوط المدوي السريع للجنة التأسيسية ينبغي أن يكون عبرة ورسالة لمن يهمه الأمر. وسأل الخليفة عمر بن الخطاب لماذا أرسلت عمرو بن العاص لمصر، وهناك من هو أفقه وأعلم منه؟ فأجاب أن أهل مصر شعب أصحاب ذكاء ودهاء ونعمة وفضل يحتاجون إلي حنكة وخبرة عمرو بن العاص ولا نبعث المتدين أو الفقيه